موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٣ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
الأرمن ذاكرة الألم التي غدت شهادة حياة
حوار مع الأرشمندريت ليفون يغيايان، راعي الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية في الجزيرة

حاوره رافي سايغ :

 

في زمنٍ تتسارع فيه الذاكرة نحو النسيان، يقف الأرمن بعد أكثر من قرن على واحدة من أكثر صفحات التاريخ إيلامًا، لا كضحايا عالقين في الماضي، بل كشهودٍ أحياء على معنى البقاء. ليست الإبادة الأرمنية مجرد حدثٍ يُستعاد في المناسبات، بل جرحٌ تحوّل، عبر الإيمان، إلى قوةٍ أخلاقية وروحية تتحدى الزمن وتخاطب ضمير العالم.

 

وفي حوار مع الأرشمندريت ليفون يغيايان، راعي الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية في الجزيرة، لا تُروى الحكاية بلغة الأرقام ولا ببرودة الوثائق، بل بصوتٍ يحمل قيمة الشهادة وهدوء الإيمان. ومن عمق الذاكرة التي لم تنطفئ، ومن قلب واقعٍ لا يزال يختبر معنى الصمود، يقدّم سيادته قراءة تتجاوز التاريخ نحو معنى الإنسان ذاته: كيف يُحمل الألم دون أن يتحوّل إلى كراهية؟ وكيف تتحول الذاكرة من جرحٍ مفتوح إلى رسالة رجاء؟

 

إنه حوار لا يبحث في الماضي بقدر ما يواجه الحاضر، ولا يستحضر الألم لذاته، بل ليؤكد أن الحقيقة لا تموت، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى وعدًا يسكن وجدان الشعوب. هنا، حيث تلتقي الذاكرة بالإيمان، يبدأ الكلام.

 

 

صاحب السيادة، بعد 111 عامًا على الإبادة الأرمنية، ما بين ذاكرة الجراح والإيمان المستمر، كيف يستطيع شعب أن يحمل هذا الألم دون أن يفقد إيمانه بالإنسان والعدالة؟ وكيف تفهمون اليوم هذه الذاكرة: هل هي مجرد مأساة تاريخية، أم شهادة أصبحت جزءاً من هوية الكنيسة والشعب الأرمني؟

 

الألم، مع مرور الزمن، لا يختفي من ذاكرة الشعوب، بل يتحوّل إلى جزء من وعيها العميق. لكنه لا يصبح عبئًا قاتلًا عندما يُحمل بروح الإيمان والرجاء. فالشعب الأرمني لم يحمل ألمه كذكرى موت، بل كذاكرة حيّة تنبض بمعنى الاستمرار. إن الإيمان بعدالة الله، وبكرامة الإنسان، هو ما منح هذا الشعب القدرة على النهوض، جيلًا بعد جيل، دون أن ينكسر.

 

أما الشهادة، فهي في نظر الكنيسة تتجاوز كونها مجرد تسجيل لمأساة إنسانية. إنها تعبير عن أمانة الإنسان للحقيقة حتى في أقسى الظروف. ما حدث لم يكن فقط تاريخ أليم، بل أيضًا تاريخ إيمان عاشه أناس تمسكوا برجائهم حتى النهاية. لذلك أصبحت هذه الشهادة جزءًا لا يتجزأ من هوية الكنيسة والشعب الأرمني، لأنها تكشف أن الألم يمكن أن يتحوّل، بنعمة الله، إلى قوة روحية وأخلاقية.

 

ومن هنا، فإن الاعتراف بشهدائنا وتكريمهم لا يقتصر على استذكار الماضي، بل هو إعلان حيّ بأن دماءهم لم تُهدر، بل أصبحت بذارًا لإيمان متجدد. وهكذا، تبقى الشهادة نورًا يرافق الأجيال، لا لتثقلها بالحزن، بل لتوقظ فيها الرجاء، وتذكّرها بأن العدالة، وإن تأخرت، لا تموت.

 

القامشلي لم تكن مجرد ملجأ للناجين، بل تحولت مع الزمن إلى بيت لذاكرة أرمنية كاملة. كيف تنظرون إلى هذه المدينة في واقعها اليوم: هل هي جغرافيا نجاة، أم شهادة حيّة على قدرة شعب نهض من تحت الرماد ليعيد بناء حياته؟

 

القامشلي ليست مجرد مدينة في الجغرافيا، بل هي صفحة حيّة من تاريخ شعب قائم. لقد وُلدت كملجأ، لكنها لم تبقَ كذلك، بل تحولت مع الزمن إلى وطن يحمل ذاكرة وأملًا معًا. في أحيائها وكنائسها وبيوتها، نقرأ قصة إنسان استطاع أن ينهض من عمق المأساة ليعيد بناء حياته بإرادة لا تنكسر.

 

هي ليست فقط جغرافيا نجاة، بل شهادة حيّة على أن الحياة يمكن أن تنتصر حتى بعد أقسى التجارب. فهنا، لم يبقَ الأرمن أسرى الألم، بل حوّلوه إلى عمل، وإلى حضور فاعل في المجتمع، وإلى انتماء جديد دون أن يتخلوا عن جذورهم.

 

ورغم كل ما شهدته المنطقة من تحولات وتحديات، تبقى القامشلي علامة رجاء، تذكّرنا بأن الإنسان قادر، بإيمانه وإرادته، على أن يصنع من الذاكرة قوة للحياة، لا عبئًا عليها. كما أنها اليوم تواجه، كسواها من مدن المنطقة، تحديات الوجود والاستمرار، ما يجعل الحفاظ على هذا الحضور الإنساني والثقافي مسؤولية متجددة لا تقل أهمية عن بدايات التأسيس.

في إحياء الذكرى العام الماضي، شهدنا مشاركة العرب والكرد والإيزيديين والمسيحيين معاً. ما الرسالة التي أردتم إيصالها من هذا المشهد؟ وهل يمكن أن يشكّل تضامن الشعوب حول ذاكرة الألم خطوة نحو شفاء الجراح؟
 

عندما يقف الناس معًا، على اختلاف انتماءاتهم، أمام ذاكرة الألم، تتجلّى حقيقة عميقة: أن الإنسانية أوسع من كل الانقسامات. ما أردنا إيصاله هو أن الألم، رغم خصوصيته، لا يجب أن يعزل الشعوب، بل يمكن أن يصبح جسرًا يربط بينها.

 

إن مشاركة مختلف مكونات المجتمع في إحياء هذه الذكرى يعبّر عن وعي متقدم بأن الكرامة الإنسانية واحدة، وأن الدفاع عن الحقيقة ليس شأن شعب بعينه، بل مسؤولية جماعية. وعندما تتحول الذاكرة إلى مساحة لقاء، فإنها تفتح باب الاعتراف المتبادل، وتخفف من ثقل الجراح.

 

نعم، إن تضامن الشعوب حول ذاكرة الألم هو خطوة أساسية نحو الشفاء، لأنه يعيد بناء الثقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، ويزرع بذور عدالة قائمة على الوعي، لا على النسيان. ومن هذا التضامن، يمكن أن يولد مستقبل أكثر إنصافًا وسلامًا.

جيل الشباب الأرمني اليوم لم يعش المأساة، لكنه يحمل ذاكرتها. كيف يمكن أن تتحول هذه الذاكرة من حزن تاريخي إلى قوة أخلاقية تمنح الشباب وعياً بالهوية ومسؤولية الدفاع عن الحقيقة؟

 

الشباب اليوم لا يرثون الألم كعبء، بل كدعوة إلى الوعي. فالذاكرة، عندما تُنقل بروح صحيحة، لا تجعل الإنسان أسير الماضي، بل تمنحه جذورًا تساعده على الوقوف بثبات في الحاضر. من هنا، تتحول الذاكرة من مجرد حزن تاريخي إلى قوة أخلاقية تغذي في الشباب حس المسؤولية تجاه الحقيقة.

 

إن التحدي الحقيقي هو في كيفية نقل هذه الذاكرة: فإذا قُدمت بروح الرجاء، فإنها تبني الإنسان، وتزرع فيه الشجاعة للدفاع عن الحق، والإيمان بكرامة الإنسان. أما إذا ارتبطت بروح الانتقام، فإنها تقيد المستقبل بدل أن تفتحه.
 

لذلك، نحن مدعوون إلى أن نعلّم الأجيال الجديدة أن تكون أمينة للحقيقة، لا أسيرة للألم، وأن ترى في تاريخها مصدر إلهام للعمل من أجل عالم أكثر عدلاً وإنسانية، وأن تدرك أن حفظ الذاكرة هو في ذاته فعل مسؤولية ورسالة مستمرة نحو المستقبل.

في كل عام يردد الأرمن شعار «نتذكر ونطالب». بعد أكثر من قرن، ماذا تعني هذه المطالبة اليوم: هل هي استعادة حق تاريخي، أم نداء إلى ضمير العالم بأن العدالة المؤجلة لا تموت؟

 

هذا الشعار ليس مجرد كلمات تُردَّد، بل هو تعبير عن وعي حيّ بأن الحقيقة لا تزول مع الزمن. "نتذكر" تعني أننا نرفض النسيان، لأن في النسيان ظلمًا جديدًا للضحايا، و"نطالب" تعني أننا نؤمن بأن العدالة، حتى وإن تأخرت، تبقى حقًا لا يسقط.

 

إن هذه المطالبة لا تقتصر على استعادة حق تاريخي فحسب، بل تتجاوز ذلك لتصبح نداءً موجّهًا إلى ضمير العالم. إنها تذكير بأن العدالة المؤجلة لا تموت، وأن الشعوب التي تتمسك بالحقيقة إنما تدافع، في العمق، عن كرامة الإنسان في كل زمان ومكان.

 

ومن هنا، يتحوّل هذا الشعار إلى مسيرة مستمرة، لا تقوم على الغضب، بل على الإيمان بأن الحق، مهما طال انتظاره، لا بد أن يجد طريقه إلى النور، وأن صوت الحقيقة، مهما خفت، يبقى أقوى من محاولات طمسه أو تجاهله.