موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٥ مايو / أيار ٢٠٢٦
الكنيسة في السودان: حضور ثابت بين الناس في ظل أزمة منسية وإرهاق متواصل

أبونا :

 

مع دخول الحرب في السودان عامها الثالث، تتفاقم الكارثة الإنسانية بشكل غير مسبوق، مع آلاف القتلى وملايين النازحين ودمار واسع في البنية التحتية الأساسية. وقد اندلع النزاع في نيسان 2023 على خلفية صراع على السلطة بين قائد الجيش السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية القوية الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي».

 

وكان الرجلان قد تعاونا عام 2019 للإطاحة بالحاكم السوداني الطويل الأمد عمر البشير، إلا أنهما فشلا في التوصل إلى اتفاق حول ترتيبات تقاسم السلطة في مرحلة ما بعد البشير. وقد أسفرت الحرب حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص، ونزوح أكثر من 12 مليون إنسان. ومع ذلك، تبدو هذه الأزمة وكأنها طُويت من ذاكرة العالم.

 

وفي مقابلة مع موقع «كروكس»، قدّم الأب جون غبمبويو، منسّق الشؤون الرعوية والتواصل الاجتماعي في مجلس الأساقفة الكاثوليك في السودان، قراءة قاسية لمسار الحرب، متناولًا تصاعد الميليشيات القبلية، وتعمّق انعدام الثقة الذي يغذّي العنف، وفشل جهود السلام الدولية. كما تطرّق إلى نقص الغذاء والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، موضحًا كيف بقيت الكنيسة بمثابة «مستشفى ميداني» إلى جانب الناس، تؤمّن لهم المأوى والوحدة، في وقت انسحبت فيه العديد من منظمات الإغاثة.

 

 

واقع إنساني كارثي

 

ووصف المسؤول الكنسي الواقع الإنساني بأنه «كارثي»، مع اتساع رقعة النزوح، وتفاقم الجوع، وانهيار الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه أولوية الأزمة على الساحة الدولية. وقال إن الناس ما زالوا يتمسكون بالأمل رغم الظروف القاسية، مشيرًا إلى أن «الإنسان بطبيعته يتطلع إلى غدٍ أفضل»، لكن الحرب أضعفت القدرة على العيش الكريم وقطعت سبل الاستقرار.

 

وفي حديثه عن تصاعد الميليشيات ذات الطابع الإثني، واعتبر غبمبويو أن تصاعد الميليشيات ذات الطابع الإثني يرتبط بجذور سياسية تاريخية قائمة على «فرّق تسد»، داعيًا القيادات المتحاربة إلى وضع سلامة المدنيين فوق مصالح السلطة. وأكد أن غياب الثقة بين مكونات المجتمع جعل التفاوض أكثر صعوبة، مشددًا على أن «لا طريق مختصرًا نحو الاستقرار دون إرادة حقيقية للحوار».

 

 

جوع، مرض، نزوح وانتهاكات

 

ووصف الوضع الإنساني في السودان بأنه خارج نطاق التقدير الدقيق بسبب استمرار القتال، موضحًا أن السكان يعانون من نقص حاد في الغذاء والدواء، وصعوبة في الحركة، إضافة إلى تفشي سوء التغذية والأمراض. كما أشار إلى أن النزوح المستمر إلى دول الجوار، بما فيها شرق إفريقيا، يضع ضغوطًا كبيرة على المجتمعات المضيفة، وسط صعوبات تواجه عمل المنظمات الإنسانية نتيجة انعدام الأمن والريبة بين الأطراف المتحاربة.

 

وتحدث الأب غبمبويو عن تقارير تتعلق بانتهاكات خطيرة تشمل العنف الجنسي والاستهداف الإثني، معتبرًا أن غياب السيطرة الصارمة على المقاتلين يسهم في وقوع هذه الجرائم. وأوضح أن آثار هذه الانتهاكات تترك «ندوبًا نفسية عميقة» على السكان، داعيًا القيادات إلى تحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية في ضبط عناصرها ومحاسبة المتورطين.

 

وأشار إلى أن الحروب بطبيعتها تستنزف الموارد الوطنية وتحوّلها إلى أداة صراع، لافتًا إلى وجود أطراف تستفيد من استمرار الفوضى، ما يساهم في إطالة أمد النزاع. ودعا إلى توجيه الموارد نحو احتياجات الشعب بدلًا من تغذية آلة الحرب، مؤكدًا أن السلام هو الطريق الوحيد لإعادة بناء البلاد.

 

 

الكنيسة كـ«مستشفى ميداني» باقٍ وسط الانهيار

 

وفي ما يتعلق بدور الكنيسة، شدد الكاهن على أنها لا تزال حاضرة رغم تقلّص انتشارها بسبب انعدام الأمن، موضحًا أن الرعايا الكاثوليكية تستقبل النازحين وتوفّر لهم بيئة صلاة ومعيشة مشتركة تعزز الوحدة والصمود. وأشار إلى أن أبرشيتي الخرطوم والأُبيّض ما تزالان حاضرتين بين الناس، حيث يواصل الأساقفة والكهنة خدمتهم رغم الظروف القاسية، مقدّمين الدعم الروحي والإنساني للمتضررين. لكنّه أقرّ بأن الكنيسة مرهقة ومثقلة بسبب حجم الاحتياجات، خصوصًا في ما يتعلق بالمأوى والغذاء والرعاية الصحية للكهنة والمكرّسين والنازحين.

 

واختتم الأب غبمبويو بالقول إن صلاته من أجل السودان هي أن يلمس الله قلوب القادة وأصحاب القرار، وأن يستجيب العالم لصرخة الشعب السوداني المتألم. وشدد على أن «الحرب هي فشل في القدرة على التفاوض، بينما السلام هو القوة الحقيقية للإنسان»، داعيًا إلى توحيد الجهود من أجل مستقبل يسوده السلام والوحدة والتنمية في السودان.