موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في تاريخ أبرشية حلب للأرمن الكاثوليك صفحاتٌ صاغتها أجيالٌ عرفت كيف تحافظ على حضور الكنيسة وسط التحولات، وجعلتها بيتاً للإنسان في أزمنةٍ لم تكن دائماً رحيمة. ولذا، لا يُستعاد تاريخ الأبرشية بوصفه ذاكرةً للماضي فحسب، بل بوصفه إرثاً حياً يضع الحاضر أمام مسؤولياته، ويطرح على الكنيسة سؤالاً دائماً: كيف تبقى أمينةً لما تسلّمته، وقادرةً في الوقت نفسه على ملامسة تطلعات أبنائها المتجددة؟
يكتسب هذا السؤال اليوم معنى خاصًا في حلب، حيث تبدّلت ظروف المدينة وتغيّرت حاجات أبنائها، وباتت قضايا الشبيبة ومستقبلها في صلب التحديات التي تواجه الحضور الكنسي. وفي هذا الواقع، لا تعود الرعاية مجرد متابعةٍ للحاضر، بل تصبح قراءةً عميقةً له، وتمييزاً لما تحتاجه الكنيسة لتواصل رسالتها وتحفظ رجاءها.
في هذا السياق، يأتي حوارنا اليوم مع سيادة المطران بطرس مراياتي، رئيس أساقفة أبرشية حلب للأرمن الكاثوليك، لنقف عند مسيرة الأبرشية وتحديات حاضرها، ورؤيته للرعاية، والشبيبة، ورسالة الكنيسة، ولنضيء على تجربته الغنية في الكتابة من خلال كتابه الجديد "على الرجاء نبقى". هو حوارٌ مع راعٍ يقرأ حاضر الكنيسة من رحم تاريخها، ويسأل معها عن معنى الغد: ماذا يعني أن نبقى؟ وكيف يبقى الرجاء فعلاً كنسياً متجذراً، لا مجرد كلمة؟
1. صاحب السيادة، كيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الأسقف في رعاية كنيسة تعيش وسط تحولات متسارعة في واقعها ورسالتها، وكيف تنعكس هذه التحولات على طبيعة الرعاية التي تحتاجها؟
من المؤكد، الأسقف هو الراعي. وإذا أردنا أن نلخّص هوية الأسقف، فهو الراعي، والراعي الذي يقود الخراف، ويحبّ الخراف، وينادي الخراف بأسمائها. ومعنى ذلك أن كلمة «الراعي» تتضمن الأب، والمعلم، والمرشد، وكل هذا ينطبق على الأسقف وعلى رسالته.
فهو الأب الذي يتابع الرعية بروح الحنان والأبوة والعطاء. والراعي الأب يبذل نفسه في سبيل رعيته. وهو المعلم الذي يرشد ويربّي ويقود هذا القطيع، ويقود المؤمنين بالتعاليم القويمة، بحسب مبادئ الإنجيل المقدس وتعاليم الكنيسة الكاثوليكية.
وهو أيضًا الموجّه والمرشد والقدوة. فإذا كان كلام الأسقف كلامًا عابرًا ونظريًا، فما نفع ذلك؟ المهم أن يكون قدوة للقطيع بكلامه، وبفعله، وبتصرفاته، وبمثاله. وهذا المثال ينعكس في روح الصلاة، وروح التواضع، وروح الخدمة، وروح التضحية، وفي كل ما يجب على الأسقف أن يتحلّى به.
في بلادنا الشرقية، للأسقف دور آخر، بالإضافة إلى هذا المنحى الروحاني والكنسي والديني، فقد أُوكل إليه أن يكون رئيس الجماعة. وهذا الوضع بدأ منذ عهد العثمانيين. ففي هذه البلاد، حيث تتنوع اللغات والليتورجيات والطقوس والكنائس الشرقية، استُحدث مفهوم «الملّة» أو «الطائفة»، ولكل مجموعة مسيحية أصبح لها رئيس، وهو الأسقف، أسقف المدينة أو أسقف البلد، أي رئيس الملّة أو رئيس الطائفة.
وهو المسؤول عن كل ما يتصل بها، بما في ذلك الأوقاف والأمور المادية والرعوية والخيرية والاجتماعية. وبالنسبة إلى الدولة، لا يوجد مواطن مسيحي من دون مرجعية؛ والمرجعية في بلادنا الشرقية هي الأسقف.
كذلك، في الكنيسة الكاثوليكية، يُعترف بنا ككنائس شرقية ، أي كنائس لها شرع خاص. ولذلك لا ينطبق علينا بالضرورة ما هو مألوف في بعض البلدان الأوروبية، حيث يكون في المدينة الواحدة كرسي واحد وأسقف واحد هو أسقف المدينة أو أسقف الرعية. فنقول مثلًا: أسقف حلب أو رئيس أساقفة حلب.
أما في بلادنا، ونظرًا إلى أصول المسيحيين المختلفة والطقوس الليتورجية المتنوعة، فنجد في المدينة الواحدة عددًا من الأساقفة. ففي حلب، مثلًا، هناك ستة أساقفة كاثوليك وثلاثة أرثوذكس، ما عدا الإنجيليين. فنحن نقول: رئيس أساقفة حلب على الأرمن الكاثوليك، أو رئيس أساقفة حلب على الروم الأرثوذكس، أو رئيس أساقفة حلب على الموارنة، مثلًا. ولذلك، فإن هذه المجموعة من الأساقفة هم رؤساء طوائف ورؤساء ملل. هناك كرسي واحد وعنوان واحد، ولكن المسؤولية تكون بحسب الأشخاص والجماعات التي يتولّون رعايتها.
فأنا لست أسقفًا على مدينة حلب ككل، بل أنا أسقف على الأرمن الكاثوليك المتواجدين في مدينة حلب. وهذه ميزة خاصة للأساقفة الشرقيين، فعلى كرسي واحد، هناك عدة أساقفة مرتبطين بالملّة أو بالطائفة. ولهذا، أحيانًا نكتب: «رئيس أساقفة حلب للأرمن الكاثوليك»، أو نقول: «رئيس طائفة الأرمن الكاثوليك». وهكذا يُعترف بنا أمام الدولة، ولنا كل الصلاحيات والمؤهلات.
ولذلك، كما سألت، نحن كأساقفة، بالإضافة إلى وظائفنا كرعاة ومسؤولين روحيين في الكنيسة الكاثوليكية، لنا أيضًا هذا الدور الاجتماعي، والدور الوطني، والدور المدني الذي تخوّلنا به الدولة. وإذا أردنا أن نعبّر عن ذلك باللغة الأرمنية، نسميه «أسكابد»، أي رئيس الملّة أو رئيس الطائفة؛ فـ«أسك» تعني الأمة، أي رئيس الأمة، أو رئيس الأمة الأرمنية الكاثوليكية.
وهناك المجالس المِلّية أو مجالس الطائفة المعترف بها، ولكن التوقيع والكلمة الأولى والأخيرة بالنسبة إلى الدولة هما للأسقف. ومن هنا كانت المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق الأسقف في هذا الشرق. وكلما كانت المدينة كبيرة، وكان عدد أبناء الطائفة أكبر، كانت المسؤولية أكبر وأهم. ومن هنا كانت مدينة حلب معروفة بعددها الكبير من المؤمنين وبمركزها الحساس، سواء اجتماعيًا أو دينيًا أو خيريًا أو روحيًا.
2. حلب مدينة ذات ذاكرة مسيحية عميقة، وفيها تلتقي خبرة الكنيسة المتجذرة اليوم مع تحدّي الهجرة. ماذا تقولون عن معنى الحضور المسيحي فيها، وعن الدور الذي تستطيع الكنيسة أن تؤديه في حياة المدينة؟
مدينة حلب، كما تعلمون، مدينة عريقة، ليس فقط بتاريخها الحضاري، وإنما أيضًا بتاريخها المسيحي. وكما نعرف، عندما انطلق القديس بولس من دمشق وبدأ دعوته، أكيد مرّ من مدينة حلب. ويذكر التاريخ (أكاكيوس)، المطران الأول الذي أقام في هذه المدينة.
وعلى بُعد ثمانين كيلومترًا، في مدينة أنطاكية التي كانت من ولاية حلب، دُعي المسيحيون للمرة الأولى بهذا الاسم، أي باسم المسيحيين، تيمنًا بانتسابهم إلى السيد المسيح. ومن حلب أيضًا انطلقت هذه الدعوة، الدعوة المسيحية، ومن حلب وحولها، كما نعرف، بدأت الحركة الرهبانية وحياة النساك. وفي ريف محافظتي حلب وإدلب، انطلقت المسيحية بشكل واسع في القرون الأولى.
وقد حدث ذلك بالرغم من الاضطهادات والعذابات التي تحمّلها المسيحيون الأوائل في العصر الروماني، لكن المسيحيين بقوا صامدين. وانطلقت المسيحية عن طريق السريان، ثم البيزنطيين والرومان، ثم جاء الفتح الإسلامي، وبقي المسيحيون في كنف هذا الحكم، ثم جاء العثمانيون، ولكن حلب بقيت مركزًا مهمًا للمسيحية، وخاصة بالنسبة إلينا نحن الأرمن.
فحلب كانت على مفترق طرق، وكانت دوليًا مركزًا مهمًا على طرق تجارة الحرير بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. وبالنسبة إلى الأرمن، كان التجار يأتون من أرمينيا من الشمال إلى الجنوب، وكانت لهم في حلب محطة ومركز. وأضف إلى ذلك الحجاج المسيحيين الذين كانوا يأتون لزيارة الأراضي المقدسة وقبر السيد المسيح، فكانوا يجدون في مدينة حلب مكانًا للاستراحة.
وازدادت هذه الحركة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بحسب المخطوطات الموجودة لدينا. حتى إن المؤرخ البولوني سيمون لهاتسي يكتب عن ازدهار الحضور المسيحي، وخاصة الأرمني، في هذه المدينة، وعن التجار الكبار والحجاج.
وحتى اليوم، في شارع التلل، هناك دار جميلة قديمة تُسمّى «هوكيدون». نحن نسميها «الإكيدون»، ولكن في الواقع هذا اسم أرمني: «هوكي» تعني الروح، و«دون» تعني البيت، أي «البيت الروحي». وفي هذا الخان أو البيت كان الحجاج يقيمون ليلة أو ليلتين، ثم تنطلق القوافل بعد ذلك إلى القدس.
فأريد أن أقول إن الحضور المسيحي في حلب متجذّر. وحتى في أيام العهد العثماني، وعهد الاضطهادات، وعهد السوقيات والمجازر التي تعرّض لها الأرمن والعرب، وفي كل تلك الظروف الحالكة، بقي المسيحيون في أراضيهم وفي كنائسهم. والكنائس تشهد على ذلك.
فاليوم لدينا كنيسة الأربعين شهيدًا، وقد احتفلنا بمرور أكثر من خمسمائة سنة على تأسيسها، وكنيستنا عمرها حوالي منذ عام 1840 وهي من أقدم بيوت المسيحيين في مدينة حلب.
كانت هناك موجات من الهجرة. حتى في الحرب العالمية الأولى كانت هناك موجة من هجرات المسيحيين بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وكذلك في الحرب العالمية الثانية، وفي الحرب التي حدثت سنة 1958. فكلما كانت هناك هزات، كما يقال، كان البعض يترك هذه المدينة، ولكن مدينة حلب لم تفرغ من المسيحيين؛ دومًا كانت هناك البقية الباقية.
والدليل على ذلك أن عدد الكنائس لم يتراجع بالمعنى الذي يُفرغ المدينة من حضورها المسيحي. بعض الكنائس أُغلقت في الحارات القديمة، ولكن شُيّدت كنائس أخرى. واليوم ترون أن في مدينة حلب أكثر من ثلاثين كنيسة ومعبدًا مسيحيًا موجودًا في هذه المدينة.
معنى ذلك أن الهجرة موجودة، والهجرة قائمة. وهذا مصير كل دولة وكل بلد، وليس فقط بالنسبة إلى المسيحيين، حتى المسلمين أيضًا؛ فهناك دائمًا هجرة وانطلاقة إلى عالم آخر. ولكن تبقى البقية الباقية.
ونحن اليوم كمسيحيين لا نزال هنا، بالرغم من كل الظروف الصعبة التي مررنا بها،. ونقول إن ثلثي أبناء الكنيسة غادروا، ولكن الثلث بقي. كان لدينا خمس كنائس تعرّضت للدمار، ولكننا أعدنا بناءها. واليوم انتهت أعمال ترميم الكنيسة الخامسة، وسنفتتحها عن قريب.
ولدينا أربع مدارس، والأخويات، والنشاطات، والشبيبة، وكل شيء. أكيد، العدد أصبح أقل مما كان عليه، ولكننا لا نزال موجودين في هذه المدينة.
وبالنسبة إلينا كأرمن، اليوم أينما ذهبت، وقد أتيحت لي مناسبات عديدة للقاء أرمن في أمريكا الشمالية والجنوبية وفي أوروبا، تجد هناك أرمن مرّوا من مدينة حلب. فبعد الهجرة من تركيا الجنوبية، وبعد المذابح والسوقيات، استوطنوا في حلب. وكانت حلب المدينة الأم التي جمعت هذا الشتات، ومنها انطلقت هذه العائلات إلى بلاد العالم.
فأينما ذهبت وأينما حللت، تجد أرمنيًا جذوره من مدينة حلب، أو أن أهله مرّوا من هذه المدينة. وحتى أبناء ماردين، بعدما ذهبوا إلى القامشلي، وإلى منطقة الجزيرة والفرات، وإلى بغداد، جاء كثيرون منهم أيضًا إلى مدينة حلب، ومن حلب انطلقوا إلى دول أخرى.
ولذلك أقول إن مدينة حلب عريقة، وحضارتها لا تُمحى. وبالرغم من كل الصعوبات، علّمنا التاريخ أننا لا نزال في هذه المدينة؛ لنا جذور ولنا مستقبل.
وهذه الهجرة ظاهرة كانت دائمًا موجودة في التاريخ، وهي ظاهرة عابرة. من أراد أن يذهب يذهب، ومن بقي يبقى، ولكن الذين يبقون يتابعون نشاطاتهم التجارية والإنسانية والخيرية والثقافية والدينية والروحية.
ونحن، والحمد لله، لدينا كنائسنا مفتوحة، ومدارسنا مفتوحة، ونشاطاتنا موجودة، كما ترون، حتى اليوم.
3. تحتل الشبيبة موقعًا أساسيًا في مستقبل الكنيسة، وقد أظهرت مشاركة شبيبة حلب في WAYD 2026 حيوية واضحة. كيف ترون دور الشباب في حياة الكنيسة اليوم، وكيف يمكن أن تجد هذه الحيوية ترجمتها في مشاركة حقيقية في رسالتها؟
الشبيبة هي مستقبل الكنيسة. وكنيسة بلا شباب هي كنيسة ماضية إلى الضياع، ولذلك نحن نفتخر بشبيبتنا، ونسعى لنخصص لهم المجال والحيز الكبير لكي نساعدهم في متابعة حياتهم بكل ما أوتينا من وسائل. فاليوم، الشبيبة بحاجة إلى مساندة، وإلى أن نواكبهم. فالأسرة لها دور، والمدرسة لها دور، والجامعة لها دور، والأخوية لها دور، ولكن الكنيسة لها أيضًا الدور الأكبر.
ومن خلال المنظمات الموجودة في كنائسنا، نساعد الشبيبة على الاستمرار في حياتهم. فعندنا اليوم منظمات كشفية، حيث تنشأ الشبيبة وتترعرع بحسب المبادئ القويمة والمبادئ الإنجيلية. وعندنا أخويات، مثل أخوية سيدة الشباب، وقد وضعناها تحت رعاية مريم العذراء التي ترعى الشبيبة.
وعندنا أيضًا قداديس خاصة بالشباب، ونشاطات خاصة بهم. وهم معنا في الدورات واللقاءات الشهرية والأسبوعية، وفي كل هذه المنظمات. وفي كل رعية من رعايانا هناك مجموعة من الشباب يهتم بها المرشد. فالمرشد الكنسي هو جزء مهم، فإلى جانب المسؤولين هناك دائمًا المرشد الذي يرعى ويوجّه ويقود هؤلاء الشبان بحسب نشاطاتهم الثقافية والاجتماعية والخيرية، ولكن أيضًا الدينية والروحية.
ومؤخرًا اجتمعنا للصلاة، وجمعنا شبيبتنا لكي نسمعها من جديد في مدينة حلب.، بحسب الإحصائية الرسمية والمعطيات الموجودة لدينا، إلى أن هناك حوالي 150 شابًا وشابة، من الجامعيين وغير الجامعيين، مع كون الجامعيين هم الأكثرية. فاكتشفنا أن هناك مجموعة كبيرة، لكنها منتشرة في مختلف المنظمات، وليست كلها ضمن منظمات أرمنية كاثوليكية؛ فهناك الأرثوذكس والبروتستانت أيضًا. ولذلك ارتأينا أن نقيم مؤتمرًا وحوارًا للشبيبة الكاثوليكية في حلب أولًا، ثم على مستوى سوريا.
وبمناسبة أعياد الفصح، أقمنا مؤتمر الشبيبة الأرمنية الكاثوليكية في سوريا، وجمعنا حوالي 200 إلى 250 شابًا وشابة، جاؤوا من الجزيرة والقامشلي والحسكة ودمشق وكسب واللاذقية، وكان العدد الأكبر، أكيد، من حلب. اجتمعنا وكان اللقاء رائعًا جدًا، بمشاركة مؤسسة "together" وكان لقاءً ليوم كامل، تخلله الصلاة والتعارف والألعاب والأحاديث الروحية والدينية والاجتماعية، وكان شيئًا رائعًا.
وبعد هذا التعارف، شاركنا أيضًا في المؤتمر الأرمني الكاثوليكي العالمي، يوم الشبيبة العالمي الذي نظمته البطريركية في بيروت، ولبّينا الدعوة. وكان عدد المشاركين من مدينة حلب من الشبان والشابات أكثر من 70 شخصًا من أصل 250شخصا، أي عدد كبير ولا بأس به، وكان حضور شبيبة حلب مميزًا. وقد استفادوا جدًا من أيام المؤتمر عاشوا معًا، وصلّوا معًا، وشاركوا أفكارهم معًا، ثم عادوا إلى هذه المدينة والتقينا بهم وأخذنا منهم انطباعاتهم.
وكان من الأمور التي تركت فيهم أثرًا جيدًا زيارتهم وتعرّفهم إلى دير سيدة بزمار والأديرة في لبنان، وإلى القديسين الكبار؛ فكان هناك زيارة دير وضريح مار شربل، وبالنسبة إلينا كأرمن، سيدة بزمار العجائبية، والقديس الجديد الشهيد مالويان، والكاردينال أغاجانيان وضريحه في بيروت. وكل هذه الأمور تركت فيهم انطباعًا جيدًا. وإن شاء الله، الشبيبة التي لا تزال تعمل بنشاط وسخاء وعطاء، تستعد للمشاركة في لقاء يوم الشبيبة العالمي المزمع عقده في شهر آب من العام القادم في سيول، في كوريا الجنوبية.
ولذلك، هذه الشبيبة نحن لا نتركها، وهي أيضًا لا تتركنا؛ هي دائمًا حاضرة في صلب عملنا. وبالنسبة إلى أبرشيتنا في حلب، وبعدما عقدنا السينودس الأبرشي في العام الماضي، انبثقت عنه لجنة سمّيناها "لجنة الشبيبة"، وهي لجنة تابعة لأبرشية الأرمن الكاثوليك، وتضم الناطقين باللغة العربية واللغة الأرمنية بشكل منفرد ولكن بتنسيق العمل، وتنسّق فيما بين الأخويات والمنظمات المختلفة.
فالحمد لله، شبيبتنا بخير، ونتطلع إلى مزيد من العطاء، وهم أيضًا يتطلعون إلى مزيد من المسؤوليات الملقاة على عاتقهم ضمن نشاطات هذه الأبرشية.
4. إلى جانب الرعاية، رافقت الكتابة خدمتكم الأسقفية بوصفها مساحة للتأمل. كيف تؤثر الكتابة في قراءة الأسقف للواقع، وفي تحويل الخبرة الرعوية إلى فكر يمكن أن يخدم الكنيسة والإنسان؟
من المؤكد، الكتابة تحتاج إلى مطالعة، وإلى قراءة، وإلى تثقيف، وإلى مواكبة تيارات العصر. وبالنسبة إليّ، أكيد، الكتابة جزء لا يتجزأ من حياتي الثقافية. فأنا شخصيًا، إذا لم أقرأ في اليوم كتابًا، ولم أكتب سطرًا أو صفحة، فلا أشعر بأن هذا اليوم قد مرّ بخير وسلام.
فأكيد لديّ كتابات، والكتابة تتطلب أن يكون عندك علم وثقافة ودراية. وأنا أكتب باللغات الفرنسية والإيطالية والأرمنية، ولكن أكتب خاصة باللغة العربية، لأنني حصلت على إجازة في اللغة العربية بعد أن ارتسمت كاهنًا. تابعت دراستي الجامعية في الأدب العربي في جامعة حلب، وتخرجت بإجازة في اللغة العربية، ولذلك أجيد الكتابة باللغة العربية وأجد فيها سهولة.
وأصررت على أن أكتب باللغة العربية نظرًا إلى القرّاء. فاليوم مساحة القراءة بين المثقفين العرب أكبر بكثير، ونصل إليهم بشكل أوسع بكثير من المساحة التي يقرؤون فيها باللغة الأرمنية.
وهذه رسالة بالنسبة إلينا نحن كأرمن كاثوليك، وخاصة بالنسبة إليّ: أن نعرّف القرّاء العرب، من مسلمين ومسيحيين في مختلف الدول العربية والإسلامية، إلى مبادئنا المسيحية أولًا، وإلى تاريخنا الأرمني، وإلى جذورنا، وقضيتنا، وما عاشه الأرمن، وما يتطلعون إليه.
فماذا ينفع اليوم إذا كنا سنتكلم باللغة الأرمنية في محيطنا الأرمني الضيق؟ علينا أن نخرج إلى الآخر، والآخر أيضًا يحتاج إلى أن يتعرف إلينا. فكيف سيتعرف إلينا إن لم نتكلم معه بلغته، أي باللغة العربية؟
ومن هنا كانت كتاباتي، وأصررت أن تكون باللغة العربية. فأنا أكتب من هذه الوجهة، لمساعدة المؤمنين أولًا على التثقيف والعلم، وعلى العودة إلى السيد المسيح وإلى المبادئ الإنجيلية. وعندي أيضًا بعض الكتب العلمية والأبحاث، منها أبحاث عن تاريخ الأرمن، وتاريخ حلب، وتاريخ هذه المدينة العريقة.
وأيضًا، علينا أن ننطلق إلى الآخر. فهذه رسالة أقوم بها، بالرغم من كل المشاغل الإدارية والدينية والروحية والرعوية. لا بد أن أقوم بهذا الدور: المطالعة والكتابة.
وهذا ما أتمناه لكل إخوتي في الكهنوت، أن يقرؤوا ، ولذلك أنا دائمًا أطلب من إخوتي، وحتى أؤكد على الطلاب الإكليريكيين الذين يدرسون في بزمار وفي روما، أن يقرؤوا، وأن يأخذوا ما يجب أن يأخذوه من العلم والثقافة، لأن غدًا لن يكون لهم الوقت الكافي.
وبالإضافة إلى القراءة، فمن كان لديه الوقت فليكتب. وأنا معجب بكثير من الكهنة الذين لا يزالون حتى اليوم يصدرون الكتب، كتبًا يضعون فيها ما لديهم من روحانية ووجدانية وعصارة أفكارهم.
واليوم عندنا مثال الأب يوحنا جاموس في حلب، فكل شهرين أو ثلاثة يتحفنا بكتاب جديد، وهو تجاوز التسعين من عمره. فكم بالأحرى أن نأخذ منه هذا المثال.
وعندك في لبنان، رحمة الله عليه، الأب بولس الفغالي، الذي كان يكتب باستمرار في الكتاب المقدس، وقد كرّس عمله كله لذلك. وهناك كثيرون من هؤلاء الأشخاص الذين جعلوا من الكتابة رسالة لهم.
فأنا لا أزال أيضًا اقدم مساهمة بسيطة في هذا المجال، وهذا ما أخذناه عن أساتذتنا، سواء في مدرسة الإخوة المريميين حيث نشأت، أو في جامعات الآباء اليسوعيين، حيث أخذت العلم في الفلسفة واللاهوت.
5. بعد مسيرة من الإصدارات التي حمل كل منها تجربة وموضوعًا خاصًا، يأتي كتابكم الجديد «على الرجاء نبقى» في مرحلة مختلفة من مسيرتكم. ما الذي أردتم أن تقولوه من خلال هذا الكتاب، وما الذي تأملون أن يفتحه أمام القارئ؟
مؤخرًا صدر لي كتاب بعنوان «على الرجاء نبقى»، وهو إصدار من دار النعمان للثقافة في لبنان، وقد بدأ الآن بالانتشار بعد الحصول على الموافقات اللازمة.
هذا الكتاب مستوحى عنوانه من سنة اليوبيل، «حجاج الرجاء»، أي سنة اليوبيل 2025. ونحن ترجمناها باللغة العربية إلى «مسيرة الرجاء». وكان هذا شعار اليوبيل، ومن هنا كانت انطلاقة هذا الكتاب، الذي هو مجموعة من العظات والتأملات والكلمات الوجدانية والكلمات التأبينية، جمعتها بين دفتي كتاب. كان بعضها منشورًا في بعض المجلات، وبعضها الآخر يُنشر للمرة الأولى في هذا الكتاب. والمنحى دائمًا هو دعوة القارئ إلى الرجاء، وإلى التفاؤل، وإلى الصبر، وإلى متابعة المسيرة نحو الأمام.
وأكيد، بالنسبة إلى المواطن في بلدنا الذي عاش كل هذه التجارب الصعبة، من هزات وأزمات، فالكتاب هو دعوة إلى البقاء: نبقى. ولكن من هاجر أيضًا، له دعوة رجاء بأن يتابع مسيرته، سواء في الداخل أو في الخارج. كلنا بحاجة إلى هذا الرجاء. حياة بلا رجاء لا نستطيع أن نعيشها، وحياة بلا رجاء لا معنى لها. هو الرجاء الذي يدعوك لكي تتابع السير نحو الأمام.
ومن هنا كان الشعار، أو هذا الخيط الرفيع، كالموسيقى الهادئة التي تسري في الكتاب كله، وهو كلمات القديس بولس في رسالته إلى أهل روما، في الفصل الثاني عشر، الآية الثانية عشرة: "فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة". هذه الإشارات الثلاث، وهذه الدلائل الثلاث، هي خط الطريق، وبرنامج عمل، وخريطة، وبوصلة تساعدنا على متابعة مسيرتنا.
في هذه الكلمات الثلاث الجميلة جدًا، التي تبنيتها وأردت أن أعبّر من خلالها لكل الذين يقرؤون هذا الكتاب، أريد أن يكون هناك فرح بالرجاء: "فرحين في الرجاء". فالمسيحي العبوس، والمسيحي الذي يعيش في اكتئاب وكآبة، لا يمكن أن يكون مرآة لرجاء المسيح وفرح المسيح الذي فينا، وهو فرح القيامة. "صابرين في الضيق": الصبر هو مفتاح الفرج، كما يقال. ونحن الذين نعيش الشدة ونعيش الأزمات، كلنا مدعوون إلى هذا الصبر: صابرين. "ومواظبين على الصلاة": ماذا يفيد الرجاء والصبر إذا لم تكن هناك علاقة بينك وبين ربك؟ وإذا كنت لا تعيش جوًا من الصلاة وراحة النفس والهدوء والاطمئنان، أو ما نسميه بلغة الآباء السكينة والهدوء، والاطمئنان، والراحة، الراحة في الرب يسوع.
6. في ضوء خبرتكم الأسقفية، ما الرؤية التي تحملونها للكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في سورية اليوم، وما الرسالة التي ترون أنها مدعوة إلى حملها في السنوات المقبلة؟
رسالتي، كما بدأت في أول عهدي الأسقفي، هي أن نكون جسرًا رابطًا بين كل الأطياف. فالكنيسة الأرمنية الكاثوليكية مدعوّة إلى أن تكون جسرًا مع إخوتنا الأرمن الأرثوذكس. ونحن في علاقة مميزة معهم من خلال العلاقات المسكونية والمشاركة. وأضف إلى ذلك هذا الجسر مع إخوتنا الأرمن البروتستانت. فنحن الرؤساء الثلاثة نجتمع مرة تقريبًا كل شهر، ونتشارك في كل همومنا الأرمنية، وخاصة المسيحية منها، في هذا البلد. وننظم معًا لقاءاتنا بمناسبة الأعياد القومية والوطنية الأرمنية، ونشارك معًا في الاحتفالات.
هناك الصلاة المسكونية التي نكون فيها معًا، وعيد القديس فارطان نكون معًا، وذكرى الشهداء الأرمن نكون معًا، وفي كل الاحتفالات التي تقيمها الجمعيات والمنظمات نكون معًا. فهذه العلاقة، وهذا الجسر، يربطان بيننا. والجسر أيضًا مع إخوتنا الأساقفة الكاثوليك. فنحن لسنا منعزلين كأرمن كاثوليك، بل نحن أيضًا جزء لا يتجزأ من الكنيسة الكاثوليكية ككل. ومع إخوتي الأساقفة الكاثوليك، وعددنا ستة، نجتمع كل يوم سبت صباحًا بشكل دوري عند أحد الأساقفة، لكي نناقش معًا الأوضاع التي نعيشها.
وفي آخر سبت من الشهر، يكون هناك اجتماع مسكوني مع باقي رؤساء الكنائس، مع الأرثوذكس والبروتستانت أيضًا، وبشكل دوري، وفي كل مرة يكون اللقاء بضيافة إحدى المطرانيات أو عند أحد الأساقفة أو رؤساء الطوائف. فهذا المنحى المسكوني المشترك مهم جدًا بالنسبة إلى كنيستنا. فنحن لسنا وحيدين. إما أن نكون معًا أو لا نكون. ومن هنا كان هذا اللقاء وهذا التنظيم المشترك أمام الله، وأمام الدولة أيضًا، وأمام الشعب الذي يرى رؤساءه بقلب واحد وفكر واحد ويد واحدة.
وخير مثال على ذلك ما أقمنا به في الأول من أيلول الماضي، أي افتتاح دير وكنيسة مار سمعان العمودي بالقرب من حلب. فهذا الأثر الكبير، وهذه الكاتدرائية التي أُنشئت في العام 450 تقريبًا، أي قبل نحو 1500 سنة، بالقرب من حلب، بعد ان أُعيد تأهيلها. وهذه الكاتدرائية العريقة، بما تحمله من آثار، أُعيد تأهيلها بهمة مجلس الأساقفة في حلب، أي جميع الأساقفة المسيحيين، وبرعاية المحافظة. وقد شاركنا كلنا معًا في افتتاح هذا الدير وهذه الكنيسة، في لقاء مسكوني وصلاة مسكونية جمعتنا بحضور نحو 1500 مؤمن جاؤوا من حلب ومن هذه المحافظة. فإن دلّ ذلك على شيء، فهو يدل على ما نعيشه من لحمة، لحمة كنسية ولحمة وطنية. ونحن كأرمن كاثوليك جزء لا يتجزأ من هذا الفسيفساء الذي نعيشه في مدينة حلب.
هذه هي رسالتنا، وهذا هو الجسر أيضًا الذي يربطنا مع إخوتنا المسلمين. فنحن لا نعيش في مكان منعزل، أو في حارات مغلقة بالأسوار والأبواب، وإنما نعيش في مدينة منفتحة، ونعيش مع إخوتنا المسلمين، ليس عن طريق المجاملات، وإنما من خلال حياة مشتركة؛ هذا هو لقاء الحياة. فنحن واحد: في الأبنية، وفي العمل، وفي الجامعة، وفي المدارس، وفي الشارع، نحن وإخوتنا المسلمون واحد. هكذا كنا نعيش، وهكذا نحن حتى اليوم، في نوع من الأخوة، ونوع من التضامن، من دون تمييز أو تفرقة، كلٌّ بحسب دينه. الله للجميع، والدين لله والوطن للجميع.
هذا مبدأ نعيش بحسبه، والحمد لله نعيش حاليًا بحرية وأمان. الكنائس مفتوحة، وهناك احترام متبادل. وما نتمناه هو أن يبقى هذا الجسر مفتوحًا وسالكًا، يربطنا مع إخوتنا المسيحيين، ومع إخوتنا المسلمين، ومع الدولة والحكومة والمسؤولين، لكي نتابع رسالتنا والتزامنا في بناء هذا الوطن، وبناء هذا المجتمع، وبناء مستقبل أفضل، فيه دائمًا حرية الإنسان، واحترام الإنسان، وكرامة الإنسان، وفيه روح المحبة والعطاء والأخوة والسلام.
وهنا أشير إلى حادثة أذكرها دائمًا. عندي شخص من أبناء الرعية يزورني مرة في الشهر. هو أب لخمسة أولاد، وعاطل عن العمل، وفي حالة صعبة، كما يقال. يأتي إليّ من اجل المساعدة ولكن عندما يدخل أسأله: «كيفك؟ شلونك؟» كما نقول بالحلبية، فيجيبني دائمًا: "أحسن" وهذا شعار كشفي: «دومًا أحسن». فبالنسبة إلى هذا الإنسان، دائمًا هناك ما هو أحسن. ما أجمله من شعار، بالرغم من كل هذه الظروف! لا يزال هناك تفاؤل، وهناك الصبر في الشدة، وهناك الرجاء: دوماً أحسن.
فهذا ما أتمناه للجميع: أن نكون متفائلين، وأن تكون لنا نظرة فيها الطموح نحو الأفضل، ونحو الأسمى، ونحو المدينة الفاضلة التي نريدها. هذه المدينة قد تكون في الأحلام، ولكن كل حقيقة تبدأ بالحلم. فيجب علينا نحن أن نكون أبناء الرجاء، أبناء القيامة. لا تنتهي حياتنا كمسيحيين على الصليب، ولا تنتهي حياتنا في القبر. نحن أبناء النور؛ ننهض، نقوم، نرفع عنا الحجر، ونتابع مسيرتنا، مسيرة الرجاء.
في نهاية هذا الحوار، يبقى الرجاء أكثر من عنوان لكتاب، إنه رؤية لمسيرة كنيسة اختبرت الألم والهجرة والحرب، لكنها اختارت أن تبقى واقفة، وأن تكون جسرًا بين الناس، وحاضرة في قلب مدينتها ومجتمعها. فالرجاء ليس إنكارًا للألم، ولا هروبًا من واقع صعب، بل قوة للنهوض من داخله، وإيمان بأن ما انكسر يمكن أن يُرمَّم، وأن ما بدا وكأنه نهاية يمكن أن يكون بداية جديدة.
ولعلّ هذه هي خلاصة ما أراد المطران بطرس مراياتي أن يقوله في هذا الحوار: أن نحفظ جذورنا، ونصون إيماننا، ونبقى منفتحين على الآخر، وأن نرفع الحجر عن الطريق كلما أثقلتنا الأيام، ثم نتابع المسيرة بثقة. فما دامت في الكنيسة صلاة، وفي الإنسان رجاء، وفي القلب إيمان، تبقى المسيرة ممكنة. مسيرة الرجاء.