موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٤ مايو / أيار ٢٠٢٤
رسالة البابا فرنسيس في اليوم العالمي الرابع للأجداد وكبار السّن: لا تتركني في شيخوختي
يحتفل به في 28 تموز 2024

الفاتيكان :

 

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء!

 

الله لا يترك أبناءه أبدًا. ولا عندما يتقدّمون في السّنّ وتتراجع قوّتهم، ويبيَضُّ شعر رؤوسهم ويقلّ دورهم الاجتماعيّ، وعندما تصير الحياة أقلّ إنتاجيّة وتُوشك في أن تبدو بلا فائدة. الله لا ينظر إلى المظاهر (راجع 1 صموئيل 16، 7)، ولا يستهين بأحد فيختار الذين يبدون غير مهمّين للكثيرين. ولا يستغني عن أيّ حجر، بل العكس، ”أقدم“ الحجارة تصير هي القاعدة الآمنة التي عليها يمكن أن ترتكز الحجارة ”الجديدة“ لتبني كلّها معًا البيت الرّوحيّ (راجع 1 بطرس 2، 5).

 

الكتاب المقدّس بأكمله، يروي لنا محبّة الله الأمينة، ويظهر فيها يقين يعزّينا: الله يُظهر لنا دائمًا رحمته، في كلّ مرحلة من حياتنا، وفي أيّ وضعٍ نكون فيه، حتّى في عدم أمانتنا له. المزامير مليئة باندهاش قلب الإنسان أمام الله الذي يهتمّ بنا، بالرّغم من صِغَرِنَا (راجع المزمور 144، 3-4)، وتؤكّد لنا أنّ الله نسج كلّ واحد منّا وهو في بطن أمّه (راجع المزمور 139، 13)، وأنّه لن يترك حياتنا حتّى في مثوى الأموات (راجع المزمور 16، 10). لذلك، يمكننا أن نكون متأكّدين أنّه سيكون قريبًا منّا حتّى في شيخوختنا، وأكثر من ذلك، فإن التّقدّم في السّنّ هو علامة بركة في الكتاب المقدّس.

 

مع ذلك، نجد في المزامير أيضًا هذا الابتهال الصّادق إلى الله: "لا تَنبِذْني في زَمَنِ شَيخوخَتي" (المزمور 71، 9). إنّه تعبيرٌ شديدٌ وقاسٍ جدًّا. يجعلنا نفكّر في ألم يسوع الشّديد الذي صرخ على الصّليب: "إِلهي، إِلهي، لِماذا تَرَكْتَني؟" (متّى 27، 46).

 

إذًا، في الكتاب المقدّس نجد التّأكيد على قرب الله منّا في كلّ مرحلة من مراحل الحياة، وفي الوقت نفسه، نجد الخوف من أن يتركنا، وخاصّة في شيخوختنا وفي وقت ألمنا. ليس في هذا تناقض. إن نظرنا حولنا، لن نجد صعوبة في أن نرى أنّ هذه التّعابير تَعكس واقعًا واضحًا جدًّا. في كثير من الأحيان، تكون الوِحدة رفيقة حياتنا المُرّة، نحن كبار السّنّ والأجداد. تسنّى لِي، مرّاتٍ كثيرة، عندما كنت أسقفًا على بوينس آيرس، أن أزور دُور رعاية المسنّين، وأدركت كم كانت نادرةً زيارةُ هؤلاء الأشخاص: بعضهم لم يكن يرَ أحبّاءه مدة شهورٍ كثيرة.

 

هناك أسباب عديدة لهذه العزلة والعيش في الوِحدة: في بلدان كثيرة، وخاصّة الفقيرة، يكون كبار السّنّ وحدهم لأنّ أبناءهم اضطرّوا أن يهاجروا. أو أفكّر في ظروف الصّراعات الكثيرة: كم من المسنّين بقوا وحدهم لأنّ الرّجال - الشّباب والبالغين - دُعوا إلى القتال، والنّساء، وخاصّة الأمهات مع الأطفال الصّغار، غادروا بلدهم ليضمنوا حياة أبنائهم. في المدن والقرى التي دمّرتها الحرب، يبقى الكثير من المسنّين والكبار وحدهم، وهم العلامة الوحيدة للحياة في المناطق التي يخيِّم عليها الصّمت والموت. ثمّ، في مناطق أخرى من العالم، يوجد اعتقاد خاطئ، متجذّر بعمق في بعض الثّقافات المحلّيّة، ويولّد العِدَاء تجاه كبار السّنّ، لأنّه يُعتقَد أنّهم يلجؤون إلى أعمال السّحر ليسلبوا الشّباب طاقتهم الحيويّة، ففي حالة وفاة مبكّرة أو مرض أو أيّة مصيبة تحلّ بشاب، يُلقى اللّوم على شخص مُسنّ. لا بدّ من مكافحة واستئصال مثل هذه العقليّة. وهذا أحد الأحكام المسبقة التي لا أساس لها، والتي منها حرّرنا الإيمان المسيحيّ، والتي تغذّي الصّراع المستمرّ بين الأجيال، وبين الشّباب وكبار السّنّ.

 

إن فكّرنا جيّدًا، وجدنا أنّ هذا الاتّهام الموجّه إلى كبار السّنّ في ”سرقة المستقبل من الشّباب“ حاضر كثيرًا اليوم وفي كلّ مكان. نجد هذا الاتّهام، بأشكال أخرى، حتّى في المجتمعات المتقدّمة كثيرًا والحديثة. مثلًا، انتشرت الآن الفكرة أنّ كبار السّنّ هُم حِملٌ ثقيل على الشّباب بسبب تكلفة الرّعاية التي يحتاجون إليها، وبهذه الطّريقة يمنعون الموارد من أن تنمّي البلاد وبالتّالي الشّباب أيضًا. إنّه تصوّر مشوّه للواقع. كما لو أنّ بقاء كبار السّنّ على قيد الحياة يعرّض حياة الشّباب للخطر. وكما لو أنّه من أجل تشجيع الشّباب، من الضّروري إهمال كبار السّنّ أو حتّى القضاء عليهم. التّعارض بين الأجيال هو خداع وهو ثمرة مسمومة من ثقافة الصّراع. تحريض الشّباب على كبار السّنّ هو تلاعب غير مقبول: "الموضوع هو وَحدة الفئات العمريّة في الحياة: وهي المرجعيّة الحقيقيّة لفهم وتقدير الحياة البشريّة برمتها" (التّعليم المسيحيّ، 23 شباط 2022).

 

المزمور الذي ذكرناه سابقًا -والذي نبتهل فيه ألّا نُترَك في شيخوختنا– يتكلّم على مؤامرة تشتَدُّ حول حياة كبار السّنّ. قد يبدو أنّ في هذه الكلمات مبالغة، لكن يمكننا أن نفهمها إن اعتبرنا أنّ الوِحدة وإقصاء كبار السّنّ ليسا أمرين عرضيّين، ولا هما أمر محتوم، بل هما نتيجة خيارات -سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وشخصيّة- لا تعترف بالكرامة اللامتناهية لكلّ إنسان "في جميع الظّروف وفي كلّ حالةٍ أو وضعٍ يوجَد فيه الإنسان" (كرامة الإنسان، 1). هذا الأمر يحدث عندما تضيع قيمة كلّ واحد ويصير الأشخاص مجرّد تكلفة، وفي بعض الحالات مرتفعة جدًّا يثقل دفعها. الأسوأ من ذلك هو أنّه في كثير من الأحيان، يصير كبار السّنّ أنفسهم خاضعين لهذه العقليّة ويرون أنفسهم عبءًا، ويريدون هم أنفسهم أوّلًا أن يتنحّوا جانبًا.

 

من ناحية أخرى، يوجد اليوم نساءٌ ورجالٌ كثيرون يسعون إلى تحقيق ذاتهم الشّخصيّة في حياة مستقلّة ومنفصلة عن الآخرين قدر الإمكان. الانتماءات المشتركة في أزمة والفرديّة تزداد، والانتقال من ”نحن“ إلى ”أنا“ يبدو أنّ هذه إحدى علامات عصرنا المتميّزة. والعائلة، التي هي التّحدّي الأوّل والأكثر تجذّرًا للفكرة أنّنا نستطيع أن نخلّص أنفسنا وحدنا، هي إحدى ضحايا هذه الثّقافة الفرديّة. مع ذلك، عندما نتقدّم في السّنّ، وتتراجع قوّتنا شيئًا فشيئًا، تنكشف حقيقة سراب الفرديّة، ووهمنا بأنّا لا نتحاج لأحد وأنّنا قادرون على أن نعيش بدون روابط، ثمّ نجد أنفسنا أنّنا بحاجة إلى كلّ شيء، لكنّا وحدنا، ودون مساعدة، ودون أيّ أحد يمكننا الاعتماد عليه. إنّه اكتشاف محزن يكتشفه الكثيرون بعد فوات الأوان.

 

العزلة والإقصاء صارا عنصرين متكرّرين في البيئة التي نعيش فيها. ولهما جذور متعدّدة: في بعض الحالات هما نتيجة استبعاد مخطّط له، وهو نوع من ”المؤامرة الاجتماعيّة“ الموجِعة، وفي حالات أخرى هما للأسف قرار شخصيّ. وفي حالات أخرى أيضًا نتحمَّلُهما ونتظاهر بأنّه خيار مستقلّ. "فقدنا طعم الإخاء" بصورة متزايدة (رسالة بابويّة عامّة، كلّنا إخوة-Fratelli tutti، 33) ونجد صعوبة في أن نتصوّر شيئًا مختلفًا.

 

يمكننا أن نلاحظ في كثير من كبار السّنّ ذلك الشّعور بالاستسلام الذي تكلّم عليه سفر راعوت عندما روى قصة نُعْمي المتقدّمة في السّنّ، بعد أن توفّى زوجها وأولادها. فهي تدعو كَنَّتَيها، عُرفَةُ وراعوت، إلى أن يرجعا إلى وطنهما الأصليّ وإلى بيتهما (راجع راعوت 1، 8). خافت نُعْمي - مثل الكثير من المسنّين اليوم - أن تبقى وحدها، مع ذلك لم تستطع أن تتصوّر شيئًا مختلفًا. كونها أرملة، أدركت أنّ قيمتها قليلة في نظر المجتمع وكانت مقتنعة بأنّها عبءٌ على تلك الشّابَّتَين اللتين، على عكسها، أمامهما الحياة كلّها. لهذا السّبب، فكّرت في أنّه من الأفضل أن تتنحّى جانبًا، فدعت هي نفسها كنَّتَيها الشّابتَين إلى أن يتركاها وأن يبنيا مستقبلهما في مكان آخر (راجع راعوت 1، 11-13). كان كلامها موجزًا للأعراف الاجتماعيّة والدّينيّة التي تبدو غير قابلة للتّغيير، والتي حدّدت مصيرها.

 

وهنا تقدّم لنا قصة الكتاب المقدّس خيارَين مختلفَين أمام الدّعوة الموجّهة إلى راعوت، وإذن أمام الشّيخوخة. إحدى كَنَّتيها، عُرفَةُ، وكانت تحبّنُعْمي أيضًا، قبّلتها بحنان، ورَضِيَت بما كان يبدو لها أيضًا أنّه الحلّ الوحيد الممكن، فذهبت في طريقها. لكن راعوت لم تترك نُعْمي ووجّهت لها كلامًا مدهشًا قالت: "لا تُلِحِّي علَيَّ أَن أَترُكَكِ" (راعوت 1، 16). لم تخشَ أن تتحدى العادات والشّعور العام. شعرت أنّ المرأة المسنّة بحاجة إليها، وبشجاعة بقيت بجانبها، وبدأتا معًا رحلة جديدة. بالنّسبة لنا جميعًا - الذين اعتدنا على الفكرة أنّ العزلة هي مصير لا مفر منه – راعوت تعلّمنا أنّه عند الابتهال ”لا تتركني!“ من الممكن أن يكون الجواب: ”لن أتركك!“. لا تتردّد راعوت في نقض ما كان يبدو حقيقة لا تتبدَّل: أن يعيش الإنسان وحده لا يمكن أن يكون الخيار الوحيد! وليس صدفة أنّ راعوت - التي بقيت قريبة من نُعْمي المتقدّمة في السّنّ - هي جدّة المسيح (راجع متّى 1، 5)، يسوع، العِمَّانوئيل، الذي هو ”الله معنا“، والذي يحمل قرب الله ومودته إلى جميع البشر، وفي جميع الظّروف، وفي جميع الأعمار.

 

حرّيّة راعوت وشجاعتها تدعواننا إلى السّير في طريق جديد: لنتبع خطواتها، ولننطلق مع هذه المرأة الغريبة الشّابة ومع نُعْمي المتقدّمة في السّنّ، ولا نخَفْ أن نغيِّر عاداتنا وأن نتخيّل مستقبلًا مختلفًا لكبارنا المسنِّين. الشّكر والتّقدير لجميع الأشخاص الذين ضحَّوا كثيرًا وساروا على مثال راعوت، وهم اليوم يهتمّون بكبير متقدّم في السّن، أو، بكلّ بساطة، يُظهِرون قربهم يوميًّا من الأقارب أو المعارف الذين لم يعد لهم أحد. اختارت راعوت أن تبقى بالقرب من نُعْمي، فباركها الله، بزواج سعيد وبنسل وأرض. وهذا صحيح دائمًا ومع الجميع. إن كنَّا قريبين من كبار السّن، وإن اعترفنا بدورهم الذي لا غِنَى عنه في العائلة والمجتمع والكنيسة، سننال نحن أيضًا العطايا الكثيرة، والنّعم الكثيرة، والبركات الكثيرة!

 

في هذا اليوم العالمي الرّابع المخصّص لهم، لا نبخَلْ بإظهار حناننا للأجداد وكبار السّنّ في عائلاتنا، ولنَقم بزيارة المُحبَطين فيهم، والذين فقدوا كلّ رجاء في إمكانيّة مستقبل مختلف. وأمام الموقف الأناني الذي يؤدّي إلى الإقصاء والعزلة، لنعارض ذلك بقلب منفتح ووجه مبتهج، ولتكن لنا لشّجاعة لأن نقول: ”لن أتركك!“ وسأسلك طريقًا مختلفًا.

 

لكم جميعًا، أيّها الأجداد وكبار السّنّ الأعزّاء، وإلى جميع القريبين منكم، لتبلغكم بركتي وصلاتي. وأنتم أيضًا، من فضلكم، لا تنسَوْا أن تصلّوا من أجلي.