موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يضيء موقع «أبونا – إعلام من أجل الإنسان»، في هذا اليوم، شمعته الثالثة والعشرين. ففي السابع والعشرين من آب عام 2003، وعند الساعة الخامسة والنصف مساءً بتوقيت الأردن، انطلق الموقع إلى الفضاء الإلكتروني، حاملًا منذ اللحظة الأولى رسالة واضحة: أن يكون الإعلام في خدمة الإنسان، والكنيسة، والوطن، وقيم المحبة والحوار والسلام.
ثلاثة وعشرون عامًا من العطاء الموصول، تدعونا اليوم لأن نطلّ بعين إلى الوراء، شاكرين الله على كل ما تم إنجازه، وأن نطلّ بالعين الأخرى إلى المستقبل، برجاء وتفاؤل وإيمان بأن الرسالة التي بدأت قبل أكثر من عقدين لا تزال قادرة على التجدد والعطاء.
حين انطلق «أبونا» عام 2003، كان الإعلام الإلكتروني الأردني لا يزال في خطواته الأولى، وكان الموقع من أوائل المواقع الإلكترونية الأردنية التي دخلت هذا الفضاء الجديد. وقد تزامنت ولادته مع البدايات المبكرة للمواقع الإخبارية الإلكترونية في المملكة (مثل وكالة عمون أول موقع إخباري إلكتروني في الأردن)، في مرحلة كانت الصحافة الرقمية فيها لا تزال تشق طريقها لتصبح، بعد سنوات قليلة، جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي الأردني والعربي.
ومنذ البداية، لم يُرِد «أبونا» أن يكون مجرد موقع لنقل الأخبار، بل أن يحمل هوية ورسالة. ومن هنا جاء الشعار الذي رافقه وأصبح عنوانًا لمسيرته: «إعلام من أجل الإنسان». فالإنسان هو الغاية، والإعلام وسيلة لخدمته، وصون كرامته، وإعلاء شأن الحقيقة، وبناء جسور التواصل والمحبة والتفاهم بين الناس.
وعلى امتداد هذه السنوات، واكب الموقع أخبار الكنيسة في الأردن والأرض المقدسة والعالم، وحمل كذلك صورة الأردن ورسالته إلى الخارج، واهتم بالحوار الإسلامي–المسيحي، والعيش المشترك، والثقافة، والقضايا الإنسانية، والسلام، وكرامة الإنسان، وسعى إلى تقديم خطاب إعلامي مسؤول ومتزن، ينطلق من قيم الإنجيل وينفتح في الوقت ذاته على الإنسان والمجتمع والوطن.
وفي عام 2012، دخل موقع أبونا مرحلة جديدة من مسيرته، حين التحق بـالمركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، فأصبح إحدى الأدوات الإعلامية في خدمة البطريركية اللاتينية والنيابة البطريركية في الأردن، ضمن رسالة كنسية ووطنية وإنسانية أشمل.
ومن هنا، ونحن نستذكر هذه المسيرة، فإن من واجب الوفاء أن نتوجه بالشكر والتقدير إلى البطريركية اللاتينية على احتضانها كأم ومعلمة ومؤسسة ودعمها لهذه الرسالة التي هي إحدى أذرعها الإعلامية، وإلى مختلف العاملين والموظفين، بدوام كامل أو جزئي، في المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام الذي احتضن موقع أبونا ووفّر له الإطار المؤسسي لمواصلة رسالته وتطويرها.
كما أن الشكر موصول إلى المندوبين في داخل الاردن وخارجه والكتّاب والمحررين والمصورين والمتابعين، وإلى كل من يعمل ليلًا ونهارًا، في الداخل والخارج، لكي تبقى الكلمة حاضرة والخبر متجددًا والرسالة مستمرة.
ولا نريد في هذه المناسبة أن نتوقف عند أسماء أشخاص بقدر ما نريد أن نحتفي بمسيرة جماعية ورسالة متواصلة. فقد تعاقب على خدمة هذه الرسالة كثيرون، ولكل واحد منهم بصمته وعطاؤه وجهده، وما تحقق خلال ثلاثة وعشرين عامًا هو ثمرة تراكم جهود ومحبة وإيمان بأهمية الإعلام ودوره.
ولم يعد «أبونا» اليوم محصورًا في موقعه الإلكتروني الرئيسي، بل امتدت رسالته إلى فضاء الإعلام الرقمي التفاعلي عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها فيسبوك، وإنستغرام، ويوتيوب، ومنصة X، إضافة إلى صفحة الواتساب التفاعلية «أصدقاء موقع أبونا»، التي تشكّل مساحة مباشرة للتواصل مع القرّاء والمتابعين، وتبادل الأخبار والتفاعل مع رسالة الموقع ومضامينه.
ولعل تسمية «أصدقاء موقع أبونا» تختصر الكثير من معنى هذه المسيرة؛ فنحن لا ننظر إلى من يتابع الموقع وصفحاته على أنهم مجرد أرقام أو مشاهدات، وإنما أصدقاء وشركاء في الرسالة، نتفاعل معهم ويشاركوننا الكلمة والصورة والخبر والفكرة.
وننظر اليوم بعين التفاؤل والرجاء إلى المستقبل. نبني على ما تقدم، ونسير متكلين على رحمة الرب، وعلى الجهود الطيبة التي تُبذل من البطريركية اللاتينية والمركز الكاثوليكي، ومن جميع العاملين والمندوبين والكتّاب والمحررين والأصدقاء والمتابعين.
والمستقبل يحمل أمام الإعلام تحديات كبيرة. فالعالم الذي انطلق فيه «أبونا» عام 2003 ليس هو العالم الإعلامي الذي نعيش فيه عام 2026. وسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف الذكية، والمنصات الرقمية، واليوم الذكاء الاصطناعي، غيّرت مفهوم الإعلام ووسائله وسرعته، لكنها لم تغيّر جوهر رسالته ومسؤوليته.
بل ربما أصبح الإنسان اليوم أكثر حاجة إلى إعلام يحترمه، وإلى كلمة صادقة وسط ضجيج المعلومات، وإلى خبر موثوق وسط سيل الأخبار، وإلى خطاب يجمع ولا يفرّق، ويبني ولا يهدم، ويزرع الرجاء بدل الخوف والكراهية.
ونحن في الأردن ننظر كذلك إلى محطة وطنية وكنسية وإنسانية كبيرة تقترب منا، هي عام 2030، والذكرى الألفين لمعمودية السيد المسيح في مياه نهر الأردن المباركة. ومن واجب الإعلام المسيحي، ومن ضمنه موقع أبونا والمركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، أن يسهم في التعريف بهذه المناسبة وبالأردن، أرض المعمودية والأرض المقدسة، وأن يحمل إلى العالم رسالة وطننا في المحبة والسلام والوئام والعيش المشترك.
نشكر الله على ما مضى، ونشكر البطريركية اللاتينية على احتضانها ودعمها، ونشكر المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، وكل من عمل ويعمل، وكل من كتب وأرسل وتابع وقرأ وشجّع وشارك، وكل صديق حمل معنا هذه الرسالة.
وننظر إلى المستقبل ممتنين لإرث البابا فرنسيس، وفي زمن البابا لاون الرابع عشر، الذي يعيد إلى الحضور غنى الفكر الأغسطيني. ومع القديس أغسطينوس نقول: «حيث توجد المحبة، لا يوجد تعب؛ وإن وُجد، فالتعب نفسه محبوب». ونريد أن نواصل الطريق بروح الدعوة التي يوجّهها البابا لاون إلى العاملين في الإعلام: أن يكون إعلامنا «منزوع السلاح ونازعًا للسلاح»؛ لا يؤجج الخصومات، ولا يحوّل الكلمات إلى أسلحة، بل يخدم الحقيقة والإنسان، ويبني الجسور، ويزرع السلام.