موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٢ مايو / أيار ٢٠٢٦
الأخت ماغدا سميت: راهبة كرّست أكثر من 50 عامًا لخدمة اللاجئين في لبنان

أبونا :

 

لم تكن قد وصلت إلى العاصمة الفرنسية باريس إلا لبضعة أيام. يوم الإثنين 11 أيار، وخلال مؤتمر صحفي عُقد بمناسبة مرور 170 عامًا على تأسيس «عمل الشرق»، روت الأخت ماغدا بصوت هادئ لكنه حازم حياة أولئك الذين نادرًا ما يُسمع صوتهم. تقول لمن توسّلوا إليها ألا تغادر مخيم ضبية، شمال بيروت: «من أجلكم أرحل، لكي أتحدث عنكم».

 

من خلال شهادتها، وضعت هذه الراهبة البلجيكية وجهًا إنسانيًا خلف أرقام استطلاع: فإذا كان 39% من الفرنسيين يقولون إنهم متأثرون بمصير مسيحيي الشرق، وكان ثلثهم ينتظر من فرنسا ومن الكنيسة في فرنسا التزامًا عمليًا تجاههم، فإن هذه الأرقام تروي قبل كل شيء قصة أطفال صدمتهم الحرب، وعائلات بلا موارد، وراهبة اختارت منذ عام 1970 أن تجعل من معاناتهم رسالتها.

 

 

أكبر معاناة هي عدم القدرة على العيش بكرامة

 

وصلت الراهبة ماغدا سميت، من رهبنة «أخوات الناصرة الصغيرات»، إلى لبنان عام 1970. وإيمانًا بروحانية شارل دو فوكو، لخّصت دعوتها بكلمات بسيطة: «نريد أن نعيش حضورًا محبًا وتضامنًا مجانيًا مع السكان من حولنا، وهم أناس ضعفاء، بلا صوت، بلا أهمية في نظر العالم، لكن المسيح نفسه اتحد بهم».

 

مع أخواتها، اختارت مشاركة حياة اللاجئين الفلسطينيين. وبعد عدة موجات نزوح بسبب الحروب، استقرت الجماعة عام 1987 في مخيم ضبية. تقول: «اللاجئون الفلسطينيون يعيشون واقعًا معقدًا: أشخاص بلا وطن، شباب بلا مستقبل، عمال بفرص عمل محدودة وحقوق شبه معدومة».

 

 

الصليب ثقيل جدًا

 

عندما سُئلت عن أكبر صعوبة تواجه العائلات التي تخدمها اليوم، أبدت الأخت ماغدا حزنًا عميقًا وقالت: «أكبر معاناة هي عدم القدرة على العيش بكرامة». وتوضح أن ذلك يشمل الوصول إلى العلاج والتعليم والعمل وحق العيش في وطن. وفي لبنان الذي يعيش أزمة عميقة منذ عام 2019 ويتأثر بالصراعات الإقليمية، تقول إن العائلات «لم تعد تقوى على الصمود». وتضيف: «الصليب ثقيل جدًا»، في إشارة إلى الآباء الذين لم يعودوا يعرفون كيف يؤمّنون قوت أولادهم.

 

إنّ الأطفال هم أكثر ما يُشغل بال الأخت ماغدا. تقول: «أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الأطفال إلى حضن دافىء، إلى الفرح والرقص واللعب». وتشير إلى أن العديد من الأطفال في المخيم يعانون من اضطرابات تعلم وصدمات نفسية. وتوضح: «هؤلاء الأطفال يعيشون ويلات الحرب من الصباح حتى المساء». وتقول إن الحاجة إلى اختصاصيين في النطق والعلاج النفسي والحركي كبيرة جدًا، لكن الأهم من ذلك هو «منح الأطفال حق أن يكونوا أطفالًا ببساطة».

 

 

أخوّة بلا حدود

 

على مدار الحروب، تغيّر مخيم ضبية بشكل كبير. فبعد أن كان مسيحيًا في معظمه، بات اليوم يستقبل عائلات من خلفيات مختلفة. تقول الأخت ماغدا: «لا نترك عائلات مع أطفالها في الشوارع». وهكذا أصبح المخيم «مكانًا يُستقبل فيه الجميع». لاجئون، نازحون، مسيحيون، مسلمون أو من ديانات أخرى، يمكن لكل منهم طلب المساعدة «من دون خجل».

 

 

أكبر كارثة في الشرق هي أن يغادر المسيحيون

 

وبمناسبة مرور 170 عامًا على تأسيسها، أكدت مؤسسة «عمل الشرق» مجدّدًا رسالتها: دعم مسيحيي الشرق ليس بدافع الشفقة، بل «في إطار علاقة صداقة وأخوة». وشدّد مديرها العام المطران هيوغ دو ويلمون على أن «هؤلاء المسيحيين لا يحتاجون إلى الشفقة بل إلى أن نشكرهم على شهادتهم وأن نتعلّم منهم». وتجد هذه الروح صدى في كلمات الأخت ماغدا التي تقول: «بالنسبة لي، عمل الشرق هو فرنسا». وتضيف: «الزيارات والتبرعات ورسائل الصلاة هي علامات صغيرة يرسلها الله لدعم من يبقون».

 

وتُظهر نتائج الاستطلاع الذي عرضه جيروم فوريكيه خلال المؤتمر أن 40% من الفرنسيين يرغبون في تمكين مسيحيي الشرق من البقاء في بلدانهم إذا أرادوا ذلك. وهو ما يتوافق مع قناعة الأخت ماغدا الراسخة بأن «أكبر كارثة في الشرق هي أن يغادر المسيحيون».

 

 

هذه الجماعة هي عائلتي

 

بعد أكثر من خمسين عامًا في لبنان، لم تعد الأخت ماغدا تتحدث عن «رسالة» بل عن روابط عائلية: «هؤلاء الناس هم عائلتي، هم إخوتي وأخواتي». وتضيف: «عندما يتألم إخوتي وأخواتي، لا يمكنني تركهم، ويجب أن أشارك ألمهم».

 

وفي شرق أوسط مثقل بالجراح، حيث يواصل مسيحيو لبنان شهادتهم رغم الحروب، تلخص الراهبة حضورها الهادئ ببساطة: البقاء، المحبة، والمشاركة. ومع من رافقتهم لأكثر من نصف قرن، الاستمرار في الرجاء بـ«عالم آخر من السلام والصداقة».