موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
"هوشعنا لابن داود! تَباركَ الآتي باسم الرّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!" (متى ٢١: ٩).
بهذا الهتاف النابع من القلب، رحّب الأطفال والمساكين والمرضى والضعفاء بيسوع. هؤلاء الناس المتواضعون، البسطاء والأتقياء، استقبلوا يسوع عند مشارف أورشليم، لا يريدون أن يكونوا متفرجين على الملك الآتي باسم الرّبّ، بل كانوا أناسًا ينتظرونه بفارغ الصبر، ليسيروا وراءه ويدعموا مبدأه ورسالته.
موكب يسوع هو موكب الخلاص. في هذا اليوم، يدخل الله إلى قلب الإنسان، إلى قلب كل إنسان، بتواضع وبساطة: "تعالوا إليَّ جميعًا أيها المرهقون والمتعبون، وأنا أريحكم. احملوا نيري، وتعلّموا مني، وتتلمذوا لي، فإني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا الراحة لنفوسكم" (متى ١١: ٢٨-٣٠).
في هذا اليوم الأغرّ، يأتينا الرب ويدخل قلوبنا برأفة وطيبة وحنية. يأتينا بنداء الخلاص الذي ننتظره، وليس بهتاف خلاص كاذب مزيّف كما نراه في أيامنا هذه. يأتينا حاملًا بين ثناياه الخلاص الحقيقي. الكثيرون اليوم يعدوننا بالخلاص، ولكن أي خلاص؟ فالذين يدعوننا للخلاص هم أنفسهم محتاجون إلى الخلاص. ولكن الحاجة دائمًا هي: "إلى واحد"، إلى يسوع المخلّص وفادي البشرية. هو فقط يدعونا إلى خلاص حقيقي، لا بل هو نفسه الخلاص، كما قال: "أنا الباب، فمن دخل مني يخلص" (يوحنا ١٠: ٩).
يسوع ملك السلام
نعم، يسوع هو ملك، ملك السلام. يدخل إلى أورشليم، المدينة التي إلى اليوم لم تعرف السلام. وموكب يسوع الجالس على الجحش لا يخيف أبدًا، لأنه لا وجود معه لجنود ولا لحراس ولا لدبابات ومدرعات، ولا لمن يحملون الأسلحة الفتاكة والصواريخ والقنابل، بل أطفال وشيوخ يحملون أغصان الزيتون وسعف النخيل، رمزًا للسلام والفرح. هذه هي علامات ملك الخلاص المتواضع والمسالم والمحب للبشر.
يسوع يريد رسلًا مبشّرين بالمحبة والسلام، لذلك لا يريد أن يسير في موكبه جنود وحراس ولا أي رمز من رموز الحماية الشخصية، بل يريد العميان والبرص والخرس والمجروحين والعشارين والمتألمين والمهمّشين. يريد كل من شفاه روحيًا وجسديًا، يريد كل إنسان فيه علّة، وخاصة الخطأة، ليسيروا معه في موكب الخلاص.
كثيرون كانوا على جانبي الطريق التي تؤدي إلى أورشليم، مدينة السلام، وكثيرون فرشوا الطرق بأرديتهم ورفعوا الأغصان وهتفوا للملك: "تَباركَ الآتي باسم الرّبّ". ولكن، ومع الأسف، من بين هؤلاء الأشخاص من تراجع وترك يسوع وحده يسير في طريق الآلام والعذاب. وآخرون رفعوا أصواتهم طالبين أن يُصلب (لوقا ٢٣: ٢٣)، وآخرون أنكروه، ولم يبقَ معه إلا العدد القليل الضعيف الذي لا يقوى إلا على البكاء بصمت.
جميعنا يخاف من الملوك والحكام والمسؤولين، فهم يتسلطون بحزم وعنف على البشر، وكثيرًا ما يعذبونهم ويضطهدونهم ظلمًا، ولا يكترثون إذا نام الكثيرون جائعين وعطشانين وليس لهم لقمة للعيش. لكن ملكنا يختلف تمامًا عن هؤلاء، فهو محب، لا يزعجنا بطلباته، بل يأتينا متواضعًا ويحمل همومنا وأوجاعنا ومخاوفنا، ويفهمنا ويغفر لنا خطايانا، وبكلمة واحدة يهتم ويعتني بنا: "أما أنا فقد أتيت لتكون الحياة للناس وتفيض فيهم" (يوحنا ١٠: ١٠).
تَباركَ الآتي باسم الرّبّ في قلوبنا
إذا أردنا اليوم أن نسير مع يسوع في موكب الشعانين، موكب التواضع والمحبة والسلام: "السلام أستودعكم، وسلامي أعطيكم" (يوحنا ١٤: ٢٧)، يجب علينا أن نستقبله بإيمان وحرارة، ليدخل أعماق قلوبنا، شافيًا لنا أمراضنا الروحية والجسدية، وجراحاتنا وعاهاتنا.
لكل واحد منا أورشليم خاصة به، وهي قلبه. ويسوع لا يزال إلى اليوم راكبًا الحمار، يبحث عنا وينتظر الدخول إلى أورشليم كل واحد منا، إلى قلبنا.
إلى جانب من سنقف اليوم؟
إلى جانب الأطفال المنشدين والمبتهجين والقائلين: "تَباركَ الآتي باسم الرّبّ"؟
أم إلى جانب الكتبة والفريسيين الغاضبين والقائلين: "اصلِبه، اصلِبه... دمه علينا وعلى أولادنا" (متى ٢٧: ٢٣-٢٥)؟
ولنتذكر، إذا لم نرحّب بيسوع ترحيبًا لائقًا، لهتفت الحجارة (لوقا ١٩: ٤٠) وتعلن ملكوت الله.