موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٣٠ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
التربية الجنسية السليمة وسط الانفتاح الرقمي ضرورة تربوية وأخلاقية

الكاردينال لويس روفائيل ساكو :

 

أكتب هذه السطور انطلاقًا من خبرتي في تنشئة طلاب المعهد الكهنوتي ببغداد، حيث دعوت طبيبًا متخصصًا وطبيبًا نفسيًا للمساهمة في توعيتهم وتثقيفهم في هذا المجال. وقد انطلقتُ من قناعة راسخة بأن التربية الجنسية الصحية ضرورة تربوية وأخلاقية وروحيّة لا يجوز تجاهلها، لما لها من أهمية في بناء شخصيّة الإنسان، ومساعدته على فهم ذاته، وإعداده لتحمل مسؤولياته في الحياة.

 

لا أهدف في هذا المقال إلى تقديم منهج تفصيلي للتربية الجنسية للأطفال والاحداث. هذا ليس من اختصاصي، إنما ما أريده هو توعية الأسر بأهميّة هذه التربية وضرورة أن يتحمل الوالدان مسؤولية توعية أبنائهما وبناتهما، كلٌّ بحسب عمرهم ومستوى نضجهم واحتياجاتهم، في أجواء من المحبة والثقة والاحترام. هذه التربية مطلوبة ايضاً في الاديرة.

 

 

الانفتاح الرقمي ومسؤولية الأسرة

 

نعيش اليوم في عالم أصبحت فيه المعلومات والصور والمحتويات الجنسية متاحة على نطاق واسع من خلال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وقد يتعرض أبناؤنا وبناتُنا لمعلومات غير دقيقة أو مضللة، أو لمحتويات لا تتناسب مع أعمارهم ومستوى نضجهم في  القدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ، والصالح والسيء.

 

من هنا تبرز مسؤولية الوالدين والمربين والمؤسسات التربوية والدينية في تقديم معرفة سليمة، تتناسب مع عمر الأولاد ومستوى نضجهم، وتنسجم مع القيم الأخلاقية والدينية، وتستند إلى الحقائق العلمية الموثوقة. فالتربية الصحيحة تُساعد على حماية الأولاد من الاستغلال والمخاطر الصحية والسلوكية، وتُنمّي لديهم القدرة على بناء علاقات سليمة  تساعد  على العفة والحشمة والحصافة. أما الصمت عن هذه الموضوعات او التخويف منها، قد يَتركهم  فريسةً لمصادر مجهولة، أو معلومات مضللة.

 

 

كرامة الإنسان واحترام العلاقة

 

يشدد الايمان المسيحي على أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وأن له كرامة أصيلة. ومن هذا المنظور ينبغي أن تقوم التربية الجنسية على احترام الجسد والذات والآخرين، وعلى فهم المسؤولية الأخلاقية المرتبطة بالعلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية.

 

وتقدم نصوص الكتاب المقدس رؤية للزواج بوصفه اتحادًا عميقًا بين الرجل والمرأة، يقوم على الالتزام والحبّ والوحدة. فنقرأ في سفر التكوين عن اتحاد الرجل بامرأته وصيرورتهما جسدًا واحدًا (تكوين 2: 24)، ويؤكد إنجيل متى هذا المعنى في حديثه عن الزواج (متى 19: 5-6). والكنيسة تعدُّ الزواج سرًا مقدسًا، وعهدًا يتطلب الحبّ والأمانة والعطاء المتبادل وتحمل المسؤولية. وتَفهم الاتحاد بين الرجل والمرأة  في الزواج كيانًا واحدًا يكمل كل منهما الآخر بحبٍ وتعاون، دون إلغاء شخصية أو خصوصية أحدهما الاخر. للأسف خلال خدمتي اكتشفتُ حالات نادرة لوجود زوجتين عند بعض رجال مسيحيين. وهذا خطأ جسيم  ضد الطبيعية  والقانون الكنسي.

 

ومن الناحية الأخلاقية، ينبغي مساعدة الشباب والشابات على فهم مشاعرهم ورغباتهم، وتوعيتهم بوظائف الجهاز التناسلي والتغيرات التي ترافق البلوغ، وتوضيح العلاقة بين الحياة الجنسية  والانجاب  وتنمية قدرتهم على ضبط النفس، والاستعداد للحياة الزوجية عندما يُصبح الزواج ممكنًا.

 

فالممارسة الجنسية، في المنظور الإيماني المسيحي، ليست مجرد عملية بيولوجية، بل ترتبط بالحب والعطاء والمسؤولية وتجد معناها الكامل في إطار الزواج الذي يهدف الى تكوين أسرة  وانجاب أطفال ورعايتهم وتربيتهم بمسؤولية.

 

يؤدي الزواج دورًا أساسيًا في بناء الأسرة المستقرة، وصيانة الروابط الاجتماعية، وتعزيز المسؤولية المتبادلة بين الزوجين. فالأسرة التي تقوم على الحبّ والوفاء والتعاون توفر بيئةً مهمة لنمو الأطفال نفسيًا وروحيًّا واجتماعيًا، وتُسهم في استمرار الحياة وازدهار المجتمع وخدمة الكنيسة.

 

من هذا المنطلق تكتسب الحياة الزوجية قيمتَها من الالتزام المتبادل والوفاء والعطاء، لا من مجرد الارتباط الشكلي. لذلك، فإن التوعيّة بأهميّة الزواج ينبغي أن تقترن بإعداد الشباب لتحمل مسؤولياتهم، وتوعيتهم بما يتطلبه من نضج نفسي وروحي وعاطفي واجتماعي واقتصادي. كما أن ظاهرة العزوف عن الزواج تستدعي دراسة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، والعمل على معالجة الصعوبات التي تعترض الشباب، بدل الاكتفاء بلومِهم أو مطالبتِهم باتخاذ قرارات لا تسمح بها ظروفهم.

 

 

التربية الجنسية ليست تشجيعًا على الممارسة الجنسيّة

 

من المهم التأكيد أن التربية الجنسية الصحية لا تعني تشجيع الممارسة الجنسية، كما أنها لا تقتصر على التحذير من مخاطرها أو إثارة الخوف منها. إنها جزء من التربية المتكاملة التي تساعد الإنسان على فهم جسده ونموه النفسي والعاطفي، وتنمية قدرته على اتخاذ قرارات واعية ومسؤولة والتمييز بين السلوك السليم والسلوك المؤذي.

 

وهي أيضًا وسيلة للوقاية من الاستغلال والتحرش والمعلومات المضللة، وتعزيز الثقة بين الأبناء ووالديهم. فعندما يجد الطفل أو المراهق من يستمع إليه ويجيبه عن أسئلته بصدق وهدوء، تقل حاجته إلى البحث عن إجابات في مصادر  أخرى قد تكون مضللة أو غير مناسبة لعمره.

 

ولا بد، في هذا السياق، من التشديد على احترام كرامة المرأة ورفض كل خطاب ينتقص من إنسانيتها أو يحطُّ من قدراتها، سواء أكان ذلك من خلال وصفها بأنها "عورة" أو "ناقصة العقل والدين" بمعنى الانتقاص من قيمتها الإنسانية، أو من المشاركة واتخاذ القرار، لاسيما وقد أثبتت النساء قدرتهن على الإبداع والعطاء في ميادين الطبّ والعلوم والقضاء والتعليم والسياسة وغيرها من المجالات. ومن واجب التربية الأسرية والاجتماعية أن تنمي لدى الفتيات الثقة بالنفس، وتشجع على التعلم والتقدم.

 

 

ما الموضوعات التي ينبغي أن يتناولها الوالدان؟

 

لكي يتمكن الوالدان من أداء دورهما على نحو سليم، لا بد من تزويدهما بالمعرفة الضرورية والمهارات التربوية التي تساعدهما على الحوار مع أبنائهما، ولا سيما خلال مرحلة المراهقة، التي تشهد تغيرات جسدية ونفسية وعاطفية مهمة. وهنا اقترح ان يلتزم الاب ابنه والام ابنتها، شريطة مراعاة القيم الأخلاقية والدينية التي تتبناها الأسرة ومرافقتهم بالمعرفة الصحيحة والحوار الصادق والقدوة الحسنة وتقديم الموضوعات تدريجيًا، وفق عمر الأولاد  ومستوى نضجهم واحتياجاتهم.

 

1. التعرف إلى الجسم والتغيرات الجسدية. شرح الأعضاء التناسلية  ووظائفها، والتغيرات التي ترافق البلوغ لدى الذكور والإناث، بلغة علمية واضحة ومحترمة. وينبغي أن يتعلم الأو لاد أن أجسادهم تستحق الاحترام، وأن لهم الحق في الخصوصية والحماية، وأن عليهم احترام أجساد الآخرين أيضًا.

 

2. الصحة الجنسية والوقاية. تقديم معلومات علمية مناسبة للعمر عن الصحة الجنسية والأمراض المنقولة جنسيًا وطرق انتقالها والوقاية منها، وتصحيح المعلومات الخاطئة المتعلقة بها. كذلك توعيتهم بأهمية النظافة الشخصية والعناية بالجسم، والرياضة البدنية، وشرح الدورة الشهرية للفتاة والتغيرات الهرمونية المصاحبة للبلوغ، والتعريف بأساسيات الحمل والولادة بما يتناسب مع العمر. ينبغي ألا تُقدَّم هذه التغيرات الطبيعية بوصفها مصدرًا  للخوف أو الخجل أو العيب، بل باعتبارها جزءًا من النمو الإنساني الذي يحتاج إلى المعرفة والرعاية.

 

3. الزواج والأبوة والأمومة المسؤولة، توضيح مسؤوليات الحياة الزوجية، وأهمية الاستعداد النفسي والروحي والاجتماعي لتحمل مسؤولياتها، وحقوق الأطفال واحتياجاتهم، ودور الوالدين في الانجاب والتربية والرعاية. كما ينبغي التحدث بوعي عن الخلافات الزوجية وآثارها المحتملة على الاولاد، وعن أهمية الحوار والتعاون وطلب المساعدة عند الحاجة، وعن الآثار المدمرة في حالات الطلاق، مع تجنب تحميل الأطفال مسؤولية الخلافات بين الوالدين.

 

4. تنظيم الأسرة ومنع الحمل والإجهاض. تقديم معلومات طبية دقيقة ومناسبة عن الصحة الإنجابية ووسائل تنظيم الأسرة طبيعيًا، وأضرار استعمال وسائل منع الحمل وآثارها الصحية المحتملة. أما الإجهاض، فينبغي تناوله بوصفه موضوعًا طبيًا وأخلاقيًا حساسًا، مع التمييز بين المعلومات الطبية والاعتبارات القانونية والمواقف الأخلاقية والدينية وتعليم الكنيسة في هذا الشأن. وتكتسب هذه التوعية أهمية خاصة في عصر الانفتاح الرقمي، حيث قد يتعرض الأطفال والمراهقون لمحاولات استغلال يصعب عليهم فهمها أو مواجهتها بمفردهم.

 

 

قصة صغيرة ودلالة تربوية كبيرة

 

روت لي سيدة محترمة أنها كانت في شهرها السادس من الحمل عندما اقتربت منها ابنتها الصغيرة وسألتها باستغراب: "ماما، لماذا وضعتِ بطيخة في بطنك؟ أنا أيضًا أريد أن أضع بطيخة في بطني مثلك"!

 

فأجابتها الأم بهدوء وابتسامة، موضحة لها أن ما في بطنها ليست بطيخة، بل طفل غير مكتمل ينمو داخل الرحم. وأخبرتها، بما يتناسب مع عمرها، أن ابوها قدم خلية صغيرة لرحمها وهي قدمت خلية أخرى، وعندما تتحد الخليتان يبدأ طفل جديد في النمو حتى يحين موعد ولادته.. وأنتِ يا حبيبتي عندما تكبرين وتتزوجين سيحصل لك هكذا، فالله  يخلق انساناً جديداً من خلالنا!

 

إن هذه القصة البسيطة تحمل دلالة تربوية مهمة؛ فهي توضح أن أسئلة الأطفال، مهما بدت محرجة للكبار، يمكن أن تكون فرصة للحوار والتوعية، لا سببًا للصمت أو التوبيخ. كما تبين أن الإجابة الهادئة والصادقة تساعده على الفهم وبناء الثقة بين الأولاد ووالديهم.

 

أؤكد في الختام أن التربية الجنسية الصحية ليست ترفًا فكريًا ولا خروجًا عن القيم الدينية والأخلاقية، بل هي جزء أساسي من التربية المتكاملة التي تحترم الإنسان وتحمي كرامته وتعدّه لتحمل مسؤولياته.