موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عيد سيّدة فلسطين، بين وجع كنيسة حمود ورجاء الأرض المقدّسة، يبقى السؤال: كيف نمنع الكراهية من أن تنتصر على إنسانيتنا؟
هناك لحظات يعجز فيها الكلام عن حمل الوجع، لا لأن الكلمات قليلة، بل لأن ما حدث أكبر من أن يُختصر في خبر، وأعمق من أن تُعالجه عبارات التعزية المعتادة.
في كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بالكرك، كان الناس مجتمعين لتشييع جنازة، يؤدّون واجب المحبة والوفاء، ويرافقون فقيدًا إلى مثواه الأخير. كانت لحظة يفترض أن تجمع القلوب حول ألم الفراق، وأن تذكّرنا بهشاشة الحياة وقداستها. لكن الرصاص اقتحم المشهد، فتحوّل الوداع إلى مأساة، وسقط ضحايا وجرحى، وبقيت عائلات أمام وجع لا تستطيع الكلمات أن تواسيه بسهولة.
أيّ قسوة هذه التي تجعل جنازةً مكانًا لإطلاق النار؟ وأيّ ظلام يمكن أن يستولي على القلب حتى يفقد صاحبه القدرة على رؤية الإنسان في الإنسان، وحرمة الموتى، ودموع الأمهات، وخوف الأطفال، وحقّ الناس في أن يودّعوا أحبّاءهم بسلام؟
لسنا أمام حادثة أمنية فحسب، بل أمام جرح أصاب الضمير الإنساني، وامتحان لقيمة العيش المشترك. فحين يُستهدف الإنسان بالعنف، تُمسّ كرامة الوطن كلّه، وحين يُقتحم الحزن بالرصاص، يصبح السؤال أكبر من هوية الضحايا: أيّ مجتمع نريد أن نكون، وأيّ قيم نريد أن نورّثها لأبنائنا؟
حين يُطلَق الرصاص على إنسان في لحظة وداع، لا تُصاب الأجساد وحدها؛ بل تُستهدف قدرتنا على أن نعيش معًا، وأن نحزن معًا، وأن نحترم قداسة الإنسان.
إنّ الجواب عن هذا الجرح لا يكون بتعميم الاتهام، ولا بإشعال الكراهية، ولا بتحويل الألم إلى دعوة للانتقام. الجواب يكون بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين أمام القضاء، وحماية المواطنين ودور العبادة، ورفض كلّ فكر يبرّر العنف أو يمنح الكراهية ثوبًا دينيًّا أو أخلاقيًّا.
لا يجوز أن يتحوّل الصمت إلى تواطؤ، كما لا يجوز أن يتحوّل الألم إلى انتقام. نحن بحاجة إلى عدالة لا تشفّيًا، ومحاسبة لا ظلمًا، وأخوّة لا تكتفي بالشعارات، بل تظهر حين يصبح الآخر مهدّدًا ويحتاج إلى أن يشعر بأن كرامته مصونة، وأن الوطن وطنه.
سيّدة فلسطين… رجاء لا ينكر الجراح
يأتي هذا الوجع فيما تحتفل الكنيسة بعيد مريم العذراء، سيّدة فلسطين وسائر الأرض المقدّسة، شفيعة هذه الأرض التي عرفت الألم، وما زالت تتوق إلى سلام يليق بكرامة أبنائها.
أيّ معنى نحمله إلى مريم في مثل هذه اللحظات؟
لا نذهب إليها لأننا نملك أجوبة سهلة، ولا لأن الإيمان يعفينا من البكاء، بل لأننا نؤمن بأن الله لا يترك الإنسان وحيدًا في ألمه، وأن الرجاء المسيحي ليس إنكارًا للواقع، بل رفضٌ لأن يكون الألم هو الكلمة الأخيرة.
في إنجيل العيد، تنشد مريم: «تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفسي، وتَبتَهِجُ روحي باللهِ مُخَلِّصي» (لوقا 1: 46-47). لم يكن نشيد مريم إنكارًا لآلام العالم، بل إعلان ثقة بالله الذي لا يتخلّى عن الإنسان. لقد آمنت بأن رحمته أقوى من الظلم، وأن أمانته لا تسقط أمام المحن. وفي هذا الإيمان نجد دعوة لنا: أن نعترف بالشرّ من دون أن نستسلم له، وأن نحزن من دون أن نصبح أسرى للكراهية، وأن نطالب بالعدالة من دون أن نفقد إنسانيتنا.
وفي صورة المرأة المتسربلة بالشمس التي تواجه التنين في سفر الرؤيا، نرى صراع الحياة مع قوى الشرّ، والرجاء مع التهديد. فالشرّ حاضر، والألم حقيقي، لكنّه ليس الكلمة الأخيرة.
لا يكفي أن نطلب من مريم أن تحمي أرضنا؛ علينا أن نتعلّم منها كيف نحمي الإنسان في هذه الأرض. إنّ تكريم سيّدة فلسطين لا يكتمل بالأناشيد والصلوات وحدها، بل حين نصون حياة الإنسان، وندافع عن المظلوم، ونقف إلى جانب المتألّم، ونرفض كلّ ما يمزّق الأخوّة بين البشر. فالإيمان الذي لا يتحوّل إلى رحمة وخدمة وشجاعة في الدفاع عن كرامة الإنسان يبقى إيمانًا لم يُترجم بعد إلى حياة.
الأردن وطن الأخوّة والكرامة
إنّ ما حدث في حمود لا يجوز أن يُترك للغضب وحده، ولا أن يُختزل في بيانات الإدانة، مهما كانت ضرورية. إنه يدعونا إلى التمسّك بما يجعل الأردن بيتًا لجميع أبنائه: المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام الأديان، وصون دور العبادة، ومواجهة الفكر المتطرّف، والتربية على قبول الآخر.
المسيحيون في الأردن ليسوا ضيوفًا على أرضهم، والمسلمون ليسوا غرباء عن تاريخها وهويتها. الجميع أبناء وطن واحد، تشاركوا عبر الأجيال في أفراحه وأحزانه، وفي بناء مجتمعه وخدمة أهله. وأيّ اعتداء يستهدف إنسانًا بسبب دينه أو هويته يمسّ مبدأ المواطنة وكرامة الوطن كله.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحوّل هذه الجريمة إلى اتهام جماعي للمسلمين، أو إلى حاجز جديد بين أبناء الوطن الواحد. المسؤولية تقع على مرتكبي الجريمة وكلّ من يثبت تورّطه فيها، لا على أتباع دين بأكمله. إنّ الأخوّة بين المسلمين والمسيحيين ليست مجرّد صورة جميلة نعرضها في المناسبات، بل مسؤولية يومية واختبار حقيقي، ولا سيّما عندما يتعرّض أحد أبناء الوطن للأذى.
لكنّ الأخوّة لا تعني التقليل من خطورة الجريمة، ولا مطالبة الضحايا بأن ينسوا جراحهم سريعًا. بل تعني الوقوف إلى جانبهم، والمطالبة بالحقيقة والعدالة، ومنع العنف من تحقيق غايته في زرع الخوف والفرقة.
إيمان يتحوّل إلى مسؤولية
إنّ الكنيسة لا تستطيع أن تكتفي بالبكاء أمام المأساة، وإن كان البكاء حقًّا إنسانيًّا مقدّسًا. ولا تستطيع أن تفصل الصلاة عن مسؤوليتها تجاه الإنسان. فالصلاة الحقيقية لا تجعلنا نهرب من جراح العالم، بل تفتح أعيننا عليها، وتدفعنا إلى خدمة المتألّمين والدفاع عن كرامتهم.
أن نكون مسيحيين اليوم يعني أن نرفض العنف بوضوح، وأن نطالب بالعدالة بشجاعة، وأن نواسي العائلات المفجوعة، وأن نربّي أبناءنا على ألّا يختصروا الإنسان في دينه أو طائفته أو اختلافه.
ويعني أن نرفض خطاب الكراهية، حتى عندما يصدر عن أشخاص يشاركوننا الألم؛ لأن الكراهية لا تشفي الجرح، بل تنقله إلى قلوب أخرى. وأن نتمسّك بالمصالحة من دون أن نتنازل عن الحقيقة، وبالسلام من دون أن نتخلّى عن العدالة.
فالمسيح الذي نؤمن به لم يعلّمنا أن نتجاهل الشرّ، بل أن نواجهه من دون أن نصير مثله. ولم يجعل محبة القريب مشروطة بانتمائه إلينا، بل دعا إلى محبة تتجاوز الحواجز، وإلى رحمة لا تلغي الحقّ، بل تفتح الطريق أمام إنسانية جديدة.
والشهادة المسيحية في الأرض المقدّسة ليست في البقاء على هذه الأرض فحسب، بل في أن نحمل فيها أسلوب المسيح: أن نبني بدل أن نهدم، وأن نداوي بدل أن نجرح، وأن نقاوم الظلم من دون أن نظلم، وأن نحفظ الرجاء حتى عندما تكثر أسباب اليأس.
لا تجعلوا الموت آخر الكلام
في عيد سيّدة فلسطين، نرفع إلى الله عائلات الضحايا والجرحى، وكلّ إنسان يعيش الخوف، وكلّ أمّ ترتجف على أبنائها، وكلّ عائلة تحتاج إلى التعزية والرجاء. ونصلّي من أجل ظهور الحقيقة كاملة، وتحقيق العدالة، وحماية الأبرياء، كي تبقى الكنائس والمساجد وسائر أماكن العبادة بيوتًا للصلاة، لا ساحات للخوف والموت.
نصلّي من أجل الأردن، كي يخرج من هذه المحنة أكثر تمسّكًا بوحدة أبنائه وكرامتهم، ومن أجل فلسطين وسائر الأرض المقدّسة، كي لا تعتاد الأجيال مشاهد الألم، ولا يصبح الخوف قدرًا يوميًّا، ولا تتحوّل الكراهية إلى لغة مألوفة بين الناس.
يا سيّدة فلسطين، يا أمّ الأرض المقدّسة، كوني بقرب العائلات التي فقدت أحبّاءها، وبقرب الجرحى، وبقرب كلّ إنسان يخشى أن يكون اختلافه سببًا لاستهدافه. علّمينا أن نبقى أمناء للحقّ، وأن نطلب العدالة من دون انتقام، وأن نحفظ المحبة من دون أن نصمت عن الظلم.
إنّ حمود اليوم ليست مجرّد اسم قرية في خبر حزين؛ إنها نداء إلى ضميرنا جميعًا. نداء كي نراجع ما نعلّمه لأبنائنا، وما نقوله عن بعضنا بعضًا، وما نقبله من خطابات تحقّر الإنسان أو تبرّر العنف.
فليس السؤال فقط كيف وصل الرصاص إلى باب الكنيسة، بل كيف نمنع الكراهية من الوصول إلى قلوبنا، وكيف نجعل العدالة أقوى من الإفلات من العقاب، والتربية أقوى من التطرّف، والأخوّة أقوى من محاولات التفريق.
لن نكرّم الضحايا بأن نسمح للكراهية بأن تصنع ضحايا جددًا. سنكرّمهم بأن نطالب بالعدالة، ونحمي الإنسان، ونرفض العنف، ونتمسّك بوطن يتّسع لجميع أبنائه.
وفي عيد سيّدة فلسطين، يبقى رجاؤنا أن تكون هذه الأرض مكانًا يستطيع فيه كلّ إنسان أن يصلّي بأمان، وأن يودّع أحبّاءه بسلام، وأن يعيش من دون خوف بسبب إيمانه أو هويته. فهذا ليس امتيازًا تطلبه جماعة من أخرى، بل حقّ إنساني لا يجوز المساس به.
من حمود إلى فلسطين، ومن وجع العائلات المفجوعة إلى صلوات الكنيسة، يبقى إيماننا أن الظلام ليس قدرنا الأخير، وأن السلام ليس حلمًا ساذجًا، وأن كرامة الإنسان لا تسقط أمام رصاصة.
يا سيّدة فلسطين، صلّي لأجلنا، لكي لا تنتصر الكراهية على الأخوّة، ولا ينتصر الخوف على الرجاء، ولا ينتصر الموت على الحياة.