موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في لحظة تاريخية حرجة يمر بها المشرق العربي، حمل اجتماع بطاركة أنطاكية الثلاثة في العاصمة السورية دمشق دلالات روحيّة وسياسية بالغة الأهمية. لم يكن اللقاء مجرد بروتوكول كنسي عابر، بل جاء ليعكس استشعاراً عميقاً من القيادات الروحية لحجم "الأزمة الوجودية" التي تهدد ما تبقى من الوجود المسيحي في أرض الجذور.
ولعل أبرز ما ميز هذا التحرك هو خروج الآباء الأجلاء عن عباءة العموميات والخطابات التقليدية، والولوج مباشرة إلى ملفات شديدة الحساسية والتعقيد؛ كالحجز التعسفي، الفصل الوظيفي، وتأخير المحاكمات، في مؤشر واضح على أن الضغط الاجتماعي والاقتصادي قد بلغ مرحلة لم يعد ينفع معها الصمت أو الاكتفاء بالوعظ الإرشادي.
ومع ذلك، فإن هذا الطرح الجريء الذي يُحسب للمجتمعين، اصطدم على ضفاف وسائل التواصل الاجتماعي وفضاءات النقاش العام بموجة من تعليقات المتابعين التي كشفت عن أزمة ثقة وإحباط ملموس؛ وهي ردود أفعال تستدعي القراءة والتحليل لفهم الفجوة الآخذة في الاتساع بين التطلعات الشعبية والقدرات الكنسية.
الجرأة الروحية وحدود المقدرة التنفيذية
لقد أثبت البطاركة الثلاثة: البطريرك يوحنا العاشر (يازجي) بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني (كريم) بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم، البطريرك يوسف الأول (العبسي) بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك، بوضعهم الأصابع على جراح "الفصل التعسفي وتأخير المحاكمات" أن الكنيسة ليست معزولة عن آلام شعبها.
إلا أن الواقع يفرض التمييز بين السلطة المعنوية والأدوات التنفيذية؛ فالقيادات الروحية تمتلك نفوذاً أدبياً وقدرة على الوساطة الإنسانية، لكنها لا تملك سلطة تشريعية لتغيير القوانين الجائرة، ولا أدوات اقتصادية لخفض الأسعار أو لجم التضخم. هذا التباين يجعل التحركات الكنسية محصورة غالباً في إطار "المناشدة"، وهو ما يفسر شعور الشارع بالعجز رغم نبل المساعي.
مقولة "التجذير" في ميزان العدالة الاجتماعية
من رحم هذا الواقع المرير، تعالت أصوات الرعية منتقدةً شعارات "التجذير والصمود والبقاء في الأرض". فالإنسان المشرقي لم يعد قادراً على تغذية صموده بالشعارات بينما تفتقر البيئة الحاضنة لأدنى مقومات الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية. ومن هنا، يبرز مطلب شعبي مشروع يدعو القيادات الكنسية إلى عدم الاكتفاء بالداخل، بل استثمار نفوذها وعلاقاتها الدولية عبر الفاتيكان والمنظمات الأممية لتأمين دعم مادي وقانوني مباشر للمواطنين، يحميهم من العوز والتهميش.
منشورات بروتوكولية أم بيانات حازمة؟
لقد عكس وعي المتابِع السوري والمشرقي رغبة عارمة في رؤية مؤسسات كنسية تتحدث بلغة دبلوماسية قوية، موحدة، وحازمة. فالشارع اليوم يرفض اختزال هذه اللقاءات التاريخية في مجرد "منشورات خبرية" على منصات التواصل الاجتماعي تُعامل كنشاط بروتوكولي. المطلوب اليوم هو بيان رسمي يضع النقاط على الحروف، ويتحدث بلغة قادرة على وضع حد لسياسات التهميش التي باتت الوقود الأول لقطارات الهجرة المستمرة.
النزيف الحاد: الصلاة لا تكفي وحدها
يبقى الجرح الأكثر عمقاً ونزفاً هو هجرة الشباب التي تفرغ الكنائس والأوطان من مستقبلها. وإذا كانت الصلاة مكانتها ومكانها محفوظين في الوجدان المسيحي كركيزة إيمانية لا غنى عنها، فإن الواقع اليوم يصرخ بأن "الصلاة لا تكفي وحدها" لربط الشاب بأرضه. الأمل لا يُبنى بالصلوات والنيات الحسنة فقط، بل بالخطط التنفيذية والمشاريع التنموية الملموسة؛ من تأمين فرص عمل، وقروض سكنية، ودعم قانوني للملاحقين والمستضعفين.
نحو رؤية مشرقية فاعلة
إن اجتماع بطاركة أنطاكية في دمشق خطوة هامة لتوحيد الصوت الروحي، لكنه سيبقى جهداً ناقصاً ما لم يُترجم إلى آليات عمل إغاثية، قانونية، ودبلوماسية ضاغطة بالتنسيق مع المجتمع الدولي وصنّاع القرار. الرعية اليوم، وفي ظل هذا المخاض الوجودي، لم تعد تحتاج إلى مواعظ الصبر، بل هي بحاجة ماسة إلى "أفعال صمود" حقيقية على الأرض تُسند وتدعم "صلوات السلام" المرتفعة في القلوب والمذابح.