موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢٨ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
سيامة الأب إيمانويل أبراهاميان كاهنًا للأرمن الكاثوليك بوضع يد البطريرك ميناسيان

رافي سايغ :

 

في كنيسة القديس مارون في روما، يوم السبت 26 أيلول 2026، احتفل بالرسامة الكهنوتية للشماس إيمانويل أبراهاميان، بوضع يد صاحب الغبطة روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان، بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك، خلال قداس إلهي شارك فيه أساقفة وكهنة من الكنائس الأرمنية واللاتينية والمارونية والسريانية، إلى جانب حضور راهبات من رهبانيات مختلفة، وعائلة الكاهن الجديد القادمين من الخارج وأبناء الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية.

 

واتخذ الكاهن الجديد شعاره «هاءنذا، فأرسلني» (إش 6: 8).

 

وعاون غبطة البطريرك في القداس الأب ناريك منويان والأب آرام أبراهاميان، فيما قام الأب بيرج سبع بدور العرّاب، وتولّى الأب بدروس مرعشليان خدمة خدمة شرح مراحل السيامة. وأحيا التراتيل الإكليريكيون في المعهد الحبري الأرمني الليفوني في روما، بقيادة الأب نشان حناشيان، بحضور الأب لويجي ماريا إبيكوكو، الأب الروحي للكاهن الجديد.

 

 

لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم

 

وفي عظته، وصف البطريرك ميناسيان يوم الرسامة بأنه «عيد الكنيسة» و«عيد الكهنوت»، متوقفًا عند سرّ الدعوة الكهنوتية بوصفها اختيارًا إلهيًا يسبق كل مبادرة بشرية، مستشهدًا بكلمات المسيح: «لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم» (يو 15: 16).

 

وتوجّه غبطته إلى الكاهن الجديد بكلمات أبوية، مؤكدًا أن عظمة هذه اللحظة لا تكمن في ما يختاره الإنسان لنفسه، بل في المسيح الذي ينادي ويكرّس ويرسل. وقال إن الكاهن الذي يقف اليوم أمام المذبح ليس إنسانًا لم يعرف صعوبات الحياة، بل ابنًا «عرف تناقضات العالم، وواجه الصعوبات بوجه مكشوف، وعرف كيف يقاوم المساومات، ثابتًا في إيمانه»، مشيرًا إلى أن الصلاة كانت السلاح الحقيقي الذي حفظ أمانته للمسيح.

 

واستحضر البطريرك تعليم القديس بولس: «فإن مصارعتنا ليست مع لحم ودم، بل مع أرواح الشر» (أف 6: 12)، متأملًا في الصراع الذي قد يرافق الدعوة، سواء في أعماق الإنسان من خلال الشك والتجربة والوحدة، أو في ما يأتيه من الخارج من انتقادات وافتراءات ومحاولات للنيل من ثباته.

 

وفي هذا السياق، شدّد على أن الأمانة للمسيح لا تعني أن يخلو طريق الدعوة من الألم، بل أن يبقى القلب حرًا من الحقد، مستشهدًا بقول الرسول بولس: «لا يغلبنّك الشر، بل اغلب الشر بالخير» (رو 12: 21). كما استعاد كلمات المسيح لبطرس: «سمعان، سمعان، هوذا الشيطان قد طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك» (لو 22: 31-32)، معتبرًا أن صلاة المسيح والنعمة كانتا سندًا في زمن المحنة.

 

وقال البطريرك إن الله طهّر قلب إيمانويل ليجعله «راعيًا متواضعًا، قويًا في الرجاء، ومستعدًا لخدمة شعبه بدافع المحبة وحدها»، قبل أن ينقله إلى قلب الرسالة الكهنوتية: المذبح.

 

وتأمل في اللحظة التي سيستدير فيها الكاهن نحو شعب الله ويبسط يديه معلنًا: «سلام الرب معكم»، مؤكدًا أن هذه الكلمات لا ينبغي أن تبقى مجرد عبارة طقسية، بل أن تكون سلامًا حيًا يخرج من قلب إنسان اختبر الألم، وأصبح قادرًا على أن يمنح هذا السلام لشعب مجروح.

 

كما توقف عند سرّ الإفخارستيا، حيث تمتد يدا الكاهن الممسوحتان بالميرون المقدس إلى خدمة سرّ جسد المسيح ودمه، مستشهدًا بقول الرب: «ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه» (يو 15: 13).

 

ودعا البطريرك الكاهن الجديد إلى أن يتذكر أن الكاهن يصعد إلى المذبح لكي يقدّم نفسه مع المسيح، وأن يكون «خبزًا مكسورًا لجوع شعبنا الروحي، وكأس تعزية لكل من يعيش في الضيق والمحنة»، حاملًا إلى المؤمنين تعزية المسيح ورجاءه.

 

 

كاهنان من بيت واحد

 

وفي لفتة أبوية، اتجه البطريرك ميناسيان إلى عائلة الكاهن الجديد، متوقفًا عند النعمة الخاصة التي حملها هذا البيت للكنيسة، إذ قدّم كاهنين لله: الأب آرام أبراهاميان، شقيق الأب إيمانويل، ثم أخاه الذي نال اليوم نعمة الكهنوت.

 

وتحدث غبطته عن البيت الذي تنشأ فيه الدعوة بوصفه «الكنيسة المنزلية الحقيقية»، حيث يتعلم الأبناء الإيمان قبل أن يدركوا معانيه، مستحضرًا صلوات الأم وسهرها وتعبها، وما زرعه الوالدان في أبنائهما من محبة الله وكرامة العمل والشجاعة في عدم المساومة على الضمير.

 

ووجّه البطريرك إلى والدي الكاهن الجديد، المتّحدين مع الجماعة المؤمنة في هذا اليوم بالإيمان والصلاة، عميق الامتنان وأصدق العرفان وأعظم البركة، معتبرًا أنهما قدّما لله أثمن ما لديهما، وأن الكنيسة تفرح اليوم بعطاء هذا البيت.

 

وفي ختام عظته، دعا البطريرك الأب إيمانويل إلى أن يكون «راعيًا شجاعًا، وترسًا للضعفاء، وخادمًا للحق، ورجل صلاة»، وأن يبقى نظره ثابتًا على المسيح، الراعي الصالح، «الذي يعرف خرافه واحدًا واحدًا ويبذل حياته من أجلها» (يو 10: 14)، طالبًا شفاعة والدة الإله القديسة والآباء القديسين، لكي يبقى فرح كهنوته ونقاوته وخصوبته محفوظًا في الرب.

 

 

من القامشلي إلى مذبح الكهنوت

 

وُلد الأب إيمانويل سعدو أبراهاميان في مدينة القامشلي، سوريا، في 9 كانون الثاني 1994، ونال سرّ المعمودية في 6 كانون الثاني 1995، في كنيسة القديس يوسف للأرمن الكاثوليك في القامشلي. وتابع دراسته المدرسية حتى سن الرابعة عشرة في مدرسة مسروبيان (السلام)، التابعة لكنيسة الأرمن الكاثوليك في القامشلي. وفي عام 2008، التحق بالإكليريكية الصغرى للأرمن الكاثوليك في حلب، ثم أنهى دراسته المدرسية عام 2011.

 

وفي 16 نيسان 2012، أُرسل إلى روما لمتابعة دراساته في الفلسفة واللاهوت في الجامعة الحبرية الغريغورية، حيث نال عام 2021 شهادة البكالوريوس في اللاهوت بتقدير «مع مرتبة الشرف». وتابع بعد ذلك دراساته في الجامعة الحبرية اللاتيرانية، متخصصًا في القانون الكنسي، ليجمع في مسيرته التكوينية بين الدراسة الفلسفية واللاهوتية والتخصص في القانون الكنسي، في إعداد امتد لسنوات استعدادًا لخدمة الكنيسة.

 

وهكذا، وصلت دعوة بدأت في كنيسة القديس يوسف في القامشلي إلى مذبح القديس مارون في روما، حاملة معها ذاكرة البيت والكنيسة الأولى، ومسيرة الإكليريكية والتكوين، وصولًا إلى اليوم الذي وضعت فيه الكنيسة أملها في كاهن جديد لخدمة الله وشعبه.

 

أطيب التمنيات للأب إيمانويل سعدو أبراهاميان بمناسبة سيامته الكهنوتية، ولأهله وأحبائه فرح هذه النعمة التي تقوده اليوم إلى خدمة مذبح الرب. وهو الكاهن القادم من مدينة القامشلي ومن رحم كنيسة قدمت خيرة أبنائها لخدمة مذبح الرب وبقيت شاهدة لرسالة السيد المسيح حول العالم.

 

ونسأل المسيح، الراعي الصالح، أن يرافق خطواته في رسالته الكهنوتية، وأن يمنحه قلبًا أمينًا للخدمة، وحكمةً في الرعاية، ورجاءً في الشهادة، ورحمةً لكل إنسان يضعه الرب في طريقه، وأن يثمر كهنوته في حياة المؤمنين، بشفاعة أمنا مريم العذراء، سيدة بزمار، والقديس إغناطيوس مالويان، لمجد الله وخير شعبه.