موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الثلاثاء، ٢٧ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
بعد الضجّة: هل نحن مواطنون متساوون أم ضيوف في أوطاننا

د. شارلي أبو سعدى :

 

في كل مرة تقع فيها حادثة تمسّ المسيحيين العرب، تتكرر الإدانة والتصريحات التي تؤكد وحدة المجتمع وحق الجميع في العيش بكرامة ومساواة. وقد أعادت أحداث حمود في الكرك الأردنية طرح أسئلة تتجاوز الحادثة نفسها تتعلق بطبيعة المواطنة، ومكانة المسيحيين في أوطانهم، ومدى قدرة القانون على حماية الجميع.

 

لكن السؤال الأهم يبقى: حين تهدأ وسائل الإعلام وينشغل الناس بقضايا أخرى، هل يتحوّل التضامن إلى تغيير حقيقي، أم تبقى الأمور على حالها بانتظار حادثة جديدة تعيد الأسئلة نفسها إلى الواجهة؟

 

المشكلة ليست في التضامن، بل في أن يصبح بديلاً عن معالجة الأسباب التي تسمح بتكرار الاعتداءات والتمييز. فالإدانة بداية ضرورية، لكنها لا تكفي ما لم تتبعها محاسبة وإجراءات واضحة تضمن الحقوق وتمنع تكرار الظلم.

 

 

لسنا ذمّيين في أوطاننا

 

إن استمرار الحاجة إلى تأكيد أن المسيحيين جزء أصيل من أوطانهم يكشف عن مشكلة أعمق من مجرد خطاب أو حادثة عابرة. فالمسيحيون العرب ليسوا جماعة طارئة على المنطقة، ولا ضيوفًا ينتظرون قبول الآخرين بهم، بل هم جزء من تاريخها وتكوينها الثقافي والاجتماعي والوطني.

 

لهذا، فإن التعامل مع المسيحيين بمنطق الحماية أو التسامح، وكأن وجودهم يعتمد على سماح الآخرين لهم به، لا ينسجم مع مفهوم المواطنة الحديثة. فالدولة لا تمنح مواطنيها حقوقهم بوصفها منّة، ولا تحمي جماعة لأنها أضعف أو أقل عددا، بل لأنها مسؤولة عن كرامة جميع المواطنين وحقوقهم. فحقوق المواطن ليست فضلا من الدولة ولا منّةً من الناس، بل هي حقوق يستحقها بحكم مواطنته، وليست هبة يمنحها أحد متى شاء ويسحبها متى شاء.

 

إن المسيحيين المشرقيين ليسوا مجرد ذمّيين في أوطانهم، فنحن لا نطلب امتيازات خاصة، بل ندعو لأن نكون مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وأن يكون انتماؤنا إلى الوطن أمرا طبيعيا لا يحتاج إلى إثبات متكرر.

 

 

القانون هو الاختبار الحقيقي

 

لا تُقاس جدية المواقف بقوة الإدانة وحدها، بل بما يتبعها من إجراءات. فإذا وقع اعتداء على الأشخاص أو الممتلكات فيجب أن يكون هناك تحقيق جاد، ومحاسبة وفق القانون، وإنصاف للمتضررين، وخطوات تمنع تكرار الحادثة.

 

ولا تتحقق المساواة بمجرد النص عليها، بل حين يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن المؤسسات العامة تتعامل معه بعدالة، وأن حقوقه لا تتأثر بدينه أو هويته أو قدرته على الوصول إلى أصحاب القرار.

 

 

المواطنة تبدأ من الوعي والتربية

 

لا تتشكل المواطنة في المحاكم والمؤسسات وحدها، بل تبدأ أيضا في المدرسة، من خلال المناهج والصورة التي تنقلها الأجيال عن تاريخ وطنها ومجتمعه.

 

فعندما يُعرض التاريخ المسيحي العربي بصورة هامشية، أو يُختزل الحضور المسيحي في الكنائس والآثار، تصبح صورة المجتمع ناقصة. فالمسيحيون ليسوا مجرد جزء من الماضي، بل مواطنون ساهموا في تشكيل مجتمعاتهم، وما زالوا يشاركون في حياتها الثقافية والاجتماعية والفكرية.

 

من هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة المناهج التعليمية لتقديم تاريخ المجتمع بجميع مكوناته بصورة منصفة، وتعزيز مفاهيم المواطنة والمساواة واحترام الاختلاف.

 

 

مواجهة التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي

 

وهنا تبرز مسؤولية الجميع في التصدي للتحريض وخطاب الكراهية، وعدم السماح للشائعات والمواقف الإقصائية بتغذية الانقسام أو الانتقاص من انتماء أي مواطن. فاختلاف الدين أو الرأي لا يبرر التشكيك في حقوق الآخرين أو المساس بكرامتهم، بل إن حماية السلم الأهلي تبدأ من احترام الإنسان وصون حقه في المواطنة المتساوية، سواء في الفضاء الرقمي أو في الحياة اليومية.

 

 

من الحضور التاريخي إلى الشراكة الفعلية

 

إن الحفاظ على الحضور المسيحي يتحقق بتوفير الظروف التي تسمح لهم بالبقاء والمشاركة وبناء مستقبل كريم. فالحضور الحيّ تصنعه حياة الناس وحقوقهم وفرصهم في التعليم والعمل والمشاركة العامة. وتعني الشراكة أن يكون للمسيحيين مجال حقيقي للمشاركة في القرارات العامة، والتعبير عن مخاوفهم ومقترحاتهم، والمساهمة في معالجة التحديات التي تواجه المجتمع. كما تعني أن تكون مواجهة خطاب الكراهية والتحريض مسؤولية مشتركة، لا مهمة تقع على عاتق الجماعة المستهدفة وحدها.

 

 

ماذا نريد أن يبقى بعد الضجّة؟

 

 

إذا أردنا تحويل التضامن إلى نتائج ملموسة، فلا بد من خطوات عملية قابلة للمتابعة:

 

· سيادة القانون: التحقيق الجاد في الاعتداءات عامة وخصوصا على الأراضي والممتلكات الخاصة، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان إنصاف المتضررين.

 

· مراجعة المناهج: تقديم التاريخ المسيحي العربي ومساهماته بصورة منصفة، وتعزيز ثقافة المواطنة المتساوية.

 

· عدالة المؤسسات: ضمان المساواة في الخدمات والفرص والحقوق، دون تمييز على أساس الدين أو الانتماء.

 

· المشاركة العامة: تعزيز حضور المسيحيين في النقاشات والقرارات التي تمس مستقبل المجتمع.

 

· مواجهة التحريض والكراهية: التصدي للتحريض والتمييز، وترسيخ المسؤولية المشتركة عن حماية النسيج المجتمعي.

 

· متابعة التنفيذ: الانتقال من الوعود إلى إجراءات واضحة، ومراجعة ما تحقق وما يحتاج إلى معالجة.

 

 

المواطنة حق وليست منّة

 

بعد أن تنتهي الضجّة، تبدأ المسؤولية الحقيقية: كيف نحول التضامن إلى تغيير ملموس، والمساواة من شعار إلى ممارسة يومية؟ فحقوق المسيحيين ليست فضلا من الدولة ولا منّةً من أحد، بل حقوق أصيلة يجب أن تُصان وتُحمى، شأنها شأن حقوق جميع المواطنين.

 

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحرك جاد من المؤسسات الرسمية والدينية والتربوية والمجتمعية لترجمة مواقف التضامن إلى إجراءات عملية، تعزز المساواة وتحمي الحقوق وتمنع تكرار الانتهاكات. فالمطلوب ليس انتظار الحادثة القادمة للتحرك من جديد، بل بناء واقع تكون فيه المواطنة المتساوية ممارسة يومية، لا مطلبا يُستعاد عند الأزمات. فالتضامن الحقيقي لا يُقاس بما نقوله وقت الأزمة، بل بما نفعله بعدها لضمان العدالة للجميع.