موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في مقابلته العامة مع المؤمنين، تحدث البابا لاون الرابع عشر، اليوم الأربعاء، عن الدستور العقائدي "نور الأمم" وموضوعه الكنيسة، وذلك في إطار تعليمه حول وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني. ووصف الدستور الكنيسة بأنها ذات بعدين متناغمين: إنساني وإلهي. فالكنيسة، من جهة، جماعة من بشر يعيشون إيمانهم ويبشرون بالإنجيل، وتظهر بهيكلياتها المنظورة وتنظيمها كمؤسسة. ومن جهة أخرى، هي سر إلهي وُلد من مشروع محبة الله للبشرية الذي تحقق في المسيح.
هذان البعدان لا يتعارضان ولا ينفصلان، بل يتكاملان بتناغم في شخص يسوع نفسه، حيث تكشف إنسانيته المنظورة حضور الله غير المنظور. وبالرغم من ضعف أعضاء الكنيسة، يظل المسيح ساكنًا فيها ويعمل من خلالها، فتستمد قداستها منه. ومن هنا تأتي الدعوة إلى بنائها بالمحبة والوحدة والشركة، لأن المحبة هي التي تظهر حضور الرب وتمنح الكنيسة معناها الحقيقي.
وفيما يلي النص الكامل للتعليم:
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير وأهلًا وسهلًا بكم!
نواصل اليوم تعمّقنا في الدستور المجمعيّ، "نور الأمم"، أي الدستور العقائديّ في الكنيسة.
في الفصل الأوّل، حيث يهدف قبل كلّ شيء إلى أن يجيب عن السّؤال: ما هي الكنيسة؟ فهي تُوصَف بأنّها "واقع واحد ومتعدّد أو معقّد" (رقم 8). والآن نتساءل: فيمَ يكمن هذا التّعقيد؟ قد يجيب أحدٌ بأنّ الكنيسة "واقع معقّد"، ولهذا يصعب شرحها. وقد يظنّ آخر أنّها معقّدة لأنّها مؤسّسة تحمل في طيّاتها ألفَي سنة من التّاريخ، ولها مِيزات تختلف عن أيّة مجموعة اجتماعيّة أو دينيّة أخرى.
غير أنّ كلمة "مركّبة أو معقّدة" في اللغة اللاتينيّة تشير بالأحرى إلى اتّحاد منظَّم لجوانب أو أبعاد مختلفة داخل واقع واحد. لهذا، يستطيع الدّستور "نور الأمم" أن يؤكّد أنّ الكنيسة كيان متماسك، يعيش فيه البُعد الإنسانيّ والبُعد الإلهيّ معًا، بدون انفصال وبدون خلط.
البعد الأوّل يمكن إدراكه مباشرة، لأنّ الكنيسة هي جماعة من الرّجال والنّساء يتشاركون الفرح والمشقّة النّاجمة عن كونهم مسيحيّين، بما لهم من فضائل ونقائص، ويبشّرون بالإنجيل وهم علامة لحضور المسيح الذي يرافقنا في مسيرة حياتنا. ومع ذلك، فإنّ هذا البعد، الذي يظهر أيضًا في التّنظيم المؤسّسيّ، لا يكفي لوصف طبيعة الكنيسة الحقيقيّة، لأنّ لها أيضًا بُعدًا إلهيًّا. وهذا البعد لا يقوم بكمالٍ مثاليّ أو باستعلاء روحيّ في أعضائها، بل في كون الكنيسة قد وُلِدت من مشروع محبّة الله للبشريّة الذي تحقّق في المسيح. لذلك، فالكنيسة هي في الوقت نفسه جماعة أرضيّة وجسد المسيح السّرّي، وجماعة منظورة وسرّ روحيّ مقدّس، وواقع حاضر في التّاريخ وشعب حاجّ يسير نحو السّماء (نور الأمم، 8؛ التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، 771).
البُعدان الإنسانيّ والإلهيّ يتكاملان بتناغم، بدون أن يطغى أحدهما على الآخر. هكذا تعيش الكنيسة في هذا التّناقض: فهي واقع إنسانيّ وإلهيّ معًا، يستقبل الإنسان الخاطئ ويقوده إلى الله.
ولتوضيح هذه الحالة الكنسيّة، يُشير الدّستور "نور الأمم" إلى حياة المسيح. في الواقع، كلّ الذين التقوا مع يسوع على طرق فلسطين اختبروا إنسانيّته، ونظراته، ولمساته، وصوته. ومَن قرّر أن يتبعه كان متأثّرًا جدًّا بنظرته المرحّبة به، ولمسات يديه المبارِكتين، وكلامه الذي يحرّر ويشفي. وفي الوقت نفسه، فتح التّلاميذ أنفسهم على اللقاء مع الله، بسَيرهم وراء يسوع الإنسان. في الواقع، جسد المسيح، ووجهه، وأعماله، وكلامه، يُبَيِّن بطريقة منظورة الإله غير المنظور.
في ضوء حقيقة يسوع، يمكننا الآن أن نعود إلى الكنيسة: عندما ننظر إليها عن قُرب، نكتشف فيها بُعدًا إنسانيًّا يتكوّن من أشخاص واقعيّين، يُظهرون أحيانًا جمال الإنجيل، وأحيانًا أخرى يتعبون ويَخطأون مثل الجميع. مع ذلك، من خلال أعضائها وجوانبها الأرضيّة المحدودة، يتجلّى حضور المسيح وعمله الخلاصيّ. كما قال البابا بندكتس السّادس عشر، لا يوجد تعارض بين الإنجيل والمؤسّسة، بل إنّ هيكليّات الكنيسة تُفيد بالتّحديد في "تحقيق الإنجيل وتجسيده في زمننا" (كلمة إلى أساقفة سويسرا، 9 تشرين الثّاني 2006). لا توجد كنيسة مثاليّة ونقيّة منفصلة عن الأرض، بل توجد كنيسة المسيح الواحدة المتجسّدة في التّاريخ.
في هذا تكمن قداسة الكنيسة: في أنّ المسيح يسكن فيها ويستمرّ في أن يَهب نفسه في تواضع أعضائها وضَعفِهم. إن تأمّلنا في هذه المعجزة الدائمة التي تحدث فيها، نفهم "أسلوب الله": فهو يجعل نفسه منظورًا في ضعف المخلوقات، ويستمرّ معنا فيظهر ويعمل. لذلك دعا البابا فرنسيس الجميع، في الإرشاد الرّسولي "فرح الإنجيل"، إلى أن يتعلّموا أن "يخلعوا نعالهم عندَ أرضِ الآخرِ المقدّسة (راجع خروج 3، 5)" (رقم 169). هذا الأمر يجعلنا قادرين اليوم أيضًا على أن نبني الكنيسة: لا أن ننظِّم أشكالها المنظورة فقط، بل أن نبني ذلك البناء الرّوحيّ الذي هو جسد المسيح، بالوَحدة والشّركة والمحبّة بيننا.
في الواقع، المحبّة تلِد باستمرار حضور الرّبّ القائم من بين الأموات. قال القدّيس أغسطينس: "ليت السّماء تدفع الجميع إلى المحبّة فقط: فهي وحدها تغلب كلّ شيء، وبدونها لا قيمة لشيء. وحيثما وُجدت، جذبت كلّ شيء إليها" (عظة 354، 6، 6).