موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الإثنين، ١٤ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
عندما يقول بطريرك القدس إن الضفة الغربية أصبحت أرضًا بلا قانون
صرخة من الأرض المقدسة: القانون الذي لا يحمي الإنسان يفقد معناه، والصمت أمام الظلم لا يصنع السلام

بقلم: الأب بشار فواضله :

 

حين يقول بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، إن الضفة الغربية أصبحت «أرضًا بلا قانون»، فإننا لا نقف أمام توصيف سياسي عابر، ولا أمام مبالغة فرضتها قسوة اللحظة. نحن أمام شهادة راعٍ يعيش في قلب هذه الأرض، يعرف شعوبها ومخاوفها وجراحها، ويتابع يومًا بعد يوم ما يحدث في مدنها وقراها وكنائسها ومجتمعاتها.

 

إنها كلمات ثقيلة، لأنها تصف واقعًا أصبح الفلسطيني يختبره في تفاصيل حياته اليومية: حين لا يعود الإنسان واثقًا من قدرته على الوصول إلى أرضه، أو حماية منزله، أو زراعة حقله، أو التنقل بأمان، وحين تصبح الاعتداءات المتكررة جزءًا من الحياة العادية، فإن المشكلة لم تعد حادثًا أمنيًا منفردًا، بل أزمة في معنى القانون نفسه. ومن الطيبة، البلدة المسيحية الفلسطينية التي تحمل ذاكرة قرون طويلة من الإيمان والحضور، نفهم جيدًا ما قصده البطريرك.

 

 

الطيبة ليست قصة منفصلة

 

ما يحدث في الطيبة لا يمكن عزله عما يجري في بقية الضفة الغربية. خلال الفترة الأخيرة عشنا اعتداءات واستفزازات متكررة، ودخولًا إلى الأراضي والممتلكات الخاصة، وتخريبًا وسرقة لممتلكات زراعية، وقطعًا للأسوار، واقتحامًا للأراضي، ومحاولات متكررة لفرض واقع جديد حول البلدة. وفي حادثة جديدة في المنطقة الشمالية الغربية من الطيبة، تعرض سياج للسرقة وظهرت كتابات عنصرية وانتقامية.

 

قد يبدو كل حادث، إذا نُظر إليه منفردًا، صغيرًا في خريطة الصراع الكبير. لكن حين تتكرر الحوادث، وحين يعيش الإنسان مترقبًا الاعتداء التالي، تتغير طبيعة الحياة نفسها... الخطر الحقيقي ليس فقط فيما يُسرق أو يُخرَّب، الخطر هو أن يُسرق من الإنسان إحساسه بالأمان.

 

أن يبدأ المزارع بالتساؤل قبل الوصول إلى أرضه: هل سأعود منها بأمان؟ أن تسأل العائلة نفسها قبل الانتقال إلى منزل جديد: هل نستطيع حقًا أن نعيش فيه؟ أن ينظر الشاب إلى مستقبله ويسأل: هل ما زال هناك مكان لي هنا؟ هنا تتحول قضية الأمن إلى قضية وجود.

 

 

أخطر من غياب القانون: الاعتياد على غيابه

 

إن عبارة «أرض بلا قانون» لا تعني فقط غياب النصوص القانونية. القوانين موجودة، والمؤسسات موجودة، والسلطات موجودة. السؤال الحقيقي هو: هل يشعر الإنسان بأن القانون قادر على حمايته؟ القانون الذي لا يصل إلى الضعيف في الوقت المناسب يتحول تدريجيًا إلى مفهوم نظري. والأمن الذي لا يمنع الاعتداء ولا يحمي المدنيين لا يستطيع أن يصنع شعورًا حقيقيًا بالاستقرار.

 

والأكثر خطورة أن يعتاد العالم على ذلك. أن يصبح خبر اقتحام أرض فلسطينية أمرًا عاديًا. وأن تصبح صورة الأشجار المقتلعة مألوفة. وأن تتحول مهاجمة منزل أو سرقة ممتلكات أو تخويف عائلة إلى خبر صغير بين عشرات الأخبار. عندها لا يصبح العنف وحده هو المشكلة؛ بل يصبح التطبيع مع العنف مشكلة أكبر.

 

 

المسيحيون الفلسطينيون لا يطلبون امتيازات

 

نحن المسيحيين الفلسطينيين لا نطلب حماية لأننا مسيحيون فقط، ولا نريد امتيازًا دينيًا يميزنا عن أبناء شعبنا. نطلب شيئًا أبسط وأعمق: أن يُحمى الإنسان لأنه إنسان.

 

إن الدفاع عن المسيحي الفلسطيني لا يمكن فصله عن الدفاع عن كرامة كل إنسان فلسطيني يعيش على هذه الأرض، مسلمًا كان أم مسيحيًا.

 

فنحن نتشارك الأرض نفسها، والطرق نفسها، والحواجز نفسها، والمخاوف نفسها، والمستقبل نفسه.

 

ولهذا فإن قضية الطيبة ليست قضية أقلية تبحث عن حماية خاصة. إنها قضية مجتمع فلسطيني يريد أن يبقى على أرضه بكرامة، وأن يربي أبناءه دون خوف، وأن يعمل ويزرع ويبني ويصلي ويعيش بصورة طبيعية.

 

 

أخطر أشكال التهجير هو الذي يبدأ داخل النفس!

 

كثيرًا ما نتحدث عن التهجير وكأنه يبدأ عندما تحمل العائلة حقائبها وتغادر، ولكن التهجير يبدأ قبل ذلك بكثير... يبدأ عندما يفقد الشاب ثقته بالمستقبل... يبدأ عندما تصبح الأرض مصدر خوف بدل أن تكون مصدر حياة... يبدأ عندما تتردد العائلة في بناء منزل... يبدأ عندما يغلق مشروع اقتصادي أبوابه... ويبدأ عندما يصبح السؤال الذي يتكرر في البيوت: لماذا نبقى؟ لهذا فإن حماية الوجود الفلسطيني، وخصوصًا الوجود المسيحي التاريخي في الأرض المقدسة، لا تتحقق فقط بحماية الكنائس والأماكن المقدسة.

 

الحجارة المقدسة مهمة، ولكن الحجارة الحية أهم.

 

ما معنى أن نحافظ على كنيسة عمرها مئات السنين إذا فرغت البلدة المحيطة بها من أبنائها؟

 

وما معنى أن يأتي الملايين لزيارة الأماكن التي سار فيها المسيح، إذا أصبحت المجتمعات المسيحية التي حافظت على الإيمان فيها عبر الأجيال عاجزة عن البقاء؟ حماية الأرض المقدسة تعني أولًا حماية الإنسان الذي يعيش فيها.

 

 

السلام يحتاج إلى العدالة، لا إلى الشعارات

 

لقد حذر البطريرك بيتسابالا أيضًا من تحويل السلام إلى شعار، وهذه نقطة جوهرية. فالسلام ليس صورة جميلة، ولا مؤتمرًا دوليًا، ولا بيانًا دبلوماسيًا جيد الصياغة. السلام يحتاج إلى شروط تسمح له بأن يعيش.

 

لا يمكن أن نطلب من إنسان أن يؤمن بالسلام فيما هو خائف على منزله وأرضه وأطفاله. ولا يمكن بناء مصالحة حقيقية إذا شعر أحد الطرفين بأن القانون لا يحميه.

 

السلام الحقيقي لا يقوم على إخفاء الظلم، وإنما على مواجهته دون أن نسمح للظلم بأن يحولنا بدورنا إلى أشخاص يكرهون. وهنا تكمن أصعب معركة نخوضها اليوم: أن نقاوم الظلم دون أن نفقد إنسانيتنا.

 

 

الرجاء ليس إنكارًا للواقع

 

ربما كانت إحدى أهم رسائل البطريرك في ريميني تمييزه بين الرجاء وبين الاعتقاد الساذج بأن "كل شيء سيكون بخير". الرجاء المسيحي ليس تفاؤلًا ساذجًا... الرجاء يرى الجرح ويسميه جرحًا... يرى الظلم ويسميه ظلمًا... يرى الخوف ولا ينكره! لكنه يرفض أن يمنح الشر الكلمة الأخيرة.

 

لهذا نحن في الطيبة لا نريد أن يكون ردنا على الخوف هو الرحيل، ولا ردنا على الكراهية هو الكراهية.

 

مقاومتنا الأساسية هي أن نبقى، أن نزرع حين يريد الخوف أن يبعدنا عن الأرض، أن نبني حين يريد اليأس أن يقنعنا بأن لا مستقبل لنا. أن نعلّم أطفالنا حين تقول لهم الظروف إن مستقبلهم في مكان آخر. أن نوفر فرص العمل للشباب... أن نحافظ على بيوتنا ومؤسساتنا ومدارسنا... وأن نستمر في قرع أجراس كنائسنا.

 

البقاء بالنسبة إلينا ليس موقفًا سياسيًا فحسب؛ إنه فعل إيمان.

 

 

مسؤولية المجتمع الدولي

 

لكن لا يجوز أن تتحول دعوتنا إلى الصمود إلى ذريعة يريح بها العالم ضميره. لا يمكن مطالبة الناس بالصمود إلى ما لا نهاية بينما يُتركون وحدهم. ولهذا فإن دعوة البطريرك إلى تحرك دبلوماسي أكبر يجب أن تؤخذ بجدية.

 

لقد حان الوقت للانتقال من لغة القلق إلى سياسة الحماية، ومن بيانات الإدانة إلى آليات المساءلة، ومن التضامن الرمزي إلى حضور دولي ودبلوماسي مستمر على الأرض.

 

نحتاج إلى دبلوماسيين يأتون ويرون، نحتاج إلى كنائس لا تكتفي بالصلاة من بعيد، نحتاج إلى صحفيين يستمرون في نقل الحقيقة حتى عندما تختفي فلسطين من العناوين الرئيسية، ونحتاج إلى مؤسسات دولية توثق وتتابع وتطالب بالمحاسبة ونعيد بناء الحياة في الطيبة؛ لا بل ونحتاج إلى قادة سياسيين يفهمون أن ترك الضفة الغربية تنحدر أكثر نحو غياب القانون لن يؤدي إلى أمن أي شعب، بل سيزرع بذور جولة جديدة من العنف واليأس.

 

 

رسالة أيضًا إلى الكنائس في العالم

 

أقول لإخوتنا المسيحيين في العالم: الأرض المقدسة ليست متحفًا للمسيحية... إنها أرض شعب حي...

 

لا يكفي أن تحبوا الأماكن المقدسة؛ أحبوا أيضًا الناس الذين يحافظون عليها.

 

لا يكفي أن تزوروا حجارة الكنائس؛ تعالوا والتقوا بالحجارة الحية.

 

لا يكفي أن تصلوا من أجل السلام؛ ساعدونا في بناء الظروف التي تجعل السلام ممكنًا.

 

نحن بحاجة إلى صوت الكنيسة العالمي، وإلى شجاعة رعاتها، وإلى حضورهم معنا.

 

حين يأتي راعٍ "كاهن، أسقف، كاردينال..." إلى قرية مهددة، حين يزور عائلة خائفة، حين يقف بجانب مزارع يريد الوصول إلى أرضه، فإنه لا يقوم بعمل سياسي حزبي؛ إنه يقول ببساطة إن الإنسان ليس وحده. وأحيانًا يكون هذا الحضور أقوى من مئات البيانات.

 

 

من الطيبة: نحن هنا وسنبقى

 

نحن لا نريد أن نُعرَف فقط باعتبارنا ضحايا... فلدينا قصة أكبر من الاعتداءات التي نتعرض لها. نحن مجتمع يبني ويعلّم ويزرع ويصلي ويعمل ويحلم، ولدينا أطفال يجب أن يكبروا هنا، وشباب يستحقون مستقبلًا هنا، ومسنون يحملون ذاكرة هذه الأرض، وعائلات تريد ببساطة أن تعيش بسلام وكرامة.

 

نحن نرفض أن تكون الكراهية هي اللغة الأخيرة لهذه الأرض، ونرفض في الوقت نفسه سلامًا يقوم على تجاهل الحقيقة. لذلك فإن كلمات البطريرك بيتسابالا يجب ألا تمر كعنوان صحفي ليوم واحد.

 

عندما يقول بطريرك القدس إن الضفة الغربية أصبحت «أرضًا بلا قانون»، ينبغي للعالم أن يتوقف ويسأل:

 

كيف وصلنا إلى هنا؟ والأهم: ماذا سنفعل حتى لا يصبح هذا الواقع دائمًا؟

 

من الطيبة، وسط الخوف والضغط وعدم اليقين، ما زلنا نقول: نحن هنا.

 

هنا جذورنا، وهنا كنائسنا، وهنا قبور آبائنا وأجدادنا، وهنا أطفالنا ومستقبلنا.

 

وسنبقى نؤمن بأن العدالة ممكنة، وأن السلام ممكن، وأن الإنسان أقوى من منطق الكراهية.

 

لكن الرجاء لا يعفي أحدًا من المسؤولية. فالسلام يحتاج إلى شجعان يصنعونه، والعدالة تحتاج إلى أصوات تدافع عنها، والأرض المقدسة اليوم تحتاج إلى عالم لا يكتفي بمشاهدتها من بعيد.

 

فلا تتركونا وحدنا... تعالوا وانظروا... عيشوا معنا واقعنا... ثم اذهبوا وأخبروا العالم بما رأيتم.

 

لأن الدفاع عن الإنسان في الأرض المقدسة ليس دفاعًا عن الفلسطينيين وحدهم، ولا عن المسيحيين وحدهم.

 

إنه دفاع عن المعنى نفسه الذي يجعل هذه الأرض مقدسة.