موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في مدينة حمص السورية، التي لا تزال تحمل آثار سنوات الحرب والدمار، تواصل الأخت سامية جريج، من رهبانية قلبي يسوع ومريم الأقدسين، رسالتها في خدمة الأطفال والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والعائلات المحتاجة، مؤمنة بأن إعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة بناء المنازل، وأن منح الرجاء قد يكون أحيانًا أعظم من تقديم المساعدات المادية.
وتعيش الراهبة السورية في حمص منذ نحو عشرين عامًا، حيث وصلت إليها عام 2006 وأسست مركز «حبة الخردل» لرعاية الأطفال والشباب ذوي الإعاقة، في وقت كانت فيه المؤسسات المتخصصة قليلة، وكان كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة يعيشون في عزلة داخل منازلهم.
وخلال زيارة إلى فرنسا بالتعاون مع منظمة «عمل الشرق» (L’Œuvre d’Orient)، تحدثت الأخت سامية عن واقع الحياة في حمص، والمشاريع التي تواصل تنفيذها رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه المدينة.
يستقبل مركز «حبة الخردل» اليوم أطفالًا ابتداءً من عمر ثلاث سنوات، وشبابًا حتى سن الثلاثين، من المسيحيين والمسلمين، بهدف مساعدتهم على تنمية قدراتهم والخروج من العزلة والاندماج في المجتمع.
ولا تقتصر أنشطة المركز على التعليم والرعاية، بل تشمل ورشًا عملية للأكبر سنًا، منها النجارة وصناعة الشموع والخياطة. وتقول الأخت سامية جريج مبتسمة: «كل واحد يعمل بحسب قدرته»، في تعبير عن إيمانها بأن الأشخاص ذوي الإعاقة لا تُحدّدهم الصعوبات التي يواجهونها، بل أيضًا ما يمتلكونه من قدرات ومواهب.
وينظم المركز سنويًا مهرجانًا كبيرًا يُدعى إليه سكان حمص، ويتولى المستفيدون من خدمات المركز إعداد فعالياته وتنفيذها. وتقول الراهبة بفخر: «إنهم يقومون بكل شيء!».
ومع مرور السنوات، توسعت رسالة المركز لتشمل الأشخاص الأكبر سنًا من ذوي الإعاقة الذين فقدوا والديهم وأصبحوا يعيشون في عزلة، من خلال إنشاء بيت خاص لاستقبالهم. وتوضح الأخت سامية: «أريد أن يكون هذا البيت بمثابة عائلة حقيقية، مع أشخاص يرافقونهم ويقفون إلى جانبهم».
عندما اندلعت الحرب في سورية عام 2011، وجد دير الراهبات ومركز «حبة الخردل» نفسيهما في قلب المعارك التي شهدتها حمص. وتعرض المبنى للدمار جراء القصف، ما اضطر الجماعة الرهبانية إلى مغادرة الحي.
وفي عام 2014، وبعد انتهاء المعارك في مدينة حمص القديمة، عادت الأخت سامية إلى ديرها الذي تحول إلى أنقاض، وبدأت رحلة طويلة من إعادة الإعمار، لا تزال مستمرة حتى اليوم. وتقول ببساطة: «كل سنة أعيد بناء جزء صغير».
لكن جهودها لم تتوقف عند إعادة بناء الدير والمركز، إذ أطلقت خلال الحرب مشروعًا لترميم المنازل المتضررة، بهدف مساعدة العائلات المهجّرة على العودة إلى بيوتها واستعادة حياتها في المدينة. كما شاركت في تأسيس مستوصف يقدم الرعاية الطبية للأشخاص الأكثر احتياجًا، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج وصعوبة الحصول على الأدوية والخدمات الصحية.
وتؤكد: «الصحة أمر أساسي، وحاجة لا يمكن الاستغناء عنها».
وترى الأخت سامية أن مساعدة الإنسان لا تقتصر على تأمين الطعام أو المسكن أو العلاج، بل تشمل أيضًا استعادة ثقته بنفسه وشعوره بقيمته ومكانته في المجتمع. وتروي في هذا السياق قصة أرملة اختفى زوجها خلال الحرب، ودُمّر منزلها بالكامل. وتتذكر الراهبة لقاءها الأول بها قائلة: «عندما رأيتها للمرة الأولى، كانت امرأة حزينة جدًا».
ساعدتها بدايةً في العثور على مسكن، ثم عرضت عليها العمل في المستوصف. ومع مرور الوقت، بدأت المرأة تستعيد رغبتها في الحياة، وتخرج من عزلتها، وتبني علاقات جديدة. وتقول الأخت سامية: «شيئًا فشيئًا، استعادت هذه المرأة رغبتها في الحياة». وتضيف: «العمل يغيّر الإنسان على جميع المستويات. فهو لا يمنحه راتبًا فقط، بل يمنحه أيضًا الكرامة والعلاقات وسببًا للنهوض كل صباح».
وتؤكد الراهبة السورية أن الإصغاء إلى المتألمين جزء أساسي من رسالتها، إذ يقصدها كثيرون لمجرد الحديث عن أوجاعهم ومخاوفهم وصعوبات حياتهم. وتقول: «عندما يحتاجون إلى الكلام، أكون موجودة». وتضيف: «أحيانًا يكون منح الرجاء أعظم من تقديم الأشياء المادية».
وبالنسبة إليها، فإن الحضور إلى جانب الأشخاص المتألمين، والإصغاء إلى قصصهم، ومساعدتهم على استعادة الثقة بأنفسهم، يشكل جزءًا لا يتجزأ من رسالتها الرهبانية والإنسانية.
ورغم انتهاء سنوات المعارك الكبرى في حمص، لا تزال المدينة تواجه تحديات عميقة، من ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية إلى استمرار هشاشة الوضع الأمني.
غير أن أكثر ما يقلق الأخت سامية هو استمرار هجرة الشباب والعائلات بحثًا عن مستقبل أفضل خارج سورية. وتقول بأسف: «جميع الشباب، وحتى عائلات بأكملها، يرون مستقبلهم الآن في مكان آخر». وتشير إلى أن التغيرات التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد لم تنعكس بعد استقرارًا كافيًا يسمح لجميع السكان بالتطلع إلى المستقبل باطمئنان.
وأمام الصعوبات التي تعيشها سورية، يبقى السؤال حاضرًا: لماذا تختار الأخت سامية الاستمرار في حمص، بينما يغادر كثيرون بحثًا عن الأمان والاستقرار؟
وتجيب ببساطة: «أنا باقية لأن لديّ رسالة». فهي التي بقيت مرتبطة بالمدينة خلال سنوات الحرب، تواصل اليوم الوقوف إلى جانب من لم يغادروها، ولا سيما الأطفال والشباب والعائلات الأكثر احتياجًا. وتؤكد: «من خلال عملنا وحضورنا، نمنح الرجاء للشباب الذين بقوا». وتستمد الأخت سامية القوة لمواصلة رسالتها من إيمانها وحياتها الروحية، قائلة: «بالنسبة إليّ، الأهم هو الصلاة».
وهكذا، تواصل الراهبة السورية رسالتها في حمص، مشروعًا بعد آخر، ولقاءً بعد آخر، وسط مدينة لا تزال تحمل جراح الحرب. وبين إعادة بناء المنازل، ورعاية ذوي الإعاقة، ومساعدة العائلات، والإصغاء إلى المتألمين، تختار أن تبقى وتخدم وتصلّي، لتزرع الرجاء في قلوب الذين بقوا، وتساعدهم على الإيمان بأن الغد لا يزال يحمل إمكانية لحياة أفضل.