موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٤ مارس / آذار ٢٠٢٦
عائلة مسيحية تصمد تحت القصف في جنوب لبنان

أبونا :

 

في بلدة عنقون، وجد الرجاء مكانًا له في آخر منزل مسيحي لا يزال مأهولًا، في هذه القرية اللبنانية التي تبعد أحد عشر كيلومترًا عن صيدا، عاصمة محافظة جنوب لبنان، والتي تحوّلت منذ أسابيع إلى مركزٍ للقصف الإسرائيلي المتواصل، حتى بات هذا الواقع المأساوي جزءًا من الحياة اليومية.

 

اختار ماريو أبو خليل وعائلته ألّا يسلكوا طريق آلاف السكان الذين غادروا منازلهم، منضمّين إلى موجة النازحين المتجهين شمالًا بحثًا عن الأمان. زوجته، رينيه كرم، وأطفالهما الخمسة -كريستي (18 عامًا)، كلويه (16)، ميشيل (15)، بيا (13)، ورافاييل (12)- التفّوا حوله في محاولة للتمسّك بحياة طبيعية، رغم دويّ الصواريخ والخوف الذي لا يهدأ.

 

يقول ماريو: «لقد أصبح صوت القصف جزءًا من حياتنا اليومية. نحاول حماية أنفسنا قدر الإمكان، لكن العبء النفسي كبير، خاصة على الأطفال». وهو مدرّس تربية بدنية متميّز، إلا أن الحرب التي أفرغت قريته من سكانها أجبرته على التوجّه إلى بيروت ثلاث مرات أسبوعيًا، في رحلات محفوفة بالمخاطر، ليؤمّن لقمة العيش لعائلته. ويضيف: «في الجنوب لم يعد هناك أي عمل. أسعار الوقود تضاعفت تقريبًا، وكلفة المعيشة ارتفعت بشكل هائل، ونخشى انقطاع الإمدادات الأساسية قريبًا».

 

منذ اندلاع النزاع، يعيش أطفال ماريو حالة توتر دائم، لا يخفّف منها سوى تمسّك العائلة ببعضها البعض. «نبقى دائمًا معًا. نشعر بالقلق حيال المستقبل، ونتساءل عمّا سيبقى من وجودنا هنا». ثلاثة من أبنائه يتابعون دراستهم في مدرسة مار الياس في درب السيم، بإشراف الأب عيد بو راشد، التي تواصل رغم الظروف الصعبة تقديم التعليم عن بُعد، في بادرة أمل صغيرة وسط الظلام.

 

ومع ذلك، لا يُخفي ماريو قلقه: فالمسيحيون في قريته، كما في سائر أنحاء الجنوب، يواجهون خطرًا متزايدًا. لكن إيمانه وعائلته يبقيان ثابتين. فهم ينتمون إلى طريق الموعوظين الجدد، وعندما تتساقط القذائف، يجتمعون للصلاة معًا. «هذا المشهد يعبّر عن واقعنا: خوف وخطر من جهة، وإيمان ورجاء من جهة أخرى. نصلي يوميًا، ونحرص على البقاء متحدين مع الكنيسة، ونشارك قدر الإمكان في نشاطات الرعية، كما نساعد في توزيع الطعام على العائلات النازحة».

 

ويكشف ماريو أن منطقة صيدا بأكملها تعيش وضعًا مأساويًا: «القصف يخلّف الموت والدمار، وكثيرون فرّوا، خصوصًا المسيحيين. المدارس الحكومية امتلأت بالنازحين، وغالبًا من مناطق أخرى. ومع ذلك، في بعض القرى التي لا يزال فيها مسيحيون، اختارت عائلات، رغم فقرها، البقاء في أرضها، حتى لو كان الثمن حياتها».

 

أما هاجس هذا الأب الشاب، فهو أن تؤدي الحرب إلى تغيّر ديمغرافي يهدد بزوال الوجود المسيحي في المنطقة بأسرها. ويختم بنداء: «نطلب من الكرسي الرسولي إرسال ممثل للمساعدة في ضمان بقائنا. ونوجّه إلى المجتمع الدولي صرخة: لا تنسونا!»