موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٨ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

إضاءات على عمّاد الرب

بقلم :
بسام دعيبس - الأردن
عمّدنا بالروح القدس والنار

عمّدنا بالروح القدس والنار

 

تُعتبر معمودية الرب يسوع المسيح في نهر الأردن الحدث الذي دشّن به خدمته الجهارية للخلاص، وهي لحظة إعلان إلهي كبرى للبشرية.

 

1. لماذا اعتمد المسيح وهو بلا خطيئة؟

 

بما أن معمودية يوحنا كانت "للتوبة" ومغفرة الخطايا، والمسيح قدوس بلا خطيئة، فإن معموديته كان لها أهداف أسمى:

 

• اكمال كل بر: كما قال ليوحنا: "اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ" (متى 3: 15). والبر هنا يعني الطاعة الكاملة لمشيئة الله ووصاياه.

التضامن مع البشرية: اعتمد المسيح بكونه "نائباً" عن البشر. فكما حمل خطايانا على الصليب، نزل إلى الماء ليحمل طبيعتنا ويقدسها.

تقديس مادة الماء: لكي يجعل من الماء وسيلة للميلاد الجديد، فالمسيح لم يتطهر بالماء، بل هو من طهر المياه بنزوله فيها.

رسم الطريق: ليكون قدوة للمؤمنين، فالمسيح "رسم لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته".

 

 

2. ما الفرق بين عيد "الظهور الإلهي" وعيد "الغطاس"؟

 

جاء الفصل بين هذين العيدين في الكنيسة اللاتينية في التجديد الليتورجي الذي اجراه المجمع الفاتيكاني الثاني، ولكل اسم دلالة معينة:

 

عيد الظهور الإلهي: يصادف في ٦ كانون الثاني ويعني ظهور الرب للامم الوثنية بواسطة المجوس، اي ظهور الرب بين الناس نورا للعالمين، داعيا اياهم للخلاص، ومعاينة جلاله السماوي. فالامم الوثنية شركاء في الميراث، واعضاء في جسد المسيح، وهكذا تحققت نبوءة أشعيا النبي: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيما، والجالسون في بقعة الموت اشرق عليهم نور" (اشعيا ٢:٩).

 

عيد عماد الرب (الغطاس شعبيًا): يصادف الاحد الذي يلي عيد الظهور الالهي اي في ١١ كانون الثاني لهذا العام، ويعني ظهور الله (الآب، الابن، والروح القدس) والانطلاق العلني لرسالة المسيح. حيث تم نقل عيد العماد الى الاحد الثاني من عيد الظهور الالهي، ليكون بداية الزمن العادي مع بداية حياة يسوع العلنية ساعة اعتماده في نهر الأردن.

 

 

3. أهمية المعمودية في المسيحية

 

المعمودية هي أول وأهم أسرار الكنيسة السبعة، وتكمن أهميتها في:

 

باب الخلاص: هي المدخل الذي يعبر منه الإنسان إلى جسد المسيح (الكنيسة).

الميلاد الثاني: يقول المسيح: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يوحنا 3: 5).

مغفرة الخطايا: بها تُغفر الخطية الجدية (خطية آدم) وأي خطايا سابقة للمُعمد.

البنوة لله: بالمعمودية نصبح أبناء الله بالتبني وورثة لملكوته.

 

 

4. عمدنا بالروح القدس والنار

 

تعبير "عمدنا يا رب بالنار" أو "المعمودية بالنار" هو تعبير كتابي وروحي عميق، ورد ذكره في الإنجيل على لسان يوحنا المعمدان عندما كان يتحدث عن مجيء السيد المسيح. "أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني... هو سيعمدكم بالروح القدس والنار" (متى 3: 11).

 

الدلالات الروحية لـ "المعمودية بالنار

 

كلمة "النار" هنا لا تُفهم بالمعنى المادي المحرق، بل بمعانٍ رمزية وروحية سامية:

 

حلول الروح القدس: يُقصد بها القوة الإلهية التي حلت على التلاميذ في يوم الخمسين (عيد العنصرة)، حيث ظهرت لهم "ألسنة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم" (أعمال الرسل 2: 3). فالنار ترمز لوجود الله الفعّال.

 

التطهير والتنقية: كما تُستخدم النار لتنقية المعادن (مثل الذهب) من الشوائب، فإن "نار الروح القدس" تعمل على تطهير قلب المؤمن من الخطايا والشهوات والشوائب الروحية.

 

الإشتعال والغيرة الروحية: ترمز النار إلى حرارة الإيمان والغيرة المقدسة في قلب المؤمن، ليكون "ملتهباً بالروح" في محبته لله وخدمته للآخرين.

 

الإنارة والاستنارة: النار تعطي ضوءًا، والمعمودية تُسمى "سر الاستنارة"، لأن الروح القدس ينير بصيرة الإنسان ليعرف الحق الإلهي.

 

الفرق بين معمودية الماء ومعمودية النار

 

معمودية الماء: هي الفعل الظاهر (الصبغة) الذي يتم في الكنيسة كعلامة للتوبة والميلاد الجديد.

 

معمودية الروح والنار: هي الفعل الداخلي السري، حيث يعمل الروح القدس في كيان الإنسان ليغيره ويقدسه بقوة إلهية "نارية".

 

المعنى في الصلاة

 

عندما يقول المؤمن "عمدنا يا رب بالنار"، فهو يطلب من الله:

 

أن يشعل في قلبه محبة حارة لا تبرد.

أن يطهر أعماقه من كل فكر أو شعور لا يرضي الله.

أن يمنحه قوة وشجاعة (مثل الرسل) ليشهد لإيمانه أمام العالم.

 

 

5. تفسير رموز سر المعمودية

 

في عيد عماد الرب يحمل كل رمز في المشهد أبعاداً روحية عميقة تمسّ حياتنا اليومية. إليكم أهم الرموز الروحية ومعانيها :

 

النزول إلى الماء (الموت والقيامة).

النزول في الماء يرمز إلى دفن "الإنسان العتيق" بكل أوجاعه وخطاياه.

الخروج من الماء يرمز إلى القيامة والولادة الجديدة".

 

* انفتاح السموات

بعد انقطاع طويل، انفتحت السماء في العماد. هذا الرمز يعني أن "الحواجز" قد زالت، وأن صلواتنا أصبحت تصل مباشرة إلى قلب الآب.

بسبب هذا الانفتاح، يمكننا الآن أن نقول بثقة: "إليك وحدك يا رب أرفع صلاتي"، لأن الطريق صار مفتوحاً وممهداً.

 

* صوت الآب (البنوّة)

عبارة "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" تعني أن كل ما يفعله الابن يمثل مشيئة الآب بالكامل. في لحظة المعمودية، كان المسيح يقدم نموذجاً للتواضع والطاعة، وهذا ما يسر قلب الله.

 

* الحمامة (الروح القدس)

الحمامة ترمز للسلام، الوداعة، والاستقرار.

في القديم، بشرت الحمامة نوحاً بانتهاء الطوفان، وفي العماد تبشرنا بانتهاء طوفان الخطيئة. هي التي تعلمنا أن "نتنفس السلام حياةً".

 

* تقديس المادة (الماء)

بنزول المسيح إلى نهر الأردن، لم يُقدس الروح فقط بل قدّس المادة أيضًا (الماء).

 

* انحناءة الرأس (التواضع)

الخالق ينحني أمام المخلوق (يوحنا المعمدان) ليتمم كل بر.

وليعلمنا لغة التواضع وكيف نتعامل مع بعضنا

 

 

6. تجديد مواعيد معموديتنا

 

"يا رب، في عيد عمادك عبر الاردن نجدد وعود معموديتنا. نؤمن برعايتك، وبأنك ترعانا وتقود خطانا ، ونكفر بالشيطان وبكل اباطيله، وبكل شرّ، وبكل يأس، وبكل ما يبعدنا عن حبك.

 

أخيرًا لنصلي قائلين:

 

يا رب، يا من بشرت العالم بنورك، وأعلنت لنا سر محبتك عند نهر الأردن، نأتي إليكَ اليوم بقلوبٍ خاضعة وممتلئة بالشكر.

 

نشكرك يا رب، لأنك بتواضعك نـزلت إلى الماء لتُقدّس طبيعتنا، وفتحت لنا أبواب السماء التي أُغلقت أمامنا. كما شهدَ الآب لكَ قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب"، نسألك أن تُثبّت فينا روح البنوة، لنعيش كأبناء للنور، حاملين اسمك في قلوبنا وأعمالنا.

 

يا روح الله القدوس، الذي استقر فوق رأس المسيح كحمامة، حلّ في أرواحنا اليوم. طهّر نفوسنا من دنس الخطية، وجدد فينا نعمة المعمودية، لكي نكون أدواتٍ لسلامك، وصوتاً لسرورك في وسط هذا العالم.

 

نصلي من أجل كل محتاج ومتألم، لكي يفيض نور معموديتك في عتمة حياتهم.

 

امنحنا يا رب أن نشرب من مائك الحي الذي لا يعطش من يشرب منه أبدًا.

 

جدّد حياتنا بتجلي مجدك في حياتنا كل يوم.

 

لك المجد والحمد مع أبيك السماوي وروحك القدوس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين