موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٧ مايو / أيار ٢٠٢٦

مدّ الجسور مع العالم الإسلامي

تحية في هذا الزمن لكل من يبني جسرًا، ولكل من يهدم جدارًا...

تحية في هذا الزمن لكل من يبني جسرًا، ولكل من يهدم جدارًا...

الأب رفعت بدر :

 

لخّص البابا لاون الرابع عشر يوم الأربعاء الماضي رحلته الرسولية إلى أفريقيا، والتي استهلّها بزيارة إلى الجزائر الشقيقة، بكلمات حملت أبعاداً روحية وإنسانية وحوارية عميقة. فقد وصف هذه الزيارة بأنها عودة إلى الجذور الروحية، وبالأخص إلى أرض القديس أوغسطينس، الذي ينتمي البابا إلى الرهبنة التي تحمل اسمه، أي الرهبنة الأغسطينية. وقال إن وجوده في شمال أفريقيا أعاده إلى عصر آباء الكنيسة الأوائل، حين كانت المسيحية مزدهرة في تلك الربوع، فشكّلت الرحلة جسرًا مع التراث المسيحي القديم، ومع القارة الأفريقية الغنية بتاريخها وثقافاتها وشعوبها.

 

لكن البابا ركّز بصورة خاصة على "الجسر مع العالم الإسلامي"، معتبراً أنّ هذا البعد ليس أمراً ثانوياً في رسالة الكنيسة، بل خيار جوهريّ لا تراجع عنه. وقال خلال حديثه عن الجزائر: "حظيتُ باستقبال رأيتُ فيه الاحترام والمودّة، وتمكّنّا من أن نلمس يدًا بيد، ونبيّن للعالم أنه من الممكن أن نعيش معاً إخوةً وأخوات، حتى مع اختلاف الأديان، عندما نعترف بأننا أبناء لرب واحد رحيم".

 

لقد بدت عبارة "بناء الجسور" وكأنها العنوان الأبرز لبداية حبرية البابا لاون الرابع عشر، الذي نحيي في هذه الأيام الذكرى الأولى لانتخابه حبراً أعظم. فالحوار الإسلامي المسيحي بالنسبة إليه ليس مجرّد نشاط دبلوماسي أو مجاملة بروتوكولية، بل مسيرة متجذّرة في تعليم الكنيسة الحديث، سار عليها أسلافه البابوات: البابا فرنسيس الذي وقّع وثيقة الأخوّة الإنسانية مع شيخ الأزهر في أبوظبي، وزار الأردن عام 2014؛ والبابا بندكتس السادس عشر الذي زار الأردن عام 2009 وألقى كلمة تاريخية في مسجد الملك الحسين بن طلال؛ والقديس يوحنا بولس الثاني الذي اشتهر بمقولته الخالدة: "بناء الجسور خير من بناء الجدران".

 

ومن هنا، فإنّ الدين في جوهره ليس فقط جسرًا يصل الإنسان بالله عبر الإيمان والصلاة والتقوى، بل هو أيضاً جسر محبة وتعاون واحترام مع الأخ والقريب والجار. وهذا ما شدّد عليه البابا لاون حين تحدّث عن "تعزيز" العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، لا عن البدء بها من جديد، لأنّ هذه المسيرة تمتد في العصر الحديث، منذ عقود، وبالأخص منذ صدور وثيقة "في عصرنا" (Nostra Aetate) قبل ستين عامًا، والتي دشّنت مرحلة جديدة من الحوار الإسلامي المسيحي القائم على المودّة والإخاء والتعاون. وقد احييناها السنة الماضية مع المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، بمؤتمر عقدناه في الجامعة الأمريكية في مادبا.

 

ويأتي هذا الكلام في زمن تتكرّر فيه الإساءات إلى الرموز الدينية، ومحاولات هدم الجسور بدل بنائها. ففي القدس، شاهد العالم مستوطنًا يعتدي على راهبة فرنسية ويدفعها أرضًا ثم يركلها بقدمه، في مشهد صادم للمشاعر الإنسانية والدينية. وفي جنوب لبنان، اعتدى جندي اسرائيلي في قرية دبل على الصليب المقدّس، فيما تتواصل الإساءات بحق غبطة البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، رغم الإدانات الواسعة والتضامن الدولي معه. وحتى في الولايات المتحدة، تتواصل الانتقادات الحادّة للبابا، وبالأخص من قبل الرئيس الأمريكي، وكان آخرها اتهامه بالموافقة على التسلّح النووي، ليردّ البابا بهدوء قائلاً: "إذا أراد أحد أن ينتقدني لأنّي أتكلّم لغة الإنجيل، فلينتقدني، ولكن بدعامات من الحقيقة".

 

إنّ هذه الأحداث تذكّرنا بأنّ الجسور قد تتعرّض دائمًا لمحاولات الهدم والتكسير، لكنّ الرسالة الحقيقية للمؤمنين تبقى في إعادة بنائها وتعزيزها. وهنا تستوقفنا تلك الجلسة العفوية التي جمعت البابا لاون بإمام المسجد الكبير في الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، حيث لم يكن الحديث رسميًا أو بروتوكوليًا، بل حديث قلوب تؤمن بالله، وتحترم الآخر، وتريد أن تواصل نهج بناء الجسور لا بناء الجدران..

 

تحية في هذا الزمن لكل من يبني جسرًا، ولكل من يهدم جدارًا...