موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
شاهدت سيرة البابا بولس السادس (1963 – 1978) كما جاءت على لسان قناة راي الثقافية إحدى قنوات التلفزيون الايطالي الرسمي. أذهلتني سيرة هذا البابا الكبير، الكاردينال مونتيني (وهذا اسمه قبل أن يصبح البابا بولس السادس) وهي بمجملها سيرة بابا متواضع، تقي ومتصوف، راهب ناسك عابد، وصاحب صرخة الفقراء هم الكنيسة؛ يمشي وينام بأثقال من الحديد حتى يشعر بحجم المسؤولية والأمانة الملقاة على كتفيه كما تقول سيرته الطيبة العطرة.
كانت بابوية بولس السادس مضطربة بالأحداث التي ضربت ايطاليا والعالم في حقبة السبعينيات من القرن الماضي؛ فالحرب الباردة على أشدها بين العالم الغربي الديمقراطي والرأسمالي و"المسيحي" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها والمجموعة الشرقية الشيوعية، والملحدة، والمعادية للكنيسة والأديان بقيادة الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه.
ايطاليا كانت تعيش سنوات الرصاص (سبعينيات القرن الماضي) وإرهاب الألوية الحمراء، والتي وصلت قمتها باختطاف، ثم قتل زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي، طيب السمعة، آلدو مورو، رجل الفاتيكان في ايطاليا والصديق المقرب من البابا والكنيسة الكاثوليكية؛ إضافة إلى إرهاب اليمين الفاشي المتطرف، والذي فجر محطات القطار ووضع القنابل، وقتل العشرات في المدن الايطالية، وخاصة بولونيا وبريشيا.
على الساحة السياسية شهد الحزب الشيوعي الايطالي ثاني أكبر الأحزاب السياسية في ايطاليا بعد الحزب الديمقراطي المسيحي تقدماً كبيراً كاد أن يتجاوز الحزب الديمقراطي المسيحي (حزب البابا والفاتيكان) ويصل إلى السلطة بتشكيل حكومة يسارية مع باقي الأحزاب العلمانية والليبرالية: الحزب الاشتراكي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، والحزب الجمهوري، وفتات الأحزاب الشيوعية اليسارية المتطرفة الأخرى؛ وخاصة بعد أن نجح هذا الائتلاف في الاستفتاء العام الذي شرّع الطلاق وأصبح قانوناً نافذاً في ايطاليا الكاثوليكية، وما نتج عن ذلك من خسارة سياسية فادحة للحزب الديمقراطي المسيحي، والأحزاب اليمينية الفاشية الأخرى، وحجّم أيضاً دور الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان في الحياة السياسية العامة في ايطاليا.
في ايرلندا كانت الحرب الأهلية بين الكاثوليك والبروتستنت على أشدها؛ وكان الكاثوليك من شعوب أمريكا الجنوبية اللاتينية المرتبطة دينياً ومشاعرياً مع الفاتيكان تعيش مشاهد من الفقر المدقع والعنف السياسي والمجتمعي بين دكتاتوريات تلك البلدان والأحزاب اليسارية والديمقراطية، وخاصة بعد الانقلاب الفاشي الدموي الذي أطاح بالرئيس التشيلي المنتخب ديمقراطياً سلفاتور الليندي، واستيلاء قائد اليمين الفاشي بينوشيه على السلطة عام 1973.
تحدث التلفاز الايطالي عن الدور الكبير الذي لعبه الكاردينال مونتيني (البابا بولس السادس فيما بعد) في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962) هذا الدور الذي أسس علاقة الكنيسة الكاثوليكية مع المسلمين وحمل، كذلك، أطروحة الديانات الإبراهيمية والتي رحب بها المسلمون والمسيحيون العرب بقوة، وعلى حد سواء؛ عندما عبّر عن مقدار التقدير والاحترام من الكنيسة للإسلام والمسلمين حين قال: «يجمعنا وإياكم الإيمان بالله الواحد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر»؛ وأضاف المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني: «تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأحد ، والحي القيوم ، والرحمن القدير».
نعرف من سيرة هذا الحبر الأعظم أنه لم يلفظ كلمة إسرائيل من شفتيه طيلة بابويته المباركة؛ وعندما زار بلادنا المقدسة عام 1964 عن طريق عمان ثم القدس وأراد أن يزور مدينة الناصرة المحتلة رفض رفضاً قاطعاً أن يسير موكبه على طريق افتتحتها إسرائيل بعد الاحتلال، واختار لذلك الطريق المعروف باسم (طريق مجيدو) وهي طريق موجودة قبل الاحتلال بين القدس والناصرة، وعاد إلى مقر إقامته الرسمية في القدس العربية قبل الغروب وقبل حلول الظلام.
يهمنا كذلك من بابوية قداسة بولس السادس موقفه من الاحتلال: كان يرفض أن يكون مصير القدس العربية بيد اليهود؛ لأن هذا برأي قداسته يفتقر إلى أساس قانوني كما صرّح بهذا عدة مرات في السبعينيات من القرن الماضي؛ وكان فاتيكان البابا بولس السادس يرى أن القدس العربية هي عاصمة الدولة الفلسطينية المطلوب إقامتها ويكون لدولة الفاتيكان الحق في رعاية الأماكن المسيحية المقدسة؛ كما كان الوضع عبر الفترات التاريخية المتلاحقة وقبل الاحتلال، ولم يكن الفاتيكان يعترف بسيادة الكيان الصهيوني على القدس العربية.
عندما زار الملك الكبير فيصل بن عبد العزيز ايطاليا عام 1973 عبّر عن رغبته ببناء مسجد في العاصمة الايطالية روما؛ وافق قداسة البابا بولس السادس على هذا الطلب وبسرعة وأضاف: "لما لا! سيضيف هذا المسجد بعداً جمالياً وروحياً آخر لمدينة روما الخالدة".
نشكر التلفاز الايطالي الذي أفادنا وأتحفنا بهذه المعلومات، وهذه السيرة الطيبة العطرة لهذا البابا العظيم، قداسة بولس السادس، ونذكر ونتذكر مواقفه من قضايانا ونحن نحتفل بمرور خمسين عاماً على زيارته لبلادنا المقدسة: الأردن وفلسطين.