موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
وُلد القديس ليوبولد مانديتش في 12 أيار 1866، وتوفي في 30 حزيران 1942. وهو كرواتي الأصل، وُلد في هيرتسيغ نوفي في منطقة بوكا كوتورسكا (في مونتينيغرو الحالية)، وتوفي في مدينة بادوفا الإيطالية. كان يعاني من تشوّه جسدي وضعف بنيوي، إذ لم يتجاوز طوله 1.35 متر، وكان يمشي بصعوبة ويتلعثم في الكلام، لكنه امتلك قوة روحية عظيمة. يُحتفل بعيده في 12 أيار.
على الرغم من رغبته في أن يصبح مرسلاً في أوروبا الشرقية، إلا أنه قضى معظم حياته البالغة في إيطاليا، حيث عاش في بادوفا من عام 1906 حتى وفاته. كما أمضى سنة واحدة في السجن الإيطالي خلال الحرب العالمية الأولى لأنه رفض التخلي عن جنسيته الكرواتية. وكان يحمل حلمًا مستمرًا بإعادة الوحدة بين الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية وبالتوجه إلى الشرق. وقد عُرف بلقب رسول الاعتراف ورسول الوحدة، كما صاغ صلاة شهيرة تُعدّ من البدايات الفكرية للحركة المسكونية الحديثة.
كان بوغدان مانديتش الطفل الثاني عشر لوالديه دراغيتسا كاتشيفيتش وبيتر أنتون مانديتش، مالك أسطول صيد على البحر الأدرياتيكي. وتنحدر العائلة من قرية زاكوتشاتش قرب مدينة أوميش (على بعد 28 كم من سبليت). وتعود أصول العائلة إلى طبقة نبيلة من منطقة فرهوسنا في البوسنة.
عانى ليوبولد منذ طفولته من إعاقات أثرت على نطقه وقامته. ومع مرور الوقت خسرت العائلة معظم ثروتها، مما جعلها أكثر تعاطفًا مع الفقراء والمعاناة. في تشرين الثاني 1882، وعمره 16 عامًا، دخل إلى الإكليريكية التابعة للرهبان الكبوشيين في أوديني، واتخذ اسم "ليوبولد". وبعد عامين نُقل إلى دير باسّانو دل غرابا، حيث أكمل مسيرته الرهبانية، وأعلن نذوره الأولى عام 1887، ثم نذوره الدائمة عام 1888.
في منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، أطلق الأسقف الكرواتي جوزيب جوراي شتروسماير حركة تهدف إلى الوحدة والتجديد الكنسي، وهي حركة اهتم بها ليوبولد. وفي 20 أيلول 1890، رُسم كاهنًا في مدينة البندقية وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
خلال الحرب العالمية الأولى، وبسبب رفضه التخلي عن جنسيته الكرواتية، أُجبر على الانتقال إلى جنوب إيطاليا. وخلال هذه الفترة ظل يحمل أمل العودة إلى وطنه والتبشير بين شعبه، لكن حالته الصحية وإعاقاته الجسدية حالت دون ذلك. فقد كان يعاني أيضًا من أمراض في المعدة، وضعف البصر، والتهاب المفاصل. ولهذا لم تسمح له قيادات الرهبنة بممارسة أعمال إرسالية خارجية.
في إيطاليا، كانت خدمته الأساسية هي سماع الاعترافات، وقد استمر فيها لمدة 34 عامًا. ورغم الانتقادات التي وُجهت إليه من بعض الرهبان بسبب "تساهله الزائد"، إلا أنه تميز برحمة كبيرة وتعاطف عميق مع التائبين، وكان يتعامل معهم بلطف شديد وحساسية روحية عالية. كما اهتم بقضايا الأطفال وكان مؤيدًا قويًا لقضايا الحياة، وخصوصًا الأمهات الحوامل والأطفال، وساهم في تأسيس دور أيتام للأطفال.
كان للقديس ليوبولد تكريس عميق للعذراء مريم، وكان يصفها بـ"سيدتي المقدسة". وكان يصلي الوردية بانتظام، ويحتفل بالقداس يوميًا قرب مذبح صغير مخصص لصلوات العذراء. كما كان يزور المرضى في المستشفيات ودور الرعاية في بادوفا، ويقدّم الدعم الروحي للرهبان المرضى، مذكرًا إياهم بالإيمان والثقة بالله.
في أواخر حياته، أُصيب بسرطان المريء، مما أدى إلى وفاته عن عمر 76 عامًا. وفي 30 تموز 1942، بينما كان يستعد للاحتفال بالقداس الإلهي، انهار على الأرض، ثم نُقل إلى غرفته حيث تلقى الطقوس الأخيرة. وقد رافق الرهبان لحظاته الأخيرة بترتيل "السلام عليكِ يا ملكة السماء"، وعند كلمات "يا حنونة، يا رؤوفة، يا مريم العذبة" أسلم الروح.
خلال قصف الحرب العالمية الثانية، دُمّرت الكنيسة وجزء من الدير الذي عاش فيه، لكن غرفته وكرسي اعترافه بقيا سالمين. وقد كان ليوبولد قد تنبأ بذلك قائلاً: "ستُصاب الكنيسة والدير بالقصف، لكن هذه القلاية الصغيرة (التي كانت تحتضن كرسي الاعتراف) لن تُمس، لأن الله مارس فيها رحمة عظيمة، ويجب أن تبقى شاهدة على خيره".
تم إعلان تطويبه من قبل البابا بولس السادس في 2 أيار 1976، ثم أعلن قديسًا من قبل البابا يوحنا بولس الثاني في 16 تشرين الأول 1983 خلال سينودس الأساقفة. ويُعتبر اليوم شفيع مرضى السرطان، وشفيع المعترفين، ورسولاً للوحدة المسيحية.
وبناءً على طلب شخصي من البابا فرنسيس، نُقلت رفاته إلى روما خلال سنة يوبيل الرحمة (2015–2016). وقد اختير مع القديس بيو كـ"قديسي الاعتراف"، في إشارة إلى دورهما المميز في مساعدة المؤمنين على المصالحة مع الله عبر سرّ التوبة.