موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نحن نعلم أن بعض الكهنة اليوم لم يعودوا يعرفون كيف يجيبون على هذا السؤال أو يشعرون بالحيرة والتردد: في الواقع، الأزمة التي يعاني منها الكاهن اليوم هي في الأساس أزمة هوية. يُدعى الكاهن أولاً ليكون على علم بالدعوة التي نالها؛ أن يدرك الكرامة التي تحمَّلها في داخله؛ كي على دراية بالصعوبات التي تواجهه في المجتمع؛ وأن يكون على دراية بالاحتياجات الأخلاقية والروحية للعالم. من هذا المنظور، أود أن أتوقّف على فهم معنى وأهمية الكهنوت الخدمة في المجتمع المسيحي، دون إنكار أو استبعاد العديد من الجوانب المهمة الأخرى التي أبرزها التفكير اللاهوتي الحالي. بعبارة أخرى: نريد أن نفهم بعمق أكبر مبدأ هوية ووحدة كهنوت الخدمة. لا يمكننا أن نجد هذا المبدأ في "شخصية" الكاهن: كل عصر يخلق في الواقع شخصياته الخاصة، والإغراء المتكرر هو "جعلها مقدسة". لا شك في أن السياق الثقافي والسياسي والاجتماعي يؤثر في شخصية ووظيفة الكاهن. لهذا السبب فإنها تتغير وفقًا لثقافة المجتمع. لذلك، انطلاقًا من تحليل اجتماعي وتاريخي، لا يمكن تحديد هوية الكاهن، وما هو معنى الكهنوت الرعوي في المجتمع المسيحي.
يمكننا أنَّ نميّز في لاهوت الكتاب المُقدَّس -العهد القديم- نوعين من المسار اللاهوتيّ اللذين يطوّران العلاقة بين الله والشعب المكرَّس له: أ. التَكريس كفعل انفصال ينشأ من التقليد الكهنوتيّ (سفر اللاويين، حزقيال، سفر الخروج) والَّذي له دلالات ثقافيَّة، شعب الله المختار منفصل عن الشعوب الوثنية. ب. التَكريس كفعل الشركة: وهو تابع لتقليد يهوه النبوي الَّذي يرى التَكريس فعل فصل المُقدَّس عن المدنس كما علاقة الشركة مع الله (سفر التكوين 1، 1-2، 4). لذلك، يمكننا التتبّع من خلال طبيعة العلاقة بين الله مع شعبه -تُعرف «بالعلاقة المُقدَّسة»- الجوانب الأساسيَّة لفعل التكريس. يسميها الله «ملكَتي» الشعب الَّذي اختاره وهذا الأخَير يدعوه «إلهيّ». «أنا إلهك، أنت شعبي» (تث 14، 2). فعلاقة الانتماء الحصريّ أخذت هذه الصيغة «أنا لكم» و«أنتم لي»؛ ويدعو الشعب إلى سماع إتّباع فقط ربّه، وأن يعيش دائمًا بوجوده، بضمان العهد. والعهد فرصة للشعب كي يبقى شعب الله ويترك نفسه تحت قيادة الله. حياة الشعب بكاملها، تُعاش في وئام مع الله. وإذا حدث استبعاد الله عن حياة الشعب، ستدخل الخطيئة وتكسر العلاقة التأسيسيَّة لأنَّهم منتمون إلى الله؛ هم شعبه وسيفقد الهبات نفسها المرتبطة بالعهد.
إذن التَكريس هو عمل الله، هو الَّذي يختار من يريد (أرميا 1، 3). بالمقابل، الأشخاص الَّذين لمسهم الله يستجيبون بقبول هذا فعل وهنا نقول أنَّه "قدّم نفسه"، "يعطي نفسه كليا"، "يعطي نفسه" لله ولخدمته. فمن غير اللائق أن نقول أن الشخص "يكرّس نقسه" لأننا غير قادرين جذريا على فرض أنفسنا على الله. لذلك، ينطوي فعل التَكريس في سرّ الكهنوت على مفهوم الانتماء والعلاقة مع الله. فالكاهن هو "رجل الله" (2طيمو 3، 17). الله وحده الذي اختاره ودعاه من بين الناس، "وما من أحد يتولّى بنفسه هذا المقام، بل من دعاه الله كما دعا هارون"(العبرانيين 5، 4)، ويفصله عن الآخرين، يميزه بطابع مقدس يدوم إلى الأبد ("الكاهن إلى الأبد" عبرانيين 5 ، 6) ويمنحه السلطات الإلهية الكهنوتية ليتم تكريسه على وجه الحصر إلى أشياء الله: الكاهن "يؤخذ من بين الناس ويقام من أجل الناس في صلتهم بالله" (عب 5 ، 1-2).
عندما نريد أن نتحدث جيدًا عن الكاهن نقول: "إنه حقًا رجل الله". بمعنى آخر، الشخص الذي يعيش في حوار مع الله بقدر ما تسكن فيه كلمته والذي يشهد على خبرة الله المحيية في حياته، ويظهر بشكل ملموس ما تعنيه "بتعابير الفرح والهدوء الداخليين، كنوز الخير، والثقة في الحياة، والانفتاح وحساسية القلب، التفاني غير الأناني، والإنسانية العميقة". هذا التناغم بين الداخلي والخارجي، والتوافق بين الظاهر مع الكيان، القدرة على التعبير عما يشعر به المرء ويختبره بالفعل" بالنسبة للكاهن، أن يكون على علاقة اختبارية مع الله يعني أن يكون على علاقة خاصة بيسوع المسيح. تعني عبارة "رجل الله" أن تكون أيضًا - كما قال بولس في الرسالة إلى أهل رومية - في خدمة حصرية ليسوع المسيح ("عبده") و "رسول الإنجيل" (روم 1: 1) ليتم إعلانها "لكل مخلوق (مر 16 ، 15)، على طريقة يسوع الناصري "المُرسَل لإعلان إنجيل ملكوت الله إلى المدن الأخرى أيضًا" (لوقا 4 ، 43). أي أن نقدم للجميع - حتى أولئك الذين لا يأتون إلى الكنيسة، أو الذين لم يعودوا يأتون، البعيدين. نقل إنجيل ملكوت الله بالكلمة وشهادة الحياة لجميع الناس".
استخدم القديس بولس الرسول تعبير «اتخاذ صورة» مشيرًا إلى علاقة المسيحيّ بالمسيح، انطلاقًا من تجربته الشَّخصيَّة «حياته هو المسيح» (فيليبي 1: 21)؛ «يسوع هو ربّه» (فيليبي 3: 7)؛ «انَّ يحيا في المسيح» (غلا 2:20) بمعنى أنَّ محبَّة المسيح هي طاقة وجودنا، القوة الدافعة لحياتنا. يشرح بولس الرسول نفسه هذه الديناميكيَّة بكلمات ذات مغزى: «لكنّي أسعى لعلّي أدرك، لأن المسيح يسوع أدركني» (فيليبي 3: 12). يعني الفعل «أدرك» أيضًا إنَّه يريد، بأي ثمن، الوصول إلى قاع الشيء في صميمه. إنَّه فعل المثابرة، الأمانة. ويشير الفعل أيضًا إلى التركيز الكامل في يسوع ربه الَّذي أخذه لنفسه. يمكن ترجمة تعبير بولس في المصطلحات الوجوديَّة الحاليَّة على النحو التالي: «أنا أصرّ على التمسك بمن يتمسك بي». استخدام فعل أدرك لا يعني إنَّه يذهب جسديًّا إلى يسوع، بل يخصص حياته كلها له. تجربة بولس توضّح أنَّ حياة التَكريس كديناميكيَّة تشبهيَّة في منطق السر الفصحي الَّذي ينتهي بالحياة. إنَّ حياة بولس معطاة كليًّا أو المكرَّسة للمسيح ليست مسلكًا إلزاميًّا، بل هي رحلة سعيدة لأنَّها مليئة بالدوافع.
إذن الكهنوت سر عظيم من أسرار الإيمان، أمامه نشعر بضآلتنا وبعظمة حب الله، سر يرتبط كل الارتباط بسر الكنيسة الجامعة الواحدة المقدسة. ولذا فالكنيسة، الأم والمعلمة، أعطت طوال تاريخها وتقليدها المقدس مكانة عالية لسر الكهنوت، واعتبرت دائما أن الكاهن هو “مسيح أخر”. (alter Christus). ولدينا تعابير آخر: عندما نقول أنَّ الكاهن هو الوسيط بين السماء والأرض، شفيع لدى الله لخير البشر، الذي يصالح الناس مع الله، أدنى من الله لكنه أعلى من البشر.
و"التصرف في in persona Christi" يوازي "أخذ مكان المسيح"، يمكن قراءته لدى القديس قبريانس: "في الواقع، إذا كان المسيح يسوع، ربنا وإلهنا، هو نفسه رئيس كهنة الله الآب، إذ قدّم نفسه ذبيحة للآب، إذ أمر بتقديم هذه الذبيحة في ذكره، فمن الواضح أن الكاهن الذي يقتدى بما فعله المسيح يحل محل المسيح: في الكنيسة هو يقدم لله ذبيحة حقيقية وكاملة، إذا بدأ في تقديمها بنفس الطريقة التي يرى بها أنَّ المسيح نفسه يقدّمها".
أعطي القديس يوحنا الذهبي الفم، مستندا إلى الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس، تعليق على الليتورجيا البيزنطية، تم تأليفه في منتصف القرن الحادي عشر، "Protheoria" يعلن بطريقة مدهشة والصيغة المستخدمة تستحق أن نذكرها: "إذا سأل أي شخص كيف يمكن أن يكون الأحبار والكهنة اليوم وسطاء في مثل هذه الحقائق المقدسة، فعليه أن يعلم أن هذا ليس مستحيل، لا سيما لمن لهم هذه الكرامة لأنهم يحملون شخص المسيح رئيس الكهنة". لذلك، من أجل فهم حقيقة كهنوت الكاهن، يجب أن يُنظر إليها في بعدها الكريستولوجي الجوهري، أي فيما يتعلق بالمسيح، كاهن العهد الجديد الوحيد والأبدي. في الكهنوت الكاهن، يُطبع المسيح على أولئك الذين اختارهم للخدمة ببصمة جديدة، داخلية لا تمحى، تتوافق معه وتشبهه.
اعتمد المجمع الفاتيكاني الثاني، في دستور الليتورجيا المقدسة، كلمات الرسالة Mediator Dei: "(المسيح) حاضر في ذبيحة القداس، وفي شخص خادم السر، "فالذي يقدّم الآن بزاسطة الكهنة هو نفسه الذي قدَّم ذاته على الصليب حينئذاك". وبأعلى درجة تحت أشكال الافخارستيا" (عد 6). وهذا يدعونا إلى فهم طبيعة سر الكهنوت وفقًا للقوانين العامة لعقيدة الأسرار المسيحية. لقد شدد القديس توما على ذلك ، أولاً وقبل كل شيء في الإفخارستيا لا يجب أن ننظر فقط إلى المادة والكلمة، بل أيضًا في الكاهن: "إن القوة الآداتية لإحداث التغيير (الخبز والخمر في جسد ودم المسيح) لا تكمن فقط في الكلمة، ولا في الكاهن فقط ولكن في كلاهما (...). وبما أن الكاهن يشبه أكثر من الكلمة الفاعل الرئيسي (المسيح)، لأنه يحمل صورته، كذلك، كي يتكلّم ببساطة، فإن قوته الأداتية أعظم وأجدر: كذلك أيضاً يطبق على العديد من التأثيرات المماثلة الأخرى". هنا يمكننا أن نقول الكهنوت المسيحي هو سر في طبيعته، ليس فقط بفعل التغيير لسيامة الكهنوتية، ولكن في شخص الكاهن. بالطبع، فعالية الفائقة الطبيعة لفعله كمكرٍّس للافخارستيا، أو خادم الغفران، تنجم من الطابع الذي تلقاه في السيامة. لكن هذا غير منظور: الكاهن هو ويجب أن يكون علامة، وأن يستوفي الشروط المطلوبة لهذا الغرض.
اقتبس من الكتاب "هبة وسرّ"، كتبه البابا القديس يوحنا بول الثاني بمناسبة الذكرى الخمسين لرسامته الكهنوتية: "بدون شك أنَّ الكاهن، يسير مع الكنيسة كلها في زمانه، ويجعل من نفسه مستمع، منتبه وخيرًا، وفي نفس الوقت ناقد ويقظ لما ينضج في التاريخ. أنا مقتنع بأن الكاهن يجب أن لا يخاف أن يكون "خارج الزمان"، لأن "اليوم" لكل كاهن يدخل في "اليوم" المسيح الفادي. إن أعظم مهمة لكل كاهن وفي كل وقت هي أن يجد كهنوته "اليوم" يومًا بعد يوم في "اليوم" المسيح، في "اليوم" الذي تتحدث عنه الرسالة إلى العبرانيين. إن "اليوم" هذا للمسيح منغمس في كل التاريخ - في الماضي والمستقبل للعالم، لكل إنسان وكل كاهن. "يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عب 13: 8). لذلك، إذا انغمسنا في "اليوم" بطبيعتنا الإنسانية والكهنوتية في "اليوم" يسوع المسيح، فلا خطر من أن نصبح "أمس"، المسيح هو مقياس كل العصور. بهذا الشكل تم حل التناقض الكامل بين "التقليد" و "التقدم".
قال البابا بنديكتوس السادس عشر: "الكاهن الذي يتصرف بشخصية المسيح الرأس وبتمثيل الرب، لا يتصرف أبدًا باسم شخص غائب، بل في شخص المسيح القائم من بين الأموات، الذي يجعل نفسه حاضرًا بعمله الفعال حقًا. إنه يعمل حقًا ويدرك ما لا يستطيع الكاهن فعله: تكريس الخمر والخبز ليكونا حقًا حضور الرب، وغفران الخطايا. يجعل الرب عمله حاضرًا في الشخص الذي يقوم بمثل هذه الأفعال. هذه المهام الثلاث للكاهن - التي حددها التقليد بكلمات مختلفة لرسالة الرب: التعليم والتقديس والحكم - في تميزها ووحدتها العميقة هي مواصفات هذا التمثيل الفعال. إنها في الواقع الأفعال الثلاثة للمسيح القائم من بين الأموات، وهو نفسه الذي يعلّم اليوم في الكنيسة وفي العالم ويخلق الإيمان ويجمع شعبه ويخلق حضور الحق ويبني حقًا شركة الكنيسة الجامعة؛ ويقدس ويقود". والكاهن، -يقول البابا بنديكتوس السادس عشر- رجل الله أمام العالم، ويجب أن يحافظ على هذا الانتماء، لأنه من أجل خيره وضعه في العالم، لهدف تحقيق الرسالة التي أوكلتها إليه الكنيسة، أن لا يجعل وجوده لأجل العالم، مندمج بمنطق العالم، بل هو مرسل إلى العالم من أجل خلاصهز كل هذا يتطلب إعادة اكتشاف مركزية الله في حياتنا، مركزية لا يتم الوصول إليها إلا في اتجاه واحد، طريق يسوع. يمكننا أن نصبح رجال الله فقط إذا أصبحنا رجالًا للمسيح، أناسًا يتركون أنفسهم مفتونين به". الالتزامات التي أخذناها على عاتقنا في رسامتنا، هي التزامات تم التعهد بها بحرية تجاه الكنيسة، التي يمكنها وحدها أن تضمن لنا الأمانة لله. وهذا يتطلب الاتساق مع عقيدتها، والشركة في نظامها، والأخوة في شركتها، والكرم في استجابة كل واحد من جانبه للطريق الذي تم تحديده في الكنيسة المحلية كطريقة مع اليوم لخدمة الإنجيل في هذه المنطقة. وأخيرًا "كلنا مطالبون بحراسة القطيع".
فعلى الكاهن أن يهرب من كل التطلعات البشرية، على وجه التحديد لأنه رجل الله، وعليه أن يطلب العدل في القداسة. التقوى في محبة الله والصلاة، أن يعيش بلا عيب أمام ضميره، وبدون عيب أمام الناس، حتى يظهر طاهرًا أمام يسوع المسيح في يوم القيامة. كما يجب أن يكون الكاهن مكرساً بالكامل لله، في كل عمل من أعمال حياته الكهنوتية؛ لا يمكن أن يكون لديه إيمان سطحي، في جميع أنشطته، يجب أن يشعر بعظمة وجلال الله، الذي يجب أن يخدمه بحب عميق والأمانة، ملك الملوك ورب الأرباب، الخالق، السيد والحاكم على الجميع، والذي يجب أن يشعر بجلاله وعظمته الأبدية، الذي يجب أن يكرمه ومجده في الكنيسة التي هو خادمها مع رسوله. وبوعظه يحفظ في النفوس وديعة الإيمان المقدسة.