موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٤ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

الفقر والقداسة في عصر التكنولوجيا على ضوء القديس فرنسيس

بقلم :
الراهب بولس رزق الفرنسيسكاني - مصر
"لقد اتّحد القديس فرنسيس بقلب الله من خلال الفقراء"

"لقد اتّحد القديس فرنسيس بقلب الله من خلال الفقراء"

 

في زمنٍ يضجّ بالصراعات والانقسامات، يبرز صوت القديس فرنسيس الأسيزي كنداءٍ حيّ يوقظ الضمائر وينير الدروب. فهذا القديس الذي عاش في القرن الثالث عشر، ما زال يخاطب إنسان القرن الحادي والعشرين بلسانٍ لا يشيخ، داعياً إياه إلى تجديد الحياة المسيحية انطلاقاً من الإنجيل المقدس والفقر الاختياري. وكما يقول البابا لاون الرابع عشر  في الإرشاد الرسولي «لقد أحببتك» (رقم 64): «لقد صار القديس فرنسيس الأسيزي أيقونة لهذه النهضة الروحية»؛ إذ أراد، باتخاذه الفقر عروساً له، أن يقتدي بالمسيح الفقير العريان والمصلوب. لم يؤسس القديس فرنسيس مؤسسة للخدمة الاجتماعية، بل أخوةً إنجيلية؛ حيث رأى في الفقراء إخوةً وصوراً حيّة للرب يسوع.

 

وكما صلّى القديس البابا يوحنا بولس الثاني في جبل لافيرنا قائلاً: «نحتاج إلى يديك المجروحتين... والعالم يحتاج إلى قلبك المنفتح على الله والإنسان»، فإن العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى يشتاق إلى صورة حيّة ليسوع المسيح المصلوب؛ صورة تتجسد في حياة المؤمنين الذين يسيرون على خطى فرنسيس.

 

أولاً: دعوة إلى السير نحو المسيح.

 

يدعونا القديس فرنسيس إلى السير معاً نحو المسيح، مستندين إلى الإنجيل المقدس والفقر الاختياري. إنها دعوة جماعية كنسيّة تتجاوز الفردية لتؤسس لجماعة مؤمنة تسير بقلبٍ واحد نحو هدفٍ واحد، تماماً كما كانت الكنيسة الأولى. وهذا السير لا يقتصر على التأمل الروحي فحسب، بل يمتد ليشمل التبشير بالشهادة وإعلان الملكوت، فتصبح حياة المؤمن ذاتها إعلاناً حياً عن ملكوت الله. لقد كان القديس فرنسيس يشع نوراً، وما زال نوره يشرق على العالم أجمع بقيامة يسوع المسيح. وكما يقول طيب الذكر جوزيف راتزينجر "قداسة البابا بندكتوس السادس عشر" في كتابه «روح الليتورجيا»: «إن القيامة أنارت التاريخ بنوع خاص جديد، إنها ربيع الرجاء».

 

تتطلب منا هذه الدعوة أن نترك الخطيئة ونسير في طريق القداسة مع الفقراء والمهمّشين، أولئك الذين اختارهم القديس فرنسيس رفقاء لدربه؛ فالقداسة الحقيقية، كما علّمنا، لا تتحقق بالانعزال عن العالم، بل بالانغماس فيه لخدمة الآخرين. وفي هذا الصدد، يذكر الإرشاد الرسولي «لقد أحببتك» (رقم 49): «تجلّت الرحمة المسيحية بشكل مميز في الاهتمام بالمرضى، ونرى فيهم صورة يسوع المصلوب والمتألم».

 

ثانياً: الصعود إلى جبل التجلي. كان القديس فرنسيس ينطلق دائماً نحو الجبال للصلاة والصوم، وفي أيامه الأخيرة انطلق نحو جبل لافيرنا، وهناك انطبعت في جسده الضعيف سمات ربنا يسوع المسيح، فكان ذلك التتويج الذي ناله على هذا الجبل.

 

يدعونا القديس فرنسيس اليوم إلى جبل التجلي لنلتمس التغيير في حياتنا اليومية ونصبح هياكل للروح القدس، عاكسين نور الله للآخرين. إنها دعوة إلى تحول داخلي عميق وتجديد للعقل والقلب، حتى يصبح الإنسان شاهداً حياً لمحبة الله في عالمٍ يبحث عن المعنى والأمل. ومن واقع خبرته الحياتية والتأملية، ينطلق بنا القديس فرنسيس نحو السلام، داعياً إلى عيش الأخوة الإنسانية في بيتنا المشترك "أمنا الأرض" وإلى مقاومة الثقافة الاستهلاكية التي نفقد من خلالها إنسانيتنا. إنه يدعونا لنبدأ من جديد، لا وفق أفكارنا الشخصية، بل حسب قلب الله، عيشاً للإنجيل المقدس في إطار الكنيسة ومن خلال خدمتنا.

 

ثالثاً: إصلاح بالقداسة لا بالانشقاق. في عالمنا اليوم، بات الإنسان مستهلكاً بفعل التطورات والصعوبات اليومية، مما أدى به إلى الابتعاد عن الله. لكننا نجد في عهد القديس فرنسيس إصلاحاً يقوم على القداسة لا على الانشقاق؛ فقد واجه أزمات عصره من انقسامات اجتماعية وحروب، ولم يهرب من واقع زمانه بل واجهه بشجاعة الإنجيل. وهذا ما يميّزه: لم يكن هارباً من العالم، بل حاضراً فيه، فاعلاً ومؤثراً.

 

واليوم، ورغم تقدمنا التقني في كل مجال، إلا أننا متأخرون إنسانياً؛ إذ نعيش في عزلة خلف الشاشات، ونعتبر أن العالم أصبح قرية صغيرة، بينما تظل قلوبنا بعيدة عن حياة الإنسان الحقيقية. من هنا، نجد أنفسنا بحاجة إلى صوت القديس فرنسيس بشكل أكثر إلحاحاً: دعوة إلى الخروج من العزلة، وإلى اللقاء، والأخوة الحقيقية.

 

رابعاً: الخير العام والتضامن في تعليم الكنيسة الاجتماعي.

 

عاش القديس فرنسيس الخير العام والمشترك بين إخوته الرهبان وبين الشعب في رسالته التبشيرية. ولهذا كتب البابا لاون الثالث عشر رسالته العامة الرائعة عن العمل المشترك الساعي إلى تحقيق الخير العام ضمن مشروع موحد. يُذكّرنا هذا المشروع أولاً وقبل كل شيء بأن الخيرات عطية من الله لكل البشرية لتسند حياتنا جميعاً، ول كل إنسان حق أصيل في استخدامها.

 

لقد أدركت الكنيسة قيمة هذا القديس الذي صار أخاً للجميع، فجعلت منه أيقونة للسلام والأخوة الشاملة. فعالم اليوم يصرخ متألماً جراء التخريب والنزاعات، وبات بحاجة ماسة لاستدعاء «حدث دمياط» الذي جمع بين القديس فرنسيس والسلطان الملك الكامل عام 1219م، ولا سيما في ظل الاضطهادات في نيجيريا وبلاد الشرق والحروب بين الدول.

 

كما جسّد القديس فرنسيس التضامن بين مختلف الفئات الاجتماعية، وهو ما ننطلق منه اليوم عبر تعليم الكنيسة الاجتماعي الذي يعتبر التضامن مبدأً وفضيلةً في آنٍ واحد، يحفظ الإنسانية ويوجهها نحو الخير المشترك.

 

 

خاتمة: فرنسيس اليوم... دعوة قائمة

 

يبقى القديس فرنسيس، بحياته ورسالته، صوتاً حياً يخاطب كل جيل بلغة عصره. وهو اليوم يدعونا إلى السير معاً نحو المسيح، والصعود إلى جبل التجلي، وعيش السلام والأخوة، ومقاومة ثقافة الاستهلاك، والعمل من أجل الخير العام والتضامن. إنه يدعونا لنبدأ من جديد، لا وفق أهوائنا، بل حسب مشيئة الله، عائشين الإنجيل المقدس في قلب الكنيسة وخدمة العالم.

 

في زمنٍ يبحث فيه الإنسان عن المعنى والأمل، يبقى فرنسيس علامةً على أن القداسة ممكنة، وأن الإنجيل قابل للعيش، وأن العالم يمكن أن يتغير لا بالانشقاق بل بالقداسة. فلنسرِ إذن على خطاه، ولنفتح قلوبنا على الله والإنسان، ولنكن كما كان: صورة حيّة ليسوع المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات.