موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٢٣ أغسطس / آب ٢٠٢٦

أفراح الصيف ومنعة الوطن الآمن

أفراح الصيف ومنعة الوطن الآمن

أفراح الصيف ومنعة الوطن الآمن

الأب رفعت بدر :

 

نقترب رويدًا رويدًا من نهاية صيفٍ أردني حافل، ومن العودة إلى مقاعد الدراسة، في ظلّ التسمية الجديدة لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية. ونقف عند نهاية هذه "الصيفية" لنقول أولًا وقبل كل شيء: الحمد لله على نعمة الأمن والاستقرار والطمأنينة، وحماك الله يا أردن! وليست هذه كلمات إنشائية، بل حقيقة لمسناها خلال صيفٍ مكتظّ بالمناسبات والفعاليات، وبحشود بشرية كبيرة، تطلّبت جهدًا تنظيميًا وأمنيًا استثنائيًا.

 

بدأ الصيف بزخم كروي غير مسبوق، مع المشاركة الأردنية الأولى في كأس العالم، وما رافقها من اهتمام إعلامي وجماهيري واسع، ومن تجمعات كبيرة في مختلف المواقع لمتابعة "النشامى" وتشجيعهم. ثم جاءت امتحانات الثانوية العامة ونتائجها، وما حملته من فرح وقلق وانتظار في آلاف البيوت الأردنية.

 

وتزامن ذلك مع حفلات التخرج في جامعاتنا العزيزة، والتي ما تزال مستمرة، وهي لا تعني مجرد الحصول على شهادة، بل ضخّ طاقات بشرية جديدة في مجتمعنا. وهنا نبارك للخريجين والخريجات، ونصلّي من أجل أن يجد كل واحد وواحدة منهم فرصة العمل الكريم التي تليق بعلمه واجتهاده.

 

وبحكم عملي الإعلامي، شاركت هذا الصيف في عدد من المؤتمرات والمنتديات الثقافية والإعلامية، ورأينا كذلك مهرجاناتنا الوطنية والثقافية والفنية تستقطب عشرات الآلاف. من مهرجان جرش إلى مهرجان الفحيص، ومن الحفلات الكبرى في عمّان والبحر الميت إلى سائر الأنشطة، كانت الجماهير حاضرة بكثافة، تستمع وتفرح وتتفاعل مع نجوم الطرب العربي، ويأتي بعض المشاركين والزوار من خارج الأردن أيضًا.

 

أما بحكم عملي الكهنوتي في كنيسة قلب يسوع في عمّان، فقد كان للصيف وجه آخر جميل جدًا. شاركت وباركت العديد من العماميد، وحفلات الزواج، أو «الأكاليل» بلغة الكنيسة، ورأيت أفراح العائلات وهي تملأ الكنيسة والبيوت والقاعات. وكذلك حفلات الخطوبة والجاهات والطلبات، وصولًا إلى التقليد الجديد نسبيًا الذي دخل إلى مجتمعنا، وهو ما يسمى بالـ"Proposal"، حيث يركع الشاب أمام الفتاة ويقدّم لها خاتمًا، وأحيانًا في موقع سياحي أو أثري جميل!

 

ولكلّ هذه الأفراح نقول: مبارك لكل بيت دخله الفرح، ولكل شاب وفتاة بدآ معًا رحلة تأسيس عائلة جديدة. فالزواج ليس حفلة ليوم واحد، بل بناء بيت، وصناعة مستقبل، ومسؤولية ومحبة ووفاء.

 

وسط كل ذلك، لا يمكن أن نغفل أن المنطقة من حولنا عاشت وما تزال ظروفًا قاسية ومؤلمة، انعكست علينا اقتصاديًا ونفسيًا وسياحيًا. ومع ذلك، جرت هذه المناسبات الكثيفة والمتلاحقة بأمن ويسر، رغم الازدحامات وأزمات السير التي كانت ترافق بعضها. ومن هنا يستحق كل من سهر على أمن الناس وتنظيم هذه الفعاليات كلمة شكر وتقدير، وبخاصة أجهزتنا الأمنية الساهرة بشكل لا يتعب على أمن المواطن وطمأنينة البيوت.

 

ومع نهاية الصيف، لا ننظر فقط إلى ما مضى، بل إلى ما هو آتٍ. فالعام الدراسي الجديد يبدأ فيما يدخل الأردن كذلك المرحلة الأولى من التحضير لاستحقاق وطني وتاريخي كبير هو عام 2030، ذكرى مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في نهر الأردن. إنه موعد سيجعل من الأردن ورشة عمل وطنية كبرى، استعدادًا لعام سيكون للسياحة الدينية فيه شأن استثنائي.

 

وهنا أرجو أن تدخل هذه المناسبة منذ الآن إلى مدارسنا وجامعاتنا وثقافتنا التربوية. علينا أن نعرّف أبناءنا وبناتنا إلى قدسية أرضهم، وإلى موقع المعمودية "المغطس"، وإلى الإرث الديني والتاريخي الفريد الذي يحمله الأردن. فعام 2030 ليس شأنًا سياحيًا أو كنسيًا فحسب، بل شأن وطني يخصنا جميعًا.

 

وبعد صيف الأفراح والمهرجانات والتخرّج والزواج والنجاحات، نعود إلى المدارس والجامعات، وإلى العمل والبناء، حاملين كلمة واحدة من القلب: الحمد لله على الأردن.