موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لقد كانت خسارة مروعة فقدان أبٍ مثل أبي! لم أكن قد بلغت الثانية من عمري بعد، عندما أصيب والدي فرانشيسكو بالمرض فجأة. كان عائداً من العمل وهو يتصبب عرقًا، وكان من الحماقة أن ينزل إلى القبو الرطب والبارد، ولكن أبي لم يوفر أي جهدٍ لمساعدة أمي والاعتناء بنا. فأصابته حمى شديدة جدًا وسرعان ما تحولت إلى التهاب رئوي حاد. لم يكن الطب متقدماً كأيامكم أنتم! حاول الطبيب تجربة كل علاج، ولكن باءت محاولاته كلها عبثًا. وفي غضون أيام قليلة، استفحل المرض فيه، فالأدوية لم تكن قادرة على إيقاف زحفه وإطفاء الغليان في جسده. أتذكر فقط أنني كنت صغيرًا حينها، وأنا أرى جسده بلا حراك على السرير، ووجهه هادئ وشاحب، ويداه متشابكتان وبينهما مسبحته الوردية.
كان الناس يحاولون إبعادي عنه، ولكني كنت متشبثًا بسريره، وظللت أكرر: "إذا لم يأتِ أبي، فلن أتزعزع!". قالت لي أمي الطيبة وهي بالكاد تحبس دموعها: "هيا يا صغيري، لم يعد لديك أبٌ"؛ "أصبحت يتيمًا". لم أنسَ أبدًا هذه العبارة. كنت أصغر من أن أفهم خطورة تلك الساعة. كنت أبكي لأنني كنت أرى الجميع يبكون.
وعندما أصبحت كاهنًا، بدأت في رعاية العديد من الأولاد الأيتام والاعتناء بهم، كنت أحاول جاهدًا أن أكون أبًا حقيقيًا لهم. كثيرًا ما كنت أدعو الأولاد والشبان "أبنائي".
في السنوات الأخيرة من حياتي، كان هناك لقاء مع العديد من الخريجين. عندما سألني أحدهم، وكان كاهنًا من أبرشية تورينو ذو مركز مرموق: "لقد تلقينا الكثير منك يا عزيزي دون بوسكو؛ كيف يمكنني أن أعرب عن شكري لك؟"، أجبته ببساطة: "ادعوني “أب” وسأكون سعيدًا". لقد كان هذا هدفي، وهكذا أريد أن تتذكروني!
الزوادة: أهمية الدور الأبوي في تكوين شخصية الأبناء
إنّ فقدان الأب يُعد من التجارب القاسية التي يمكن أن تؤثر بشكل كبير على حياة الأبناء. وهناك نوعان من الفقدان، الفقدان الجسدي (الموت، الترك) والفقدان المعنوي (أن يكون الأب موجودًا ولكن ليس حاضرًا) وهذا أخطر على الصعيد العاطفي والنفسي والأجتماعي.
عندما يفقد الطفل والده، يواجه تحديات نفسية تتطلب تكيفًا عميقًا. الأمان العاطفي الذي يوفره وجود الأب يلعب دورًا حاسمًا في نمو الطفل. الأطفال الذين يشعرون بالأمان والرعاية من قِبَل آبائهم غالبًا ما يكونون أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر قدرة على مواجهة التحديات.
إنَّ دور الأب لا يقتصر فقط على توفير الاحتياجات المادية، بل يمتد ليشمل الدعم العاطفي والنصح التربوي. الأب هو القدوة التي ينظر إليها الطفل، وهو من يقدم الدعم والنصيحة والتوجيه. هكذا يتعلم الطفل كيف يكون واثقًا ومستقلًا.
خبرة دون بوسكو في فقدان والده لم تتحوّل إلى عقدة إنما أصبحت دافعًا ودعوة لأن يكون أبًا حقيقيًا لأبنائه الذين رعاهم. هذا يظهر كيف يمكن للتحديات القاسية أن تكون دافعًا لإحداث تغيير إيجابي في الحياة.
إنَّ التربية الأبوية ليست مجرد مهمة يقوم به الأب، بل هي علاقة تفاعلية تُبنى على الثقة والمحبة والدعم. عندما يشارك الأب في حياة أطفاله بفعالية، يساهم في بناء شخصيات قوية ومستقلة قادرة على مواجهة الحياة بثقة وبأمان وسلام إلى جانب تذوق الحياة.