موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
شهدت فرنسا عام 2025 حدثًا استثنائيًا تمثّل في انضمام أكثر من 10,300 بالغ إلى الكنيسة الكاثوليكية من خلال سرّ المعمودية، وهو أعلى رقم يُسجَّل خلال العشرين عامًا الماضية. ويكتسب هذا الارتفاع أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المعمّدين الجدد، إذ إن معظمهم من جيل الشباب (Gen Z) الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا، وغالبيتهم لم ينشأوا في عائلات تمارس الإيمان بانتظام.
وبحسب المعهد الفرنسي للرأي العام، فإن أكثر من 50% من سكان فرنسا يعرّفون أنفسهم بأنهم غير مؤمنين أو ملحدون، ما يجعل هذا التحوّل لافتًا في مجتمع يُوصَف بأنه شديد العلمنة. وفي تعليق له، قال المونسنيور غيوم ديرفيّ، مدير مركز فونتبلان الكهنوتي في فرنسا، إن هذه التحوّلات «حقيقية وليست سطحية»، متسائلًا عن أسباب هذا الازدياد، قبل أن يضيف: «التفسير الوحيد الذي أجده يختصر بكلمتين: الروح القدس».
وأشار إلى أنّ الكنيسة في فرنسا تواجه اليوم تحديًا مزدوجًا: أولًا، دمج الموعوظين الجدد في الجماعات الكنسية القائمة؛ وثانيًا، ضمان ترسيخ إيمانهم كي لا يخبو بعد الحماسة الأولى. وأوضح أن المتابعة الشخصية، ولا سيما في باريس، إلى جانب التنشئة الجماعية، تشكّل وسيلة أساسية لمساعدتهم على التعارف والدعم المتبادل والنمو المشترك في الإيمان.
ولفت الأب ديرفيل إلى أن نشر الإيمان وبناء جماعة متماسكة في بلد كفرنسا ليس أمرًا سهلًا في ظل تفشّي النزعة الفردية، واصفًا إياها بأنها «مرض في العلاقات». وأضاف: «في مجتمع لا يُذكَر فيه الله، ولا تُؤخذ إمكانية وجوده بعين الاعتبار، يدخل الله –إن صحّ التعبير– من النافذة ويفاجئنا».
وفي هذا السياق، أطلق أساقفة فرنسا مبادرة رعوية وطنية تمتد لعام كامل، تهدف إلى دراسة الأسباب العميقة وراء هذه التحوّلات ومرافقة المهتدين في مسيرتهم الروحية، لضمان نمو إيمانهم على المدى الطويل. وتساءل المونسنيور ديرفيل: «كيف نضمن أن ينموا طوال حياتهم، وألا تكون تجربتهم مجرّد ومضة عابرة كالألعاب النارية؟».
كما لعب الشباب الكاثوليكي في فرنسا دورًا محوريًا في هذه النهضة، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال اللقاءات الحضورية، مسهمين في إحياء أشكال أكثر تعبيرًا وجماعية في عيش الإيمان. وأشار ديرفيل إلى أن التوجّه إلى كنائس مثل مونمارتر لقضاء الليل في السجود أمام القربان الأقدس بات «أمرًا رائجًا» بين كثير من الشباب.
ورغم التحديات الكبيرة التي تفرضها هذه المرحلة الجديدة، يرى المسؤول الكنسي أنها مصدر فرح عميق، وقد تفتح الباب أمام أفق جديد وربما مرحلة متجددة للكنيسة الكاثوليكية في فرنسا.