موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر السبت، ١ أغسطس / آب ٢٠٢٦
مشاركة المؤمن السياسيَّة في تعليم الكنيسة الكاثوليكيَّة

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

المشاركة السياسيَّة للمؤمن هي إحدى أعمق تعبيرات حضوره في العالم، لأنها تكشف كيف يعيش انتماءه المزدوج: إلى الكنيسة وإلى المجتمع المدني. فالتعمّق فيها يعني فهم كيف تفسّر الكنيسة العلاقة بين الإيمان والمواطنة، وما هي الحقوق المدنية التي تعترف بها للمسيحي، وما هي المعايير الأخلاقية التي توجّه عمله في المجال العام. فالمشاركة السياسيَّة لا تُختزل في فعلٍ انتخابي أو في اختيارٍ حزبي، بل هي تعبير عن حضور الإنسان في التاريخ، وعن مسؤوليته تجاه المجتمع الذي ينتمي إليه.  فالإيمان لا يعزل المسيحي عن العالم، بل يدعوه إلى أن يكون فاعلًا فيه، وأن يساهم في بنائه وفق مبادئ العدالة والمحبة والكرامة الإنسانية. فالمشاركة جزءًا لا يتجزّأ من الدعوة المسيحية، مع ضرورة الرجوع دائمًا إلى المصادر الرسمية للدولة في كلّ ما يخصّ المعلومات المدنية والقانونية.

 

فالكنيسة تؤكّد أنّ العالم ليس مجالًا غريبًا عن الرسالة المسيحية، بل هو المكان الذي تُعاش فيه هذه الرسالة. والسياسة، بوصفها تنظيمًا للحياة المشتركة، هي مجال يمارس فيه المؤمن مسؤوليته الأخلاقية، دون خلط بين الإيمان وبرنامج سياسي محدّد، ودون جعل الانتماء الديني ذريعة لفرض خياراته على الآخرين. الإيمان ينير الضمير ويوجّه التمييز الأخلاقي، لكنه لا يتحوّل إلى أيديولوجيا سياسية. لذلك، المؤمن مدعوّ إلى عيش دعوته في السياق التاريخي الذي يوجد فيه، والمساهمة في بناء الخير العام. والسياسة هي مجال يمارس فيه المسيحي حريته ومسؤوليته، لا مجالًا لفرض رؤى دينية على المجتمع.

 

أُبرز البابا يوحنا الثالث والعشرون في رسالته العامة السلام على الأرض (Pacem in Terris) مبدأً أساسيًا في الفكر الاجتماعي المسيحي، وهو أن الإنسان، بصفته كائنًا اجتماعيًا، يمتلك حقًا أصيلًا في المشاركة في الحياة العامة. فحين يقول إن «كل إنسان، بصفته عضوًا في المجتمع، له الحق في المشاركة في الحياة العامة» (رقم 26)؛ فهو لا يقدّم مجرّد توصية سياسية، بل يضع أساسًا أنثروبولوجيًا وأخلاقيًا يؤكّد أن الكرامة الإنسانية تتجلّى أيضًا في قدرة الشخص على الإسهام في صنع القرارات التي تمسّ حياته ومصير الجماعة التي ينتمي إليها. هذا المبدأ ينسجم مع رؤية الكنيسة التي ترى أن المجال السياسي ليس ساحة صراع للهيمنة الدينية أو فرض النفوذ، بل فضاء تُمارَس فيه المسؤولية الأخلاقية للمواطنين، بمن فيهم المؤمنون.

 

فالسياسة، بحسب التعليم الاجتماعي الكاثوليكي، هي أحد ميادين تحقيق الخير العام، وليست مجالًا منفصلًا عن القيم الروحية، بل مجالًا تُترجم فيه هذه القيم إلى التزامات عملية تجاه العدالة، والحقوق، وكرامة الإنسان. وبذلك يصبح انخراط المسيحي في الحياة العامة تعبيرًا عن إيمانه لا خروجًا عنه، شرط أن يتم هذا الانخراط بروح الخدمة، واحترام التعدديّة، والبحث عن الخير المشترك، لا بروح السيطرة أو تحويل الدين إلى أداة نفوذ سياسي. وهذا ما يجعل رؤية الكنيسة متوازنة: فهي تدعو المؤمن إلى المشاركة، لكنها ترفض تحويل السياسة إلى امتداد سلطوي للدين، مؤكدة أن دور المسيحي هو الشهادة للقيم الأخلاقية في المجتمع، لا فرضها بالقوة.

 

يشدّد المجمع الفاتيكاني الثاني في مطلع الدستور الرعوي فرح ورجاء على أنّ «أفراح الناس وآمالهم، أحزانهم وقلقهم، ولا سيما الفقراء والمتألّمين منهم، هي أيضًا أفراح وآمال وأحزان وقلق تلاميذ المسيح»؛ وهو تأكيد على أنّ المؤمن لا يعيش إيمانه في فضاء معزول عن الواقع التاريخي، بل في صميمه، حيث تتفاعل التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسيَّة مع دعوته الروحية. وفي هذا الإطار نفسه، يوضح المجمع "أنّ الجماعة السياسيَّة والسلطة العامة ترتكزان إلى الطبيعة البشرية، وتنتميان بالتالي إلى النظام الذي وضعه الله، لأنّ الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يحتاج إلى تنظيم حياته المشتركة. غير أنّ تحديد شكل النظم السياسيَّة وتعيين الحكّام يبقى شأنًا بشريًا خاضعًا للقرار الحرّ للمواطنين". وهكذا تتكامل الرؤيتان: فالمؤمن مدعوّ إلى الانخراط في الواقع التاريخي لأنّ هذا الواقع هو مجال تحقيق دعوته، والدولة بدورها ليست كيانًا غريبًا عن قصد الله، بل بنية تنبع من طبيعة الإنسان الاجتماعية. ومن ثمّ، يصبح التفاعل بين الإيمان والحياة السياسيَّة جزءًا من مسؤولية المسيحي، شرط أن يُمارس ضمن احترام حرية البشر في اختيار نظمهم السياسيَّة، وفي إطار رؤية تُبقي المجال الروحي والمجال الزمني متمايزين ومتعاونين في خدمة الإنسان وكرامته

 

 ومن هنا تأتي الدعوة التي يعبّر عنها المجمع بقوله: «يجب على جميع المسيحيين أن يُدركوا الدعوة الخاصة التي تخصّهم داخل الجماعة السياسيَّة»، إذ إنّ انخراط المسيحي في الشأن العام ليس أمرًا ثانويًا أو خارجيًا عن إيمانه، بل هو امتداد طبيعي لكونه يعيش إيمانه داخل التاريخ، ويشارك في بناء المجتمع وفق ما تمليه كرامة الإنسان والخير العام. وهكذا تتكامل الرؤية: فالواقع السياسي ليس غريبًا عن قصد الله، والإيمان ليس معزولًا عن الحياة العامة، والمسيحي مدعوّ إلى أن يعي مسؤوليته في المجال السياسي بوصفه جزءًا من تحقيق دعوته الإنسانية والروحية في آن واحد.

 

في هذا الصدد، نأخذ نصّ الدستور العقائدي "فرح ورجاء" حول العلاقة بين الكنيسة، الملتئمة تحت راية الإيمان، وبين المجتمع السياسي، الملتئم تحت راية العيش الإنساني المشترك: "إنّ الجماعة السياسيَّة والكنيسة مستقلّتان وذاتيتا الحكم كلٌّ في مجالها الخاص. غير أنّهما كلتاهما، وإن كان ذلك على نحو مختلف، في خدمة الدعوة الشخصية والاجتماعية للإنسان نفسه. وستؤدّي كلتاهما هذه الخدمة لصالح الجميع بقدر أكبر من الفاعلية، كلّما نما بينهما تعاونٌ سليم، وفق أساليب تتناسب مع ظروف الزمان والمكان".

 

يبيّن هذا النصّ أنّ الكنيسة والجماعة السياسيَّة تتمتّعان بالاستقلال الذاتي، فلكلٍّ منهما مجال خاص تعمل فيه دون خضوع للأخرى أو تداخل غير مشروع بين سلطتيهما. غير أنّ هذا الاستقلال لا يعني الانفصال أو التعارض، إذ إنّ كلتا المؤسستين، رغم اختلاف طبيعة عملهما ووسائلهما، تخدمان الإنسان نفسه في دعوته الشخصية والاجتماعية و"سوف تقوم بهذه الخدمة لصالح الجميع، بطريقة أكثر فعالية بكثير كلما كان ذلك أفضل". إنهم يزرعون تعاونًا صحيًا بينهم". إذا تجاهل المجتمع السياسي الكَنِيسَة، فإنه يناقض نفسه، لأنه يعيق ممارسة حُقوق وواجبات جزء من المواطنين. ومن هنا يصبح الالتزام بالشأن العام جزءًا بنيويًا من الهوية المسيحية، لا مجرّد بُعد أخلاقي أو نشاط تطوّعي. وبالمثل، فإن تجربة الالتزام السياسي بدوافع سامية منسجمة مع طبيعة الإِنسَان، لا تُضعف الحياة المدنية، بل تحفّز الالتزام وتؤدي إلى نتائج أفضل، لأنها تربط العمل السياسي بمقياس يتجاوز المصالح الآنية الضيقة.

 

إن الإيمان، بحسب تعليم الكنيسة، لا يتحوّل إلى أيديولوجيا سياسية، ولا يفرض برنامجًا حزبيًا محدّدًا، لكنه ينير الضمير ويوجّه التمييز الأخلاقي، ويمنح المؤمن القدرة على قراءة الواقع وفق مبادئ الكرامة الإنسانية والخير العام والعدالة الاجتماعية. وقد عبّر البابا القديس يوحنا بولس الثاني عن هذا البعد حين قال إن «السياسة هي شكل رفيع من أشكال المحبة، لأنها تسعى إلى الخير العام» ما يجعل العمل السياسي مجالًا لممارسة الفضائل المسيحية، لا ساحة صراع تُستغلّ فيها الهوية الدينية. فالمؤمن مدعوّ إلى أن يساهم في بناء المجتمع، وأن يرفض الظلم والفساد، وأن يعمل من أجل السلام، وأن يشارك في الحوار الاجتماعي بروح بنّاءة، دون أن يجعل من انتمائه الديني ذريعة لفرض خياراته على الآخرين.

 

ولهذا تعترف الكنيسة بأنّ المؤمن، بوصفه إنسانًا ومواطنًا، يمتلك حقوقًا مدنية تشمل المشاركة في الحياة السياسيَّة: التصويت، الترشّح، تولّي المناصب العامة، والمساهمة في النقاش الاجتماعي. وأنّ هذه الحقوق ليست معلّقة بسبب انتمائه الكنسي، بل هي جزء من دعوته المسيحية نفسها. فالمعمّد مدعوّ إلى أن يمارس حريته السياسيَّة بضمير مستقيم، وأن يشارك في الحياة العامة بما يخدم الخير العام، وأن يساهم في النقاش الاجتماعي بطريقة تحترم كرامة الآخرين وحريتهم.

 

أشار القديس يوحنا بولس الثاني، خلال اليوبيل لعام 2000، إلى القديس توما مور بوصفه شاهدًا ينبغي للقادة السياسيين أن يجلّوه، وشفيعًا يضعون أعمالهم تحت حمايته. لقد كان القديس توماس مور رجلًا وفيًّا لمسؤولياته المدنية، وخادمًا مثاليًا للدولة بفضل إيمانه، إذ حمله هذا الإيمان على النظر إلى السياسة لا بوصفها مهنة، بل رسالة لنشر الحق والخير. فقد «جعل نشاطه العام في خدمة الإنسان، ولا سيما الضعيف والفقير؛ وتعامل مع النزاعات الاجتماعية بحسّ مرهف للعدالة؛ وحمى الأسرة ودافع عنها بالتزام لا يعرف الكلل؛ وعمل على تعزيز التربية المتكاملة للشباب».

 

ومن جهة أخرى، تحمي الكنيسة حرية المؤمن في الشؤون الزمنية، وتمنع أي سلطة كنسية من التدخّل في خياراته السياسيَّة المشروعة، ما دام ذلك لا يتعارض مع الشريعة الأخلاقي. فالمؤمن يستطيع أن يصوّت، وأن يترشّح، وأن يتولّى المناصب العامة، وأن يمارس مهنًا سياسية، وأن يدافع عن حقوقه أمام القضاء المدني، دون أن يُعتبر ذلك خروجًا عن الحياة المسيحية. بل إنّ الكنيسة ترى في هذا التزامًا بالخير العام، ومسؤولية تجاه المجتمع. وتُظهر المشاركة السياسيَّة أنّ الكنيسة ليست جماعة منعزلة، بل جسدٌ حيّ يعيش في العالم ويؤثّر فيه، وأنّ المؤمن ليس متلقيًا سلبيًا للتعليم الروحي، بل شخصًا مسؤولًا عن بناء المجتمع وفق قيم العدالة والرحمة والسلام. ولهذا تشجّع الكنيسة حضور المسيحيين في الحياة العامة، لا لفرض نموذج ديني، بل لتعزيز قيم إنسانية مشتركة، وللدفاع عن الضعفاء، ولحماية الحرية الدينية، وللسعي إلى العدالة الاجتماعية. وأن يرفض الظلم والفساد، وأن يعمل من أجل السلام، وأن يساهم في الحوار الاجتماعي بروح بنّاءة. وهذا لا يعني أنّ الكنيسة تفرض على المؤمن مواقف سياسية محدّدة، بل تقدّم له معايير عامة تساعده على التصرّف بمسؤولية واتساق مع إيمانه، دون أن تحلّ محلّ ضميره أو قراره الشخصي. وأنّ الكنيسة لا تحلّ محلّ الدولة في القضايا السياسيَّة، بل تعترف باستقلال النظام المدني وبشرعية المشاركة الديمقراطية. وتشجّع الكنيسة حضور المسيحيين في الحياة العامة، لا لفرض نموذج طائفي، بل لتعزيز قيم إنسانية عامة مثل الكرامة البشرية، والعدالة، والتضامن، والسلام. وهكذا تصبح المشاركة السياسيَّة شكلًا من الشهادة، لا من السيطرة. لهذا السبب، تُظهر المشاركة السياسيَّة أنَّ الكنيسة ليست جماعة منعزلة، بل جسدٌ حيّ يعيش في العالم ويؤثّر فيه، وأن المؤمن ليس متلقيًا سلبيًا للتعليم الروحي، بل شخصًا مسؤولًا عن بناء المجتمع وفق قيم العدالة والرحمة والسلام. وتشجّع الكنيسة حضور المسيحيين في الحياة العامة لا لفرض نموذج ديني أو طائفي، بل لتعزيز قيم إنسانية مشتركة مثل الكرامة البشرية، والعدالة، والتضامن، والسلام.

 

نستشهد بالرسالة العامةFratelli tutti  للبابا فرنسيس، التي تَعتبر العمل السياسي "عملاً من أعمال المحبة المسيحية التي لا تكون أبداً مجرد نظرية، بل هي دائماً علامة وشهادة ملموسة على فعل الله لصالح الإنسان" (فقرات 180-182) وذلك عندما يؤدي السياسي خدمته لصالح المجتمع والخير العام. وأنَّ السياسة، في منظور الكنيسة، ليست مجرد إدارة أو سلطة، بل يمكن أن تكون تعبيراً عملياً عن محبة الإنسان وخدمته، وأن العمل السياسي الحقيقي هو الذي يسعى إلى الخير العام ويجسد حضور القيم المسيحية في الواقع من خلال أفعال ملموسة تخدم البشر

 

في 21 حزيران 2025، وبمناسبة يوبيل الحكّام والإداريين، استقبل البابا ليون الرابع عشر أعضاء الاتحاد البرلماني الدولي، ممثّلين عن 68 دولة، موجّهًا إليهم خطابًا مكثّفًا، متماسكًا وملهمًا، رسم فيه ما يشبه "خارطة أخلاقية" لمن يمارس السلطة التشريعية في العالم. استهلّ الحبر الأعظم كلامه بالتذكير بأن السياسة هي خدمة، متجذّرة في محبة ملموسة للبشرية: "إنها تظهر حقًا كعمل من أعمال تلك المحبة المسيحية التي ليست يومًا نظرية، بل علامة وشهادة ملموسة لفعل الله لصالح الإنسان". ولا يمكن إلا لسياسة رشيدة، قائمة على العدالة التوزيعية والتوازن الاجتماعي، أن تبني "الانسجام والسلام، سواء على المستوى الاجتماعي أو الدولي". البابا يقدّم السياسة بوصفها خدمة للصالح العام، لا مجرد إدارة تقنية أو صراع مصالح. هذا الطرح يعيد السياسة إلى جذورها الإنسانية، ويذكّر بأن السلطة ليست امتيازًا بل مسؤولية.