موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٤ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٢

القديس فرنسيس الأسيزي

بقلم :
البطريرك ميشيل صبّاح - القدس
الثلاثاء 4 تشرين الأول، الأسبوع 27 من السنة (لوقا 10: 38-42)، القديس فرنسس الأسيزي

الثلاثاء 4 تشرين الأول، الأسبوع 27 من السنة (لوقا 10: 38-42)، القديس فرنسس الأسيزي

 

٣٨. وبينما هم سائرون، دخل قرية فأضافته امرأة اسمها مرتا. 

٣٩. وكان لها أخت تدعى مريم، جلست عند قدمي الرب تستمع إلى كلامه. 

٤٠. وكانت مرتا مشغولة بأمور كثيرة من الخدمة، فأقبلت وقالت: يا رب، أما تبالي أن أختي تركتني أخدم وحدي؟ فمرها أن تساعدني. 

٤١. فأجابها الرب: مرتا، مرتا، إنك في هم وارتباك بأمور كثيرة، 

٤٢. مع أن الحاجة إلى أمر واحد. فقد اختارت مريم النصيب الأفضل، ولن ينزع منها.

 

"اختَارَتْ مَريَمُ النَّصِيبَ الأَفضَلَ، وَلَن يُنزَعَ مِنهَا" (٤٢).

 

اليوم عيد القديس فرنسيس الأسيزي، أبي رهبان كثيرين في العالم وهنا في كنيسة القدس. هو أيضًا احتار النصيب الأفضل. كان العالم نصيبه، مجد الحروب، وغنى والده.  ثم ترك كل شيء واختار النصيب الأفضل، الذي هو يسوع المسيح، ويسوع المسيح المصلوب. ولم يُنزَعْ منه، ولو حاول أصدقاؤه ذلك، ووالده أيضًا حاول ذلك، ولم ينجح. ثبت فرنسيس في اختياره للمسيح والمسيح المصلوب.

 

رأى الله في تواضعه وحبه للبشر، رآه في الكلمة الأزلي المتجسد والذي صار إنسانًا، ومعه بدأ حياته الجديدة، وزاد حبُّه له ولآلامه حتى انطبعت في جسده سمات آلام المسيح. استقبلَه المسيح الذي أحبه، وأعطاه أن يكمل في جسده ما ينقص لآلامه، مثل الرسول بولس. رجل زهد في الأرض، ورأى الله، في كل فقير، وفي البرص، في زمنه. لم يخف المرض ولا العدوى، ولم يُصَب بالمرض. من يعيش بمثل حبه، الذي يسمو به إلى الله، يندمج حبه في حب الله لكل خلائقه. قال المسيح لرسله، يوم أرسلهم، قبل صعوده إلى السماء: "يُمسِكُونَ الحَيَّاتِ بِأَيدِيهِم، وَإِن شَرِبُوا شَرَابًا قَاتِلًا لَا يُؤذِيهِم، وَيَضَعُونَ أَيدِيَهُم عَلَى المـَرضَى فَيَتَعَافَوْنَ" (مرقس ١٦: ١٨). – هذا الكلام صح في القديس فرنسيس. لاطف الحيوانات، وعاش مع البرص. وزاد بهم حضوره هو أمام الله.

 

ورأى الله في جمال الطبيعة، وسبحه في الماء والنار والشمس والقمر، حتى في الموت رأى أخًا ينقلنا من الزمن إلى الأبدية. رأى الله في كل خليقة الله، في الطبيعة المزدانة بجمالها، الذي أضفاه عليها الله خالقها، وفي الإنسان صورة الله، ولا سيما الفقراء والمرضى. وعاش وهو يرى الله، فقيرًا بخيرات الأرض، غنيًّا بحب الله، ورأى الخليقة بمثل رؤية الله خالقها لها.

 

القديس فرنسيس وجد النصيب الأفضل، فاختاره. رأى أن الله هو الأفضل، ورأى بنوره تعالى صلاح الله وجمال الله في خلائقه كلها. وسار سيرة كلها لله، وللبشر، كلهم إخوة، لم يبق له أعداء يقاتلهم في الحروب. كلهم إخوة. كلهم يركعون أمام الله. رأى فيهم كلهم أناسًا يبحثون عن الله.

 

قال القديس أغسطينس: ما صنعه هؤلاء القديسون، لماذا لا أقدر أن أصنعه أنا؟ الله يعطي نعمته للجميع، ولكل واحد طريق قداسته، طريق مثل طريق فرنسيس، الذي ترك كل شيء، طريق كاهن رعية أرس، وطريق قديس في العائلة، رب العائلة أـو ربة العائلة، يسير بكل أفراد عائلته أمام الله، ويدربهم على رؤية الله، في جمال الطبيعة، وفي جميع إخوته البشر، وقديس يصلح مجتمعه، وقديس يرافق الفقراء، وقديس يربي ويكشف وجه الله للأحيال الصاعدة، - وكلُّ أوجه القداسة العديدة. ما صنعه هؤلاء القديسون أستطيع أنا أن أصنعه، إن حزمت أمري وقلت: لك يا رب حياتي، كما تريدها، كما تريدني، وفي الظرف الذي تريدني فيه.

 

القديس فرنسيس الأسيزي مثال للإنسان الزاهد، وبحسب المثل في الإنجيل، باع كل شيء واشترى اللؤلؤة الثمينة التي وجدها في نفسه. أيها القديس فرنسيس، علمنا أن نرى كما رأيت، أن نرى الله في جمال الأرض، كما خلقها الله ببهائه الأزلي. آمين.