موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
من المغري أحيانًا أن نعزل الإنجيل عن بعض جوانب حياتنا. وقد نُقنع أنفسنا أيضًا بأننا لسنا بحاجة إلى الإصغاء إلى الكنيسة الكاثوليكية في قضايا معيّنة. فنحاول حصر الكنيسة ضمن إطار آمن لا يتجاوز ساعة واحدة صباح يوم الأحد، أو ضمن ما نسمّيه «الشؤون الدينية» (مهما كان معنى هذا المصطلح)، أو في مجالات محدودة من الأخلاق. غير أنّنا، عندما نسعى إلى عزل تعليم الكنيسة عن مجمل حياتنا، فإننا ننكر شمولية الكنيسة ورسالتها في إعلان الحقيقة.
يبدو أنّ نائب الرئيس جيه دي فانس يسعى إلى هذا النوع من العزل. فبعد أن هاجم الرئيس دونالد ترامب البابا لاون الرابع عشر وجدّف بحق يسوع، سارع فانس إلى القول إنّه «في بعض الحالات، سيكون من الأفضل للفاتيكان أن يلتزم بقضايا الأخلاق، وأن يركّز على ما يجري داخل الكنيسة الكاثوليكية». وبما أن الرئيس مُلزم «بحماية مصالح الولايات المتحدة» كما قال فانس، فعلى البابا أن «يبقى في مجاله» وأن «يترك للرئيس تحديد السياسات العامة الأميركية». وبذلك، يسعى فانس إلى وضع «صندوق ضيّق» للكاثوليكية، يستبعد منه قضايا واسعة مثل الحرب والسلام والسياسة الدولية وسياسات الهجرة وغيرها.
لكن من المهم أن نتذكّر أن جزءًا من كاثوليكية الكنيسة يكمن في أنها معنيّة بتشكيل مجمل وجودنا الإنساني. ويتم هذا التشكيل بطرق متعددة، من بينها سلطة الكنيسة التعليمية، التي يصونها ويمارسها البابا والأساقفة. ومع الأسف، كثيرًا ما رفض بعض الكاثوليك هذا التشكيل، مفضّلين استثناءات ذات طابع علماني. وقد عبّرت مجلة «ناشونال ريفيو»، التي أسسها وليم ف. باكلي، عن هذا الموقف من خلال ردها الشهير على رسالة «Mater et Magistra» (أُم ومعلّمة) للبابا يوحنا الثالث والعشرين، بقولها: «Mater si, Magistra no» (أُم نعم، معلّمة لا). فقد رفض باكلي ومن معه تدخّل الكنيسة في بعض المجالات، خصوصًا العدالة الاقتصادية. وفي هذا، لم يختلفوا كثيرًا عن التقدميين الذين أعلنوا «magistra no» فيما يتعلق بقضايا الأخلاق الجنسية، ولا سيما في رسالة البابا بولس السادس «Humanae Vitae» (حياة الإنسان).
لا يكتفي فانس بالإعلان «magistra no»، بل يدّعي خطأً أيضًا تحديد نطاق التعليم المقبول من قبل نائب المسيح وخلفاء الرسل. وهكذا نجد أنفسنا أمام مطالبة غريبة تدعو البابا لاون إلى «الالتزام بالأخلاق»، وكأنّ الأخلاق ليست بُعدًا أساسيًا في كل مجالات الفعل الإنساني. فعندما يعلن البابا لاون –مقتبسًا من يوحنا بولس الثاني وبولس السادس- «لا مزيد من الحروب»، فهو يتحدّث بلا شك في صلب الأخلاق. ولا ينبغي أن يكون ردّنا عزل هذا التعليم، بل السعي إلى تطبيقه عمليًا بإنهاء هذه الحرب.
يعود تقليد الكنيسة في الدعوة إلى السلام، وتحديد ما يُمكن اعتباره «حربًا عادلة»، إلى القديسين أمبروزيوس وأغسطينوس في القرنين الرابع والخامس. ومع تطور هذا التقليد، شدّدت الكنيسة الحديثة بشكل متزايد على المعايير الصارمة للحرب العادلة، بل أكدت أنّ حتى «الحرب العادلة» تبقى فشلًا أخلاقيًا. قد تكون الحروب ضرورية أحيانًا، لكنها دائمًا مأساة. ولهذا السبب يقول البابا لاون أنّ «لا يستطيع أحدٌ أن يلفظ اسمه [يسوع] لتبرير الحرب»، لأن يسوع «لا يُصغي إلى صلاة الذين يخوضون الحروب، بل يرفضها». فالله يقف إلى جانب صانعي السلام، لا صانعي الحروب.
يرى فانس أنّ «الالتزام بالأخلاق» يعني أن يبتعد البابا والأساقفة عن قضايا الحرب والسلام، وأن يتركوا للرئيس تحديد معايير الحرب العادلة، «وفقًا لأخلاقي الخاصة» كما قال ترامب. ويأتي ذلك في وقت تحدّث فيه وزير الدفاع بيت هيغسيث بتفاخر بإمطار الإيرانيين بالموت، وبعد تهديد السيد ترامب بمحو حضارة بأكملها. ويبدو أنّ السيد فانس لا يعتبر التلذذ بالموت أو التهديد بالإبادة مسائل أخلاقية، وبالتالي يرى أن على البابا التزام الصمت حيالها.
غير أنّ الكنيسة لطالما أكدت دورها في إرشاد المؤمنين في حياتهم السياسية، لأن السياسة والحرب مسائل أخلاقية بطبيعتها. وقد علّم البابا بندكتس السادس عشر في رسالته «Caritas in Veritate» (المحبّة في الحق) أنّ الكنيسة تسهم في التنمية البشرية «إذا كان الله يجد له مكانًا في مجال الحياة العامة، وبشكلٍ خاص في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وخصوصًا السياسية» (56). إن إسكات الكنيسة في هذه القضايا هو إقصاء لله عن مجال الحياة العامة وعزل للإنجيل. فالكنيسة، بحسب بندكتس، «لديها رسالة حق عليها القيام بها في كل الأزمنة والظروف» (9)، ولا سيما في تعليمها الاجتماعي الذي يشمل قضايا الحرب والعلاقات الدولية.
لا يوجد مجال يمكننا أن نقول فيه «magistra no» كما فعل فانس. تقع على الكنيسة الجامعة، ولا سيما قادتها الأساقفة، مهمة إعلان السلام والعدل في عصرنا، وبالتالي إدانة الحرب والظلم. ويزداد ذلك إلحاحًا في ظل حرب على إيران لا تستوفي أيًا من شروط «الحرب العادلة»، وتُدار من قبل إدارة تتباهى بإيقاع الموت بلا رحمة، حتى بعد قصف مدرسة أودى بحياة 165 طفلًا.
وفي هذا السياق، اضطرت لجنة العقيدة التابعة لأساقفة الولايات المتحدة إلى تصحيح موقف فانس على مستويين: أولًا، التأكيد أنّ الحرب على إيران ليست حربًا عادلة، وبالتالي فإن الله لا يصغي إلى صلوات من يشنّها. وثانيًا، أوضح المطران جيمس ماسّا أنّ «البابا لاون الرابع عشر، عندما يتحدث بصفته الراعي الأعلى للكنيسة الجامعة، لا يعبّر عن آراء لاهوتية فحسب، بل يعلن الإنجيل ويمارس خدمته كنائب للمسيح». ومع ذلك، يتعامل فانس، وكثير من الكاثوليك الآخرين، مع تعليم البابا والأساقفة وكأنه مقالات رأي يمكن تجاهلها أو السخرية منها. بينما الحقيقة أنّ البابا لاون ليس كاتب مقالات، بل نائب المسيح. إن شعور الأساقفة الأمريكيين بضرورة تذكير السيد فانس بهذا الأمر ينبغي أن يكون دافعًا جادًا للتأمل والتوبة من قبله ومن يدعمونه.
كل هذا يقودنا إلى فهم السيد فانس المشوَّه لنظام المحبة في الأخلاق المسيحية. فبحسب تعليم القديس أغسطينوس، لا يهدف هذا الترتيب إلى حصر محبتنا في مصالحنا الشخصية، بل إلى توسيعها لتشمل الأقرباء والغرباء وحتى أعدائنا. غير أنّ السيد فانس، كغيره من الكاثوليك في «حركة ماغا»، يبدو أنه يسعى إلى تقييد هذه المحبة، ولذا يدّعي أن على البابا التركيز على ما يجري «داخل الكنيسة الكاثوليكية». وبعبارة أخرى، يريد تحديد حدود إعلان المحبة، وبالتالي نطاق السلطة البابوية.
ولعل هذا ما يفسّر إعلان البابا لاون، ردًا على هجمات ترامب، أنه «لا يخشى شيئًا» وسيواصل «التعبير بصوت عالٍ عن رسالة الإنجيل». فالمحبة المسيحية تتجاوز حدود الكنيسة، لتشمل حتى الأطفال الذين قُتلوا في إيران، ولذلك لا يمكن حصر العناية الراعوية داخل أسوار الكنيسة. لا حدود للمحبة، ولا حدود للإنجيل، ولا مجال من مجالات الحياة خارج نطاق صوت الكنيسة، ولا حصار يمكنه إسكات صوتها النبوي عندما تندّد بالحرب وتعلن إنجيل السلام.