موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣٠ مايو / أيار ٢٠٢٦
المسيحيون في لبنان لا يريدون مجرد البقاء بل أن يعيشوا حقًا

أبونا :

 

في ظل استمرار التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان، تتزايد المخاوف من مستقبل الوجود المسيحي في منطقة الشرق الأوسط، حيث يحذّر عاملون في منظمات كاثوليكية من خطر تلاشي بعض المجتمعات المسيحية من بلادها التاريخية.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الأب يان زيلازني، مدير القسم البولندي في مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» البابوية، أن العائلات المسيحية في لبنان وسوريا لم تعد تواجه فقط تحديات البقاء، بل تعيش حالة من البحث عن معنى الحياة وسط الحرب والانهيار.

 

وخلال جولة له في لبنان وسوريا أواخر أيار، قال الأب زيلازني إن السكان «يحاولون ليس فقط النجاة، بل أن يعيشوا حقًا»، مشيرًا إلى أن كثيرين يشعرون بأنهم محاصرون في صراع لا علاقة لهم به، لكنه ينعكس مباشرة على حياتهم اليومية.

 

وأضاف: «أمس كانت هناك طائرات مسيّرة فوقنا، واليوم كانت هناك ضربات في لبنان»، في إشارة إلى استمرار التوتر الأمني في الجنوب اللبناني.

 

 

تصعيد عسكري يفاقم معاناة القرى الحدودية

 

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد مواقع تابعة لحزب الله، حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من توسيع نطاق العمليات، مؤكّدًا أن الجيش «لن يخفف من وتيرة الهجمات»، بل سيواصل التصعيد، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.

 

هذا التصعيد، وفق الأب زيلازني، ينعكس بشكل مباشر على القرى الحدودية في جنوب لبنان، حيث ما تزال بعض البلدات المسيحية الصغيرة صامدة رغم الظروف القاسية.

 

وقال: «في بعض الأماكن لم يبقَ إلا بلدات مسيحية صغيرة، بعد أن غادر المسلمون تلك المناطق. هناك أنفاق يختبئ فيها مقاتلو حزب الله، بينما يعيش المسيحيون في حالة حصار دائم». وأضاف أن كثيرين يرفضون مغادرة بلداتهم رغم المخاطر، خشية أن تتحول هجرتهم إلى إقامة دائمة خارج الوطن.

 

 

عائلات مدمّرة وحياة معطّلة

 

ولا تقتصر الأزمة على الجانب الأمني، بل تمتد إلى انهيار اقتصادي واجتماعي واسع. فقد روى الأب زيلازني قصة عائلة من جنوب لبنان عادت إلى قريتها بعد سنوات من النزوح، واستثمرت في مشروع صغير بدأ يحقق أرباحًا، قبل أن يُدمَّر بالكامل خلال أقل من عام نتيجة القصف.

 

اليوم، تعيش العائلة مع أقاربها في شقة متواضعة، بلا تجهيزات أساسية، حيث تُستخدم كراسٍ بلاستيكية وفرشات على الأرض كأبسط وسائل العيش.

 

وقال: «إنهم لا يملكون شيئًا تقريبًا».

 

 

جيل بلا أفق… والهجرة خيار أول

 

ويؤكد العاملون الكنسيون أن أخطر ما يواجه المسيحيين اليوم هو تفاقم الإحباط بين الشباب، حيث باتت الهجرة الخيار الأول لدى كثيرين.

 

وقال الأب زيلازني: «عندما تتحدث مع الشباب، يسألون فقط عن التأشيرات. إنهم لا يرون مستقبلًا لهم في هذا البلد».

 

ومع حلول الصيف، يعيش الأطفال واليافعون في لبنان حالة من العزلة بسبب الأوضاع الأمنية والانهيار الاقتصادي، ما يحدّ من قدرتهم على الاستفادة من أي أنشطة ترفيهية آمنة.

 

 

مبادرات كنسية: من الإغاثة إلى التمكين

 

في المقابل، تعمل الكنيسة عبر مؤسساتها المختلفة على إطلاق مشاريع تهدف إلى تعزيز الصمود، وليس فقط تقديم المساعدات المباشرة.

 

وأشار الأب زيلازني إلى مبادرات تنفذها الرهبانيات ومؤسسات كاثوليكية، تشمل مراكز شبابية توفر للأطفال والشباب مساحات آمنة للرياضة واللقاء. كما تركّز مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» على دعم مشاريع إنتاجية تُمكّن العائلات من تأمين دخل كريم، مثل صناعة القطع الدينية من خشب الأرز، إلى جانب مشاريع فنية للاجئين السوريين في لبنان.

 

وفي أحد المشاريع قرب جامعة الروح القدس في الكسليك، يعمل طلاب سوريون مع فنان كاهن سرياني كاثوليكي على إنتاج فسيفساء فنية من الأحجار، حيث يمكن لقطعة واحدة أن تؤمّن دخلًا لشهر كامل. وقال الأب زيلازني: «لماذا نعطي المال فقط إذا كان بإمكانهم العمل؟ إنهم لا يريدون صدقة، بل استقلالًا».

 

 

إيمان صامد رغم الانهيار

 

وفي دير تابع لراهبات «سيدة المعونة الدائمة» في حريصا، استقبلت الراهبات 41 شخصًا من عائلات نازحة، وشاركنهم الطعام والمأوى في ظل ظروف صعبة.

 

ومع أزمة الكهرباء المستمرة في لبنان، تمّ دعم الدير بألواح طاقة شمسية بتمويل من مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة»، ما ساعد على تخفيف الاعتماد على المولدات المكلفة. وقال الأب زيلازني: «في لبنان نحو 300 يوم مشمس سنويًا، ومن الأفضل الاستثمار في الطاقة الشمسية بدل الوقود».

 

ورغم كل التحديات، يشير الكاهن إلى أن الإيمان ما يزال حاضرًا بقوة في لبنان وسوريا، حيث تستمر الزيارات إلى مزار القديس شربل في عنايا ومزار سيدة لبنان في حريصا، كما تبقى الكنائس عامرة بالمؤمنين. وقال: «من دون الإيمان، لا يمكن تحمّل هذا الواقع».

 

 

احتياجات بسيطة… وأحلام قصيرة المدى

 

وفي المناطق المتضررة مثل دبل وعين إبل ورميش، يعاني السكان من نقص حاد في المياه وضعف البنية التحتية، إضافة إلى صعوبات في إدارة النفايات وإزالة الركام. لكن الأب زيلازني يلفت إلى أن احتياجات الناس تبقى بسيطة للغاية، مضيفًا: «إنهم يحلمون فقط بيوم أو يومين إلى الأمام».

 

وفي مشهد إنساني لافت، قال إن الأطفال في إحدى القرى لم يسألوا المتطوعين سوى عن وجود الشوكولاتة، قبل أن يعودوا لاحقًا بكميات من الحلوى أدخلت الفرح إلى قلوبهم. وختم قائلاً: «قد يبدو هذا تفصيلًا صغيرًا، لكنه يعكس حجم المأساة… حين تصبح أبسط الأشياء حلمًا كبيرًا».