موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قرأنا على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام، خبرَ اعتداء رجلٍ بسكين على دير بندكتي في بولندا، فقتلَ كاهنًا وأصابَ آخر –الأب أدريان- مع أربعة مؤمنين. ونقل لنا الخبرُ كلماتِ الأب أدريان المصاب بجروحٍ بليغة، وهو يحتفلُ بالقدّاس بعد يومين فقط من الحادثة، وهو يعلنُ غفرانه لمن قتلَ صديقَه الكاهن واعتدى عليه وعلى المؤمنين، قائلاً: نحن لا نردُّ الشرَّ بالشرّ، وطلبَ الصلاةَ من أجل المعتدي.
كغيري من المؤمنين، شاركتُ هذا الخبر على صفحتي الشخصيّة على الفيسبوك، مؤمنًا أن كلماتِ الكاهن تجسّدُ موقفَ المسيح في المحبّة والغفران. وعلّقتُ بكلماتي الشخصيّة على الحادثة: المسيحي يصنعُ من الشرّ الذي يتلقاه فرصةَ حياةٍ له ولغيره، هكذا علّمنا المسيح أن نفعل!
لاقى المنشورُ تفاعلاً، بين من أيّدَ موقفَ الأب أدريان وطلبَ من الربّ الغفران مؤكدًا أن المسيح علّمنا ذلك فعلاً، وبين من دعا بالسوء على مرتكب الجريمة، بل شملتْ دعواتُهُ جميعَ من يعتدون على المسيحيين مستخدمًا ألفاظًا نابية أحيانًا (!)، فناقض بالتالي دعوةَ الكاهن إلى المحبّة والغفران. وهناك أيضًا من أبدى رفضَهُ لمنطق الكاهن، معللاً موقفَه بأنّه يعبّرُ عن ضعفٍ وتخاذل، مما يشجّع الجهاتَ المعتدية على الاستمرار في الاعتداء على المسيحيين واعتبارهم الحلقةَ الأضعف في المجتمعات في كلّ مكانٍ وكما كان وفي كلّ أوان! فناقض بالتالي تاريخ المسيحيّة كلّه، داعيًا إلى بدءِ عهدٍ جديد من التعامل مع هذه الاعتداءات!
في هذا المقال، لستُ أنوي أن أدافعَ عن موقفي، فأنا اؤمنُ أن الموقفَ المسيحي لا يحتاجُ إلى شروحاتٍ إضافية ولا إلى دفاعاتٍ وتفسيرات كثيرة، بل يتطلّبُ تبنّيهِ ببساطةِ الإنجيل. وإيمانُنا علّمنا أن نحترمَ قناعاتِ الآخرين، وإن كانت أحيانًا مناقضةً لمبادئ الإنجيل، وأن نصلّي من أجلهم لكي يعودوا إلى فكر الربّ يسوع.
ولستُ في صدد الحكمِ على النيات، بل أؤمن أن هذا ليس من حقّ أحد. ولكني أقول إن هذا الاختلاف في الآراء أمرٌ كاشف: إنّه يكشف كيف ينظر المسيحيّون إلى إيمانهم؟ هل يأخذون منه القيم ليعيشوها في مجتمعهم؟ أم يستقون من مجتمعهم قناعاتٍ يريدون أن يفرضوها على إيمانهم؟ فهل نسمح لإيماننا أن يفسّر لنا ما يحدث، أم نسمح لما يحدث أن يفسّر لنا إيماننا؟ هذا أولُ أمرٍ كاشف!
الأمرُ الثاني الذي تكشفهُ الآراء: هل المسيحيّةُ ردّةَ فعلٍ تجاه ما يحدث، أم إنّها فعلٌ وموقفٌ يتّخذه المسيحيّ تجاه ما يحدث، انطلاقًا من إيمانه؟ وبهذا المعنى، هل يُعاش إيماننا حياةً، أم نستخدمه متى احتجنا إليه فقط وبطريقةٍ مزاجيّة؟
الأمر الثالث الذي تنقله هذه الآراء: هل يكفي الموقف المسيحي وحده؟ أم نركنه جانبًا لنتخذ موقفًا آخر إلى جانبه بحجة اختلاف الزمان والمكان؟ فنقول مثلًا: نعم، علّمنا المسيح أن نحب أعداءنا، ولكن لندع هذا جانبًا؛ فنحن اليوم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نواجه من يهاجمنا، وأن نردع بالقوة من يعتدي علينا. أي: هل أصبح كلام المسيح تراثًا قديمًا عاشه آباؤنا في الماضي، أما اليوم فنحن نحترمه، ولكننا نرى أن هناك لغةً أحدث ينبغي أن نتعلمها؟
في كلّ زمان، اكتشفت المسيحيّة أنّ لها منطق مختلف عن منطق العالم من حولها، والشهادة التي دُعينا إليها هي أن نجسّد هذا الاختلاف في العالم. فمن يريد أن يجسّده؟ "أمَّا يَسوعُ فهوَ هوَ، بِالأمسِ واليومِ وإلى الأبَدِ" (عبرانيين 13/ 8).