موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١١ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
البابا يترأس القداس الإلهي في ساغرادا فاميليا ويبارك برج يسوع المسيح
في الذكرى المئوية لوفاة أنطوني غاودي، شدد الحبر الأعظم على أن المؤمنين هم «الحجارة الحية» للكنيسة، وأن الفن والجمال يشكلان طريقين مميزين للبشارة ورسالة رجاء للعالم

أبونا :

 

ترأس البابا لاون الرابع عشر مساء الأربعاء قداسًا احتفاليًا في بازيليك العائلة المقدسة «ساغرادا فاميليا» بمدينة برشلونة الإسبانية، في محطة بارزة من زيارته الرسولية إلى إسبانيا، وذلك بحضور الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز وشخصيات مدنية وكنسية، إضافة إلى آلاف المؤمنين الذين غصّت بهم أرجاء البازيليك وساحاتها.

 

وشكّل الاحتفال مناسبة مزدوجة، إذ تزامن مع الذكرى المئوية لوفاة المهندس الكاتالوني الشهير أنطوني غاودي، كما شهد مباركة برج يسوع المسيح، أعلى أبراج البازيليك وأحدث عناصرها المعمارية، والذي بات يشكّل علامة بارزة في أفق برشلونة ورمزًا للإيمان المسيحي في قلب المدينة.

 

ساغرادا فاميليا... تحفة إيمانية ما زالت قيد البناء

 

تُعد بازيليك ساغرادا فاميليا إحدى أشهر الكنائس في العالم وأكثرها استقطابًا للزوار، وقد بدأ تشييدها عام 1882 قبل أن يتولى غاودي الإشراف على المشروع ويكرّس له القسم الأكبر من حياته. وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على انطلاق الأعمال، ما تزال البازيليك قيد الإنجاز، في مشهد فريد يجمع بين التراث التاريخي والحيوية المعاصرة.

 

وتتميّز الكنيسة بتصميمها الغني بالرموز المسيحية، حيث تروي واجهاتها الثلاث مراحل أساسية من حياة المسيح: الميلاد، والآلام، والمجد. كما تمزج بين الهندسة المعمارية والطبيعة والضوء بطريقة تجعل من المبنى نفسه مساحة للصلاة والتأمل والتعليم الإيماني. وفي عام 2010، كرّس البابا بندكتس السادس عشر البازيليك ورفعها إلى مصاف البازيليكات الصغرى.

المؤمنون حجارة حيّة في بناء الله

 

وفي عظته، استلهم البابا لاون الرابع عشر صورة البازيليك التي ما تزال قيد البناء ليؤكد أن الكنيسة ليست مجرد مبنى من الحجارة، بل جماعة المؤمنين الذين يشكّلون «الحجارة الحية» في البناء الروحي الذي يقيمه الله.

 

وقال إن ساغرادا فاميليا تذكّر بأن «الحياة المسيحية هي مسيرة دائمة، لأنها مشروع يحققه الله»، موضحًا أن عدم اكتمال البناء لا يعكس نقصًا، بل يعبّر عن الرجاء والثقة بعمل الله المستمر في حياة المؤمنين. وأضاف أن الله هو الذي يمنح الإنسان مكانًا في قلبه، وليس الإنسان من يمنح الله مكانًا في حياته فحسب، مستعيدًا وعد الرب للملك داود بأنه هو الذي سيبني له بيتًا.

لا يمكن الإيمان بالمسيح وتبرير الحرب

 

كما وجّه البابا نداءً قويًا من أجل السلام، مؤكدًا أن الإيمان الحقيقي بالمسيح لا يمكن أن يتوافق مع العنف أو تجاهل معاناة الإنسان. وقال: «لا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونروّج للحرب. لا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونقتل البريء. لا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونتخلى عمن يتألم أو يبكي أو يهرب من البؤس».

 

وشدد على أن الصليب الذي يعلو البرج الجديد يذكّر المؤمنين بمحبة الله التي حوّلت أداة الموت إلى علامة خلاص ورجاء، داعيًا إلى النظر إلى العالم بعيني المسيح والعمل من أجل كرامة الإنسان وخدمة الفقراء والمتألمين.

الفن والجمال في خدمة الإنجيل

 

وتوقف البابا عند الإرث الذي تركه غاودي، معتبرًا أن الفنان المؤمن قادر على تحويل موهبته إلى شهادة للخالق. وأشاد بالمهندس الإسباني الذي صمّم البازيليك كمسيرة روحية تقود الزائر إلى التأمل في أسرار حياة المسيح ولقائه.

 

وأكد أن الفن والجمال يشكلان اليوم وسيلتين أساسيتين لإعلان الإنجيل، لافتًا إلى أن الكنيسة تواصل من خلال الفن رسالتها التعليمية والتبشيرية، تمامًا كما كانت الكاتدرائيات الكبرى في العصور الماضية بمثابة «كتاب مقدس للفقراء».

دعوة إلى رفع المتألمين

 

وفي ختام عظته، دعا البابا المؤمنين إلى ألا يكتفوا برفع أنظارهم نحو المسيح القائم من بين الأموات، بل أن يرفعوا أيضًا وجوه الذين يعيشون على هامش المجتمع ويتحملون ثقل المعاناة.

 

وأكد أن عظمة ساغرادا فاميليا لا تكمن في ارتفاع أبراجها أو شهرتها العالمية، بل في قدرتها على توجيه أنظار البشر نحو الله وإلهامهم ليكونوا شهودًا للرجاء والمحبة في عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى السلام والمصالحة.

برج يسوع المسيح... أعلى نقطة في البازيليك

 

وفي ختام القداس، توجّه البابا إلى الساحة الخارجية ليبارك برج يسوع المسيح، الذي يُعد أعلى أبراج ساغرادا فاميليا بارتفاع يتجاوز 170 مترًا، ويتوسط مجموعة الأبراج الثمانية عشر التي تشكّل التصميم الكامل للصرح.

 

ويعلو البرج صليب ضخم مضاء يمكن رؤيته من مسافات بعيدة، في إشارة إلى حضور المسيح ورسالته في قلب العالم المعاصر. وقد وصف البابا هذا الصليب بأنه «راية للمحبة وعلامة للرجاء»، مشيرًا إلى أنه يضيء المدينة نهارًا وليلاً كمنارة مفتوحة على البحر الأبيض المتوسط.