موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٤ مارس / آذار ٢٠٢٦
الموافقة على بدء مسار التطويب الأبرشي للأب روبيرتو مالجيزيني

أبونا :

 

"لا مانع". كلمتان تفتحان الطريق نحو إعلان قداسة الأب روبيرتو مالجيزيني، الكاهن البالغ من العمر 51 عامًا واغتيل قبل ست سنوات في كومو على يد رجل مشرّد كان يعرفه منذ زمن. جاء هذان الكلمتان في وثيقة صادرة عن دائرة دعاوى القديسين وموجهة إلى الكاردينال أوسكار كانتوني، أسقف المدينة، لتثير فرحة كبيرة لدى كل من عرف هذا "شاهد المحبة"، كما وصفه البابا فرنسيس في اليوم التالي لمقتله، وخاصة لدى الشباب الذين شاركوا، في 21 آذار، في أمسية صلاة من أجل الشهداء المرسلين في جماعة "جوفاني باتيستا سكالبيريني" الرعوية حيث كان يعمل الأب روبيرتو.

 

 

إحياء ذكرى "روبي"

 

التواضع والقرب من الآخرين وخدمة الفقراء كانت أبرز ملامح محبة الأب روبيرتو، التي عاشها دائمًا كخطوة أولى لبناء علاقة، نحو إعلان محبة الله. هذا ما قاله "رفاقه في القداس"، كما كان يُطلق على أصدقائه الكهنة آنذاك. هذه هي الصفات التي تجدها شقيقته كاترينا مالجيزيني في أعماق روح أخيها.

 

كاترينا، هي الابنة الوحيدة لإيدا وبرونو من بين أبنائهما الأربعة، وقد توفي الأخير قبل بضع سنوات. لديها حس فطري بالحفاظ على ذكرى "روبي"، كما كانت تُطلق عليه أحيانًا خلال أحاديثها مع وسائل الإعلام الفاتيكانية. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يلمس أيضًا فرحتها بهذه الخطوة التي اتخذتها الكنيسة. تقول: "نحن كعائلة نشعر بفخرٍ عظيمٍ بهذا.. لكنني لا أنكر أنه يُثير فينا شعورًا عميقًا بالحزن، لأننا دائمًا ما نعود إلى التفكير في الماضي، عندما كان بيننا. وبعد ذلك، نفتقده بشدة".

 

 

رجاء خالد

 

والدتها، التي ستبلغ الثامنة والثمانين من عمرها قريبًا، تفتقده بشدة، غارقة في حزنها العميق - حزنها العظيم، كما وصفه البابا فرنسيس في المقابلة العامة في 14 تشرين الأول 2020، متحدثًا عن الدموع التي ذرفعت لـ"رؤية هذا الابن الذي ضحى بحياته في خدمة الفقراء".

 

تقول كاترينا أن الحزن يخففه ذكرى الأب روبيرتو الحية، كجميع الشهداء، يحثّ على الإيمان ويقدّم "رجاء مملوء خلودًا"، كما شدّد البابا لاون الرابع عشر في 14 أيلول 2025 أثناء إحيائه ذكرى شهداء وشهود الإيمان في القرن الحادي والعشرين. وتضيف: "نحن عائلته ولن ننساه". كما أنها لا تنسى فكاهة أخيها: "عندما كان يأتي، كنا جميعًا نجتمع معًا لتناول الطعام، وكان متعلقًا جدًا بأبناء إخوته الأربعة، وكان دائمًا يقول لنا إنه يأتي من أجلهم، وكان يسخر منا قائلاً إنه لا يهتم بنا إطلاقًا. بالطبع، كان يمزح".

 

 

حماية من الألم

 

عائلة متماسكة، مؤمنة، لكن "بتديّن معتدل"، ولم تتقبّل بسهولة قرار روبيرتو، حين كان في الثالثة والعشرين، بدخول المعهد الإكليريكي. "كان مقتنعًا جدًا بخياره، لكن بالتأكيد كنا قلقين، كان يروي أشياء ولا يروي أخرى حتى لا نقلق، كان دائمًا كتومًا ومتحفظًا جدًا".

 

بعد وفاته، اكتشفت كاترينا العديد من الأمور، وكانت مندهشة خصوصًا من العلاقات التي نسجها روبيرتو مع أشخاص بعيدين عنه جدًا. تحفظه هذا يتناقض مع مقتله العنيف. في هذا الصدد، تقول شقيقته إن العائلة حافظت على مسافة بينها وبينه: "لم نرغب بالمشاركة في المحاكمة؛ ربما كان ذلك وسيلة ساعدتنا على التعايش مع هذا الألم الكبير".

 

مع ذلك، فإن فكرة الوفاة التي نُشرت مرارًا وتكرارًا في الأخبار والصحف دفعت كاترينا إلى القول إنّ رحيل الأب روبيرتو كان عكس ما كان يريده تمامًا: "لقد جعلته تلك الوفاة يقوم بما لم يرد القيام به: أن يُنظر إليه من الجميع، ولكن، على كل حال، أقول ربما من الجيد أنه تم النظر إليه". هذا الموقف يذكّر بكلمات البابا لاون مباشرة بعد انتخابه: "الابتعاد عن الأنظار ليبقى المسيح، أن تصغُر لتُعرف وتُمجد، أن تبذل نفسك بالكامل لكي لا يحرم أحد من فرصة معرفته ومحبته".

 

 

مثال للكهنة

 

يسلط نورٌ على كاهن كان يمارس محبة صامتة، مليئة بالنظرات والاهتمام، وبمحبة لا تطلب مقابلاً. نورٌ يجب بالضرورة أن يُسقط على ذكريات أخ وأخت. "بالنسبة للآخرين هو الأب روبيرتو، بالنسبة لي كان أخي، كان روبيرتو. لا أستطيع –تقول كاترينا– مشاركة أموري الشخصية، الأمر صعب. لقد وصلت حساسيته تجاه الآخرين وتجاهنا إلى الجميع. كان من الجميل جدًا التحدث معه، بيننا فرق 4 سنوات فقط، وكان أكثر نضجًا عندما كنت مراهقة، لدي ذكريات جميلة جدًا عن محادثاتنا".

 

وتختتم قائلة: "أود أن يستلهم الكهنة من أسلوبه، من طريقة حياته، من الطريقة التي عاش بها دعوته. وأود أيضًا أن لا يكتفوا بتذكره، بل أن يتوقفوا للتفكير والتأمل قبل القيام بأي عمل، وأن يقولوا في صلاتهم: ماذا كان سيفعل الأب روبرتو؟".

 

 

الفقراء معلمو الإنجيل

 

أعرب أسقف كومو، الكاردينال أوسكار كانتوني، عن فرح عميق بإطلاق عملية التطويب على المستوى الأبرشي للأب روبيرتو مالجيزيني، خصوصًا بين الشباب الذين شاركوا في الأمسية والتي تم فيها أيضًا تذكّر الأب بينو بوغليسي الذي اغتيل عام 1993، في نفس اليوم الذي قتل فيه الأب روبيرتو.

 

وقال: "بالنسبة لأبرشيتنا، هذا بمثابة علامة حية للعناية الإلهية التي تمنحنا المسؤولية، وتعلّمنا أن نجعل القداسة هدفًا يوميًا في حياتنا العادية، حياة تُعاش بأعمال بسيطة، لكنها مفعمة بمحبة المسيح، أي أن تُمارس من خلال علاقات مليئة بالحنان والخير تجاه الجميع، بدءًا من الأكثر حاجة". وأضاف أن الأب روبيرتو كان كاهنًا هادئًا بعمق لأنه كان "ثمرة علاقة وثيقة مع الرب يسوع، وبمحبته له كان قريبًا بمحبة صادقة وغير مهيأة تجاه الفقراء، الذين كان يعتبرهم حقًا جسد المسيح".

 

وتابع: "يعلّمنا الأب روبيرتو أن الفقراء ليسوا أشخاصًا نرعاهم من الأعلى للأسفل، بل إخوة وأخوات لنا، يجب أن نحبهم بقرب مليء بالبساطة والحنان، وهم معلمونا لنتعلم كيف نعيش إنجيل يسوع". وختم كانتوني قائلاً: في عالم اعتاد على اللامبالاة، هناك حاجة كبيرة لمن يتعلم أن ينظر في عيون جميع الإخوة والأخوات، وينادي كل واحد منهم باسمه"، مشيرًا إلى أن الأعمال الخيرية التي بدأها مالجيزيني مستمرة.