موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إرجعوا إليّ بكلّ قلوبكم (راجع تثنية الاشتراع 31: 10). بهذه الدعوة تبدأ اليوم مسيرة الصوم. توبوا! هكذا نتقدّم أمام الله –كل واحد منا، جميعًا- بهذه الصرخة التي أطلقها المرنّم قبل ألفي عام، الملك والخاطئ معًا.
«إِرحَمْني يا أَللهُ بِحَسَبِ رَحمَتِكَ، وبِكَثرَةِ رأفَتِكَ ٱمْحُ مَعاصِيَّ.
زِدْني غُسْلًا مِن إِثمي، ومِن خَطيئَتي طَهِّرْني.
فإِنِّي عالِمٌ بِمَعاصِيَّ، وخَطيئَتي أَمامي في كُلِّ حين.
إِلَيكَ وَحدَكَ خَطِئتُ، والشَّرَّ أَمامَ عَينَيكَ صَنَعتُ...
قَلبًا طاهِرًا ٱخلُقْ فِيَّ يا الله، ورُوحًا ثابِتًا جَدِّد في باطِني.
مِن أَمامِ وَجهِكَ لا تَطرَحْني، وروحُكَ القُدُّوسُ لا تَنزِعْه مِنِّي.
أُردُدْ لي سُرورَ خَلاصِكَ…» (مز 50 [51]، 3-6، 12-14).
مرّت أجيال عديدة، ومع ذلك لم تفقد هذه الكلمات شيئًا من صدقها وقوتها.
الإنسان الذي يسعى للعيش بالحق يتماهى معها ويجعلها جزءًا من ذاته، ينطق بها كما لو كانت كلماته. أمّا الذي لا يستطيع أن يتماهى مع حقيقة هذه الكلمات، يظل تعيسًا. وإن لم يفحص ضميره على ضوء هذه الكلمات، فهي تحكم بذاتها عليه.
التوبة إلى الله هي الطريق الأبدي لتحرير الإنسان. إنها السبيل لاستعادة ذاته في الحقيقة الكاملة لحياته وأعماله.
«أُردُدْ لي سُرورَ خَلاصِكَ».
يُشير أول أيام الصوم إلى هذه التوبة في أعمق أبعادها.
إنه، أولًا، العودة إلى «البداية». تدعونا الكنيسة اليوم للتأمل في الليتورجيا التي تعود جذورها إلى فجر تاريخ الإنسان: «لأنك تراب وإلى التراب تعود» (تكوين 3: 19). هذه كلمات سفر التكوين، نجد فيها أبسط تعبير عن «ليتورجيا الموت» التي أصبح الإنسان مشاركًا فيها بسبب الخطيئة.
ظلّت شجرة الحياة بعيدة المنال عنه حين سعى، خلافًا لإرادة الله، ليعرف حقيقة الخير والشر السريّة، ليصبح، كالملاك الذي سقط، «مثل الله»؛ ليصير «كآلهةٍ، تعرفان الخير والشر» (تكوين 3: 5). وفي تلك اللحظة، سمع الإنسان هذه الكلمات التي حدّدت مصيره على الأرض: «بِعَرَقِ جَبينِكَ تأكُلُ خُبزًا حَتَّى تَعودَ إِلى الأَرض، فمِنها أُخِذتَ، لأِنَّكَ تُرابٌ وإِلى التُّرابِ تعود» (تكوين 3: 19).
لبدء الصوم، ولتوبة جوهرية وعميقة إلى الله، علينا أن نعود إلى تلك «البداية»: بداية خطيئة الإنسان والموت الناجم عنها. علينا أن نعيد اكتشاف وعينا بالخطيئة، التي كانت بداية كل خطيئة على الأرض؛ والتي أصبحت الأساس الدائم ومصدر الخطيئة البشرية.
إنّ الخطيئة الأصلية، في الواقع، باقية في البشرية جمعاء. إنها إرث آدم الأول. وحتى لو محيت بالمعمودية بفضل المسيح، «آدم الآخر» (1 كور 15: 45)، تبقى آثارها في كل واحد منا. إنّ التوبة إلى الله كما ترغب الكنيسة خلال فترة الصوم الأربعيني هذه، تعني النزول إلى أصول هذه الشجرة، التي –كما يقول الرب– «لا تثمر ثمرًا طيبًا» (مت 3: 10). لا سبيل آخر لشفاء الإنسان.
اليوم، «ليتورجيا الموت» التي تظهر في رتبة وضع الرماد، تُوحّد، بطريقة ما، هذا اليوم الأول من الصوم مع اليوم الأخير، الجمعة العظيمة، يوم موت المسيح على الصليب. وبذلك تتحقق الكلمات التي أعلنها الرسول في القراءة الثانية لهذا اليوم: «فنَسأَلُكُم بِٱسمِ المسيح أَن تَدَعوا اللهَ يُصالِحُكُم. ذاكَ الَّذي لم يَعرِفِ الخَطيئَة جَعَلَه اللهُ خَطيئَةً مِن أَجْلِنا كَيما نَصيرَ فيه بِرَّ الله» (2 كور 5: 21). يصعب التعبير أفضل من ذلك عن كل ما يكمن في حقيقة «التوبة» أي «المصالحة مع الله».
لكي ندرك هذه الحقيقة بالكامل، يجب أن نعيش الزمن الأربعيني –من أربعاء الرماد إلى الجمعة العظيمة- بروح القديس بولس وبروح الكنيسة، لنلتقي في نهاية هذه الأيام إلى جواب الله النهائي، إله المحبة، في «ليتورجيا القيامة»، أي ليتورجيا الفصح، العبور إلى الحياة من خلال القيامة. لا سبيل آخر لدخول هذه الحقيقة السامية للإيمان إلا بالسير في المسيرة كاملة، كما فعل الموعوظون من قبل، استعدادًا للمعمودية، التي تغمرنا في موت المسيح (راجع روما 6: 3) لتدخلنا في المشاركة في قيامته وحياته.
إذًا، لكي "نتوب"، بالشكل الذي تتوقعه الكنيسة في زمن الصوم، علينا اليوم أن نعود إلى إلى «البداية»: إلى حقيقة «أنت تراب وإلى التراب تعود»، لنجد أنفسنا في «البداية الجديدة» بقيامة المسيح ونعمته. لذا، يمرّ الطريق عبر الجمعة العظيمة، ويمرّ عبر الصليب. لا سبيل آخر للتوبة الكاملة. على هذا الطريق الفريد، ينتظرنا من جعله الآب، من فيض محبته، "خطيئة لأجلنا" (2 كور 5،21) –مع أنه لم يعرف الخطيئة– «لكي نصير نحن فيه برّ الله» (2 كور 6: 21).
فلنسلك طريق التوبة هذه والمصالحة مع الله.
تدعونا ليتورجيا اليوم إلى "التعاون" بطريقة خاصة، خلال الزمن الأربعيني هذا، مع المسيح من خلال الصلاة والصوم والصدقة. يعلمنا الرب يسوع نفسه، من خلال كلمات إنجيل متّى –العظة على الجبل– كيف ينبغي أن نفعل ذلك. فلنفعله إذن! وفي الوقت نفسه، لا نتوقف عن التضرّع مع المرنّم: «قَلبًا طاهِرًا اخلُق فِيَّ يا الله ورُوحًا ثابِتًا جَدِّد في باطِني» (مز 51 [50]: 12).