موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا البابا لاون الرابع عشر المؤمنين إلى عدم الاتكال على أنفسهم أمام النجاح، وعدم الاستسلام لليأس في أوقات الضعف والظلمة، مؤكدًا أن المسيح لا يترك الإنسان وسط عواصف الحياة، بل يمنحه السلام والنور والقوة عندما يستقبله في حياته بالصلاة والأسرار المقدسة والإصغاء إلى كلمته.
جاء ذلك في كلمة البابا قبيل تلاوة صلاة الملاك، اليوم الأحد 9 آب 2026، في ساحة القديس بطرس، حيث تأمل في رواية الإنجيل عن يسوع الذي جاء إلى تلاميذه ماشيًا على مياه بحر الجليل، فيما كانوا يصارعون الرياح والأمواج.
استهل البابا كلمته بالإشارة إلى أن إنجيل اليوم يأتي بعد معجزة تكثير الأرغفة الخمسة والسمكتين، حين طلب يسوع من تلاميذه أن يركبوا السفينة ويتوجهوا إلى عرض البحر، فيما صعد هو إلى الجبل منفردًا ليصلي.
وأوضح أن التلاميذ، بعدما كانوا شهودًا على معجزة عظيمة وخبرة نجاح أمام الجموع، وجدوا أنفسهم فجأة عاجزين وخائفين أمام الرياح المعاكسة والأمواج. وقال إنهم «بعد خبرة نجاح كانوا فيها شهودًا على آية عجيبة، وجدوا أنفسهم عاجزين وخائفين أمام تهديد الأمواج والرّياح المعاكسة». وعند آخر الليل، جاء يسوع إليهم ماشيًا على المياه الهائجة، فظن التلاميذ في البداية أنه خيال واستولى عليهم الخوف، قبل أن يسمعوا صوته يقول لهم: «ثِقوا. أَنا هو، لا تَخافوا!».
وشدد البابا على أن «حضور الرّبّ يسوع غيّر كلّ شيء».
فبطرس استطاع أن يمشي بضع خطوات فوق المياه متوجهًا نحو المسيح، لكنه عندما خاف بدأ يغرق، فمد يسوع يده وأنقذه. وما إن صعد يسوع إلى السفينة حتى سكنت العاصفة، فانطلقت من قلوب التلاميذ شهادة الإيمان: «أَنتَ ابنُ اللهِ حَقًّا». ولفت الحبر الأعظم إلى أن مشاهدة المعجزة واختبار النجاح لم يكونا كافيين لكي يصل التلاميذ إلى هذا الإيمان، بل كان عليهم أيضًا أن يختبروا ضعفهم، وأن يكتشفوا حضور الله في قلب هذا الضعف.
وقال: «لكي يصلوا إلى هذا الإيمان، لم يكن كافيًا لهم أنّهم شهدوا معجزة، ولا أنّهم اختبروا النّجاح أمام الجموع، بل كان لا بدّ لهم من أن يمرّوا بخبرة ضعفهم، ويعرفوا فيها حضور الله». وأضاف أن هذه الخبرة هي التي أتاحت لهم أن يفتحوا عيونهم وقلوبهم حقًا على قرب الله منهم، وأن يستعيدوا السلام حتى وهم في قلب العاصفة.
وتوقف البابا عند كلمات يسوع التي قالها لتلاميذه في وقت لاحق: «إِن كانَ لَكم إِيمانٌ ولم تَشُكُّوا [...]، كُنتُم إِذا قُلتُم لهٰذا الجَبَل، قُمْ فاهبِطْ في البَحر، يَكونُ ذلك». وأوضح أن هذا، بطريقة ما، هو ما اختبره التلاميذ بالفعل في بحر الجليل، إذ وصل إليهم وسط هيجان المياه سلام المسيح، الذي كان قد صعد إلى الجبل ليصلي.
ومن هنا، استخلص البابا رسالة أساسية من معجزة الإنجيل، تقوم على موقفين متكاملين: ألا يصاب الإنسان بالغرور عندما ينجح، وألا يقع في اليأس عندما يختبر الضعف والفشل. وقال: «هذه المعجزة تعلّمنا أمرًا مهمًّا: أوّلًا، ألّا نُصاب بالغرور أمام النّجاح وألّا نتّكل أبدًا على أنفسنا، وفي الوقت نفسه، ألّا نيأس، حتّى في لحظات الظّلمة».
وتحدث البابا عن تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بأنه عاجز أمام مشاكله، وأن جهوده لا تقوده إلى الأمام، بل يبدو له وكأنه يتراجع. وقال: «حتّى في لحظات الظّلمة، عندما نشعر بالعجز أمام المشاكل، وحين يبدو لنا، رغم كلّ جهودنا، أنّنا نتراجع إلى الوراء بدل أن نتقدّم»، ينبغي ألا نستسلم لليأس.
وفي قلب هذه الخبرات، أكد البابا أن المؤمن ليس متروكًا وحده، قائلًا: «مهما كانت الظّروف، يسوع لا يتركنا أبدًا». وأوضح أن الطريق إلى اختبار هذا الحضور يمر عبر استقبال المسيح بتواضع في «سفينة حياتنا»، من خلال الصلاة والأسرار المقدسة والإصغاء إلى كلمة الله. وأضاف: «إن قبلناه بتواضع في سفينة حياتنا، بالصّلاة، والأسرار المقدّسة، والإصغاء إلى كلمته، سنجد فيه السّلام والنّور والقوّة لمسيرتنا».
واختتم البابا لاون الرابع عشر كلمته متوجهًا إلى العذراء مريم، طالبًا شفاعتها لكي يتعلم المؤمنون أن يسلموا حياتهم لله بثقة، فقال: «لتساعدنا سيّدتنا مريم العذراء لنحيا هكذا، فنسلِّم أمرنا لله واثقين، هي التي أُعلنت طوباويّة من أجل إيمانها».