موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تدوي صفارات الإنذار في شوارع القدس الضيقة، والمدارس ما تزال مغلقة، ومجموعات الحج ألغت زياراتها، فيما تُقام صلاة درب الصليب أحيانًا في الملاجئ. بالنسبة للعديد من المسيحيين في الأرض المقدسة، فإن التصعيد الأخير بين إسرائيل وإيران قد حوّل الحياة اليومية إلى اختبار جديد للصمود.
أدّت الضربات الإيرانية الانتقامية ضد إسرائيل، بالإضافة إلى الهجمات الصاروخية التي يشنها حزب الله من جنوب لبنان، إلى توسيع نطاق الصراع ليشمل مناطق خارج غزة، ما أثرّت على مجتمعات في جميع أنحاء الأرض المقدسة. وتواجه العائلات المسيحية، التي تعاني أصلاً من صعوبات اقتصادية بعد أشهر من الحرب والصراعات المتكررة، حالة متجدّدة من انعدام الأمن وعدم اليقين.
وقال جورج عكروش، مدير مكتب التطوير والتنمية في البطريركية اللاتينية في القدس، في مقابلة مع مؤسسة "عون الكنيسة المتألمة": "أحاول التظاهر بعدم الخوف أمام الأطفال، لكن هذه أسوأ تجربة مررت بها في حياتي". وأضاف عكروش، الذي عاش 14 حربًا في المنطقة: "هذه الأزمة تختلف عن الصراعات السابقة".
في القدس، يعيش السكان تحت تهديد مستمر من الصواريخ وشظايا الصواريخ الاعتراضية. في إحدى الهجمات الأخيرة، سقطت شظايا فوق البلدة القديمة، حيث الكنائس والأديرة والمؤسسات المسيحية، بما فيها مقر البطريركية اللاتينية.
وإلى الجنوب، ألحقت ضربة صاروخية في بئر السبع أضرارًا بالعديد من الشقق، من بينها شقة لعائلة مسيحية. وفي شمال البلاد، وضعت الصواريخ القادمة من لبنان مدنًا مثل حيفا وبلدات في الجليل ضمن نطاق الخطر، حيث تضم هذه المجتمعات تجمعات مسيحية عريقة.
وفي بيروت، اضطر بعض السكان إلى مغادرة منازلهم وإقامة خيام في الشوارع في مناطق يرجّح أن أكثر أمانًا. ويُشكّل الضغط النفسي على العائلات عبئًا ثقيلاً، إذ يحاول الآباء الحفاظ على هدوئهم أمام الأطفال بينما تُقاطع صفارات الإنذار حياتهم اليومية بشكل متكرر.
إلى جانب الخطر المباشر، يُفاقم الصراع الوضع الاقتصادي الهش أصلاً.
أغلقت السلطات الإسرائيلية المعابر بين الضفة الغربية وإسرائيل، ما منع العديد من الفلسطينيين من الوصول إلى أعمالهم. قبل هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، كان نحو 180,000 فلسطيني من الضفة يحملون تصاريح عمل في إسرائيل، وانخفض العدد قبل ذلك إلى نحو 15,000. والآن، حتى التصاريح المتبقية أصبحت غير صالحة عمليًا.
يُلحق هذا الإغلاق ضررًا بالغًا بالمدارس المسيحية في القدس.
وقال عكروش: "يأتي 40 بالمئة من معلمينا وموظفينا الإداريين يوميًا من الضفة الغربية، والآن فقد هؤلاء مصدر رزقهم". وبغيابهم، يصبح الحفاظ على المعايير التعليمية العالية لهذه المؤسسات أمرًا بالغ الصعوبة، ما يزيد من الضغوط على المجتمع المسيحي بأكمله.
أثّر تجدّد الصراع الإقليمي أيضًا على الجهود الإنسانية في غزة.
وأوضح عكروش أن شحنات المساعدات الحيوية، بما في ذلك الأدوية والمسلتزمات الطبية والمضادات الحيوية، توقفت منذ تصاعد القتال مع إيران، مما زاد الضغط على المستشفى المسيحي الوحيد في غزة، الواقع بالقرب من مجمع الرعية الكاثوليكية حيث لجأ المئات خلال الحرب.
وكان رؤساء الكنيسة يأملون إعادة فتح مدرسة مسيحية في غزة، لاستقبال نحو 1,000 طالب تدريجيًا، لكن الخطة أصبحت الآن غير مؤكدة. وقال عكروش: "كنا على وشك الإعلان عن قرارنا بإعادة فتح المدرسة، لكن مع هذه الحرب لا نعلم إن كان بإمكاننا الالتزام بالخطة".
يشكّل المسيحيون في الأرض المقدسة أقلية عددية صغيرة، ويعتمد كثيرون منهم على السياحة الدينية كمصدر رزق. ومع اتساع رقعة الصراع، يواجهون خطر موجة جديدة من الإلغاءات التي تهدد الفنادق ودور الضيافة والمشاريع العائلية.
ومع ذلك، يشدد رؤساء الكنيسة على أهمية المثابرة. ووصف الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، مهمة الكنيسة في هذه السنوات العصيبة بأنها أشبه بـ"مطرقة ثاقبة تضرب صخرة صلبة" - عمل دؤوب ومستمر يشق طريقه في النهاية.
بالنسبة لعكروش، تعكس هذه الصورة الصمود الهادئ للمجتمعات المسيحية في المنطقة. وقال: "كل عمل خدمة، كل وظيفة يتم إنشاؤها، كل طفل يعود إلى المدرسة، وكل عائلة تتلقى الدعم، هو كسرة صغيرة أخرى في صخر اليأس".