موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأب د. سيمون بيترو حرو الفرنسيسكاني
في الأزمنة التي يعلو فيها ضجيج الخطابات السياسية وقرع طبول الحرب، ويختلط فيها الحق بالزيف، يعود هذا النداء العميق ليخترق الضمائر قبل الآذان: «من كان له أذنان للسمع، فليسمع!». ليس السمع هنا فعلًا فيزيائيًا، بل موقفًا أخلاقيًا، ومسؤولية إنسانية، وقدرة على التمييز بين كلمة تُنقذ الإنسان وكلمة تُهلكه. وفي قلب هذا الامتحان الأخلاقي، يقف *الكذب السياسي* كأحد أخطر الآفات التي تصيب المجتمعات الدولية، لأنه لا يكتفي بتزييف الوقائع، بل يعمل بصمت على تفكيك القيم الإنسانية، وضرب الثقة، وتسميم العيش المشترك.
الكذب السياسي ليس زلّة لسان عابرة، ولا خطأً تكتيكيًا محدود الأثر، بل هو منهج حين يُعتمد، وثقافة حين تُبرَّر، وسلطة قمعية حين تُفرض. إنه الكذب الذي يتزيّن بثوب المصلحة العامة، ويتخفّى وراء شعارات وطنية أو دينية أو أمنية، فيما هو في حقيقته اعتداء مباشر على كرامة الإنسان وحقه في المعرفة والحقيقة. وحين تُختزل السياسة في فنّ التضليل، يصبح الإنسان مجرّد رقم، أو أداة، أو وقودًا لمعارك لا يفهم أسبابها ولا نتائجها.
أول ضحايا الكذب السياسي هي *الحقيقة*، ومع سقوط الحقيقة تسقط الثقة. الثقة بين الحاكم والمحكوم، بين الجماعات المختلفة، وبين الإنسان وضميره. وحين تفقد المجتمعات ثقتها بالكلمة، تفقد قدرتها على الحوار، ويتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى صراع، والتنوّع الخلّاق إلى تهديد. وهنا يبدأ التصدّع في أسس العيش المشترك، لأن السلام لا يقوم على الخوف والجبن، بل على الصدق والأمانة، ولا يُبنى على الوهم والجهل، بل على الوضوح والعدالة.
الكذب السياسي يُنتج ثقافة عامة مريضة، تُطبع الناس على الشك الدائم، وتعلّم الأجيال الجديدة أن الغاية تبرّر الوسيلة، وأن الخداع مهارة، وأن النجاة تكون على حساب الآخر. وهكذا تُفرَّغ القيم الإنسانية من مضمونها: الصدق يصبح سذاجة، والأمانة ضعفًا، والالتزام الأخلاقي عبئًا لا طائل منه. في ظل هذا المناخ، تتآكل الروابط الاجتماعية، ويغيب الشعور بالمسؤولية المشتركة، ويحلّ محلّه منطق الإقصاء والكراهية.
أما على مستوى السلام، فإن الكذب السياسي هو وقود النزاعات الطويلة. فالحروب لا تبدأ فقط بالسلاح، بل تبدأ بالكلمة الكاذبة، بالرواية المزوّرة، وبالتحريض الممنهج. وحين يُغذّى الناس بأكاذيب الخوف والعداء، يصبح السلام خيانة في نظر البعض، ويُصوَّر التعايش ضعفًا، فيما هو في الحقيقة قمّة القوة الأخلاقية والإنسانية.
إن الدعوة إلى السمع، في هذا السياق، هي دعوة إلى *اليقظة*. يقظة الضمير أمام الخطاب السياسي، ويقظة العقل أمام الأخبار والروايات، ويقظة القلب أمام آلام البشر مهما اختلفت هوياتهم. السمع الحقيقي هو أن نرفض أن نكون شهود زور، أو أدوات صامتة وأحيانا متحجرة، أو جمهورًا عليه أن يُصفّق للكذب لأنه مريح أو مألوف او مجبر عليه لإرضاء الحكام.
في عالم جريح بكثرة الأكاذيب، تبقى الحقيقة فعل مقاومة، ويبقى الصدق خيارًا شجاعًا، ويبقى السلام ثمرة نادرة لا تنمو إلا في تربة القيم الإنسانية الأصيلة. *من كان له أذنان للسمع، فليسمع*: فالكلمة الصادقة قادرة على أن تشفي ما دمّره الكذب، وأن تعيد للإنسان إنسانيته، وللمجتمع توازنه، وللسلام معناه الحقيقي.