موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
ثقافة
نشر الإثنين، ١٣ مارس / آذار ٢٠٢٣
ماذا قال الوزير اللبناني كلاس في تأبين صديقه عصام الموسى في الأردن؟
فيما يلي الكلمة التي ألقاها الدكتور جورج كلّاس، وزير الشباب والرياضة في لبنان، في حفل تأبين الراحل الدكتور عصام سليمان الموسى، والذي أقيم في المركز الثقافي الملكي، في العاصمة الأردنيّة عمّان، السبت 11 آذار 2023.
الوزير كلاس يتسلم درعًا تكريميًا في ختام حفل تأبين الموسى (تصوير: سورين خودنيان - أبونا)

الوزير كلاس يتسلم درعًا تكريميًا في ختام حفل تأبين الموسى (تصوير: سورين خودنيان - أبونا)

أبونا :

 

{الكيانية  الفكرية في شخصية عصام الموسى}!

 

أيها الكرام،

يا أهل النشامى والحزانى،

عصامُ الأعز؛

 

عذرًا يا أخي عصام عذرًا، أني جرَّحتُ روحي عندما تخلَّفتُ عن الانتداء حول كتابك المفخرة "حضارة الورق"، من ضمن فعاليات مئوية الدولة التي نظمته الجامعة الأردنية في تشرين الاول 2021، لتزامن ذلك مع تشكيل الحكومة وانشغالنا بالبيان الوزاري. وكانت مشاركتي عن بعد، عذرًا تخفيفيًا لخطيئة تغيُّبي. فسامِحْ يا كبير القلب وإقبل حضوري اليوم مُعوَّضاً مُضَاعفاً عن غيابي بالأمس!

 

البروفسور عصام سليمان الموسى، الساكِنُ قلبَ الله ووجدان محبيه وقادريه، أفتقدهُ، أصفُنُ، أسأئلُ نفسي كيف لي أن أرثيه في مضارب الأهل وديوانيات الصحب ومحفل مُريديه؟ تُرابٌ يبكي على تراب.. والدمع جواب! دكتور عصام، القامة الاردنية العميقة الوطنية، والشخصية الأكاديمية الفهّامة العلامة والكثيرة الإنسانية.. نكالمه كأنه بيننا، نناجيه كأنه يسمعنا!

 

مساء يا الخير يا دكتور عصام، بهدوئك ورويِّتك وتطليعتِك الهانئة! وقفة مَجدٍ للأردن، مملكة الأصالة والعراقة والقيم، ملكًا وشعبًا ومؤسسات فكرية وجامعات وتراثًا وإنفتاحًا سلاميًا، ينرسمُ مع كل حضور هادئ مُعَبَّر، وموقف وطني قومي هادرٍ مُقدَّر!

 

شكرًا للعائلة الباكية والراجية، ولمؤسسة عون الثقافية الوطنية على إشراكي بمحفل التذكُّرِ والتكريم والصلاة لروح هذه القامة الفكرية التي يفتقدها الأردن ويبكيها كلُّ مَنْ عرف عصام الموسى وقرأ كتبَه وعايش فكره الأبيض النقي. هو الذي فكَّر بالابيض، وكتب بالأبيض، وعاش بالأبيض، مفكرًا سلاميًا، طيِّبَ الكلامِ، يمامِيَّ الروح!

 

أوّلُ وجدانيةٍ سمعتها منه يومَ كنتُ أقدِّمُ له التعازي بفقد زوجته، والأسى يعتصره بصبرٍ، قال: تكتبنُا الأيَّام فنكتبها؛ سطورًا مجدية نهلّل لها، أوْ فصولاً حِزنِيَّة نتقطَّعُ فيها! هو كتب فصول الحزن، وأنا قرأت سطور المجد، وعميقًا صفنت وترحمت! في معشرِ الحزانى، أيُّ وجدانيةٍ تُقالُ فيكَ وأَنتَ المُستحِقُ كلَّ بَلْسَمَة! من على مركعة المذبح نرفعُ  صلوَة؛ أن تكون بين الأصفياء! ومن محراب المسجِد، نركع رَجوَة؛ أن تكون من أهل السماء!

 

أَيُّها الكرام، تقديرًا لمكانة عصام سليمان الموسى الفوقيِّ الألقاب، و"لكيانيتَه الفكرية" التي لها مقعدُها الأوَّلُ في مجامع الفكر، وإبتكاريته للنظريات الإعلاميّة، وتأصيله البحوث الرصينة، ونجاحه بالمهامات الأكاديمية و"تنزيله" إسم الأردن في "محفر" قِلادَة الفكر التأصيلي، ماسَةً في واسطة العِقد، أرفعُ  لذكراه مقامين:

 

 

أولاً: {مَقامُ  الوفاء}!

 

1- أَيُّها الحزانى على الفَقدِ

أيُّها  العصامُ

الساكِنُ الوَجْد

الدائم الحضور

والوَفيرُ الحبور!

إنّا ضيوفك

تتطلَّعْ إلينا، هلِّلْ

قد جِئنا (أردُننَا)

من  (لبنانَك)

يا عصامُ طُلّْ

رَحِّبْ وهلِّل!

أيُّها العالِمُ والرفيقُ

الأكاديميُ الصديقُ

أَيُّها المقامِيُّ الواجِد

والشريفُ المَاجِد

أَيُّها الكثيرونَ في واحد!

 

2- في الأكاديميا والبحث والتأريخ التأصيلي

كنتَ حبَّةَ البركة، وقمحةَ الحِنطَة!

كُنتَ الحقلَ و البيدَر

كنتَ رغيفَ الخبزِ

وحَبَّةَ الزيتون

ولَقمةَ الأمِّ

ووليمةَ الزعترِ

وصلوَةَ السَحَرِ

وجَثوَةَ الغسقِ

وصفنةَ الشفق

وطَلَّةَ الفجر

وهَلَّةَ المجد

وبَدرِيَّةَ القمر!

 

3- أَيُّها الموسى…

في زَمَنِ النِّعَمِ  وعصرِ الأكارم

كنتَ المائدةَ والمِقَصَف

كنتَ نَكهَةَ العزائم

وكل ألوان الطيِّباتِ

ومَفرَشَ الولائمِ

وأطباقِ المُشهيّات!

كنتَ الفرحَةَ والبسمة

وعِزَّةَ الكلمةِ والعَبسَة

كنتَ بِكرِيَّ الفكرة

فأمسيت روحَ الذكرى!

 

4- غَيبتُكَ، مَشهدُ مقامِ

وعُمْقُ جُرْحِ  فَقْدٍ أليم

نقشَ الوفاءُ عليها: {هنا مَحميَّةُ عصام}

مَثويةُ عصام الفكرية والقومية

حرمةُ الإلتزام بحقِّ الدم ووَقفيَّةِ الأرض!

معرفياتُ عصام البحثية والكتابية المحروسةُ من الأخيارِ الطيّبين، محفورٌ على مدخلها:

لا يقربُها إلّاَّ الغيورونَ الطاهرونَ وحاملو عصا موسى الروحية، والكرامُ المُتَعَكِّزونَ على فَجْرِ الأيام…

سِلاحُهم: القِيَمُ، والإنفتاحُ والأخلاقُ!

وأمانتُهُم لموروثاتٍ فكريّةٍ أدبيةٍ اردنيةِ وصيتان: كرامة الشهامة، ونشماويةِ الأصالة!

وركيزتها: التزاماتْ وطنية صريحة الإنتماءِ!

وعقيدَةُ إيماناتٍ صلبةٍ واضحةِ الرؤى عُمْقِيَّةُ الولاء!

نبالتُه، حفّزتني ان أطلق عليه لقب {الكُبَرْلي}: مهابته في تواضعه، أُبَّهتُهُ في رقَّتُهُ.

كان يطيبُ له ان يردد إنه لمّا يزلْ منشغلاً ببناء الانسان!

وأن رسالته ان يُعلّم الشباب فنَّ بناء الجسور بالكلمة، وبناء السلام بالكلمة، منطلقًا انه "في البدء كانت الكلمة"!

وليُفهَم عصام الموسى أعمق، يجب التعرّف الى سلوكاته وفنّ تواصله مع الناس وإحترافيته في فنون التواصل وإستراتيجيات الكلام، وكيف كان يداري الغيرَ ويحرص على حفظ الكرامات ونشر ثقافة الخير والمحبة!

هذه شخصيته.. هذا علمه.. هذا خطه الفكري ووجه الانساني!

سألني مرة : متى نستأنف الحضارة ؟

سؤال عصيتُ عن إيجاد جواب له!

متى نستأنف الحضارة؟ بل متى نستأنف الحياة؟

هذا سؤال يُبنى عليه!

 

5- هذا العصامُ الجريئُ على حياته

الصابرُ على اعلالاتِهِ وحُرقاتِه العميقات

الجبّارُ على مَوتاتِه الكثيرات

كان يناضلُ ويُبادِرُ ويُثابِرُ

يكتب ويؤلِّفُ ويضربُ عصاه بالأرضِ.. مُكابرًا على أنفَة، مؤمنًا آمنًا، مجاهرًا واثقًا أنه عصيٌ على الموت ولَنْ يطوي الزَمنُ حبَّهُ للحياة وما بعدها، مؤمنًا بالقيامة واثقًا من وزناته يوم الحساب... لا يقوى عليهِ ظلمُ الرَمسِ ولا تطويهِ ظلمةُ الدَمس!

 

6- يا عصام.. حَلّفتُكَ أَنْ أنصِتْ الى هَمسي:

لَوْ أنني {إمامٌ}، لأغمَضْتُ عَينّيَّ وكَبَّرتُ وصلّيْتُ لروحِكَ آيتَيْن!

وقرأتُ على روحِكَ، الفاتِحَةَ صَفنَتَين!

لَوْ أنني {أردنيٌ}، لرثيتُ وصليَّتُ وصبرتُ ومَسَكتُ قلبيَ عنِ  الندبِ، وصُمتُ وسكتتُ على الضَيْم..

ولعَدَدْتُ خصالَك وفاخَرتُ بنُبلِكَ وأعلَيْتُ شأنَكَ فوقَ الغَيم!

لَوْ أنني {راهبٌ} قشيبٌ

غريب، لقلْتُ فيكَ إيماناتٍ مُوجِعَاتٍ، ما خطرَتْ على بالِ مؤمِنٍ قريب،

ولا ردَّدها بقلبِهِ  مُتنَسِكٌ شفيق

ولا تمتمها مُتَصَوِّفٌ عتيق!

لَوْ أنني لا أعرِفك، لما إنفطَرَ قلبي وانشطرَ وَجْدي وتفجَّر دمعي

حُرْقَةً وتَلوُّعًا على سَلخَةِ أخً وفَقْدَةِ زميلٍ مُخلِصٍ رفيق!

لَوْ تركني فَقدُكَ بلا جروح…

لَلملمتُ كلَّ مقاماتِ الدمع

وصلّيْتُ وبخَّرتُ وأنرتُ الشمع

وأضأتُ لكَ سِراجَ الروح!

لَوْ أنني كاملُ الإنسانيةِ خالصُ النقاء،

لوضعتُ فيكَ (ناموسِ الصداقة)

ونقشتُ على شاهدك: {هنا ينتظرُ عصام}!

 

7- وحيثُ {أنيّ أنَا}، فعاطِرُ دعائاتي وسُبْحَةُ صلاتي وبُخّورُاتُ رجَائي،

أن تكون قِبلتُكَ السماء، وراقدًا بين الأتقياء!

عَهداً أَيُّها المَحبوبُ من أنقياء الطوائِفِ،

والمُرَّبِعُ جَرَسَ الكنائسِ

والمؤذِّنُ الفَجْرَ

والمُنطرِبُ لزغرداتِ عصافير نهر الاردن،

وهَدْلِاتِ يمام جبل الزيتون

إني لِطيْفكَ  مُشتاق و لطلَّتِكَ  توَّاق!

وإكراماً لأنَّكَ {كنتَ أَنتَ}

على صورةِ سيد السلام

أبيضَ الروح، جهريَّ الكلام

وَعْداً لذكراك… أنني:

سأُصلّي الأبانا، مُوَحِّداً

وأُرنِّمُ السلامَ، مُمَجِّداً

وأُرتِّلُ  ذِكراكَ، مُؤَبِّداً

وأقرأ الفاتحة راجياً

وأتلو سورة (المؤمنون) داعياً

وأُطبِقُ عَيْنَيَّ على طَيْفِكَ

وأُغلِقُ قلبي على روحِكَ

وأهمُسُ في أذنِ الله؛

إسمعْ  يا ربُّ إسمَعْ:

تَرأَّفْ وأَنْزِلْ على عصامنا رَحَمَاتِكَ

جَنِّزْهُ بعطفِكَ

كَفِّنْهُ بحَناَنِكَ

وإستضِفْهُ في ملكوتك

مع الأبرار والصديقين

يا غافرًا  خطايانا

يا راحمًا موتانا

يا رب!

 

 

ثانيًا: {مَقامُ المجد}

 

في حضرة غياب العلاَّمة القويم المسالك والفهَّامة الواسع المدارك، عصام سليمان الموسى، أُكَرَّمُ بالشهادةِ فيه والإستشهادِ به، راجيًا أن يكون مأثره  ماثلاً في الوجدان! سِرُّهُ، هذا المفكّر الكيانيّ والاكاديميُ الباحثُ والمؤرِّخ، والأردنيُّ الخالص، أنه كثيرُ الإنسانيّة، جَذرِيُّ الإيمانِ شديدُ العروبة. يبحث كأردني، يفكر كإنسانيّ... ويكتب عن كل العرب، ولكل العرب!

 

كتاباته مقرؤة وفكرياته مقدَّرة! غَزَّارٌ في بحوثِ التواصل والإعلام والتأريخات، غير المَقروبِ منها ولا المكتوبِ عنها. عرفته مُجاهِرًا بالقيم، مُدافِعًا عنِ الصَّح... كلما الأمرُ دعا، والواجِبُ ألَحّ! مُبادرٌ، بنّاءٌ للجسور، مُقعِّدٌ للفكرِ التكامُلِيِّ بين الحضارات، مُوالِفٌ بين الجماعات، مهمومٌ بالتوفيق بين الثقافات!

 

أردنِيٌ حتى النُخاع، يلتحفُ الشهامة عباءة! إنسانٌ صقيلُ الدِّماغ، يعتمرُ العِزَّةَ شهادة! مقدسيٌ، يمجِّدُ المهد، يُكرِّمُ الأقصى، يصلّي السَّجد، وكوفيَةُ الدمِ قِلادَة! عصام الموسى، ننتدي لنكرِّمه، لا لنرثيه.. هو يأبى أن يُبكى عليه رُتبتُهُ.. أنه هو.. مرتبتُهُ.. أنه جماعةٌ بذاتها!

 

وفاءً لعلميّته الواسعة، أقترِحُ التفكير بإطلاق (جائزة عصام الموسى) لأنفعِ وأجودِ بحثٍ في علوم التواصل وفنون الإعلام.. إنّ عصاماً لّمُستَحِق! الفقدُ للعائلة والعزاءُ للأردن ومحافل العلمِ والجامعات ومَقامَات الفكر والتفكير، وكلِّ مَنْ قرأ وتعلّم وأعلَمَ ونشر وكتب! ووقفةُ مَجدٍ من كلِّ مَنْ درسَ عليه، وتعلّم منه و زامله وآخاه… وانا من هذه الرَبْعةِ التي كان عصامُ شيخَها!

 

+ شهادة من خارج برنامج التكريم

 

يوم إشتدَّ العصفُ على لبنان، ووقعتِ الضائقةُ الاقتصادية الحادة وحُبسَتِ الودائع ومُنِعَت اموالنا عنّا، إتصل بي، مُطمَئنِاً مُطَمْئنا.. أخًا يكالمُ أخاه.. حادثني بخفر.. متأسفاً لحالنا، سائلاً عن أوضاعنا.. متخفيًّا بدمعه القلبي! قال، وقال، وقال من الأخوياتِ ما ينفطِرُ له القلب ولا ينكسر له الخاطر.. ثم تماسك وتجاسرَ وطلبَ مني أن أقبلَ منه، كأخٍ يفتقدُ أخاه، أيَّ شيءٍ قد نحتاجه في تلكَ المحنة،

 

حَسَّاً من أريحيته ان العَوَزَ للكرامِ مهانة! أنا أشكر وامتنُّ وأعرقُ وفاءً، وهو يُلِحُّ  ويعتذر عن خدشِ المكانة! يومها.. وأنا مسروقٌ مسلوبٌ محكومٌ عليَّ بالصبر على صلفِ "بيوت المال"، تأكدتُ أن إستفقادَ أهلِ العزّةِ عِزٌّ.. ففاخرتُ وكابرتُ.. وشعرتُ أن أرصدةَ الأخوَةِ وقلوبَ الخُلَّصِ المعارفِ أرقى وأصفى وأصدقُ من كل التطمينات.. وأَكنَزُ وأغنى وأبقى من كل المصارف.. وأكثرَ أمانًا من كل الضمانات! أشهدُ أنّي شعرتُ وقتها، ان الاردن كان يتحدثُ مع لبنان! إنَّهُ الأردن، إنها الاصالة الهاشمية، إرثٌ من القيم، متوارثةٌ أبًا عن جدٍّ، وملوكية مبروكة من الله!

 

عميق شكري وتقديري لعائلة فقيدنا الكبير ولجمعية عون الثقافية الوطنية لدعوتي للتشارك بتكريم فقيد منابر البحث العربية، ومُقعِّدِ ركائز فنِّ المصطلح، في علوم التواصل وتاريخ الحضارة الدكتور عصام سليمان الموسى.. الباقي في وجدان كلَّ من فكّر، وفي قلم كلِّ من كتب وبحثَ وعبّر!

 

حضن الله الراحل الكبير، وحفظَ  الربُّ الاردنَّ.. لكم ولنا!