موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قبل 250 عامًا، وبالتحديد في 1776 أصدر الكاتبُ والسياسيُّ والمؤرّخ الإنجليزيّ الشهير "إدوارد غيبون" المجلّد الأوّل من بين ستّة أجزاء، مثّلت رائعته المعروفة باسم "انحطاط وسقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة".
تغطّي الفترة التاريخيّة التي يتناولها الكتابُ بشكلٍ أساسيّ الفترة ما بين عام 98 ميلادية إلى 1590 ميلادية، أي من عهد الأباطرة الأنطونِيّين، وهم سلالة من حكّام روما، كان الإمبراطور يختار فيها من بين أكفأ الرجال ويتبَنّاه ليخلفه في الحكم بدلًا من توريث الحكم للأبناء، وحتّى سقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة الغربيّة عام 476 ميلادية، مع متابعة التطَوّرات في أوروبا والإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة (البيزنطيّة).
كان شغل غيبون الشاغل الإجابة عن تساؤلاتٍ جوهريّة تتعَلَّق بقيام وسقوط الإمبراطوريّات العظيمة، لا سِيّما بعد أن تبلغ ذروة قوّتها وسطوتها، مع مشاغبة علامة استفهام أخرى لا تقِلُّ أهمية بشأن كيفيّة تراجع المجتمعات، مع حفاظها على إرثٍ طَيّب من منجزاتها لأجيالها اللاحقة.
لماذا يعيد الغرب قراءة غيبون اليوم؟
ربّما سعيًا وراء معرفة أسباب سقوط الممالك العظمى، والعمل على تجَنّب ما يمكن أن نسميه "فخّ الحضارات"، مرّةً أخرى.
في مقدّمة الأسباب التي أدت إلى سقوط روما بحسب غيبون، تدَفُّق غير الرومان، من خارج حدود الإمبراطوريّة الرومانيّة، الأمر الذي ألحق ضررًا بالغًا بالنسيج المجتمعيّ المتماسك للإمبراطوريّة الرومانيّة المتأخّرة، كما حدث في معركة أدرنة التي انتصر فيها القوط عام 378 ميلادية.
لاحقًا تأتي إشكاليّة "العظمة المفرطة"، والتي رأى غيبون أنّها كانت من الأسباب الرئيسة لسقوط روما، فقد استشرف طبيعة الإمبراطورِيّات في التوَسُّع، وكيف أنّها كلما كبرت زاد توسُّعها بشكلٍ مفرط حتى تصل إلى حجم يمكن الدفاع عنه إلى حَدٍّ ما، إلّا أنّه في حالة روما، فقد منحت الموافقة الإلهيّة من جوبيتر تحديدًا، بحسب مفاهيم العبادة الوثنيّة، تصريحًا بأن يكون توَسُّع روما الإمبراطوريّ "لا نهائيًّا"، أي بلا حدودٍ حرفيًّا، وكلما اتّسعت رقعة الإمبراطوريّة اتّسعت معها مساحة السور المقدس لمدينة روما نفسها، أي البوميريوم.
عطفًا على ذلك، كانت الخلافات الإيديولوجيّة بين حكّام روما الضعفاء، وصراعاتهم السياسيّة والحزبيّة، عاملًا مؤكدًا في تشَظِّي الروح الرومانِيّة داخل الحدود التي تمثّل المركز، وبالتالي ضعفت التخوم بشكل غير مسبوق، ففي أواخر القرن الثالث الميلادي وأوائل القرن الرابع، بدلًا من أمير واحد، أصبحت روما في تلك الحقبة تحت سلطة أربعة حكّام مشتركين ذوي مكانة وسلطة مختلفة.
اعتبر غيبون أنّ الأوبئة أحد أهمّ الأسباب التي تؤدّي إلى إصابة الإمبراطوريّات في القلب، وتناول بالتفصيل وباء الطاعون الدبلي الذي تفَشَّى بشكلٍ كبير ومدمّر في الإمبراطوريّة بين عامَيْ 541 و549 في عهد الإمبراطور جستنيان (527-565)، وإن لم يذكر طاعون الجدري الأنطونيّ الذي انتشر عام 165م ، وبلغ ذروته في عهد ماركوس أوريليوس.
رصَدَ غيبون أمرًا مثيرًا في طريق سقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة، ألا وهو تراجع منسوب الحياة المدنيّة الرومانيّة، أو ما يسميه "الفضيلة المدنيّة الرومانيّة"، حيث تضاءل مفهوم المواطنة الرومانيّة، ذلك أنّه مع توسّع الإمبراطوريّة، سمحت مجموعة من الإصلاحات بتسهيل الحصول على الجنسيّة الرومانيّة مع مسؤوليّات قليلة والتزامات غير واضحة. توقفت روما عن دمج الجماعات العِرقيّة الجديدة في قيم الجمهوريّة الرومانيّة، وبالتالي ساهم انتشار الإمبراطوريّة والهجرة غير المنظّمة، والتغَيُّرات الثقافية الناتجة عن انتشار المسيحيّة، في تراجع الهويّة الرومانيّة.
أمّا عن الفضائل الأخلاقيّة، فحَدِّثْ ولا حرج، وهذا ما يتوَقَّف عنده مؤخّرًا بالتفصيل البروفيسور "بول كارتليدج"، الاستاذ الفخريّ في الثقافة اليونانيّة بجامعة كامبريدج، والذي يقطع بأنّ غيبون قد رأى في فقدان النخب الرومانيّة الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة للحَدِّ الأدنى من الأخلاق، عاملًا مؤثّرًا وبقوّة في مسار الإمبراطورِيّة وأدَّى إلى تدهور أوضاعها الأدبِيّة حول العالم.
أمّا الغرور الإمبراطوريّ، فقد اعتبره غيبون كعب أخيل في جسد الإمبراطوريّة الرومانيّة، فعلى مدى سبعة قرون، من رومولوس إلى أغسطس، توالت الانتصارات، وكان الإمبراطور أغسطس هو من قَرَّرَ التخَلِّيَ عن الطموح الكبير لإخضاع الأرض بأسرها لحكم روما.
والشاهد أنّ قراءةً معمَّقةً لما كتبه غيبون تقودنا إلى طرح العديد من التساؤلات الجذريّة وفي مقدّمها: "هل الحضارات تشيخ؟ وهل توجد دورة طبيعِيَّة للحضارات من ولادةٍ وصعود، ثم نضج فشيخوخة وصولًا إلى السقوط؟"
يقطع بعضُ المؤرّخين الأميركيّين بأنّ الفكرة تبدو في حدّ ذاتها جذّابةً للغاية، لكنّها في ذات الوقت خطيرةٌ إذا تحَوَّلت إلى قانونٍ حتميٍّ، ذلك أنّ التاريخ وإن تشابهت بعض صفحاته، فإنّها لا تتطابق دفعةً واحدة، وعليه فإنّه لا يقيم دليلًا على أنّ كلّ حضارة تمُرُّ بالمراحل نفسها بذات الطريقة.
هناك حضارات سقطت بفعل التغَيُّرات المناخيّة، وأخرى سقطت بسبب الحروب، وثالثة تعَرَّضت للسقوط لكنّها ما انفَكَّت تعيد بناء نفسها من جديد.
وفي القديم نجد حضارات استطاعت أن تمتَصَّ الغزاة، وتهضمهم عبر معدتها الحضاريّة، فتحولت انكساراتها إلى انتصارات، وأخرى تحَوَّلت إلى كياناتٍ أخرى، قد تختلف في الشكل لكنّها تتشابه في المضمون.
وفي قلب رؤية غيبون للإمبراطوريّات وصعودها ومن ثم اضمحلالها، علامة استفهام مفتوحة حول النوازل والتي يمكن أن تتغَيَّرَ بتغيُّر الأزمنة.
هل لو كان غيبون حاضرًا بيننا لقَدَّم رؤية مغايرة عن أسباب سقوط أعاظم الإمبراطوريّات، سواء كان ذلك في الأزمنة الغابرة أم في الوقت الحاضر؟
غالب الظنّ أنّه كان سيُبرِّر الأمر بذريعة تَتَّفق وتَتَّسق مع حاضرات أيّامنا، وهي عدم المقدرة على التكَيُّف مع معطيات العصر، أو بلغةٍ أخرى، عدم فهم أدوات وميكانيزمات الحياة المعاصرة.
من هنا، يمكن القطع بأنّ الإمبراطوريّات لا تموت عندما تصبح ضعيفة، أو تدبّ في أوصالها علاماتُ التراجع الأخلاقيّ والأدبيّ أو الماديّ فحسب، بل إنّها تموت عندما تصبح غير قادرة على التكَيًّف مع عالم يتغيّر بقوّة من حولها.
تظهر لنا صفحات المجلد الأول أنّ روما العظيمة لم تكن ضعيفةً بالمطلق عندما بدأت أزمتها الكبرى، فقد كانت لا تزال قوّةً هائلةً، كما أنّ جيوشها كانت جرّارة ومدنها مزدهرة وأساطيلها تجوب العالم، بل حتّى على الصعيد الثقافي كانت حاضرةً وبقوة.
لكن ما نسيه سيناتورات مجلس الشيوخ الرومانيّ، هو أنّ النظام الذي نجح في عالم معين، لم يَعُد قادرًا بالضرورة على إدارة عالم جديد.
يبدو من عند هذه النقطة التحليلية أنّ الإمبراطوريّات قد تقع في فخّ يعجّل بكتابة نهاياتها، وذلك حين تتحوّل النجاحات السابقة إلى قَيْد على مستقبلها، وساعتها تبدأ الإنتلجنسيا في أحشائها تدافع عن المؤسّسات القديمة لأنّها أثبتت نجاحاتها في الماضي، بينما يكون العالم قد تغَيَّر، وأوفى الحظ لغيرها، وأخلفها من ورائه.
أيّ معيار لعظمةِ أيّةِ حضارة تركه لنا غيبون؟
القول بأنّ العظمة لا تتمثّل في طول عمر الحضارة، ولكن قدرتها على نقل أفضل قِيَمها ومؤسَّساتها إلى من يأتي بعدها.
هل كتاب غيبون مرآةٌ لحاضر النظام العالميّ؟
الرجل يرى الإنسانيّة هي الفضيلة الأخلاقيّة التي يجب تقديمها على كلّ شيء، ولهذا يبدو العالم الرقميّ المتجاوز لكلِّ الأخلاقيات، مع النزعة الفوقِيّة الإمبريالية لتسَيُّد العالم، بوقَ قرنٍ جديد ينذر بطريق انحدار حضاريّ وسقوط جديد في نهاية المطاف.