موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يروي إنجيل متّى أنّ «مجوسًا قدموا أورشليم من المشرق، وقالوا: أين ملك اليهود الذي وُلد؟» (متّى 2: 1–2). إنّ هؤلاء الحكماء هم رجال بحثٍ وتوق: رجالٌ أصغوا إلى علامات الأزمنة، امتلكوا الجرأة لترك المألوف، والتواضع لاتباع نجمٍ لم يكونوا يدركون تمامًا إلى أين يقودهم. رحلتهم هي جوهر عيد الظهور الإلهي: الله يكشف ذاته لا لليهود وحدهم، بل للعالم كلّه.
لم يكن المجوس مدفوعين بالسلطة أو الامتياز أو اليقين، بل كان النور هو دليلهم. قادهم النجم إلى ما وراء قصر هيرودس، بعيدًا عن الخوف والتلاعب وحبّ الذات، ليقودهم إلى طفلٍ فقيرٍ ضعيفٍ وخفيّ، لكنه في آنٍ واحد إله. هناك، اكتشف المجوس ما يتوق إليه قلب كل إنسان: الطريق والحق والحياة، التي لا توجد في الطموح أو السيطرة، بل في المسيح نفسه.
يذكّرنا عيد الظهور بأنّ الإيمان مسيرة من التغيير والارتداد. فعندما التقى المجوس بالمسيح تغيّروا: جثوا، وقدّموا الهدايا. ويخبرنا متّى أنّهم «انصرفوا في طريق آخر إلى بلادهم» (متّى 2: 12). فاللقاء الحقيقي بالمسيح يعيدنا دائمًا إلى ديارنا مختلفين تمامًا عما كنا عليه عند وصولنا؛ لا نكتفي بالإعجاب بالنور، بل نُبدَّل به.
يكتسب عيد الظهور الإلهي أهميّة خاصّة، إذ تختتم الكنيسة سنة اليوبيل. فاليوبيل زمن نعمة وتوبة وتجديد، زمن لإعادة اكتشاف هويّتنا ولمن ننتمي. ومع انتهاء هذا اليوبيل، يدعونا الإنجيل إلى التأمّل في الماضي بامتنان وصدق: أين رأينا نور المسيح في مسيرتنا؟ وأين قاومناه؟ وأين أصغينا إلى صوت هيرودس -صوت الخوف أو الأنانية أو الراحة- بدل الإصغاء إلى إرشاد الله الهادئ؟
لكنّ عيد الظهور ليس مجرّد تأمّل، بل هو توجيه أيضًا. فالمجوس يعلّموننا أنّ الرجوع إلى الماضي هدفه التقدّم إلى الأمام. ومع بداية سنة جديدة، نقف نحن أيضًا عند مفترق طرق، تمامًا كما وقف المجوس من قبل. قد لا نعرف كل ما ينتظرنا، لكننا نعرف من يسير أمامنا. فالمسيح يبقى النجم الذي لا يخبو، والنور الذي لا يخدع، والمرشد الذي يقودنا وسط عدم اليقين نحو الحياة.
ومع ختام سنة اليوبيل وبداية عام جديد، لنصلِّ كي نمتلك نحن أيضًا شجاعة اتّباع النور حيثما يقودنا. ولنسعَ إلى المسيح بثبات، ونسجد له بتواضع، ونعود إلى حياتنا اليومية «في طريقٍ آخر» - متجدّدين في الإيمان، متقوّين في الرجاء، ومسترشدين دائمًا بمن هو الطريق والحق والحياة.