موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٢٣ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
القديس فرنسيس دي سال: سيرة ومحطات في فكر معلّم الكنيسة

أبونا :

 

النشأة والتكوين والدعوة الكهنوتية

 

وُلد فرنسيس دي سال في 21 آب 1567 في توران-غليير بفرنسا، في أسرة نبيلة عريقة من آل بوازي في إقليم سافويا. تلقّى تعليمه في أرقى المدارس الفرنسية، ثم استجاب لرغبة والده الذي كان يتطلّع إلى أن يسلك ابنه مسارًا قانونيًا، فالتحق بجامعة بادوفا لدراسة القانون. وخلال سنوات دراسته، بدأ شغفه باللاهوت يتبلور بوضوح.

 

تخرّج بامتياز، وعاد إلى فرنسا سنة 1592، حيث انتسب إلى نقابة المحامين وبدأ ممارسة المهنة. غير أنّ رغبته العميقة كانت تتجه نحو الكهنوت؛ فلبّى دعوته الداخلية، ورُسِم كاهنًا في 18 كانون الأول من العام التالي، وبعد ثلاثة أيام، وفي سن السادسة والعشرين، احتفل بقدّاسه الأول. عُيّن بعد ذلك رئيسًا لكهنة كاتدرائية جنيف، فأظهر منذ بدايات خدمته صفات الغيرة الرسولية، والمحبة، والحنكة الدبلوماسية، ورجاحة العقل.

 

 

الرسالة في شابليه ومواجهة الكالفينية

 

في خضمّ انتشار الكالفينية، تطوّع فرنسيس لإعادة تبشير منطقة شابليه، حيث اعتمد في كرازته أسلوب الحوار، رغم ما واجهه من صعوبات قاسية: أبواب موصدة، وبرد قارس، وجوع، وليالٍ في العراء، فضلًا عن التهديدات والإهانات ومحاولات الاعتداء.

 

ولفهم هذا التيار فهمًا عميقًا، درس تعاليم كالفن دراسة دقيقة، بهدف توضيح الفوارق العقائدية بينها وبين الإيمان الكاثوليكي. وإذ وجد أن الجدل اللاهوتي المباشر لا يؤتي ثماره دائمًا، ابتكر وسيلة جديدة للكرازة، تمثّلت في كتابة ونشر منشورات وملصقات تُعلّق في الأماكن العامة أو تُوزّع من بيت إلى بيت، يشرح فيها حقائق الإيمان بلغة بسيطة وفعّالة.

 

لم تكن الاهتداءات كثيرة في البداية، غير أنّ العداء والتعصّب ضد الكاثوليكية تراجعا تدريجيًا. واستقر فرنسيس لاحقًا في مدينة تونون، عاصمة شابليه، حيث كرّس نفسه لزيارة المرضى، وأعمال الرحمة، واللقاءات الشخصية مع المؤمنين. ثم طلب الانتقال إلى جنيف، المدينة الرمزية للعقيدة الكالفينية، طامحًا إلى إعادة أكبر عدد ممكن من المؤمنين إلى الكنيسة الكاثوليكية.

 

 

الأسقفية في جنيف والصداقة مع جان-فرنسواز دو شانتال

 

في عام 1599، عُيّن فرنسيس أسقفًا معاونًا لجنيف، وبعد ثلاث سنوات آلت إليه مسؤولية الأبرشية كاملة، مع اتخاذ أنّيسي مقرًا له. وبذل نفسه بلا تحفظ في خدمة الكنيسة: فزار الرعايا، واهتم بتنشئة الإكليروس، وأعاد تنظيم الأديرة والكنائس، ولم يدّخر جهدًا في الوعظ والتعليم المسيحي والمبادرات الراعوية.

 

اختار أسلوب التعليم المسيحي من خلال الحوار، وتميّز في الإرشاد الروحي بالمثابرة والوداعة، ما أسفر عن اهتداءات عديدة. وفي آذار 1604، وخلال عظاته في زمن الصوم بمدينة ديجون، التقى جان-فرنسواز فريمو دي شانتال، فنشأت بينهما صداقة روحية عميقة، تطوّرت إلى توجيه روحي عبر مراسلات غنية بالمضمون اللاهوتي والإنساني.

 

وفي عام 1608، أهدى إليها كتابه الشهير «مقدمة في الحياة التقيّة» أو «فيلوثيا»، وهو الاسم الأمثل لمن يحبون الله أو يرغبون في محبّته. وقد صاغ فرنسيس هذا العمل ليقدّم، بأسلوب عملي ومكثّف، مبادئ الحياة الداخلية، مبيّنًا كيف يمكن عيش القداسة في قلب الحياة اليومية، من خلال الالتزام بالواجبات المدنية والاجتماعية. وقد لاقى الكتاب نجاحًا واسعًا وانتشارًا كبيرًا.

 

 

تأسيس رهبنة الزيارة ونتاجه اللاهوتي

 

أثمر التعاون الطويل والمثمر بين فرنسيس وجان-فرنسواز عن تأسيس رهبنة زيارة القديسة مريم سنة 1610 في أنّيسي، بهدف أساسي هو زيارة الفقراء ومساعدتهم. وبعد ثماني سنوات، تحوّلت الجماعة إلى رهبنة تأملية. وقد أملى فرنسيس بنفسه قوانينها، مستلهمًا إياها من قواعد القديس أغسطينوس.

 

غير أنّ القديسة جان شدّدت على ضرورة أن تهتم الراهبات أيضًا بتعليم الفتيات وتربيتهن، ولا سيما المنتميات إلى العائلات الميسورة. وفي عام 1616، ألّف فرنسيس كتابه اللاهوتي الكبير «رسالة في محبة الله» أو «تيوتيـموس»، وهو عمل يتميّز بعمق لاهوتي وفلسفي وروحي استثنائي، صيغ على هيئة رسالة مطوّلة موجّهة إلى صديق يُدعى «تيوتيـموس»، أي «محبّ الله» أو «المشتاق إلى الله». يقدّم فرنسيس في هذا الكتاب الدعوة الأساسية لكل إنسان: أن يعيش ليحبّ، موضحًا السبل التي تمكّن كل شخص من لقاء الله لقاءً شخصيًا.

 

 

الوفاة والإرث الروحي

 

توفّي فرنسيس دي سال في 28 كانون الأول 1622 في مدينة ليون، عن عمر ناهز 52 عامًا. وفي 24 كانون الثاني من العام التالي، نُقلت رفاته إلى مدينة أنّيسي، حيث لا يزال إرثه الروحي والفكري حيًّا في الكنيسة حتى اليوم.

 

أعلنه البابا ألكسندر السابع طوباويًا في 8 كانون الثاني 1661، وقديسًا في 8 نيسان 1665. وقد لُقب بـ«القديس النبيل» (Gentleman Saint)، لصبره ووداعته ولطفه في التعامل. وفي عام 1877، أعلنه البابا بيوس التاسع معلّمًا للكنيسة، فيما أعلنه البابا بيوس الحادي عشر سنة 1923 شفيعًا للكُتّاب والصحفيين.