موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد البابا لاون الرابع عشر أن اتباع المسيح لا يعني الالتزام ببعض الأعمال الخارجية فقط، بل أن نلتزم بكل كياننا بعلاقة محبة معه، موضحًا أن المحبة لكي تعطي ثمرًا تتطلب ثلاثة أمور أساسية: التحرّر، وفقدان الحياة، والاستقبال.
جاء ذلك في كلمة ألقاها الأب الأقدس، ظهر اليوم الأحد، قبل تلاوة صلاة التبشير الملائكي مع الحجاج والمؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس، حيث تأمل في إنجيل اليوم (متى 10، 37-42)، الذي يقدّم إرشادات يسوع لمن يريد أن يكون تلميذه وشاهدًا لملكوته.
وتحدث البابا أولًا عن التحرّر، مشيرًا إلى قول يسوع: «مَن كانَ أَبوه أَو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلًا لي». وأوضح أن الرب، عندما بدأ يرسل رسله، أرادهم أحرارًا من كل قيد وارتباط، مؤكدًا أن حتى أعمق المشاعر الإنسانية تجد كمالها وملأها في المحبة التي يمنحنا إياها المسيح.
وأشار الأب الأقدس إلى أن هذا المبدأ يظهر أيضًا في الحياة اليومية، فالحياة الزوجية لا تُعاش بملئها إلا عندما يترك الزوجان بيت والديهما ليلتزما بعلاقة الزواج، كما أن الوالدين يساعدان أبناءهما على تحقيق ذواتهم عندما يربّونهم على «السير بأقدامهم» واتخاذ قراراتهم بأنفسهم. واستشهد بكلام القديس أغسطينوس: «إنّ التحرّر ممّا تحبّ مؤلم. لكن حتّى الزّارع يفقد مؤقّتًا ما يزرعه»، لأن البذرة لا تزهر إلا بعد أن تُلقى في الأرض.
ثم أوضح البابا أن المحبة هي أيضًا فقدان الحياة، موضحًا أن هذا الأمر يصعب فهمه في عالم يعتبر الفقدان علامة ضعف، وينشغل بالامتلاك والتملك. لكن المحبة، كما قال، لا تُثمر إلا عندما تبذل نفسها: عندما نكون مستعدين لأن نفقد شيئًا من «الأنا» فينا لنفسح مجالًا للآخر، أو أن نفقد بعضًا من وقتنا لنصغي إلى صديق، أو قليلًا من راحتنا لنشارك شخصًا في صعوبته.
وأضاف أن من يحفظ حياته لنفسه وحده يفقدها في الواقع، لأنها لا تنفتح على فرح المحبة فتصير عقيمة. ولهذا يدعونا يسوع إلى حمل صليبه، فهو «بذل نفسه وفقد حياته»، وبهذه الطريقة استطاع الإنسان أن يقبل حياته الوافرة. وعندما نعيش بحسب منطق العطاء، نصبح قادرين أيضًا على أن نلد حياة جديدة في علاقاتنا.
أما الأمر الثالث فهو الاستقبال، إذ أكد البابا أن المحبة تظهر في خيارات وأعمال ملموسة، وفي علامات صغيرة يومية، مثل تقديم كأس ماء للعطشان. وأوضح أن يسوع عندما أرسل تلاميذه طلب منهم أن يذهبوا من دون زاد، أي أن يكونوا محتاجين، لكي يوقظوا روح الاستقبال في الذين يلتقون بهم. وقال إن استقبال من يأتي باسم يسوع هو استقبال ليسوع نفسه وللآب السماوي الذي أرسله، مؤكدًا أن محبة الرب تمر دائمًا عبر استقبال الإخوة.
وفي ختام كلمته، دعا البابا لاون الرابع عشر المؤمنين إلى الصلاة مع مريم العذراء، التي أحبت ابنها وعرفت أيضًا معنى أن تفقده، لكي تساعد الجميع على أن يكونوا «شهودًا متواضعين وفرحين لمحبة المسيح».