موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النص الإنجيلي: (يوحنا 11: 1-45)
1 وكانَ رَجُلٌ مَريضٌ وهو لَعازَر مِن بَيتَ عَنيْا، مِن قَريَةِ مَريَمَ وأُختِها مَرْتا. 2ومَريَمُ هيَ الَّتي دَهَنَتِ الرَّبَّ بِالطِّيب ومسَحَت قَدَمَيهِ بِشَعرِها. وكانَ المَريضُ أَخاها لَعازَر. 3فأَرسَلَت أُختاهُ تقولانِ لِيَسوع: ((يا ربّ، إِنَّ الَّذي تُحِبُّه مَريض)). 4فلمَّا سمِعَ يسوع قال: ((هذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوت، بل إِلى مَجْدِ الله، لِيُمَجَّدَ بِه ابنُ الله)). 5وكانَ يسوعُ يُحِبُّ مَرْتا وأُختَها ولَعازَر، 6ومعَ ذلك فلمَّا سَمِعَ أَنَّه مريض، بَقِيَ في مَكانِه يَومَين. 7ثُمَّ قالَ لِلتَّلاميذِ بَعدَ ذلِك: ((لِنَعُدْ إِلى اليَهودِيَّة)). 8فقالَ له تَلاميذُه: ((رابِّي، قَبلَ قليلٍ حاوَلَ اليَهودُ أَن يَرجُموكَ، أَفَتعودُ إِلى هُناك؟)). 9أَجابَ يسوع: ((أَلَيسَ النَّهارُ اثنَتَي عَشْرَةَ ساعَة؟ فمَن سارَ في النَّهار لا يَعثُر، لأَنَّه يَرى نورَ هذا العالَم. 10ومَن سارَ في اللَّيلِ يَعثُر: لأَنَّ النُّورَ لَيسَ فيه)). 11وقالَ لَهم: بَعدَ ذلك: ((إِنَّ صَديقَنا لَعازَرَ راقِد، ولَكِنِّي ذاهِبٌ لأُوقِظَه)). 12فقالَ له تَلاميذُه: ((يا ربّ، إِذا كانَ راقداً فسَيَنْجو)). 13وكانَ يسوعُ يَتَكلَّمُ على مَوتِه، فظَنُّوا أَنَّهُ يَتَكلَّمُ على رُقادِ النَّوم. 14فقالَ لهُم يسوعُ عِندَئِذٍ صَراحَةً: ((قد ماتَ لَعاَزر، 15ويَسُرُّني، مِن أَجْلِكُم كي تُؤمِنوا، أَنِّي لم أَكُنْ هُناك. فَلْنَمْضِ إِلَيه!)) 16فقالَ توما الَّذي يُقالُ لَه التَّوأَمُ لِسائِرِ التَّلاميذ: فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه!)). 17فلَمَّا وَصَلَ يسوع وَجَدَ أَنَّهُ في القَبرِ مَنذُ أَربَعةِ أَيَّام. 18وبَيتَ عَنيا قَريبَةٌ مِن أُورَشَليم، على نَحوِ خَمسَ عَشْرَةَ غَلَوة، 19فكانَ كثيرٌ مِنَ اليَهودِ قد جاؤوا إِلى مَرْتا ومَريَم يُعَزُّونَهما عن أَخيهِما. 20فلَمَّا سَمِعَت مَرتا بِقُدومِ يسوع خَرجَت لاستِقبالِه، في حينِ أَنَّ مَريَمَ ظَلَّت جالِسَةً في البَيت. 21فقالَت مَرْتا لِيَسوع: ((يا ربّ، لَو: كُنتَ ههنا لَما ماتَ أَخي. 22ولكِنِّي ما زِلتُ أَعلَمُ أَنَّ كُلَّ ما تَسأَلُ الله، فاللهُ يُعطيكَ إِيَّاه)). 23فقالَ لَها يسوع: ((سَيَقومُ أَخوكِ)). 24قالَت لَه مَرْتا: ((أَعلَمُ أَنَّه سيَقومُ في القِيامَةِ في اليَومِ الأَخير)). 25فقالَ لَها يسوع: ((أَنا القِيامةُ والحَياة مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا 26وكُلُّ مَن يَحْيا ويُؤمِنُ بي لن يَموتَ أََبَداً. أَتُؤمِنينَ بِهذا؟)). 27قالَت له: ((نَعَم، يا ربّ، إِنِّي أَومِنُ بِأَنَّكَ المسيحُ ابنُ اللهِ الآتي إِلى العالَم)). 28قالت ذلك ثُمَّ ذَهَبَت إِلى أُختِها مَريَمَ تَدعوها، فأَسَرَّت إِلَيها: ((المُعَلِّمُ ههُنا، وهو يَدعوكِ)). 29وما إن سَمِعَت مَريَمُ ذلك حتَّى قامَت على عَجَلٍ وذَهَبَت إِلَيه. 30ولَم يَكُنْ يسوعُ قد وَصَلَ إِلى القَريَة، بل كانَ حَيثُ استَقَبَلَتهْ مَرْتا. 31فلَمَّا رأَى اليَهودُ الَّذينَ كانوا في البَيتِ مَعَ مَريمَ يُعزُّونَها أَنَّها قامَت على عَجَلٍ وخرَجَت، لَحِقوا بِها وهم يَظُنُّونَ أَنَّها ذاهِبَةٌ إِلى القَبرِ لِتَبكِيَ هُناك. 32فما إِن وَصَلَت مَريَمُ إِلى حَيثُ كانَ يسوع ورَأَته، حتَّى ارتَمَت على قَدَمَيه وقالَت له: ((يا ربّ، لو كُنتَ ههُنا لَما مات أَخي)). 33فلَمَّا رآها يسوعُ تَبكي ويَبكي معَها اليَهودُ الَّذينَ رافَقوها، جاشَ صَدرُه وَاضطَرَبَت نَفْسُه 34وقال: ((أَينَ وَضَعتُموه؟)) قالوا لَه: ((يا رَبّ، تَعالَ فانظُر)). 35فدَمعَت عَيْنا يسوع. 36فقالَ اليَهود: ((اُنظُروا أَيَّ مَحَبَّةٍ كانَ يُحِبُّه)). 37على أَنَّ بَعضَهم قالوا: ((أَما كانَ بإِمكانِ هذا الَّذي فَتَحَ عَينَيِ الأَعمى أَن يَرُدَّ المَوتَ عَنه؟)) 38فجاشَ صَدرُ يسوعَ ثانِيةً وذَهَبَ إلى القبر، وكانَ مغَارةً وُضِعَ على مَدخلِها حَجَر. 39فقالَ يسوع: ((إِرفَعوا الحَجَر! ((قالَت لَه مَرْتا، أُختُ المَيْت:(( يا ربّ، لقَد أَنتَن، فهذا يَومُه الرَّابع)). 40قالَ لَها يسوع: ((أَلَم أَقُلْ لَكِ إِنَّكِ إِن آمَنتِ تَرينَ مَجدَ الله؟)). 41فرَفَعوا الحَجَر ورفَعَ يسوعُ عَينَيه وقال: ((شُكراً لَكَ، يا أَبَتِ على أَنَّكَ استَجَبتَ لي 42وقَد عَلِمتُ أَنَّكَ تَستَجيبُ لي دائِماً أَبَداً ولكِنِّي قُلتُ هذا مِن أَجْلِ الجَمْعِ المُحيطِ بي لِكَي يُؤمِنوا أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني)). 43قالَ هذا ثُمَّ صاحَ بِأَعلى صَوتِه: ((يا لَعازَر، هَلُمَّ فاخرُجْ)). 44فخرَجَ المَيتُ مَشدودَ اليَدَينِ والرِّجلَينِ بالعَصائِب، مَلفوفَ الوَجهِ في مِنْديل. فقالَ لَهم يسوع: ((حُلُّوهُ ودَعوهُ يَذهَب)). 45فآمَنَ بِه كثيرٌ مِنَ اليَهودِ الذينَ جاؤوا إِلى مَريَم ورَأَوا ما صَنَع.
المُقَدِّمَة
اِنْفَرَدَ إِنْجِيلُ إنجيل يوحنا بِسَرْدِ مُعْجِزَةِ إِقَامَةِ لَعَازَرَ مِنَ ٱلْقَبْرِ (يو 11: 1–45)، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ ٱلْعَجَائِبِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ، إِذْ تُظْهِرُ مَجْدَ ٱللَّهِ فِي شَخْصِ ٱلِٱبْنِ، وَتُعْلِنُ سُلْطَانَهُ عَلَى ٱلْمَوْتِ، وَتُبَيِّنُ هُوِيَّتَهُ ٱلْخَلَاصِيَّةَ حِينَ يَقُولُ: "أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ؛ مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو 11: 25). وَبِهٰذَا يُؤَكِّدُ ٱلْإِنْجِيلُ أَنَّ ٱلْإِيمَانَ بِٱلْمَسِيحِ يَنْقُلُ ٱلْإِنْسَانَ مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ (يو 5: 24)، فَتَغْدُو هٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةُ عَلامَةً لَاهُوتِيَّةً كَبِيرَةً تُظْهِرُ بَدْءَ ٱلْحَيَاةِ ٱلْجَدِيدَةِ فِي ٱلْمَسِيحِ.
وَقَدْ شَغَلَ هٰذَا ٱلْحَدَثُ مَكَانَةً بَارِزَةً فِي تَفْسِيرَاتِ آبَاءِ ٱلْكَنِيسَةِ. فَيَقُولُ أوغسطينوس: "بَيْنَ جَمِيعِ ٱلْعَجَائِبِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا ٱلرَّبُّ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْإِنْجِيلِ، تَبْقَى إِقَامَةُ لَعَازَرَ أَعْظَمَهَا وَأَكْثَرَهَا إِثَارَةً لِلتَّأَمُّلِ، لِأَنَّهَا تُظْهِرُ قُدْرَةَ ٱلْمَسِيحِ عَلَى ٱلْمَوْتِ نَفْسِهِ". وَيُضِيفُ أَنَّ هٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةَ "لَمْ تُصْنَعْ فَقَطْ لِأَجْلِ لَعَازَرَ، بَلْ لِأَجْلِ إِيمَانِ ٱلَّذِينَ كَانُوا سَيَرَوْنَ مَجْدَ ٱللَّهِ" (عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، 49).
كَذٰلِكَ يَرَى يوحنا الذهبي الفم أَنَّ إِقَامَةَ لَعَازَرَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مُعْجِزَةٍ، بَلْ إِعْلَانًا لِسُلْطَانِ ٱلْمَسِيحِ ٱلْإِلٰهِيِّ، فَيَقُولُ:
"لَمْ يَقُلِ ٱلْمَسِيحُ: لِيَقُمْ لَعَازَرُ، بَلْ نَادَى قَائِلًا: "يَا لَعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا"، لِيُظْهِرَ أَنَّ ٱلْمَوْتَ نَفْسَهُ يَخْضَعُ لِصَوْتِهِ، وَأَنَّهُ رَبُّ ٱلْحَيَاةِ وَٱلْمَوْتِ" (تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، عِظَة 62). وَيُؤَكِّدُ كيرلس الإسكندري ٱلْبُعْدَ ٱللَّاهُوتِيَّ لِهٰذَا ٱلْحَدَثِ قَائِلًا:"إِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَقَامَ لَعَازَرَ لِيُظْهِرَ أَنَّهُ ٱلْحَيَاةُ بِٱلطَّبِيعَةِ، وَأَنَّ ٱلَّذِي يَؤْمِنُ بِهِ لَا يَبْقَى تَحْتَ سُلْطَانِ ٱلْمَوْتِ، بَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى ٱلْحَيَاةِ". فَهٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةُ، فِي نَظَرِ ٱلْآبَاءِ، هِيَ إِعْلَانٌ مُسْبَقٌ لِقِيَامَةِ ٱلْمَسِيحِ وَلِلْقِيَامَةِ ٱلْعَامَّةِ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ.
وَلَا تَكَادُ تُوجَدُ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ كُلِّهِ رِوَايَةٌ عَنِ ٱلْقِيَامَةِ أَعْمَقُ لَاهُوتًا مِنْ خَبَرِ إِقَامَةِ لَعَازَرَ، بِٱسْتِثْنَاءِ قِيَامَةِ ٱلْمَسِيحِ نَفْسِهِ مِنْ بَيْنِ ٱلْأَمْوَاتِ. فَهٰذَا ٱلْحَدَثُ لَا يَحْمِلُ بُعْدًا عِجَائِبِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ يَحْمِلُ أَيْضًا بُعْدًا خَلَاصِيًّا وَإِسْخَاتُولُوجِيًّا، إِذْ يُشِيرُ إِلَى ٱلْقِيَامَةِ ٱلْعَامَّةِ وَإِلَى ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ ٱلَّتِي يَهَبُهَا ٱلْمَسِيحُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ (يو 6: 40).
وَقَدْ بَلَغَ أَثَرُ هٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةِ فِي ٱلْفِكْرِ ٱلْإِنْسَانِيِّ حَدًّا جَعَلَ ٱلْفَيْلَسُوفَ باروخ سبينوزا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهٰذَا ٱلْحَدَثِ لَهَدَمَ مَنْظُومَتَهُ ٱلْفَلْسَفِيَّةَ وَقَبِلَ ٱلْإِيمَانَ ٱلْمَسِيحِيَّ. وَمِنْ هُنَا أَصْبَحَتْ إِقَامَةُ لَعَازَرَ حَدًّا فَاصِلًا بَيْنَ مَوْقِفِ ٱلْإِيمَانِ وَمَوْقِفِ عَدَمِ ٱلْإِيمَانِ، لِأَنَّهَا تَكْشِفُ سُلْطَانَ ٱلْمَسِيحِ عَلَى ٱلْمَوْتِ، وَتَدْعُو ٱلْإِنْسَانَ إِلَى ٱلِٱنْتِقَالِ مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ. وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ ٱلْبَحْثِ فِي هٰذَا ٱلنَّصِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ، لِأَنَّهُ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ ٱلْحَدَثِ ٱلتَّارِيخِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ يَكْشِفُ أَيْضًا أَبْعَادَهُ ٱللَّاهُوتِيَّةَ وَٱلرُّوحِيَّةَ وَٱلرَّعَوِيَّةَ، وَيُبَيِّنُ كَيْفَ يَصِيرُ هٰذَا ٱلْحَدَثُ عَلامَةً لِرَجَاءِ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلْحَيَاةِ ٱلْجَدِيدَةِ فِي ٱلْمَسِيحِ.
أولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 11: 1-45).
1 "وَكَانَ رَجُلٌ مَرِيضٌ، وَهُوَ لَعَازَرُ مِنْ بَيْتِ عَنْيَا، مِنْ قَرْيَةِ مَرْيَمَ وَأُخْتِهَا مَرْتَا".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَكَانَ رَجُلٌ مَرِيضٌ" إِلَى بَدْءِ الرِّوَايَةِ بِأُسْلُوبٍ مُفَاجِئٍ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ سَرْدِيٌّ يُدْخِلُ الْقَارِئَ مُبَاشَرَةً فِي صُلْبِ الْحَدَثِ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا الْمَدْخَلُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا يَسُوعُ فِي مَثَلِ السَّامِرِيِّ الرَّحِيمِ عِنْدَمَا سَأَلَهُ أَحَدُ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ: "وَمَنْ قَرِيبِي؟" (لو 10: 29)، فَبَدَأَ الْمَثَلَ بِعِبَارَةٍ مُمَاثِلَةٍ: "كَانَ إِنْسَانٌ نَازِلًا مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا" (لو 10: 30). وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ كَثِيرًا مَا يَبْدَأُ بِإِبْرَازِ ضَعْفِ الإِنْسَانِ لِيُظْهِرَ قُدْرَةَ اللهِ فِي الْخَلَاصِ، فَإِنَّ الْمَرَضَ أَوِ الْجُرْحَ يُصْبِحَانِ مَدْخَلًا لِعَمَلِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ (PL 35, 1742).
أَمَّا عِبَارَةُ "لَعَازَر: فَهِيَ فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيّ Λάζαρος، وَهِيَ صِيغَةٌ مُخْتَصَرَةٌ لِلِاسْمِ الْعِبْرِيِّ אֶלְעָזָר (أَلْعَازَار)، وَمَعْنَاهُ: "اللهُ يُعِينُ". وَيُشِيرُ هٰذَا الاسْمُ إِلَى الشَّخْصِ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ يَسُوعُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ قَوْلِ أُخْتَيْهِ لِلرَّبِّ: "يَا سَيِّدُ، هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ" (يو 11: 3)، وَمِنْ تَأْكِيدِ الإِنْجِيلِ أَيْضًا: "وَكَانَ يَسُوعُ يُحِبُّ مَرْتَا وَأُخْتَهَا وَلَعَازَرَ" (يو 11: 5). وَيُشِيرُ كيرلس الإسكندري إِلَى أَنَّ ذِكْرَ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ لِلَعَازَرَ يُظْهِرُ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ هِيَ عَمَلُ مَحَبَّةٍ إِلٰهِيَّةٍ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ "لَمْ يُقِمِ الْمَيِّتَ لِيُظْهِرَ قُوَّتَهُ فَحَسْبُ، بَلْ لِيُظْهِرَ رَحْمَتَهُ نَحْوَ أَصْدِقَائِهِ" (PG 74, 689). وَكَانَ اسْمُ لَعَازَر شَائِعًا فِي الْقَرْنِ الأَوَّلِ، وَيَرِدُ أَيْضًا فِي مَثَلِ الْغَنِيِّ وَلَعَازَر (لو 16: 19–31). وَكَانَ لَعَازَرُ يَسْكُنُ فِي بَيْتِ عَنْيَا مَعَ أُخْتَيْهِ مَرْيَمَ وَمَرْتَا. وَيُرَجَّحُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ عَائِلَةٍ مَيْسُورَةِ الْحَالِ، كَمَا يُسْتَنْتَجُ مِنْ ثَلَاثَةِ مُؤَشِّرَاتٍ فِي النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ:
أَوَّلًا: الطِّيبِ الْغَالِي الثَّمَنِ الَّذِي سَكَبَتْهُ أُخْتُهُ مَرْيَمُ عَلَى قَدَمَي يَسُوعَ (يو 12: 3)، وَثَانِيًا: كَثْرَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ جَاؤُوا لِتَعْزِيَةِ مَرْيَمَ وَمَرْتَا بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِمَا (يو 11: 19)، وَثَالِثًا: الْقَبْرِ الْمَنْحُوتِ فِي الصَّخْرِ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ لَعَازَر (يو 11: 38). وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذِهِ التَّفَاصِيلِ قَائِلًا إِنَّ الإِنْجِيلَ يَذْكُرُهَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ جَرَتْ أَمَامَ شُهُودٍ كُثُرٍ، لِكَيْ يَكُونَ بُرْهَانُهَا وَاضِحًا وَلا يَبْقَى مَجَالٌ لِلشَّكِّ فِيهَا" (PG 59, 347). وَقَدْ شَهِدَ لَهُ الْمَسِيحُ شَهَادَةً صَالِحَةً، وَكَانَ لَعَازَرُ مِنْ بَيْنِ الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْعَشَاءِ الَّذِي أُقِيمَ فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ فِي بَيْتِ عَنْيَا إِكْرَامًا لِيَسُوعَ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ (مت 26: 6؛ يو 12: 1–2). وَكَانَ مِنْ نَصِيبِهِ أَنْ يُقِيمَهُ يَسُوعُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ فِي مُعْجِزَةٍ فَرِيدَةٍ (يو 11: 1–44). وَيَرَى أوغسطينوس أَنَّ لَعَازَرَ يَحْمِلُ بُعْدًا رَمْزِيًّا، فَهُوَ يُمَثِّلُ الإِنْسَانَ الَّذِي أَمَاتَتْهُ الْخَطِيئَةُ، وَصَوْتُ الْمَسِيحِ الَّذِي نَادَى "يَا لَعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجًا" هُوَ صَوْتُ النِّعْمَةِ الَّذِي يُقِيمُ الإِنْسَانَ مِنْ مَوْتِ الْخَطِيئَةِ إِلَى حَيَاةِ الإِيمَانِ (PL 35, 1743).
أَمَّا عِبَارَةُ "بَيْتُ عَنْيَا" فَهِيَ اسْمٌ ذُو أَصْلٍ آراميّ עַנְיָה، وَيُفَسَّرُ غَالِبًا بِمَعْنَى "بَيْتِ الْفَقْرِ" أَوْ "بَيْتِ الْعَنَاءِ "، وَتَقَعُ هٰذِهِ الْقَرْيَةُ عَلَى بُعْدِ نَحْوِ ثَلَاثَ كِيلُومِتْرَاتٍ شَرْقِيَّ أُورُشَلِيم عَلَى الْمُنْحَدَرِ الشَّرْقِيِّ لِجَبَلِ الزَّيْتُونِ، وَهِيَ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى أَرِيحَا (مت 21: 17)، وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ الْعِيزَرِيَّة نِسْبَةً إِلَى لَعَازَرَ الَّذِي أَقَامَهُ يَسُوعُ مِنَ الْمَوْتِ. وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ إِلَى هٰذِهِ الْقَرْيَةِ مِرَارًا، خَاصَّةً فِي أَيَّامِهِ الأَخِيرَةِ قَبْلَ آلامِهِ (يو 12: 1).
أَمَّا "مَرْيَمُ "فَهِيَ التِّلْمِيذَةُ الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَي يَسُوعَ تَسْمَعُ كَلَامَهُ (لو 10: 39)، وَالَّتِي قَالَ عَنْهَا الرَّبُّ: "إِنَّ مَرْيَمَ قَدِ اخْتَارَتِ النَّصِيبَ الأَفْضَلَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا" (لو 10: 42). وَيُؤَكِّدُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ هٰذِهِ الْمَرْيَمَ لَيْسَتْ هِيَ الْمَرْأَةَ الْخَاطِئَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي (لو 7: 37–50)، بَلْ امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ عُرِفَتْ بِإِكْرَامِهَا لِلْمَسِيحِ وَبِحُسْنِ ضِيَافَتِهَا لَهُ (PG 59, 349).
أَمَّا "مَرْتَا" فَهُوَ اسْمٌ آراميّ מַרְתָא وَمَعْنَاهُ "السَّيِّدَة" أَوْ "رَبَّةُ الْبَيْتِ"، وَيُشِيرُ إِلَى دَوْرِهَا كَمُدَبِّرَةٍ لِشُؤُونِ الْبَيْتِ وَالضِّيَافَةِ، وَهِيَ امْرَأَةٌ صَادِقَةُ الإِيمَانِ وَمَحَبُوبَةٌ لَدَى الْمَسِيحِ الَّذِي أَحَبَّهَا هُوَ أَيْضًا (يو 11: 5).
2 "وَمَرْيَمُ هِيَ الَّتِي دَهَنَتِ الرَّبَّ بِالطِّيبِ وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، وَكَانَ الْمَرِيضُ أَخَاهَا لَعَازَرَ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَمَرْيَمُ هِيَ الَّتِي دَهَنَتِ الرَّبَّ بِالطِّيبِ وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا" إِلَى تَمْيِيزِ هٰذِهِ الشَّخْصِيَّةِ عَنِ الْمَرْيَمَاتِ الأُخْرَيَاتِ فِي الإِنْجِيلِ، وَهُنَّ: مَرْيَمُ أُمُّ يَسُوعَ، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ امْرَأَةُ قُلُوبَا. وَيَرِدُ ذِكْرُ حَدَثِ دَهْنِ يَسُوعَ بِالطِّيبِ أَيْضًا فِي إِنْجِيلَي إنجيل متى وإنجيل مرقس (مت 26: 6–13؛ مر 14: 3–9)، حَيْثُ يُقَدَّمُ هٰذَا الْفِعْلُ كَعَمَلِ مَحَبَّةٍ وَإِكْرَامٍ لِلْمَسِيحِ. وَيَرَى يوحنا الدمشقي أَنَّ هٰذَا الْفِعْلَ يُعَبِّرُ عَنْ شُكْرٍ عَمِيقٍ لِلْمَسِيحِ، فَيَقُولُ: "لِكَيْ تُعَبِّرَ مَرْيَمُ عَنْ امْتِنَانِهَا لَكَ يَا رَبُّ، أَخَذَتْ حُقَّةَ الطِّيبِ وَقَدَّمَتْهَا لَكَ عِوَضًا عَنْ أَخِيهَا، وَصَارَتْ تُمَجِّدُكَ بِهٰذَا الْفِعْلِ عَلَى مَرِّ الأَجْيَالِ" (أناشيد سبت لعازر). وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَرْيَمَ أُخْتِ لَعَازَر الَّتِي دَهَنَتْ يَسُوعَ بِالطِّيبِ فِي بَيْتِ عَنْيَا (يو 12: 1–3)، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ الْخَاطِئَةِ الَّتِي دَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ بِالطِّيبِ فِي الْجَلِيلِ (لو 7: 36–50). وَيُؤَكِّدُ يوحنا الذهبي الفم هٰذَا التَّمْيِيزَ قَائِلًا إِنَّ مَرْيَمَ أُخْتَ لَعَازَرَ "لَيْسَتِ الْمَرْأَةَ الْخَاطِئَةَ، بَلْ امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ عُرِفَتْ بِتَقْوَاهَا وَبِمَحَبَّتِهَا لِلرَّبِّ" (PG 59, 349).
أَمَّا عِبَارَةُ "دَهَنَتِ الرَّبَّ بِالطِّيبِ" فَتُشِيرُ إِلَى عَادَةٍ شَرْقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِإِكْرَامِ الضُّيُوفِ وَالتَّعْبِيرِ عَنِ الْفَرَحِ وَالاحْتِفَالِ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا التَّقْلِيدُ بِمَا يَقُولُهُ صَاحِبُ الْمَزَامِيرِ: "بِالزَّيْتِ تُطَيِّبُ رَأْسِي، فَتَفِيضُ كَأْسِي" (مز 23: 5).
أَمَّا عِبَارَةُ "بِالطِّيبِ" فَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ μύρῳ (مُورُون)، وَهِيَ كَلِمَةٌ تُشِيرُ إِلَى الْمُرِّ أَوِ الطِّيبِ الْعَطِرِ الَّذِي يُصْنَعُ مِنْ صَمْغِ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ بِاسْم Balsamodendron myrrha . وَكَانَ هٰذَا الطِّيبُ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعْطِيرِ وَفِي التَّحْنِيطِ أَيْضًا، كَمَا يَظْهَرُ فِي دَفْنِ يَسُوعَ (يو 19: 39)، وَكَانَ مِنَ الْعُطُورِ الثَّمِينَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ (مت 2: 11؛ مز 45: 8). وَيُشِيرُ كيرلس الإسكندري إِلَى أَنَّ سَكْبَ الطِّيبِ عَلَى قَدَمَي يَسُوعَ يُعَبِّرُ عَنْ إِيمَانٍ عَمِيقٍ، لِأَنَّ مَرْيَمَ "أَدْرَكَتْ كَرَامَةَ الْمَسِيحِ فَأَكْرَمَتْهُ بِأَثْمَنِ مَا تَمْلِكُ" (PG 74, 701).
أَمَّا عِبَارَةُ "وَكَانَ الْمَرِيضُ أَخَاهَا لَعَازَرَ" فَتُعَرِّفُ لَنَا الْعَلَاقَةَ الْعَائِلِيَّةَ بَيْنَ الشَّخْصِيَّاتِ فِي الرِّوَايَةِ، وَتُهَيِّئُ الْقَارِئَ لِفَهْمِ عُمْقِ الْمَأْسَاةِ الَّتِي أَصَابَتِ الْعَائِلَةَ. وَهٰذَا يُفَسِّرُ لِمَاذَا أَرْسَلَتِ الأُخْتَانِ إِلَى يَسُوعَ طَالِبَتَيْنِ مَعُونَتَهُ، وَاثِقَتَيْنِ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الشِّفَاءِ. فَقَدْ كَانَتَا قَدْ شَاهَدَتَا مَعْجِزَاتِهِ، وَآمَنَتَا بِأَنَّ لَهُ سُلْطَانًا عَلَى الْمَرَضِ وَالْمَوْتِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس عَلَى هٰذَا الْمَوْقِفِ قَائِلًا: "إِنَّهُمَا لَمْ تَطْلُبَا مِنَ الرَّبِّ صَرَاحَةً أَنْ يَأْتِيَ أَوْ يَشْفِيَ، بَلْ أَعْلَمَتَاهُ بِالْمَرَضِ فَقَطْ، لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَكْتَفِي بِإِظْهَارِ الْحَاجَةِ، وَتَتْرُكُ لِلْمَسِيحِ أَنْ يَعْمَلَ مَا يَرَاهُ صَالِحًا" (PL 35, 1744).
3 "فَأَرْسَلَتْ أُخْتَاهُ تَقُولَانِ لِيَسُوعَ: يَا رَبُّ، إِنَّ الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَرْسَلَتْ أُخْتَاهُ تَقُولَانِ لِيَسُوعَ" إِلَى مُبَادَرَةِ مَرْيَمَ وَمَرْتَا فِي إِبْلَاغِ يَسُوعَ بِمَرَضِ أَخِيهِمَا لَعَازَر، وَذٰلِكَ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ صَدَاقَةٍ وَمَوَدَّةٍ عَمِيقَةٍ. فَقَدْ كَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ إِلَى بَيْتِهِمْ فِي بَيْتِ عَنْيَا (لو 10: 38)، وَيُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ آنَذَاكَ فِي الْمَنْطِقَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِـ "عَبْرَ الأُرْدُنِّ" (يو 10: 40)، أَيْ عَلَى مَسَافَةِ نَحْوِ يَوْمَيْنِ مِنْ بَيْتِ عَنْيَا. وَيُشِيرُ كيرلس الإسكندري إِلَى أَنَّ الأُخْتَيْنِ لَمْ تَلْجَآ إِلَى الطِّبِّ البَشَرِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى الْمَسِيحِ أَيْضًا، لِأَنَّهُمَا آمَنَتَا بِقُدْرَتِهِ وَبِرَحْمَتِهِ 700)، (PG 74 .
أَمَّا عِبَارَةُ "يَا رَبُّ، إِنَّ الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ" فَتُعَبِّرُ عَنْ وَصْفٍ بَسِيطٍ لِلْمُشْكِلَةِ دُونَ طَلَبٍ صَرِيحٍ، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ عَنْ ثِقَةٍ عَمِيقَةٍ بِمَحَبَّةِ الْمَسِيحِ وَعِنَايَتِهِ. وَتُشْبِهُ هٰذِهِ الْعِبَارَةُ صَلَاةَ مريم العذراء فِي عُرْسِ قَانَا حِينَ قَالَتْ لِيَسُوعَ: "لَيْسَ عِنْدَهُمْ خَمْرٌ" (يو 2: 3)، فَلَمْ تَطْلُبْ مِنْهُ صَرَاحَةً أَنْ يَتَدَخَّلَ، بَلْ عَرَضَتِ الْحَاجَةَ وَتَرَكَتْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ مَا يَرَاهُ صَالِحًا. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذِهِ الصَّلَاةِ قَائِلًا: "لَيْسَتْ صَلَاةٌ أَبْسَطَ مِنْ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ الْقَلِيلَةِ، وَلَكِنَّهَا مَمْلُوءَةٌ تَوَاضُعًا وَثِقَةً بِالْمَسِيحِ، إِذْ لَمْ تَأْمُرَاهُ وَلَمْ تُلِحَّا عَلَيْهِ، بَلْ تَرَكَتَا لِمَحَبَّتِهِ أَنْ يَعْمَلَ مَا يَشَاءُ"(346، PG 59). وَقَدِ اكْتَفَتِ الأُخْتَانِ بِإِبْلَاغِ يَسُوعَ بِالْمَرَضِ دُونَ أَنْ تَطْلُبَا شَيْئًا مُحَدَّدًا، تَارِكَتَيْنِ لِمَحَبَّتِهِ أَنْ تَتَصَرَّفَ كَمَا تَشَاءُ. وَهٰذَا يُقَدِّمُ لَنَا نَمُوذَجًا عَمِيقًا لِلصَّلَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ: أَنْ يَضَعَ الإِنْسَانُ حَاجَتَهُ أَمَامَ الرَّبِّ فِي ثِقَةٍ وَتَسْلِيمٍ.
أَمَّا عِبَارَةُ "تُحِبُّهُ" فَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ φιλεῖς، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى مَحَبَّةِ الصَّدَاقَةِ وَالْمَوَدَّةِ الْحَمِيمَةِ (philia)، وَتُبَيِّنُ قُوَّةَ الْعَلَاقَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ لَعَازَرَ وَيَسُوعَ. وَيُشِيرُ أوريجانس إِلَى أَنَّ الإِنْجِيلَ يَذْكُرُ هٰذِهِ الْمَحَبَّةَ لِيُظْهِرَ بُعْدًا إِنْسَانِيًّا فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ، إِذْ أَحَبَّ أَصْدِقَاءَهُ بِمَحَبَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ ( 432 PG 14, ). وَقَدْ حَرَصَتِ الأُخْتَانِ عَلَى أَنْ تَقُولَا: "الَّذِي تُحِبُّهُ" بَدَلًا مِنْ "الَّذِي يُحِبُّكَ"، لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَلْجَأُ إِلَى الْمَسِيحِ لَا اسْتِنَادًا إِلَى مَحَبَّتِهِ هُوَ لِلرَّبِّ، بَلْ إِلَى مَحَبَّةِ الرَّبِّ لَهُ. وَهٰذَا يُذَكِّرُنَا بِكَلَامِ اللهِ لِشَعْبِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ: "لَيْسَ مِنْ كَثْرَتِكُمْ عَلَى سَائِرِ الشُّعُوبِ تَعَلَّقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ… بَلْ لِمَحَبَّةِ الرَّبِّ لَكُمْ" (تث 7: 7–8). وَتُعَدُّ الْمَحَبَّةُ الْمِفْتَاحَ اللاَّهُوتِيَّ لِفَهْمِ هٰذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ، فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي هٰذَا الْفَصْلِ (يو 11: 3، 5، 36). وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قَائِلًا: "إِنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ مِمَّنْ يُحِبُّ وَيَنْسَى، بَلْ مَحَبَّتُهُ تَبْقَى حَتَّى فِي وَقْتِ التَّأْخِيرِ، لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لَيْسَ إِهْمَالًا بَلْ تَدْبِيرًا" (1745، PL 35 ). وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ مَحَبَّةَ يَسُوعَ لِلَعَازَرِ لَمْ تَمْنَعْ مَرَضَهُ وَلَا مَوْتَهُ، فَالْمَرَضُ وَالْمَوْتُ لَيْسَا دَلِيلًا عَلَى غَضَبِ اللهِ أَوْ بُغْضِهِ أَوْ إِهْمَالِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونَانِ جُزْءًا مِنْ سِرِّ تَدْبِيرِ اللهِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ مَجْدَهُ فِي الْخَلَاصِ. وَتُعْلِنُ لَنَا هٰذِهِ الآيَةُ أيضا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا هُوَ ذٰلِكَ الإِنْسَانُ الَّذِي يُحِبُّهُ يَسُوعُ؛ فَنَحْنُ جَمِيعًا مَوْضِعُ عِنَايَتِهِ، وَمَهْمَا كَانَتْ حَالَتُنَا—مَرَضًا أَوْ جُرْحًا أَوْ خَطِيئَةً—نَبْقَى مَحْبُوبِينَ فِي قَلْبِ الرَّبِّ.
4 فَلَمَّا سَمِعَ يَسوعُ قالَ: "هٰذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوْت، بَلْ إِلى مَجْدِ الله، لِيُـمَجَّدَ بِهِ ابْنُ الله".
تُشيرُ عِبارَةُ "فَلَمَّا سَمِعَ يَسوعُ قالَ" إِلى جَوابِ يَسوعَ الَّذي لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا فَقَطْ إِلى الرُّسُلِ، بَلْ أَيْضًا إِلى الوَفْدِ المُرْسَلِ مِنْ مَرْتا ومَرْيَم، بِغايَةِ تَعْزِيَةِ الأُخْتَيْنِ وَبَثِّ الرَّجاءِ في قَلْبَيْهِما. وَهٰكَذا يَكْشِفُ يَسوعُ مُنْذُ البِدايَةِ أَنَّ ما يَحْدُثُ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ تَدْبيرِ اللهِ، بَلْ دَاخِلٌ في مَشْروعِهِ الخَلاصِيّ.
أَمَّا عِبارَةُ "هٰذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوْت" فَلا تَعْني نَفْيَ حُدوثِ المَوْتِ الجَسَدِيّ، بَلْ التَّأْكيدَ أَنَّ المَوْتَ لَنْ يَكُونَ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ. فَهُوَ مَوْتٌ مُؤَقَّتٌ، سُمِحَ بِهِ لِأَجْلِ إِظْهارِ مَجْدِ اللهِ مِنْ خِلالِ إِقامَةِ لَعازَر. وَيُلاحَظُ هٰنا التَّوازِي مَعَ ما قالَهُ يَسوعُ عِنْدَ إِحْياءِ ابْنَةِ يائيرُس: "لَمْ تَمُتِ الصَّبِيَّةُ، وَإِنَّما هِيَ نائِمَة" (مَرْقُس 5: 39)، أَي أَنَّ المَوْتَ فِي مَنْظُورِ اللهِ لَيْسَ نِهايَةً، بَلْ حَالَةً عابِرَةً تَخْضَعُ لِسُلْطانِهِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: "لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ لَنْ يَموتَ، بَلْ إِنَّ مَرَضَهُ لا يَؤُولُ إِلى المَوْت، أَيْ إِنَّ المَوْتَ لَنْ يَبْقى فِيهِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا عِبارَةُ "بَلْ إِلى مَجْدِ الله" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ المَوْتَ لَمْ يَعُدْ نِهايَةً، بَلْ مَرْحَلَةً تَقودُ إِلى إِظْهارِ مَجْدِ اللهِ، أَيْ حُضورِهِ الفاعِلِ وَقُدْرَتِهِ المُحْيِيَةِ. فَإِقامَةُ لَعازَر لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مُعْجِزَةٍ، بَلْ إِعْلانًا سابِقًا لِسِرِّ القِيامَةِ، وَدَعْوَةً لِلنّاسِ لِتَمْجيدِ اللهِ بِقُلوبِهِم وَأَلْسِنَتِهِم. وَفي المُفارَقَةِ اللاهوتِيَّةِ، يَصيرُ هٰذا الحَدَثُ نَفْسُهُ سَبَبًا فِي الحُكْمِ عَلى يَسوعَ بِالمَوْت (يُوحَنَّا 11: 45–54)، لِيُفْضيَ بِهِ إِلى المَجْدِ عَبْرَ الصَّليبِ. وَهٰكَذا، كَما يُشِيرُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري، فَإِنَّ اللهَ "يَسْتَعْمِلُ حَتّى الأَلَمَ وَالمَوْتَ كَوَسيلَةٍ لِإِعْلانِ مَجْدِهِ وَتَدْبيرِهِ الخَلاصِيّ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا، الكِتابُ السَّابِع).
أَمَّا عِبارَةُ "لِيُـمَجَّدَ بِهِ ابْنُ الله" في الأصل اليوناني ἵνα δοξασθῇ ὁ υἱὸς τοῦ θεοῦ δι' αὐτῆς فتُشير إلى أنَّ يوحنّا الإنجيلي لا يُقدّم الحدث كخبر تاريخي فقط، بل كحدث له غاية إلهية: المجد. فَتُؤَكِّدُ العبارة وَحْدَةَ المَجْدِ بَيْنَ الآبِ وَالابْنِ، فَما يُمَجِّدُ الآبَ يُمَجِّدُ الابْنَ أَيْضًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: " اُنْظُرْ كَيْفَ أَنَّهُ إِذْ قالَ: لِمَجْدِ الله، أَضافَ حالًا: لِيُـمَجَّدَ بِهِ ابْنُ الله، لِيُظْهِرَ أَنَّ المَجْدَ واحِد"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰذا يَنْسَجِمُ مَعَ شَهادَةِ الإِنجيلِ: "وَرَأَيْنا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَما لِوَحيدٍ مِنَ الآب" (يُوحَنَّا 1: 14)، وَأَيْضًا: "كَيْ يَكْرِمَ الجَميعُ الابْنَ كَما يَكْرِمونَ الآب" (يُوحَنَّا 5: 23). فَمَجْدُ الآبِ يَتَجَلّى فِي الابْنِ، وَالابْنُ يُظْهِرُ مَجْدَ الآبِ فِي أَعْمالِهِ الخَلاصِيَّةِ. وَمِنْ هٰنا يَنْفَتِحُ بُعْدٌ رَعَوِيٌّ عَميقٌ: إِنَّ مَوْتَ المُؤْمِنِ لَيْسَ فَشَلًا، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَصيرَ شَهادَةً لِمَجْدِ الله، مِنْ خِلالِ إِيمانِهِ وَرَجائِهِ، وَمِنْ خِلالِ إِيمانِ أَهْلِهِ وَصَبْرِهِم. فَاللهُ، كَما يُعَلِّمُ الآباءُ، قادِرٌ أَنْ يُخْرِجَ الخَيْرَ مِنْ كُلِّ أَلَمٍ، وَأَنْ يُحَوِّلَ المَوْتَ نَفْسَهُ إِلى طَريقٍ لِلحَياةِ وَالمَجْدِ.
5 " وَكانَ يَسوعُ يُحِبُّ مَرْتا وأُخْتَها ولَعازَر".
تُشيرُ عِبارَةُ "وَكانَ يَسوعُ يُحِبُّ مَرْتا وأُخْتَها ولَعازَر" إِلى عُمْقِ العَلاقَةِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتي رَبَطَتْ يَسوعَ بِهذِهِ الأُسْرَةِ في بَيْتِ عَنْيا، وإِلى اكْتِراثٍ يَتَجاوَزُ مُجَرَّدَ التَّعاطُفِ البَشَرِيِّ لِيَبْلُغَ بُعْدًا خَلاصِيًّا. وَفي هٰذا السِّياقِ، يُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ مَحَبَّةَ المَسيحِ تَشْمَلُ الجَميعَ في أَوْضاعِهِمُ المُخْتَلِفَةِ، إِذْ يَقولُ: "كانَ واحِدٌ مَريضًا، واثْنَتانِ في حُزْنٍ، والجَميعُ مَحْبوبون؛ أَمَّا الَّذي أَحَبَّهُم فَهُوَ مُخَلِّصُ المَرْضى ومُقيمُ المَوْتى ومُعَزِّي الحَزانى" (أوغسطينوس، عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا لَفْظُ "يُحِبُّ" فَقَدْ وَرَدَ في اليونانِيَّةِ بِالفِعْلِ ἠγάπα مِن ἀγαπάω، وَهُوَ لا يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ عاطِفَةٍ، بَلْ عَلى مَحَبَّةٍ فاعِلَةٍ تَقومُ عَلى البَذْلِ والعَطاءِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى هٰذا البُعْدِ بِقَوْلِهِ إِنَّ المَسيحَ "يُظْهِرُ مَحَبَّتَهُ بِالأَعْمالِ لا بِالكَلام" (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰذِهِ المَحَبَّةُ هِيَ بِعَيْنِها مَحَبَّةُ اللهِ الخَلاصِيَّةُ الَّتي يُعْلِنُها الإِنجيلُ: "فَإِنَّ اللهَ أَحَبَّ (ἠγάπησεν) العالَمَ حَتّى إِنَّهُ جادَ بابنِهِ الوَحيد..." (يُوحَنَّا 3: 16). وَفي هٰذا السِّياقِ، يَرْبِطُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري بَيْنَ مَحَبَّةِ المَسيحِ وَمَحَبَّةِ الآبِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ: "في مَحَبَّةِ الابنِ يَظْهَرُ تَدْبيرُ الآبِ الخَلاصِيُّ لِلبَشَر" (كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيّ، تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا، الكِتابُ السَّابِع). كَما يُبْرِزُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير البُعْدَ التَّدْبيرِيَّ لِهٰذِهِ المَحَبَّةِ، إِذْ يَرى أَنَّ تَأَخُّرَ يَسوعَ لَمْ يَكُنْ نَقْصًا في المَحَبَّةِ، بَلْ إِظْهارًا لَها، لأَنَّهُ "أَحَبَّهُم، وَلِذٰلِكَ سَمَحَ أَنْ يَموتَ لَعازَر لِيُظْهِرَ مَجْدَ الله" (غِرِغوريوس الكَبير، عِظاتٌ عَلى الأَناجيل، العِظَةُ 26). وَعَلَيْهِ، فَمَحَبَّةُ يَسوعَ لِمَرْتا ومَرْيَمَ ولَعازَر لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَلاقَةٍ إِنْسانِيَّةٍ خَاصَّةٍ، بَلْ هِيَ عَلامَةٌ لاهوتِيَّةٌ كاشِفَةٌ عَنْ مَحَبَّةِ الله: مَحَبَّةٌ تَدْخُلُ إِلى واقِعِ الأَلَمِ، وَتُرافِقُ الإِنْسانَ في ضَعْفِهِ، ثُمَّ تَرْفَعُهُ إِلى الحَياةِ. إِنَّها مَحَبَّةٌ تَبْكي مَعَ الإِنْسانِ، وَلٰكِنَّها أَيْضًا تُقيمُهُ، لأَنَّ الَّذي يُحِبُّ هُوَ نَفْسُهُ الَّذي يُعْطي الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ.
6 وَمَعَ ذٰلِكَ فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ مَريضٌ، بَقِيَ في مَكانِهِ يَوْمَيْنِ.
تُشيرُ عِبارَةُ "بَقِيَ في مَكانِهِ يَوْمَيْنِ" إِلى تَأَخُّرِ يَسوعَ عَنِ الذَّهابِ، لا لِامْتِحانِ إِيمانِ مَرْتا ومَرْيَم، بَلْ تَتْمِيمًا لِإِرادَةِ الآبِ وَتَدْبيرِهِ الخَلاصِيّ. فَحَرَكاتُ يَسوعَ لا يُمْليها الطَّلَبُ البَشَرِيُّ، بَلْ خُضوعُهُ الكامِلُ لِمَشيئَةِ الآبِ. وَمِنْ هُنا يَتَجَلّى أَنَّ تَوْقيتَ اللهِ قَدْ يَبْدو لِلإِنسانِ تَأَخُّرًا، لكِنَّهُ في الحَقيقَةِ زَمَنُ الخَلاصِ الَّذي يُحَقِّقُ المَجْدَ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذا البُعْدَ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ الرَّبَّ يَعْرِفُ الزَّمَنَ المُناسِبَ لِكُلِّ عَمَلٍ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49)، أَيْ إِنَّ تَدْبيرَهُ لا يَخْضَعُ لِمَقاييسِ الإِنسانِ الزَّمَنِيَّةِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ الإِلٰهِيَّةِ. وَهٰذا ما نَلْمَسُهُ أَيْضًا في عُرْسِ قانا الجَليلِ، حَيْثُ قالَ: "لَمْ تَأْتِ ساعَتي بَعْد" (يُوحَنَّا 2: 4)، مُشيرًا إِلى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتِمُّ في وَقْتِهِ المُحَدَّدِ مِنَ الآبِ.
أَمَّا عِبارَةُ "في مَكانِهِ" فَتُشيرُ إِلى المَوْضِعِ الَّذي كانَ فيهِ يَسوعُ عِنْدَ عَبْرِ الأُرْدُنِّ، حَيْثُ "كانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ في أَوَّلِ الأَمْر" (يُوحَنَّا 1: 28)، وَحَيْثُ أَقامَ أَيْضًا بَعْدَ ذٰلِكَ (يُوحَنَّا 10: 40)، في دَلالَةٍ عَلى اسْتِمْرارِ رِسالَتِهِ في الزَّمانِ وَالمَكانِ حَسَبَ التَّدْبيرِ الإِلٰهِيّ.
وَأَمَّا عِبارَةُ "يَوْمَيْنِ" فَتَحْمِلُ بُعْدًا لاهوتِيًّا عَميقًا، إِذْ تُشيرُ إِلى أَنَّ تَأَخُّرَ يَسوعَ كانَ مَقْصودًا، لِكَيْ لا يَبْقى أَيُّ شَكٍّ في حَقيقَةِ مَوْتِ لَعازَر. فَلَوْ شاءَ، لَشَفاهُ بِكَلِمَةٍ، كَما فَعَلَ مَعَ ابْنِ خادِمِ المَلِكِ في كَفَرْناحوم (يُوحَنَّا 4: 50)، لكِنَّهُ أَرادَ أَنْ يُعْلِنَ سُلْطانَهُ لا عَلَى المَرَضِ فَحَسْب، بَلْ عَلَى المَوْتِ نَفْسِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "لِماذا بَقِيَ يَوْمَيْنِ؟ لِكَيْ تَخْرُجَ النَّفْسُ وَيُدْفَنَ، فَلا يَقولَ أَحَدٌ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَيِّتًا، بَلْ كانَ نائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ؛ لِذٰلِكَ انْتَظَرَ حَتّى يَحْدُثَ الفَسادُ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰكَذا يَتَكشَّفُ أَنَّ هٰذا التَّأَخُّرَ لَيْسَ غِيابًا لِلمَحَبَّةِ، بَلْ عُمْقُها، لأَنَّ اللهَ يَسْمَحُ أَحْيانًا بِالضِّيقاتِ الجَسَدِيَّةِ لِيَهَبَ خَيْراتٍ رُوحِيَّةً أَعْظَم. فَالمَسِيحُ الَّذي أَخَّرَ مَجيئَهُ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذي سَيَأْتي لِيُحَوِّلَ المَوْتَ إِلى حَياةٍ، وَالحُزْنَ إِلى مَجْدٍ، مُعْلِنًا أَنَّ تَدْبيرَ اللهِ يَفوقُ كُلَّ تَوَقُّعاتِ الإِنسانِ.
7 ثُمَّ قالَ لِلتَّلاميذِ بَعْدَ ذٰلِكَ: "لِنَعُدْ إِلى اليَهودِيَّة".
تُشيرُ عِبارَةُ "بَعْدَ ذٰلِكَ"، وَفِي الأَصْلِ اليونانِيِّ μετὰ τοῦτο (أَيْ: بَعْدَ هٰذا)، إِلى الفَتْرَةِ الَّتي تَلَتْ مَكْثَ يَسوعَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ وُصولِ الوَفْدِ المُرْسَلِ مِنْ مَرْتا ومَرْيَم. وَإِذا أَخَذْنا في الاعتِبارِ المَسافَةَ بَيْنَ بَيْتِ عَنْيا عِبْرَ الأُرْدُنِّ وَبَيْتِ عَنْيا القَريبَةِ مِنْ أُورَشَليمَ، وَالَّتي كانَتْ تَسْتَغْرِقُ نَحْوَ يَوْمٍ واحِدٍ، يَتَّضِحُ التَّسَلْسُلُ الزَّمَنِيُّ الَّذي يُفْضِي إِلى الأَرْبَعَةِ أَيّامٍ الَّتي ذَكَرَتْها مَرْتا: "هٰذا يَوْمُهُ الرَّابِع" (يُوحَنَّا 11: 39). فَإِنْ كانَ لَعازَرُ قَدْ ماتَ يَوْمَ وُصولِ الرُّسُلِ، ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ اليَوْمانِ اللَّذانِ مَكَثَ فيهِما يَسوعُ، مَعَ يَوْمِ السَّفَرِ، اكْتَمَلَتِ الأَرْبَعَةُ أَيّامٍ، وَهُوَ تَفْصيلٌ يُؤَكِّدُ وَاقِعِيَّةَ الحَدَثِ وَحَقيقَةَ المَوْتِ.
أَمَّا عِبارَةُ "لِنَعُدْ إِلى اليَهودِيَّة" فَتُشيرُ إِلى عَوْدَةِ يَسوعَ إِلى بَيْتِ عَنْيا القَرِيبَةِ مِنْ أُورَشَليمَ، تَمْييزًا لَها عَنْ بَيْتِ عَنْيا عِبْرَ الأُرْدُنِّ. وَهٰنا يُعْلِنُ يَسوعُ لِتَلاميذِهِ مَقْصِدَهُ بِوُضوحٍ، عَلَى غَيْرِ عادَتِهِ في مَواقِفَ أُخْرى، وَذٰلِكَ لِكَيْ يُهَيِّئَهُمْ لِما سَيُواجِهُهُ مِنْ خَطَرٍ، وَيَمْنَعَ عَنْهُمُ الاضْطِرابَ أَمامَ أَحْداثِ الآلامِ القادِمَةِ. وَيُظْهِرُ هٰذا القَرارُ وَعْيَ يَسوعَ التَّامَّ بِالخَطَرِ الَّذي يَنْتَظِرُهُ في اليَهودِيَّةِ، حَيْثُ كانَ اليَهودُ يَطْلُبونَ أَنْ يَرْجُموهُ (يُوحَنَّا 10: 31)، مَعَ ذٰلِكَ يَمْضِي إِلَيْها بِحُرِّيَّةٍ كامِلَةٍ، مُتَّفِقًا مَعَ قَوْلِهِ: "لا أَحَدَ يَأْخُذُها مِنِّي، بَلْ أَنا أَضَعُها مِنْ تِلْقاءِ نَفْسي" (يُوحَنَّا 10: 18). وَفِي هٰذا السِّياقِ، يُشَدِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري عَلى أَنَّ ذِهابَ المَسيحِ إِلى اليَهودِيَّةِ لَمْ يَكُنْ نَتيجَةَ ضَرورَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ خُضوعًا حُرًّا لِلتَّدْبيرِ الإِلٰهِيِّ، إِذْ "يَتَقَدَّمُ نَحْوَ الآلامِ عالِمًا بِها، لِكَيْ يُتِمَّ خَلاصَ العالَم" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَكَذٰلِكَ يَرَى القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ يَسوعَ "يُعْلِنُ ذَهابَهُ مُسْبَقًا لِكَيْ لا يَخافَ التَّلاميذُ، بَلْ يَتَعَلَّموا أَنَّهُ يَتَقَدَّمُ بِإِرادَتِهِ نَحْوَ ما سَيَحْدُث" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰكَذا يَحْمِلُ هٰذا النَّصُّ بُعْدًا لاهوتِيًّا وَرَعَوِيًّا عَميقًا: إِنَّ دَعْوَةَ المَسيحِ لِلعَوْدَةِ إِلى اليَهودِيَّةِ تُظْهِرُ أَنَّ نِداءَ الوَاجِبِ وَمَشِيئَةَ اللهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى فَوْقَ الخَطَرِ وَالخَوْفِ. فَالمَسيحُ لا يَهْرُبُ مِنَ المَوْتِ، بَلْ يَتَقَدَّمُ نَحْوَهُ بِحُرِّيَّةٍ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الطَّريقَ إِلى المَجْدِ يَمُرُّ عَبْرَ الصَّليبِ.
8 فَقالَ لَهُ تَلاميذُهُ: "رابِّي، قَبْلَ قَليلٍ حاوَلَ اليَهودُ أَنْ يَرْجُموكَ، أَفَتَعودُ إِلى هُناك؟".
تُشيرُ عِبارَةُ "رابِّي"، وَهِيَ مِنَ الأَصْلِ العِبْرِيِّ רַבִּי (أَيْ: مُعَلِّمي)، إِلى لَقَبٍ يُطْلَقُ عَلى المُعَلِّمِ وَالعالِمِ، وَيَدُلُّ عَلى سُلْطانٍ تَعْليمِيٍّ وَمَقامٍ رُوحِيٍّ رَفيعٍ. وَاسْتِعْمالُ التَّلاميذِ لِهٰذا اللَّقَبِ يَكْشِفُ عَنْ عَلاقَتِهِم بِيَسوعَ كَمُعَلِّمٍ وَمُرْشِدٍ، وَلكِنَّهُ يُظْهِرُ أَيْضًا حِيرَتَهُمْ أَمامَ قَرارِهِ.
أَمَّا عِبارَةُ "اليَهودُ" فَتُشيرُ في إِنجيلِ يُوحَنَّا، لا إِلى الشَّعْبِ كَكُلٍّ، بَلْ إِلى القِياداتِ الدِّينِيَّةِ الَّتي كانَتْ تُعادِي يَسوعَ وَتَرْفُضُ رِسالَتَهُ (يُوحَنَّا 8: 48)، وَتَسْعى إِلى إِهْلاكِهِ. وَهٰذا الاستِعْمالُ اللاهوتِيُّ يُبَيِّنُ الصِّراعَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ في الإِنجيلِ.
وَتُشيرُ عِبارَةُ "يَرْجُموكَ" إِلى تَذْكيرِ التَّلاميذِ بِما حَدَثَ قَبْلَ فَتْرَةٍ قَصيرَةٍ في أُورَشَليمَ، عِنْدَ عِيدِ تَدْشينِ الهَيْكَلِ، حِينَ "أَتى اليَهودُ بِحِجارَةٍ ثانِيَةً لِيَرْجُموه" (يُوحَنَّا 10: 31، 39). وَكانَ الرَّجْمُ عُقوبَةً صارِمَةً في الشَّريعَةِ (الأَحبار 20: 2؛ 24: 14)، تُنَفَّذُ خارِجَ المَدينةِ، وَتَدُلُّ عَلى أَقْصى دَرَجاتِ الرَّفْضِ وَالإِدانَةِ. وَيُبْرِزُ القِدِّيسُ أوغسطينوس البُعْدَ الرُّوحِيَّ في مَوْقِفِ التَّلاميذِ، إِذْ يَقولُ: "أَرادوا أَنْ يَحْفَظوا الرَّبَّ مِنَ المَوْتِ، ذاكَ الَّذي جاءَ لِيَموتَ لِيُخَلِّصَهُمْ مِنَ المَوْت" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). فَهُمْ يَنْطَلِقونَ مِنْ مَحَبَّتِهِم وَخَوْفِهِم، لكِنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكوا بَعْدُ سِرَّ الصَّليبِ. وَكَذٰلِكَ يُشِيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ التَّلاميذَ "يَتَكَلَّمونَ بِخَوْفٍ بَشَرِيٍّ، غَيْرَ مُدْرِكينَ أَنَّ ما سَيَحْدُثُ هُوَ لِأَجْلِ الخَلاص"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62).
أَمَّا سُؤالُهُمْ: "أَفَتَعودُ إِلى هُناك؟" فَيَكْشِفُ عَنْ دَهْشَتِهِم وَخَوْفِهِم، إِذْ يَرَوْنَ في عَوْدَةِ يَسوعَ إِلى اليَهودِيَّةِ تَقَدُّمًا نَحْوَ المَوْتِ. فَفي نَظَرِهِم، العَوْدَةُ إِلى مَكانِ الخَطَرِ هِيَ مُجازَفَةٌ، أَمَّا في تَدْبيرِ اللهِ، فَهِيَ طَريقُ المَجْدِ. وَهٰكَذا يَكْشِفُ هٰذا الحِوارُ عَنْ التَّوَتُّرِ بَيْنَ المَنْطِقِ البَشَرِيِّ الَّذي يَسْعى إِلى تَجَنُّبِ الأَلَمِ، وَالمَنْطِقِ الإِلٰهِيِّ الَّذي يَقودُ عَبْرَ الأَلَمِ إِلى الخَلاصِ. فَيَسوعُ لا يَهْرُبُ مِنَ الخَطَرِ، بَلْ يَتَقَدَّمُ نَحْوَهُ بِحُرِّيَّةٍ إلى الـمَكان الّذي حاولوا فيه الفِّريِّسيّين قتْله قبل قليل، لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَوْتَهُ سَيَصيرُ مَصْدَرَ حَياةٍ لِلجَميعِ.
9 أَجابَ يَسوعُ: "أَلَيْسَ النَّهارُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً؟ فَمَنْ سارَ في النَّهارِ لا يَعْثُرُ، لأَنَّهُ يَرَى نُورَ هٰذا العالَم".
تُشيرُ عِبارَةُ "النَّهارُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً" إِلى يَوْمِ العَمَلِ المُمتَدِّ مِنْ طُلوعِ الشَّمْسِ إِلى غُروبِها، وَهُوَ التَّقْسيمُ الَّذي كانَ مَعْروفًا عِنْدَ اليَهودِ، وَقَدِ اقْتَبَسوهُ مِنَ البابِلِيّينَ أَيّامَ السَّبْي. وَيَحْمِلُ هٰذا التَّعْبيرُ بُعْدًا رَمْزِيًّا، إِذْ يُشِيرُ إِلى زَمَنِ الخِدْمَةِ الَّذي عَيَّنَهُ الآبُ لِلابْنِ، وَالَّذي يَجِبُ أَنْ يُتِمَّهُ كامِلًا، كَما قالَ: "ما دامَ النَّهارُ، يَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَعْمَلَ أَعْمالَ الَّذي أَرْسَلَني"(يُوحَنَّا 9: 4). وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ "النَّهارَ يُشيرُ إِلى زَمَنِ الحُضورِ الإِلٰهِيِّ، حَيْثُ يَعْمَلُ الإِنسانُ بِأَمانٍ ما دامَ في نُورِ الله"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا عِبارَةُ "فَمَنْ سارَ في النَّهارِ لا يَعْثُرُ" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ السَّيْرَ في النُّورِ يَحْمِلُ الأَمانَ وَالثَّباتَ، كَما يَسيرُ المُسافِرُ في ضَوْءِ الشَّمْسِ بِلا خَطَرٍ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلى أَنَّ مَنْ يَحْيا في طاعَةِ مَشيئَةِ اللهِ وَيَسيرُ حَسَبَ تَدْبيرِهِ، لا يَتَعَثَّرُ، لأَنَّهُ يَسيرُ في الطَّريقِ المُضِيءِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ يَسوعَ "يُطَمْئِنُ تَلاميذَهُ بِهٰذا المِثالِ، مُظْهِرًا أَنَّهُ ما دامَ يَعْمَلُ في الزَّمَنِ المُعَيَّنِ لَهُ، فَلا خَطَرَ عَلَيْهِ"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62).
أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّهُ يَرَى نُورَ هٰذا العالَم" فَتُشيرُ إِلى المَسيحِ نَفْسِهِ، الَّذي هُوَ نُورُ العالَمِ، كَما قالَ: "أَنا نُورُ العالَم، مَن يَتْبَعْني لا يَمْشِي في الظُّلْمَة، بَلْ يَكونُ لَهُ نُورُ الحَياة" (يُوحَنَّا 8: 12). فَالنُّورُ هُنا لَيْسَ مُجَرَّدَ نُورٍ حِسِّيٍّ، بَلْ هُوَ نُورٌ رُوحِيٌّ يُنيرُ البَصيرَةَ وَيَهْدي الطَّريقَ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ "المَسيحَ هُوَ النُّورُ الحَقيقِيُّ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إِنسانٍ، وَمَنْ يَثْبُتْ فيهِ لا يَعْثُرُ، لأَنَّهُ يَسيرُ في الحَقّ"(تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰكَذا يَكْشِفُ هٰذا التَّعْليمُ مَبْدَأً رُوحِيًّا عَميقًا: إِنَّ الحَياةَ هِيَ "نَهارٌ" أَعْطاهُ اللهُ لِلإِنسانِ كَفُرْصَةٍ لِلعَمَلِ وَتَحْقيقِ مَشِيئَتِهِ. فَإِمَّا أَنْ يَسيرَ الإِنسانُ في هٰذا النُّورِ، فَيَحْيا بِأَمانٍ وَيَثْمُرُ، وَإِمَّا أَنْ يَبْقى في الظُّلْمَةِ، فَيَتَعَثَّرُ. لِذٰلِكَ، لا يَدْعو يَسوعُ تَلاميذَهُ إِلى عَدَمِ الخَوْفِ بِكَلِماتٍ مُباشِرَةٍ، بَلْ يُعْطِيهِم مِثالًا يَقودُهُمْ إِلى الاسْتِنْتاجِ: مَنْ يَسيرُ في النُّورِ لا يَخافُ. وَبِالاختِصارِ، إِنَّ دَعْوَةَ الإِنجيلِ هِيَ أَنْ نَتْبَعَ المَسيحَ، نُورَ العالَمِ، لِكَيْ لا نَتَعَثَّرَ، بَلْ نَسيرَ في طَريقِ الحَياةِ وَالمَجْدِ.
10 ومَن سارَ في اللَّيلِ يَعثُر: لأَنَّ النُّورَ لَيسَ فيه.
تُشيرُ عِبارَةُ "وَمَنْ سارَ في اللَّيْلِ يَعْثُرُ" إِلى حالِ المُسافِرِ أَثْناءَ اللَّيْلِ، حَيْثُ يَكونُ عُرْضَةً لِلعَثْرَةِ وَالسُّقوطِ، إِذْ لا نُورَ يُنيرُ سَبيلَهُ. فَالظُّلْمَةُ تُفْقِدُ الإِنسانَ القُدْرَةَ عَلى رُؤْيَةِ الطَّريقِ، وَتَجْعَلُهُ عُرْضَةً لِلخَطَرِ.
أَمَّا عِبارَةُ "اللَّيْلِ" فَتَحْمِلُ بُعْدًا رَمْزِيًّا عَميقًا في إِنجيلِ يُوحَنَّا، إِذْ تُشيرُ إِلى الظُّلْمَةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتي تَضَعُ حَدًّا لِعَمَلِ اللهِ في الإِنسانِ، وَتُجَسِّدُ حالَةَ الرَّفْضِ وَالانْغِلاقِ أَمامَ النِّعْمَةِ. وَهِيَ تَرْمِزُ خُصوصًا إِلى "لَيْلَةِ الآلامِ"، أَيْ ساعَةِ الظُّلْمَةِ (يُوحَنَّا 7: 8؛ 13: 30)، كَما ظَهَرَ في شَخْصِ يَهوذا الإِسْخَرْيُوطِيّ الَّذي أَغْلَقَ قَلْبَهُ أَمامَ دَعْوَةِ اللهِ، فَدَخَلَ في اللَّيْلِ، وَكانَ مَصيرُهُ الهَلاكَ، إِذْ يَقولُ الإِنجيلُ: "فَخَرَجَ لِلْوَقْتِ، وَكانَ لَيْلًا" (يُوحَنَّا 13: 30). وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ "اللَّيْلَ لا يُفْهَمُ كَزَمَنٍ حِسِّيٍّ فَقَطْ، بَلْ كَحالَةِ قَلْبٍ مُظْلِمٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ النُّورِ"، وَأَنَّ "مَنْ يَسيرُ بَعِيدًا عَنِ المَسيحِ يَعْثُرُ لأَنَّهُ فَقَدَ النُّورَ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا عِبارَةُ "يَعْثُرُ" فَتُشيرُ إِلى كُلِّ مَنْ يَسيرُ وَراءَ شَهَواتِهِ وَرَغَباتِهِ بَعِيدًا عَنْ نُورِ المَسيحِ، فَيَسْلُكُ في طَريقٍ خَطِرٍ نِهايَتُهُ المَوْتُ الرُّوحِيُّ. فَالإِنسانُ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَسيرَ في "لَيْلِ" هٰذا العالَمِ دُونَ نُورِ يَسوعَ إِلّا وَيَقَعُ في العَثْرَةِ. وَكَما يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري، فَإِنَّ "أَبْناءَ النُّورِ هُمُ الَّذينَ يَعرِفونَ الحَقَّ وَيَسيرونَ فيهِ، أَمَّا الَّذينَ يَرْفُضونَ النُّورَ فَيَبْقَوْنَ في الظُّلْمَةِ وَالضَّلالِ"(تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰذا يَنْسَجِمُ مَعَ قَوْلِ الإِنجيلِ: "النُّورُ جاءَ إِلى العالَم، فَأَحَبَّ النّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّور"(يُوحَنَّا 3: 19–21).
أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّ النُّورَ لَيْسَ فيهِ" فَتُشيرُ إِلى فَقْدِ النُّورِ الدَّاخِلِيِّ، أَيْ غِيابِ حُضورِ اللهِ في القَلْبِ. فَالنُّورُ لَيْسَ خارِجًا فَقَطْ، بَلْ هُوَ حَقيقَةٌ تُنيرُ الإِنسانَ مِنْ داخِلِهِ. وَمَنْ يَرْفُضُ هٰذا النُّورَ، يَبْقى في الظُّلْمَةِ، كَما يَقولُ الإِنجيلُ: "النُّورُ جاءَ إِلى العالَم، فَأَحَبَّ النّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّور"(يُوحَنَّا 3: 19). وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري إِلى أَنَّ "الَّذينَ لا يَقبَلونَ المَسيحَ نُورًا لَهُمْ، يَسيرونَ في الظُّلْمَةِ، وَيَقَعونَ في الضَّلالِ"(تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰكَذا يَكْتَمِلُ التَّعْليمُ الَّذي بَدَأَهُ يَسوعُ عَنْ "النَّهارِ" وَ"اللَّيْلِ": فَالسَّيْرُ في النَّهارِ، أَيْ في نُورِ المَسيحِ، يَعْني الأَمانَ وَالثَّباتَ، أَمَّا السَّيْرُ في اللَّيْلِ، أَيْ بَعِيدًا عَنْهُ، فَيُؤَدِّي إِلى العَثْرَةِ وَالضَّياعِ. وَمِنْ هُنا يَتَّضِحُ أَنَّ كَلامَ يَسوعَ يَحْمِلُ بُعْدًا زَمَنِيًّا أَيْضًا: فَـ"ساعَتُهُ" لَمْ تَأْتِ بَعْدُ، لِذٰلِكَ يَسيرُ في "نَهارِ" رِسالَتِهِ بِأَمانٍ. أَمَّا عِنْدَما تَأْتي "ساعَةُ اللَّيْلِ"، أَيْ ساعَةُ الآلامِ، فَسَيَدْخُلُ بِمِلْءِ إِرادَتِهِ في هٰذَا الظَّلامِ، لِيُحَوِّلَهُ إِلى نُورٍ وَخَلاصٍ. وَبِالتَّالي، فَالدَّعْوَةُ الرُّوحِيَّةُ واضِحَةٌ: إِنَّ الإِنسانَ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَسيرَ في "لَيْلِ" هٰذا العالَمِ بِدونِ نُورِ المَسيحِ دُونَ أَنْ يَعْثُرَ. فَمَنْ يَثْبُتُ في النُّورِ يَحْيا، وَمَنْ يَرْفُضُهُ يَتَعَثَّرُ. لِذٰلِكَ، دَعْوَةُ الإِنجيلِ هِيَ أَنْ نَكونَ مِنْ "أَبْناءِ النُّور" (يُوحَنَّا 3: 21)، فَنَسيرَ في الحَقِّ وَلا نَقَعَ في الظُّلْمَةِ. وَبِالتَّالي، فَالدَّعْوَةُ الرُّوحِيَّةُ واضِحَةٌ: لا يَعرِفُ النُّورَ الحَقيقِيَّ إِلّا «أَبْناءُ النُّورِ»، وَلا يَسيرُ بِأَمانٍ إِلّا مَنْ يَثْبُتُ في نُورِ المَسيحِ. أَمَّا مَنْ يَرْفُضُهُ، فَيَبْقى في الظُّلْمَةِ وَيَتَعَثَّرُ. لِذٰلِكَ، فَإِنَّ اتِّباعَ المَسيحِ، نُورِ العالَمِ، هُوَ الطَّريقُ الوَحيدُ لِلحَياةِ وَالثَّباتِ.
11 وَقالَ لَهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ: "إِنَّ صَديقَنا لَعازَرَ راقِدٌ، وَلٰكِنِّي ذاهِبٌ لِأُوقِظَهُ".
تُشيرُ عِبارَةُ "وَقالَ لَهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ"، وَفِي الأَصْلِ اليونانِيِّ: αῦτα εἶπεν, καὶ μετὰ τοῦτο λέγει αὐτοῖς، إِلى تَواصُلِ الخِطابِ بَعْدَ التَّعْليمِ عَنِ السَّيْرِ في النَّهارِ وَاللَّيْلِ، حَيْثُ يَنْتَقِلُ يَسوعُ مِنَ المَثَلِ إِلى إِعْلانِ الواقِعِ.
أَمَّا عِبارَةُ "صَديقَنا" فَفِي الأَصْلِ اليونانِيِّ φίλος، وَتَدُلُّ عَلى مَحَبَّةٍ أُخَوِيَّةٍ عَميقَةٍ، لا تَقْتَصِرُ عَلى عَلاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ تَشْمَلُ جَماعَةَ التَّلاميذِ. فَلا يَقولُ يَسوعُ "صَديقي" بَلْ "صَديقُنا"، مُشيرًا إِلى شَرِكَةِ المَحَبَّةِ الَّتي تَجْمَعُهُ بِمُؤمِنيهِ. وَهٰذا يَكْشِفُ أَنَّ عَلاقَةَ المَسيحِ بِالإِنسانِ لا يَقْطَعُها المَوْتُ، بَلْ تَبْقى قائِمَةً في الحَياةِ وَبَعْدَها. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ تَسْمِيَةَ لَعازَرَ "صَديقًا" تُظْهِرُ "أَنَّ المَسيحَ لا يَنْسى أَحِبّاءَهُ حَتّى في المَوْتِ، بَلْ يَراهُمْ أَحْياءً لَدَيْهِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا عِبارَةُ "راقِدٌ" فَفِي الأَصْلِ اليونانِيِّ κεκοίμηται (أَيْ: نائِمٌ نَوْمًا طَويلًا)، وَهِيَ تَعْبيرٌ كِتابِيٌّ يُشيرُ إِلى المَوْتِ كَنَوْمٍ. وَهٰذا المَفْهومُ يَجِدُ صَداهُ عِنْدَ الرَّسولِ بُولُسَ: "تَنَبَّهْ أَيُّها النَّائِمُ (καθεύδων)، وَقُمْ مِن بَيْنِ الأَمْواتِ فَيُضِيءَ لَكَ المَسيح" (أَفَسُس 5: 14). فَالمَوْتُ، في ضَوْءِ الإِيمانِ، لَيْسَ نِهايَةً، بَلْ حالَةُ رُقادٍ تَنْتَظِرُ الإِيقاظَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "لا يُقالُ عَنِ القِدِّيسينَ إِنَّهُم أَمْواتٌ، بَلْ إِنَّهُم راقِدونَ، لأَنَّ المَوْتَ لَدَيْهِم لَيْسَ إِلّا نَوْمًا" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ جيروم المَعْنَى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: "الحَقيقَةُ أَنَّهُ لا يُقالُ عَنِ القِدِّيسينَ إِنَّهُم أَمْواتٌ، بَلْ إِنَّهُم راقِدونَ". وَقَدْ اسْتَعْمَلَ يَسوعُ نَفْسَ التَّعْبيرِ عِنْدَ إِقامَةِ ابْنَةِ يائيرُس: "الصَّبِيَّةُ لَمْ تَمُتْ، بَلْ هِيَ نائِمَةٌ (καθεύδει)» (مَتّى 9: 24)، مُقَدِّمًا فَهْمًا جَديدًا لِلمَوْتِ في ضَوْءِ القِيامَةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "وَلٰكِنِّي ذاهِبٌ لِأُوقِظَهُ" فَتُشيرُ إِلى قُدْرَةِ المَسيحِ السُّلطانِيَّةِ عَلى المَوْتِ، فَهُوَ لا يَتَحَدَّثُ عَنْ إِمْكانِيَّةٍ، بَلْ عَنْ عَمَلٍ حاسِمٍ سَيَقُومُ بِهِ. فَالإِيقاظُ هُنا لَيْسَ مَجازًا، بَلْ إِعلانٌ عَنْ سُلْطانِ الحَياةِ الَّذي يَمْلِكُهُ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري إِلى أَنَّ المَسيحَ "يَدْعُو المَوْتَ رُقادًا، لأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيُبْطِلُهُ وَيُعيدُ الحَياةَ لِلإِنسان"(تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰكَذا يَكْشِفُ هٰذا القَوْلُ عَنْ بُعْدٍ لاهوتِيٍّ عَميقٍ: فَالمَوْتُ في المَسيحِ لَيْسَ نِهايَةً، بَلْ رُقادٌ مُؤَقَّتٌ، وَالإِيمانُ يَحَوِّلُهُ إِلى رَجاءِ القِيامَةِ. فَالمَسيحُ الَّذي يَدْعو لَعازَرَ "نائِمًا"، هُوَ نَفْسُهُ الَّذي سَيُوقِظُهُ، وَهُوَ أَيْضًا الَّذي سَيُقِيمُ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
12 فَقالَ لَهُ تَلاميذُهُ: "يا رَبِّ، إِذا كانَ راقِدًا فَسَيَنْجو".
تُشيرُ عِبارَةُ "يا رَبِّ، إِذا كانَ راقِدًا فَسَيَنْجو" إِلى سُوءِ فَهْمِ التَّلاميذِ لِكَلامِ يَسوعَ، إِذْ فَهِموا "الرُّقادَ" بِمَعْناهُ الحِسِّيِّ، أَيْ النَّوْمِ الطَّبيعِيِّ الَّذي يَقودُ إِلى الشِّفاءِ، وَلَمْ يُدْرِكوا بَعْدُ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ المَوْتِ كَرُقادٍ. وَهٰذا يُظْهِرُ حُدودَ فَهْمِهِم أَمامَ العُمْقِ الرُّوحِيِّ لِكَلامِ المَسيحِ. وَلَيْسَ هٰذا الأَمْرُ غَريبًا في مَسيرَتِهِم مَعَ يَسوعَ، فَقَدْ أَساءوا الفَهْمَ في مَواقِفَ أُخْرى، مِثْلَ تَحْذيرِهِ مِنْ "خَميرَةِ الفَرِّيسِيّينَ" (مَتّى 16: 6)، حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنِ الخُبْزِ، وَمِثْلَ قَوْلِهِ عَنْ السَّيْفِ (لوقا 22: 38)، وَأَيْضًا عَنْ الطَّعامِ: "إِنَّ لي طَعامًا لِآكُلَ لا تَعرِفونَهُ" (يُوحَنَّا 4: 32). فَفِي كُلِّ هٰذِهِ الحَالاتِ، يَظْهَرُ التَّوَتُّرُ بَيْنَ الفَهْمِ الحَرْفِيِّ وَالمَعْنى الرُّوحِيِّ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ التَّلاميذَ "كانوا يَتَكَلَّمونَ حَسَبَ المَنْطِقِ البَشَرِيِّ، ظانِّينَ أَنَّ النَّوْمَ يَقودُ إِلى الشِّفاءِ، وَلَمْ يَفْهَموا بَعْدُ قُدْرَةَ المَسيحِ عَلى إِقامَةِ المَوْتى" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). كَما يُشيرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِلى أَنَّ "هٰذا الفَهْمَ الحَرْفِيَّ يَكْشِفُ ضَعْفَ الإِيمانِ الَّذي لَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ إِلى إِدْراكِ سِرِّ الحَياةِ وَالمَوْتِ في المَسيح"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). وَهٰكَذا يَكْشِفُ هٰذا النَّصُّ عَنْ مَرْحَلَةٍ تَعْليميَّةٍ في مَسيرَةِ التَّلاميذِ: فَهُمْ يَنْطَلِقونَ مِنْ مَنْطِقٍ بَشَرِيٍّ يَرَى في النَّوْمِ عَلامَةَ شِفاءٍ، بَيْنَما يَقودُهُم يَسوعُ نَحْوَ فَهْمٍ أَعْمَقَ، حَيْثُ يَصيرُ المَوْتُ نَفْسُهُ مَجالًا لِإِظْهارِ مَجْدِ اللهِ وَسُلْطانِ الحَياةِ. وَبِالتَّالي، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ الرُّوحِيَّةَ هِيَ أَنْ يَنْتَقِلَ الإِنسانُ مِنَ الفَهْمِ السَّطْحِيِّ إِلى الإِيمانِ العَميقِ، فَلا يَقِفَ عِنْدَ الظَّاهِرِ، بَلْ يَدْخُلَ إِلى سِرِّ كَلامِ المَسيحِ الَّذي يَكْشِفُ الحَياةَ الحَقيقِيَّةَ.
13 وَكانَ يَسوعُ يَتَكَلَّمُ عَنْ مَوْتِهِ، فَظَنُّوا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ رُقادِ النَّوْمِ.
تُشيرُ عِبارَةُ "فَظَنُّوا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ رُقادِ النَّوْمِ" إِلى سُوءِ الفَهْمِ القائِمِ بَيْنَ يَسوعَ وَتَلاميذِهِ، إِذْ لَمْ يُدْرِكوا المَعْنَى الرُّوحِيَّ لِكَلامِهِ، بَلْ فَسَّروهُ تَفْسيرًا حَرْفِيًّا. فَبَيْنَما كانَ المَسيحُ يَقْصِدُ بِـ"الرُّقادِ" المَوْتَ، ظَنُّوا أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ النَّوْمِ الطَّبيعِيِّ. وَيَتَدَخَّلُ الإِنجيليُّ هُنا لِيُوَضِّحَ المَعْنَى الحَقيقِيَّ، كاشِفًا أَنَّ كَلامَ يَسوعَ يَحْمِلُ بُعْدًا أَعْمَقَ مِنَ الفَهْمِ الظّاهِرِ. وَهٰذا النَّمَطُ مِنْ سُوءِ الفَهْمِ يُعَدُّ مِنَ السِّماتِ الأَدَبِيَّةِ وَاللّاهوتِيَّةِ البارِزَةِ في الإِنجيلِ الرّابِعِ، حَيْثُ يَنْطَلِقُ المُسْتَمِعونَ مِنْ فَهْمٍ حَرْفِيٍّ، لِيَقودَهُم يَسوعُ تَدْريجِيًّا إِلى الحَقيقَةِ الرُّوحِيَّةِ. وَنَجِدُ هٰذا الأُسْلوبَ في مَواضِعَ أُخْرى، مِثْلَ قَوْلِهِ عَنْ هَدْمِ الهَيْكَلِ وَبِنائِهِ (يُوحَنَّا 2: 20)، وَعَنِ المِياءِ الحَيَّةِ مَعَ السّامِرِيَّةِ (يُوحَنَّا 4: 15)، وَعَنِ الطَّعامِ الباقِي لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ (يُوحَنَّا 6: 27)، وَعَنِ ذَهابِهِ إِلى مَكانٍ لا يَسْتَطيعونَ أَنْ يَأْتوا إِلَيْهِ (يُوحَنَّا 7: 33–36). وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ "سُوءَ الفَهْمِ لَيْسَ نِهايَةَ الطَّريقِ، بَلْ بَدايَةُ التَّعْليمِ، حَيْثُ يَقودُ المَسيحُ السّامِعينَ مِنَ الظّاهِرِ إِلى العُمْقِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). وَكَذٰلِكَ يُشيرُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري إِلى أَنَّ "المَسيحَ يَسْتَعْمِلُ أَحْيانًا لُغَةً رَمْزِيَّةً، لِيَرْفَعَ الذِّهْنَ مِنَ المَعْنى الحِسِّيِّ إِلى الحَقيقَةِ الإِلٰهِيَّةِ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰكَذا يَكْشِفُ هٰذا النَّصُّ عَنْ مَسارٍ تَعْليميٍّ لاهوتِيٍّ: فَالمَسيحُ لا يَكْتَفي بِنَقْلِ المَعْلومةِ، بَلْ يَقودُ تَلاميذَهُ نَحْوَ تَحَوُّلٍ في الفَهْمِ، مِنَ الظّاهِرِ إِلى الباطِنِ، وَمِنَ الحَرْفِ إِلى الرُّوحِ. فَسُوءُ الفَهْمِ يُصْبِحُ مَدْخَلًا لِإِعلانِ الحَقيقَةِ، وَالطَّريقَ إِلى إِدْراكِ سِرِّ الحَياةِ وَالمَوْتِ في المَسيحِ.
14 فَقالَ لَهُمْ يَسوعُ عِندَئِذٍ صَراحَةً: "قَدْ ماتَ لَعازَر".
تُشيرُ عِبارَةُ "قَدْ ماتَ لَعازَر" إِلى زَوالِ الحَياةِ الجَسَدِيَّةِ عَنْهُ، وَهٰنا نَلْحَظُ أَنَّ يَسوعَ يَنْتَقِلُ مِنَ اللُّغَةِ الرَّمْزِيَّةِ إِلى التَّعْبيرِ الواضِحِ، فَيَسْتَبْدِلُ الكَلِمَةَ السّابِقَةَ "راقِدٌ" (κεκοίμηται) بِكَلِمَةِ "ماتَ" (ἀπέθανεν)، لأَنَّ التَّلاميذَ لَمْ يَفْهَموا قَصْدَهُ مِنَ التَّعْبيرِ الأَوَّلِ. فَيَسوعُ يُكاشِفُهُمْ الآنَ بِالحَقيقَةِ بِلا مَجازٍ، لِيَقودَهُمْ إِلى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِما سَيَحْدُثُ. وَيُبَيِّنُ هٰذا التَّحَوُّلُ فِي التَّعْبيرِ أُسْلوبًا تَعْليميًّا عِنْدَ المَسيحِ: فَهُوَ يَبْدَأُ بِاللُّغَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِيَرْفَعَ الذِّهْنَ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلى الوُضوحِ عِنْدَما يَتَطَلَّبُ الأَمْرُ ذٰلِكَ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسيحَ "قالَ ذٰلِكَ صَراحَةً، لأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَموا مَعْنَى الرُّقادِ، فَأَرادَ أَنْ يُزِيلَ عَنْهُمْ كُلَّ لَبْسٍ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَكَذٰلِكَ يُشيرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِلى أَنَّ "المَسيحَ يُعْلِنُ المَوْتَ صَراحَةً، لا لِيُثِيرَ اليَأْسَ، بَلْ لِيُهَيِّئَ القُلوبَ لِمُشاهَدَةِ قُدْرَتِهِ عَلى إِقامَةِ المَوْتى"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). وَهٰكَذا، فَإِنَّ هٰذا الإِعْلانَ الواضِحَ لِمَوْتِ لَعازَر لَيْسَ مُجَرَّدَ خَبَرٍ، بَلْ هُوَ تَهْيِئَةٌ لاهوتِيَّةٌ لِلمُعْجِزَةِ القادِمَةِ. فَالمَسيحُ يُواجِهُ التَّلاميذَ بِواقِعِ المَوْتِ، لِيُدْخِلَهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ في سِرِّ الحَياةِ. وَبِالتَّالي، فَإِنَّ الكَلِمَةَ "ماتَ" لا تَحْمِلُ هُنا طابِعَ النِّهايَةِ، بَلْ تُصْبِحُ نُقْطَةَ انْطِلاقٍ لِإِعلانِ مَجْدِ اللهِ، حَيْثُ سَيُظْهِرُ المَسيحُ سُلْطانَهُ عَلَى المَوْتِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ لَيْسَتْ لِلمَوْتِ، بَلْ لِلحَياةِ.
15 وَيَسُرُّني، مِنْ أَجْلِكُمْ، كَيْ تُؤْمِنوا، أَنِّي لَمْ أَكُنْ هُناك؛ فَلْنَمْضِ إِلَيْهِ!
تُشيرُ عِبارَةُ "وَيَسُرُّني" إِلى فَرَحِ المَسيحِ، لا بِمَوْتِ لَعازَر، بَلْ بِالثَّمَرَةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتي سَتَنْجُمُ عَنْ هٰذا الحَدَثِ، أَيْ تَثْبيتِ إِيمانِ التَّلاميذِ. فَفَرَحُهُ هُوَ فَرَحٌ خَلاصِيٌّ، يَنْبَعُ مِنْ رُؤْيَةِ إِيمانِهِم يَنْمو وَيَتَقَوّى عَبْرَ مُعايَنَةِ سُلْطانِهِ عَلَى المَوْتِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ «فَرَحَ الرَّبِّ لَمْ يَكُنْ بِمَوْتِ صَديقِهِ، بَلْ بِالإِيمانِ الَّذي سَيَتَوَلَّدُ في قُلوبِ التَّلاميذِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا عِبارَةُ "مِنْ أَجْلِكُمْ كَيْ تُؤْمِنوا" فَتُكْشِفُ الغايَةَ التَّعْليميَّةَ وَاللّاهوتِيَّةَ لِهٰذا الحَدَثِ، إِذْ يُعْلِنُ يَسوعُ أَنَّ ما سَيَحْدُثُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعْجِزَةٍ، بَلْ آيَةٌ تَهْدِفُ إِلى تَعْميقِ الإِيمانِ، وَتَهْيِئَةِ التَّلاميذِ لِما سَيُواجِهونَهُ مِنْ شَكٍّ أَمامَ آلامِهِ وَصَليبِهِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري إِلى أَنَّ "المَسيحَ سَمَحَ بِهٰذا الحَدَثِ لِيُثَبِّتَ إِيمانَ تَلاميذِهِ، وَيُظْهِرَ أَنَّهُ رَبُّ الحَياةِ وَالمَوْتِ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَبِهٰذا يَكْشِفُ يَسوعُ أَيْضًا سِرَّ تَأَخُّرِهِ عَنْ تَلْبِيَةِ نِداءِ مَرْتا وَمَرْيَم، فَلَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ إِهْمالًا، بَلْ تَدْبيرًا إِلٰهِيًّا، إِذْ كانَ مِنَ الضَّرورِيِّ أَنْ يَموتَ لَعازَر، لِيُعْلِنَ المَسيحُ سُلْطانَهُ عَلَى المَوْتِ أَمامَ التَّلاميذِ وَالجُموعِ.
أَمَّا عِبارَةُ "فَلْنَمْضِ إِلَيْهِ" فَتَحْمِلُ دَلالَةً لاهوتِيَّةً عَميقَةً، إِذْ لَمْ يَقُلْ "إِلى بَيْتِهِ" أَوْ "ِلى قَبْرِهِ"، بَلْ "إِلَيْهِ"، مُشِيرًا إِلى أَنَّ لَعازَرَ، وَإِنْ كانَ مَيِّتًا، لا يَزالُ حاضِرًا في عِلْمِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَأَنَّ المَوْتَ لا يُلْغِي الشَّخْصَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسيحَ "يَتَكَلَّمُ عَنْ لَعازَر كَأَنَّهُ حَيٌّ، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ سَيُعيدُهُ إِلى الحَياةِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰكَذا يَتَجَلّى أَنَّ المَسيحَ لا يَتَوَجَّهُ نَحْوَ المَوْتِ، بَلْ نَحْوَ الإِنسانِ الَّذي سَيُقيمُهُ مِنَ المَوْتِ. فَكَلِمَتُهُ "فَلْنَمْضِ إِلَيْهِ" هِيَ إِعْلانٌ مُسْبَقٌ عَنْ نَصْرِ الحَياةِ عَلَى المَوْتِ، وَدَعْوَةٌ لِلتَّلاميذِ لِيُشارِكوا في مُعايَنَةِ مَجْدِ اللهِ.
16 فَقالَ توما، الَّذي يُقالُ لَهُ التَّوأَمُ، لِسائِرِ التَّلاميذِ: «فَلْنَمْضِ نَحْنُ أَيْضًا لِنَموتَ مَعَهُ!".
تُشيرُ عِبارَةُ "توما"، وَهُوَ اسْمٌ آراميٌّ תּוֹמָא (مَعناهُ: التَّوأَمُ)، إِلى أَحَدِ الرُّسُلِ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَالَّذي يَظْهَرُ بِدَوْرٍ لاهوتِيٍّ مُمَيَّزٍ في إِنجيلِ يُوحَنَّا (يُوحَنَّا 21: 2). فَهُوَ التِّلميذُ الَّذي يَطْرَحُ أَسْئِلَةً جَوْهَرِيَّةً تَكْشِفُ عَنْ بَحْثِهِ الصّادِقِ عَنِ الحَقِّ، كَما في قَوْلِهِ: "يا رَبِّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَيْنَ تَذْهَب، فَكَيْفَ نَعرِفُ الطَّريق؟" (يُوحَنَّا 14: 5). وَهُوَ أَيْضًا الَّذي عُرِفَ بِتَرَدُّدِهِ وَشَكِّهِ بَعْدَ القِيامَةِ: "إِذا لَمْ أُبْصِرْ أَثَرَ المِسْمارَيْنِ... لَنْ أُؤْمِن" (يُوحَنَّا 20: 25)، مِمّا يُظْهِرُ شَخْصِيَّةً تَجْمَعُ بَيْنَ الجُرْأَةِ وَالضَّعْفِ الإِنْسانيِّ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَظْهَرُ توما في هٰذا المَوْقِفِ بِروحٍ مَلِيئَةٍ حُبًّا وَغَيْرَةً وَوَفاءً، إِذْ يَدْعو سائرَ التَّلاميذِ قائلًا: "فَلْنَمْضِ نَحْنُ أَيْضًا لِنَموتَ مَعَهُ!". فَهُوَ يَفْهَمُ أَنَّ العَوْدَةَ إِلى اليَهودِيَّةِ تَعْني خَطَرَ المَوْتِ، لِذٰلِكَ يَرى أَنَّ الوَفاءَ لِلمَسيحِ يَقْتَضِي مُشارَكَتَهُ مَصيرَهُ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ توما "لَمْ يَقُلْ هٰذا عَنْ يَأْسٍ، بَلْ عَنْ مَحبَّةٍ صادِقَةٍ، إِذْ أَرادَ أَنْ لا يَتْرُكَ مُعَلِّمَهُ وَحْدَهُ في الخَطَرِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَكَذٰلِكَ يَرَى القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ كَلامَ توما "يُظْهِرُ شَجاعَةَ التِّلميذِ، لكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ يَفْهَمُ سِرَّ الحَياةِ الَّذي سَيُعْلِنُهُ المَسيحُ"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا عِبارَةُ "لِنَموتَ مَعَهُ" فَتَحْمِلُ بُعْدًا تَلمِيذيًّا عَميقًا، إِذْ تُشيرُ إِلى دَعْوَةِ المَسيحِ لِمُشارَكَتِهِ في مَصيرِهِ، كَما قالَ: "مَنْ أَحَبَّ حَياتَهُ فَقَدَها، وَمَنْ أَبْغَضَها في هٰذا العالَمِ حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ" (يُوحَنَّا 12: 25). فَالتِّلمِيذُ الحَقيقيُّ مَدْعوٌّ أَنْ يُوَحِّدَ حَياتَهُ بِحَياةِ مُعَلِّمِهِ، حَتّى إِلى حَدِّ بَذْلِ الذّاتِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَكْشِفُ السِّياقُ الإِنجيليُّ عَنْ مَفارَقَةٍ عَميقَةٍ: فَتوما الَّذي يُظْهِرُ هٰنا شَجاعَةً وَاسْتِعدادًا لِلمَوْتِ، سَيَضْعُفُ أَمامَ واقِعِ الآلامِ، وَسَيَشُكُّ بَعْدَ القِيامَةِ. وَهٰذا يُبَيِّنُ أَنَّ الحَماسَ البَشَرِيَّ، وَإِنْ كانَ صادِقًا، يَحْتاجُ إِلى نِعْمَةٍ لِيَبْلُغَ كَمالَهُ في الإِيمانِ. وَيَلْمَحُ الإِنجيليُّ يُوحَنَّا، مِنْ خِلالِ هٰذا القَوْلِ، إِلى بُعْدٍ أَعْمَقَ: فَالمَسيرَةُ إِلى بَيْتِ عَنْيا لَيْسَتْ فَقَطْ نَحْوَ قَبْرِ لَعازَر، بَلْ هِيَ أَيْضًا مَسيرَةٌ نَحْوَ مَوْتِ يَسوعَ نَفْسِهِ. فَإِقامَةُ لَعازَر سَتُصْبِحُ السَّبَبَ المُباشِرَ لِقَرارِ قَتْلِهِ (يُوحَنَّا 11: 47–53). وَهٰكَذا يَلْتَقي مَوْتُ لَعازَر بِمَوْتِ المَسيحِ في سِرِّ واحِدٍ: أَنَّ الطَّريقَ إِلى الحَياةِ يَمُرُّ عَبْرَ المَوْتِ. وَبِالتَّالي، فَكَلِمَةُ توما "لِنَموتَ مَعَهُ"، وَإِنْ قيلَتْ بِمَنْطِقٍ بَشَرِيٍّ، تَحْمِلُ في عُمْقِها حَقيقَةً لاهوتِيَّةً: أَنَّ الشَّرِكَةَ مَعَ المَسيحِ تَتَطَلَّبُ الدُّخولَ مَعَهُ في سِرِّ الصَّليبِ، لِنَبْلُغَ مَعَهُ إِلى مَجْدِ القِيامَةِ.
17 فَلَمَّا وَصَلَ يَسوعُ وَجَدَ أَنَّهُ في القَبْرِ مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
تُشيرُ عِبارَةُ "فَلَمَّا وَصَلَ يَسوعُ" إِلى وُصولِهِ مِنْ بَيْتِ عَنْيا عَبْرَ الأُرْدُنِّ إِلى بَيْتِ عَنْيا القَريبَةِ مِنْ أُورَشَليمَ (العَيْزَرِيَّة)، وَهِيَ مَسافَةٌ تُقْطَعُ في نَحْوِ يَوْمٍ واحِدٍ. وَيُلاحَظُ أَنَّ يَسوعَ لَمْ يَدْخُلِ القَرْيَةَ مُباشَرَةً، بَلْ بَقِيَ خارِجَها، كَما يَذْكُرُ الإِنجيليُّ لاحِقًا (يُوحَنَّا 11: 20، 30)، فِي دَلالَةٍ عَلى وَقْفَةٍ مَقْصودَةٍ تَمْهيدًا لِلِّقاءِ مَعَ مَرْتا وَمَرْيَم وَإِعلانِ المَعْجِزَةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ لَعازَرَ كانَ في القَبْرِ مُدَّةً كامِلَةً بَعْدَ وَفاتِهِ، إِذْ كانَ الدَّفْنُ يَتِمُّ في اليَوْمِ نَفْسِهِ، كَما تُصَرِّحُ مَرْتا: "لَقَدْ أَنْتَنَ، فَهٰذا يَوْمُهُ الرَّابِع" (يُوحَنَّا 11: 39). وَهٰذا يُؤَكِّدُ حَقيقَةَ المَوْتِ وَيَنْفي أَيَّ شَكٍّ في أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ إِغْماءٍ أَوْ نَوْمٍ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّهُ "كانَ عِنْدَ اليَهودِ اعْتِقادٌ بِأَنَّ النَّفْسَ تَبْقى قُرْبَ الجَسَدِ ثَلاثَةَ أَيّامٍ، أَمَّا في اليَوْمِ الرّابِعِ فَتُفارِقُهُ نِهائيا، لِذٰلِكَ أَرادَ المَسيحُ أَنْ يُقِيمَهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ لِيُظْهِرَ سُلْطانَهُ الكامِلَ عَلَى المَوْتِ"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). َكَذٰلِكَ تَدُلُّ هٰذِهِ المُدَّةُ الزَّمَنِيَّةُ عَلى التَّسَلْسُلِ التَّارِيخِيِّ لِلأَحْداثِ: فَهُناكَ يَوْمٌ لِوُصولِ الخَبَرِ مِنْ بَيْتِ عَنْيا إِلى عَبْرِ الأُرْدُنِّ، وَيَوْمانِ مَكَثَ فيهِما يَسوعُ هُناكَ، ثُمَّ يَوْمُ السَّفَرِ إِلى بَيْتِ عَنْيا، فَيَكْتَمِلُ الأَرْبَعَةُ أَيّامٍ. وَهٰذا التَّفْصيلُ يُبْرِزُ دِقَّةَ الرِّوايَةِ وَعُمْقَ التَّدْبيرِ الإِلٰهِيِّ في تَوْقيتِ الحَدَثِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ التَّأَخُّرَ "لَمْ يَكُنْ صُدْفَةً، بَلْ لِكَيْ يَكُونَ المَوْتُ واضِحًا لِلجَميعِ، وَتَكونَ المُعْجِزَةُ أَعْظَمَ"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰكَذا، فَإِنَّ عِبارَةَ "مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ" لا تَحْمِلُ بُعْدًا زَمَنِيًّا فَقَطْ، بَلْ دَلالَةً لاهوتِيَّةً عَميقَةً: فَالمَسيحُ يَأْتي عِنْدَما يَبْدو كُلُّ رَجاءٍ مَفْقودًا، لِيُظْهِرَ أَنَّ سُلْطانَهُ يَتَجاوَزُ كُلَّ حُدودِ الطَّبيعةِ. فَحَيْثُ يَبْلُغُ الإِنسانُ نِهايَتَهُ، هُناكَ يَبْدَأُ عَمَلُ اللهِ.
18 وَبَيْتُ عَنْيا قَريبَةٌ مِنْ أُورَشَليمَ، عَلَى نَحْوِ خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً.
تُشيرُ عِبارَةُ "وَبَيْتُ عَنْيا قَريبَةٌ مِنْ أُورَشَليمَ"، في الأَصْلِ اليونانيِّ: ἦν δὲ ἡ Βηθανία ἐγγὺς τῶν Ἱεροσολύμων ("كانَتْ بَيْتُ عَنْيا قَريبَةً مِنْ أُورَشَليم")، إِلى مَعْرِفَةِ الإِنجيليِّ يُوحَنَّا الدَّقيقَةِ بِالجُغْرافيا، وَإِلى أَنَّهُ يَكْتُبُ لِقُرّاءِ لَيْسوا مِن أَهْلِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، لِذٰلِكَ يَشْرَحُ لَهُمْ مَوْقِعَ القَرْيَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلى أُورَشَليمَ.
أَمَّا اسْتِعْمالُ الفِعْلِ "كانَتْ" (ἦν)، فَيُشيرُ إِلى بُعْدٍ زَمَنِيٍّ عِنْدَ كِتابَةِ الإِنجيلِ، إِذْ يَكْتُبُ يُوحَنَّا بَعْدَ خَرابِ أُورَشَليمَ سَنَةَ 70 م، فَيَسْتَعيدُ الوَصْفَ الجُغْرافيَّ لِمَكانٍ كانَ مَعْروفًا قَبْلَ ذٰلِكَ.
أَمَّا عِبارَةُ "عَلَى نَحْوِ خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً"، فَتُشيرُ إِلى مِقْدارِ المَسافَةِ بَيْنَ بَيْتِ عَنْيا وَأُورَشَليمَ. وَالغَلْوَةُ (في الأَصْلِ اليونانيِّ: σταδίων) هِيَ وِحْدَةُ قِياسٍ قَديمَةٌ تُقَدَّرُ بِنَحْوِ 184 مِترًا، وَبِذٰلِكَ تَكونُ المَسافَةُ نَحْوَ ثَلاثَ كيلومتراتٍ تَقْريبًا، أَيْ مَسيرَةَ ثُلُثَي ساعَةٍ سَيْرًا عَلى الأَقْدامِ. وَفِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، تُسْتَعْمَلُ "الغَلْوَةُ" لِلدَّلالَةِ عَلى مَسافَةِ رَمْيِ السَّهْمِ، أَيْ أَبْعَدِ مَدى يَبْلُغُهُ، وَهُوَ تَعْبيرٌ يُقَرِّبُ المَعْنى إِلى الذِّهْنِ. وَقَدِ اسْتُعْمِلَ هٰذا المِقْياسُ في العَهْدِ الجَديدِ في مَواضِعَ عِدَّةٍ، مِثْلًا: فِي بَحْرِ طَبَرِيَّةَ، إِذْ رَأَى التَّلاميذُ يَسوعَ سائِرًا عَلَى الماءِ بَعْدَ مَسافَةٍ تُقارِبُ ثَلاثينَ غَلْوَةً (يُوحَنَّا 6: 19). وَكانَتْ عِمْواسُ تَبْعُدُ عَنْ أُورَشَليمَ نَحْوَ سِتّينَ غَلْوَةً (لوقا 24: 13). وَفِي سِفْرِ الرُّؤْيا، يَرِدُ ذِكْرُ أَلْفٍ وَسِتِّمِئَةِ غَلْوَةٍ (رؤيا 14: 20). وَهٰكَذا، فَإِنَّ هٰذا التَّفْصيلَ الجُغْرافيَّ لَيْسَ ثانَوِيًّا، بَلْ يَحْمِلُ دَلالَةً لاهوتِيَّةً: فَقُرْبُ بَيْتِ عَنْيا مِنْ أُورَشَليمَ يَجْعَلُ حَدَثَ إِقامَةِ لَعازَر قَريبًا مِنْ مَرْكَزِ السُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ، وَبِالتَّالي سَيُؤَدّي مُباشَرَةً إِلى تَسْريعِ قَرارِ قَتْلِ يَسوعَ. فَالمَسافَةُ الجُغْرافيَّةُ القَصيرَةُ تَكْشِفُ عَنْ قُرْبِ السَّاعَةِ الخَلاصيَّةِ.
19 فَكانَ كَثيرٌ مِنَ اليَهودِ قَدْ جاؤوا إِلى مَرْتا وَمَرْيَمَ يُعَزُّونَهُما عَنْ أَخيهِما.
تُشيرُ عِبارَةُ "كَثيرٌ مِنَ اليَهودِ" في سِياقِ إِنجيلِ يُوحَنَّا إِلى جَماعَةٍ مِنْ أَهْلِ أُورَشَليمَ، وَلا سِيَّما مِنَ الوُجوهِ الدِّينِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ، الَّذينَ كانَ بَعْضُهُمْ مِنَ المُعارِضينَ لِيَسوعَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَقَدْ جاؤوا لِتَقديمِ التَّعْزِيَةِ، لا لِقَرابَةٍ عائِلِيَّةٍ ضَرورَةً، بَلْ أَيْضًا بِحُكْمِ العُرْفِ الاجْتِماعِيِّ وَالواجِبِ الدِّينِيِّ. وَيُلاحَظُ أَنَّ قُرْبَ بَيْتِ عَنْيا مِنْ أُورَشَليمَ (يُوحَنَّا 11: 18) سَهَّلَ حُضورَ عَدَدٍ كَبيرٍ مِنَ المُعَزّينَ.
أَمَّا عِبارَةُ "يُعَزُّونَهُما" فَتُشيرُ إِلى طَقْسِ التَّعْزِيَةِ عِنْدَ اليَهودِ، وَهُوَ طَقْسٌ كانَ يَتَّسِمُ بِالاسْتِمْرارِيَّةِ وَالجَماعِيَّةِ. فَالحِدادُ كانَ يَمْتَدُّ نَحْوَ ثَلاثينَ يَوْمًا، وَيَنْقَسِمُ إِلى مَراحِلَ: الثَّلاثَةُ الأَيّامِ الأُولى: وَتُسَمّى أَيّامَ الحُزْنِ الشَّديدِ، حَيْثُ يَكونُ الأَلَمُ في ذِرْوَتِهِ. سَبْعَةُ أَيّامٍ تَليها: وَتُعْرَفُ بِـ أَيّامِ المَراثي، وَفيها تُمارَسُ طُقوسٌ تَعْبيرِيَّةٌ عَنِ الحُزْنِ. ثُمَّ تَسْتَمِرُّ بَقِيَّةُ المُدَّةِ حَتّى اِكْتِمالِ الثَّلاثينَ يَوْمًا، مَعَ بَعْضِ القُيودِ الاجْتِماعِيَّةِ. وَكانَ أَهْلُ المَيِّتِ في هٰذِهِ الفَتْرَةِ يَمْتَنِعونَ عَنِ الأَعْمالِ اليَوْمِيَّةِ، وَلا يَرُدّونَ التَّحِيَّةَ في الأَيّامِ الأُولى، وَيُظْهِرونَ حُزْنَهُمْ بِعَلاماتٍ خارِجِيَّةٍ: كَالجُلوسِ عَلَى الأَرْضِ، وَتَرْكِ الاِغْتِسالِ وَالتَّطَيُّبِ، وَتَغْطِيَةِ الرُّؤوسِ، وَعَدَمِ تَغْييرِ الثِّيابِ أَوْ إِصْلاحِها إِذا تَمَزَّقَتْ أَثْناءَ الجَنازَةِ. وَيُشيرُ هٰذا الحُضورُ الكَثيفُ لِلمُعَزّينَ إِلى أَنَّ بَيْتَ مَرْتا وَمَرْيَمَ كانَ مَعْروفًا وَمُقَدَّرًا في المُجْتَمَعِ، وَإِلى أَنَّ الحَدَثَ لَمْ يَكُنْ خاصًّا بِالعائِلَةِ فَقَطْ، بَلْ أَصْبَحَ شَأْنًا جَماعِيًّا. وَهٰذا يُمَهِّدُ لِبُعْدٍ لاهوتِيٍّ هامٍّ: فَالمُعْجِزَةُ الَّتي سَيُجْريها يَسوعُ لَنْ تَكونَ في الخَفاءِ، بَلْ أَمامَ جُموعٍ كَثيرَةٍ، مِمّا سَيَجْعَلُها شَهادَةً علنيَّةً تُساهِمُ في إِيمانِ البَعْضِ، وَفي تَصْميمِ الآخَرينَ عَلَى رَفْضِهِ (يُوحَنَّا 11: 45–53). وَهٰكَذا، فَإِنَّ عِبارَةَ "يُعَزُّونَهُما" لا تَدُلُّ فَقَطْ عَلى تَعاطُفٍ إِنْسانيٍّ، بَلْ تَكْشِفُ أَيْضًا عَنْ السِّياقِ الاجْتِماعِيِّ الَّذي سَيَتَحَوَّلُ إِلى مَسْرَحٍ لِإِعْلانِ مَجْدِ اللهِ في إِقامَةِ لَعازَر.
20 فَلَمَّا سَمِعَتْ مَرْتا بِقُدومِ يَسوعَ خَرَجَتْ لِاسْتِقْبالِهِ، في حينِ أَنَّ مَرْيَمَ ظَلَّتْ جالِسَةً في البَيْتِ.
تُشيرُ عِبارَةُ "فَلَمَّا سَمِعَتْ مَرْتا… خَرَجَتْ لِاسْتِقْبالِهِ" إِلى مُبادَرَةِ مَرْتا وَنَشاطِها، إِذْ إِنَّها، كَما يَظْهَرُ في الإِنجيلِ (لوقا 10: 40)، كانَتِ الأَكْبَرَ سِنًّا، وَالمَسؤولةَ عَنْ تَدبيرِ شُؤونِ البَيْتِ. فَخُروجُها يُعَبِّرُ عَنْ شَخْصِيَّتِها العَمَليَّةِ وَاندِفاعِها نَحْوَ اللِّقاءِ، وَهُوَ أَيْضًا تَعْبيرٌ عَنْ إِيمانٍ، وَإِنْ كانَ مَشوبًا بِالأَلَمِ، إِذْ تَتَوَجَّهُ إِلى يَسوعَ في وَسَطِ مِحْنَتِها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ مَرْتا "تُمَثِّلُ الحَياةَ النَّشيطَةَ، أَمَّا مَرْيَمُ فَتُمَثِّلُ الحَياةَ التَّأمُّليَّةَ"، وَكَأَنَّ الإِنجيلَ يُظْهِرُ تَكامُلَ البُعْدَيْنِ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا عِبارَةُ "أَنَّ مَرْيَمَ ظَلَّتْ جالِسَةً في البَيْتِ" فَتُشيرُ إِلى طَبيعَتِها الهَادِئَةِ التَّأمُّليَّةِ، كَما يَتَّضِحُ في لوقا 10: 39، حَيْثُ كانَتْ تَجْلِسُ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسوعَ وَتَسْمَعُ كَلامَهُ. وَهٰنا تَبْقى في البَيْتِ مَعَ المُعَزّينَ، فِي وَضْعِيَّةِ حُزْنٍ وَصَمْتٍ.
وَيُفْهَمُ "الجُلوسُ" هُنا كَعَلامَةِ أَلَمٍ داخِلِيٍّ وَنَوْعٍ مِنَ الاِسْتِسْلامِ لِلوَاقِعِ، إِذْ لَمْ تَعُدْ قادِرَةً عَلَى المُبادَرَةِ، فَبَقِيَتْ في مَكانِها تَحْتَ وَطْأَةِ الحُزْنِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ مَرْيَمَ "لَمْ تَخْرُجْ لِأَنَّ الحُزْنَ كانَ يُثْقِلُها، أَمَّا مَرْتا فَانْدَفَعَتْ نَحْوَ الرَّبِّ بِإِيمانٍ"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰكَذا يَكْشِفُ الإِنجيليُّ عَنْ تَبايُنٍ جَميلٍ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ: فَمَرْتا تَخْرُجُ نَحْوَ المَسيحِ في حَرَكَةٍ وَإِيمانٍ، أَمَّا مَرْيَمُ فَتَبْقى في صَمْتٍ وَحُزْنٍ، لَكِنَّ كِلْتاهُما تَلْتَقِيانِ في الحاجَةِ إِلى حُضورِ المَسيحِ. وَمِنْ هٰذا المَنْظورِ، فَإِنَّ النَّصَّ لا يُقَدِّمُ تَفْضيلًا بَيْنَ الشَّخْصِيَّتَيْنِ، بَلْ يُظْهِرُ أَنَّ الإِيمانَ يُعاشُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ: بِالحَرَكَةِ وَالخِدْمَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَبِالصَّمْتِ وَالتَّأمُّلِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَفي كِلْتَي الحَالَتَيْنِ، يَبْقى المَسيحُ هُوَ الجَوَابُ عَلَى أَلَمِ الإِنسانِ وَرَجائِهِ.
21 فَقالَتْ مَرْتا لِيَسوعَ: "يا رَبُّ، لَوْ كُنْتَ هٰهُنا لَما ماتَ أَخي".
تُشيرُ عِبارَةُ "يا رَبُّ، لَوْ كُنْتَ هٰهُنا لَما ماتَ أَخي" إِلى كَلامٍ يَحْمِلُ في طَيّاتِهِ عِتابًا رَقِيقًا، مَشوبًا بِإِيمانٍ وَرَجاءٍ. فَمَرْتا لا تُنْكِرُ قُدْرَةَ يَسوعَ، بَلْ تُعَبِّرُ عَنْ ثِقَتِها بِسُلطانِهِ عَلَى المَرَضِ، وَإِيمانِها بِأَنَّ حُضورَهُ كانَ كَفيلًا بِمَنْعِ المَوْتِ عَنْ أَخيها. إِنَّهُ إِيمانٌ حَقيقيٌّ، لٰكِنَّهُ ما زالَ مَحْصورًا في حُضورٍ مَكانيٍّ، أَيْ أَنَّ مَرْتا تَرَى أَنَّ قُدْرَةَ المَسيحِ تَرْتَبِطُ بِوُجودِهِ الجَسَديِّ. وَهُنا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَها وَبَيْنَ إِيمانِ قائِدِ المِئَةِ، الَّذي آمَنَ بِأَنَّ كَلِمَةَ المَسيحِ تَتَجاوَزُ الحُدودَ المَكانيَّةَ، قائلًا: " يا رَبُّ، لَسْتُ أَهْلًا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، وَلٰكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ خادِمي" (متى 8: 8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس النيصّي قائِلًا: "لَمّا كانَ يَسوعُ، وَهُوَ الحَياةُ، غائِبًا، تَسَلَّطَ المَوْتُ عَلَى لَعازَر". وَيُفْهَمُ مِنْ هٰذا أَنَّ الحَياةَ الحَقيقيَّةَ مُرْتَبِطَةٌ بِحُضورِ المَسيحِ، وَأَنَّ غِيابَهُ الظَّاهِريَّ يَكْشِفُ هَشاشَةَ الإِنسانِ أَمامَ المَوْتِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَكَلِمَةُ مَرْتا لا تَقِفُ عِنْدَ حَدِّ العِتابِ، بَلْ تَفْتَحُ بَابَ الرَّجاءِ، إِذْ إِنَّها تَتَوَجَّهُ إِلى يَسوعَ وَتُخاطِبُهُ بِلَقَبِ "يا رَبُّ"، مُعْلِنَةً إِيمانَها بِسُلطانِهِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّها "لَمْ تَقُلْ هٰذا لِتَشْتَكي، بَلْ لِتُظْهِرَ ثِقَتَها بِأَنَّ المَسيحَ كانَ قادِرًا عَلَى شِفائِهِ"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰكَذا يَطْرَحُ النَّصُّ سُؤالًا لاهوتيًّا عَميقًا: هَلْ يَسْتَطيعُ المَوْتُ أَنْ يَكْسِرَ عَلاقَةَ المَحَبَّةِ بَيْنَ المَسيحِ وَأَحِبّائِهِ؟ وَسَيُجيبُ يَسوعُ عَنْ هٰذا السُّؤالِ، لا بِالكَلِماتِ فَقَطْ، بَلْ بِالفِعْلِ، حِينَ يُعْلِنُ أَنَّ المَحَبَّةَ الإِلٰهِيَّةَ أَقْوَى مِنَ المَوْتِ، وَأَنَّ الصَّداقَةَ مَعَهُ لا يَقْدِرُ القَبْرُ أَنْ يُنْهيَها. غِيَابُ الرَّبِّ هُوَ بِمِثَابَةِ غِيَابِ الحَيَاةِ. أَمَّا حُضُورُهُ، فَهُوَ القِيَامَةُ المُسْتَمِرَّةُ فِي قَلْبِ الإِنسَانِ.
22 وَلٰكِنِّي ما زِلْتُ أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ ما تَسْأَلُ اللهَ، فَاللهُ يُعْطِيكَ إِيَّاهُ".
تُشيرُ عِبارَةُ "وَلٰكِنِّي ما زِلْتُ أَعْلَمُ" إِلى تَجَدُّدِ الإِيمانِ في قَلْبِ مَرْتا بَعْدَ عِتابِها السّابِقِ، فَهِيَ تَنْتَقِلُ مِنَ الحُزْنِ إِلى الرَّجاءِ، وَمِنَ الأَلَمِ إِلى الثِّقَةِ. وَالفِعْلُ "أَعْلَمُ" لا يَدُلُّ هُنا عَلى مَعْرِفَةٍ نَظَرِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ عَلى إِيمانٍ شَخْصِيٍّ حَيٍّ بِقُدْرَةِ اللهِ العامِلَةِ في يَسوعَ.
أَمَّا عِبارَةُ "أَنَّ كُلَّ ما تَسْأَلُ اللهَ، فَاللهُ يُعْطِيكَ إِيَّاهُ" فَتُعَبِّرُ عَنْ إِدْراكٍ لِعَلاقَةٍ خاصَّةٍ بَيْنَ يَسوعَ وَالآبِ، إِذْ تَرَى مَرْتا في يَسوعَ رَجُلَ اللهِ الَّذي تُسْتَجابُ صَلَواتُهُ، كَما كانَ الأَنْبِياءُ في العَهْدِ القَديمِ، مِثْلُ إِيليّا وَأَليشَع، الَّذينِ صَنَعَ اللهُ عَجائِبَ عَظيمةً بِصَلَواتِهِم. وَهٰذا يَتَّفِقُ مَعَ المبدأ الكِتابِيِّ: "اللهُ يَسْتَجيبُ لِمَنِ اتَّقاهُ وَعَمِلَ بِمَشيئَتِهِ" (يُوحَنَّا 9: 31). وَيُشيرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِلى أَنَّ مَرْتا "لَمْ تَصِلْ بَعْدُ إِلى مِلْءِ الإِيمانِ، لٰكِنَّها بَدَأَتْ تَتَقَدَّمُ، فَاعْتَرَفَتْ بِأَنَّ اللهَ يَعْمَلُ في المَسيحِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). وَكَذٰلِكَ يُوَضِّحُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ هٰذِهِ الكَلِماتِ "تُظْهِرُ إِيمانًا لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، إِذْ إِنَّها ما زالَتْ تَرَى المَسيحَ كَوَسيطٍ يَطْلُبُ مِنَ اللهِ، لا كَالاِبْنِ الَّذي لَهُ سُلْطانُ الحَياةِ في ذاتِهِ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَكَلِمَةُ مَرْتا تَكْشِفُ عَنْ انْفِتاحٍ عَميقٍ عَلَى عَمَلِ اللهِ، وَعَنْ رَجاءٍ يَتَجاوَزُ الوَاقِعَ الحاضِرَ. فَهِيَ، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ بَعْدُ مِلْءَ الحَقيقَةِ، إِلّا أَنَّها تَضَعُ ثِقَتَها في يَسوعَ، وَتَنْتَظِرُ مِنْهُ عَمَلًا إِلٰهِيًّا. وَهٰكَذا، فَإِنَّ هٰذِهِ العِبارَةَ تُمَثِّلُ خُطْوَةً أُولى في مَسيرَةِ الإِيمانِ: إِيمانٌ يَبْدَأُ بِالثِّقَةِ، وَيَنْمو نَحْوَ الاِكْتِشافِ، حَتّى يَبْلُغَ الإِعلانَ الكامِلَ بِأَنَّ يَسوعَ لَيْسَ فَقَطْ طَالِبًا مِنَ اللهِ، بَلْ هُوَ رَبُّ الحَياةِ نَفْسُهُ.
23 فَقالَ لَها يَسوعُ: "سَيَقومُ أَخوكِ".
تُشيرُ عِبارَةُ "سَيَقومُ أَخوكِ" إِلى تَأكيدٍ إِلٰهيٍّ صادِرٍ عَنْ يَسوعَ، يَحْمِلُ في ذاتِهِ قُوَّةَ التَّحقيقِ. فَكَلِمَةُ المَسيحِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَعْدٍ، بَلْ هِيَ فِعْلٌ خَلّاقٌ، إِذْ إِنَّ ما يَنطِقُ بِهِ يَتَحَقَّقُ، كَما في كَلِمَةِ الخَلْقِ الإِلٰهيَّةِ الَّتي تُوجِدُ ما تَقُولُهُ. وَقَدْ تَعَمَّدَ يَسوعُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ، مِنْ دونِ أَنْ يُحَدِّدَ الزَّمَنَ أَوِ الكَيْفِيَّةَ، لِيُدْخِلَ مَرْتا في مَسيرَةِ إِيمانٍ أَعْمَقَ، وَيَدْعُوَها إِلى الاِنْتِقالِ مِنَ الفَهْمِ البَشَرِيِّ إِلى الثِّقَةِ الكامِلَةِ بِشَخْصِهِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ المَسيحَ "لَمْ يُفْصِحْ عَنِ الأَمْرِ كُلِّهِ، بَلْ قالَ ذٰلِكَ لِيُهَيِّئَها لِلإِيمانِ الأَعْظَمِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). أَمَّا القِدِّيسُ أوغسطينوس فَيُوَضِّحُ أَنَّ هٰذِهِ الكَلِمَةَ "تَحْمِلُ مَعْنَيَيْنِ: القِيامَةَ العَتيدَةَ في اليَوْمِ الأَخيرِ، وَالقِيامَةَ القَريبَةَ الَّتي سَيُجْريها المَسيحُ حالًا" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). وَهٰكَذا، فَإِنَّ قَوْلَ يَسوعَ "سَيَقومُ أَخوكِ" يَفْتَحُ أُفُقًا مُزْدَوِجًا: أُفُقًا إِسخاتولوجيًّا (أُخْرَوِيًّا)، يُشيرُ إِلى القِيامَةِ العامَّةِ. وَأُفُقًا حاضِرًا، يَسْتَعِدُّ لِلتَّحَقُّقِ في مَعْجِزَةِ إِقامَةِ لَعازَر. إِنَّهُ كَلامٌ يَحْمِلُ في طَيّاتِهِ رَجاءً، لٰكِنَّهُ أَيْضًا دَعْوَةٌ إِلى تَعْميقِ الإِيمانِ: فَلَيْسَ المَطْلوبُ أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ وَمَتى، بَلْ أَنْ نَثِقَ بِالَّذي يَقُولُ. فَالإِيمانُ الحَقيقيُّ لا يَقومُ عَلى تَفاصِيلِ التَّحْقيقِ، بَلْ عَلى الثِّقَةِ بِشَخْصِ المَسيحِ، الَّذي كَلِمَتُهُ حَياةٌ.
24 قالَتْ لَهُ مَرْتا: "أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقومُ في القِيامَةِ في اليَوْمِ الأَخيرِ".
تُشيرُ عِبارَةُ "أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقومُ في القِيامَةِ في اليَوْمِ الأَخيرِ" إِلى إِيمانِ مَرْتا بِعَقيدَةِ القِيامَةِ العامَّةِ، وَهُوَ إِيمانٌ كانَ مُنْتَشِرًا في البِيئَةِ اليَهودِيَّةِ، لا سِيَّما عِنْدَ الفِرِّيسِيّينَ، الَّذينَ أَقَرّوا بِقِيامَةِ الأَمْواتِ في نِهايَةِ الأَزْمِنَةِ، في يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ. وَيَجِدُ هٰذا الرَّجاءُ أُصولَهُ في نُصوصِ العَهْدِ القَديمِ وَالأَدَبِ اليَهودِيِّ اللاحِقِ، حَيْثُ يُعْلَنُ أَنَّ اللهَ يُقيمُ الأَبْرارَ لِلحَياةِ، كَما في سِفْرِ سفر دانيال: "وَكَثيرونَ مِنَ الرَّاقِدينَ في تُرابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظونَ، بَعْضُهُمْ لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ" (دانيال 12: 2)، وذٰلك في سفر المكابيين الثاني (7: 23)، حَيْثُ يَتَجَلّى الإِيمانُ بِإِعادَةِ الحَياةِ مِنْ قِبَلِ اللهِ. وَقَدْ تَعَزَّزَ هٰذا التَّعليمُ في الفِكْرِ اليَهودِيِّ بَعْدَ السَّبْيِ، وَظَهَرَ أَيْضًا في الكِتاباتِ التَّقليديَّةِ، مِثْلَ ما نَجِدُ عِنْدَ يوسيفوس فلافيوس، الَّذي يَشْهَدُ بِأَنَّ الفِرِّيسِيّينَ كانُوا يُؤْمِنونَ بِالقِيامَةِ، فِي حِينِ أَنَّ الصَّدّوقيّينَ كانُوا يُنْكِرونَها. وَهٰكَذا، فَإِنَّ كَلامَ مَرْتا يُعَبِّرُ عَنْ إِيمانٍ صَحيحٍ، لٰكِنَّهُ ما زالَ مَحْصورًا في أُفُقٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ (إِسخاتولوجيٍّ)، إِذْ تَرَى القِيامَةَ كَحَدَثٍ سَيَقَعُ في "اليَوْمِ الأَخيرِ" دُونَ أَنْ تُدْرِكَ بَعْدُ أَنَّ الحَياةَ وَالقِيامَةَ حاضِرَتانِ في شَخْصِ يَسوعَ نَفْسِهِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ مَرْتا "قالَتِ الحَقَّ، لٰكِنَّها لَمْ تَبْلُغْ بَعْدُ إِلى عُمْقِ السِّرِّ، لأَنَّ الَّذي يَقِفُ أَمامَها هُوَ نَفْسُهُ القِيامَةُ وَالحَياةُ"(تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَمِنْ هٰذا المُنْطَلَقِ، يَأْتي جَوابُ يَسوعَ اللاحِقُ لِيَنْقُلَها مِنْ إِيمانٍ بِحَدَثٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ إِلى إِيمانٍ بِشَخْصٍ حَيٍّ: فَلَيْسَتِ القِيامَةُ مُجَرَّدَ زَمَنٍ سَيَأْتي، بَلْ هِيَ حُضورٌ يَتَجَسَّدُ في المَسيحِ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ الآنَ وَإِلى الأَبَدِ.
25 فَقالَ لَها يَسوعُ: "أَنا القِيامَةُ وَالحَياةُ؛ مَنْ آمَنَ بي، وَإِنْ ماتَ، فَسَيَحْيا".
تُشيرُ عِبارَةُ "أَنا القِيامَةُ وَالحَياةُ" إِلى إِعلانٍ لاهوتيٍّ فَريدٍ، يُظْهِرُ هُوِيَّةَ يَسوعَ الذّاتِيَّةَ. فَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يُعْطي القِيامَةَ أَوْ يَهَبُ الحَياةَ فَقَطْ، بَلْ أَعْلَنَ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ القِيامَةُ وَالحَياةُ. وَبِذٰلِكَ تَنْتَقِلُ القِيامَةُ مِنْ كونِها حَدَثًا مُسْتَقْبَلِيًّا إِلى حُضورٍ شَخْصِيٍّ مُتَجَسِّدٍ في شَخْصِ المَسيحِ. فَالمَسيحُ لَيْسَ فَقَطْ مَنْ يَأْمُرُ المَوْتَ وَيُعْطي الحَياةَ، بَلْ هُوَ مَصْدَرُ الحَياةِ نَفْسُهُ، كَما يُعْلِنُ أَيْضًا: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ" (يُوحَنَّا 14: 6). وَالدُّخولُ في عَلاقَةٍ مَعَهُ هُوَ دُخولٌ في الحَياةِ الإِلٰهِيَّةِ عَيْنِها. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ: "المَسيحَ يُسَمّي نَفْسَهُ القِيامَةَ، لأَنَّهُ يُقيمُ الأَمْواتَ بِقُوَّتِهِ الذّاتِيَّةِ، وَالحَياةَ لأَنَّهُ يُعْطي الحَياةَ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا).
أَمَّا عِبارَةُ "مَنْ آمَنَ بي" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ الإِيمانَ هُوَ سَبيلُ الاِتِّحادِ بِالمَسيحِ، وَبِالتّالي نَيْلِ الحَياةِ. فَالإِيمانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَبولٍ عَقليٍّ، بَلْ عَلاقَةٌ حَيَّةٌ تَجْعَلُ المُؤْمِنَ يُشارِكُ في حَياةِ المَسيحِ. وَبِهٰذا المَعْنى "يَنْتَقِلُ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ" (يُوحَنَّا 5: 24)، وَيَنالُ "الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ" (يُوحَنَّا 3: 15).
أَمَّا عِبارَةُ "وَإِنْ ماتَ، فَسَيَحْيا" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ المَوْتَ الجَسَديَّ لا يُلْغي الحَياةَ الحَقيقيَّةَ. فَالمُؤْمِنُ، وَإِنْ ذاقَ المَوْتَ، إِلّا أَنَّهُ يَبْقى حَيًّا بِاتِّحادِهِ بِالمَسيحِ. فَالمَوْتُ لا يَكونُ نِهايَةً، بَلْ عُبورًا إِلى الحَياةِ المَجيدَةِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ المَسيحَ: "يُبَيِّنُ أَنَّ المَوْتَ لَيْسَ هُوَ النِّهايَةُ، بَلْ هُوَ نَوْمٌ عابِرٌ لِمَنْ يُؤْمِنُ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَيَتَكامَلُ هٰذا التَّعليمُ مَعَ إِعلانِ الرَّسولِ بولس الرسول: "مَتَى لَبِسَ هٰذا الفاسِدُ عَدَمَ الفَسادِ، وَلَبِسَ هٰذا المائِتُ عَدَمَ المَوْتِ، فَحينَئِذٍ تَتِمُّ الكَلِمَةُ المَكْتوبَةُ: قَدِ ابْتُلِعَ المَوْتُ إِلى غَلَبَةٍ" (1 قورنتس 15: 54–55). وَهٰكَذا يَكْشِفُ يَسوعُ أَنَّهُ مَبْدَأُ الحَياةِ الحاضِرَةِ وَالمُقْبِلَةِ مَعًا: فَمِنَ الآنِ يَنالُ المُؤْمِنُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ بِالإِيمانِ. وَفي اليَوْمِ الأَخيرِ تَكْتَمِلُ هٰذِهِ الحَياةُ بِقِيامَةِ الجَسَدِ. وَبِذٰلِكَ، يَتَحَوَّلُ المَوْتُ، في ضَوْءِ المَسيحِ، مِنْ نِهايَةٍ مُخيفَةٍ إِلى بابٍ يَقودُ إِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ، حَيْثُ الشَّرِكَةُ مَعَ اللهِ في المَجْدِ وَالفَرَحِ وَالمَحَبَّةِ إِلى الأَبَدِ.
26 وَكُلُّ مَنْ يَحْيا وَيُؤْمِنُ بي لَنْ يَموتَ أَبَدًا. أَتُؤْمِنينَ بِهذا؟
تُشيرُ عِبارَةُ "وَكُلُّ مَنْ يَحْيا" إِلى الحَياةِ الحاضِرَةِ في الجَسَدِ، كَما كانَتْ مَرْتا تَحْيا في ذٰلِكَ الحينِ.
أَمَّا اقْتِرانُها بِالفِعْلِ "وَيُؤْمِنُ بي" فَيُظْهِرُ أَنَّ الحَياةَ الحَقيقيَّةَ لا تَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الوُجودِ الجَسَديِّ، بَلْ بِالاِتِّحادِ بِالمَسيحِ عَبْرَ الإِيمانِ.
أَمَّا عِبارَةُ "لَنْ يَموتَ أَبَدًا" فَلا تُنْكِرُ حَقيقَةَ المَوْتِ الجَسَديِّ، بَلْ تُشيرُ إِلى أَنَّ المَوْتَ الرُّوحيَّ قَدْ فَقَدَ سُلْطانَهُ عَلَى المُؤْمِنِ. فَبِفَضْلِ المَسيحِ، لَمْ تَعُدِ الخَطيئَةُ—وَهِيَ "شَوْكَةُ المَوْتِ"—تَتَحَكَّمُ في الإِنسانِ (1 قورنتس 15: 56). وَهٰكَذا، يَتَحَوَّلُ المَوْتُ الجَسَديُّ مِنْ عَدُوٍّ مُخيفٍ إِلى عُبورٍ نَحْوَ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُؤَكِّدُ الرَّسولُ بولس الرسول هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائِلًا: "فَإِذا كُنَّا قَدْ مُتْنا مَعَ المَسيحِ، فَإِنَّنا نُؤْمِنُ بِأَنَّنا سَنَحْيا مَعَهُ… وَلَنْ يَكونَ لِلمَوْتِ عَلَيْهِ مِنْ سُلْطانٍ" (رومة 6: 8–9)، وَكَذٰلِكَ: "قَدْ مُتُّمْ وَحَياتُكُمْ مُحْتَجِبَةٌ مَعَ المَسيحِ في اللهِ… فَتَظْهَرونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ في المَجْدِ" (قولسي 3: 3–4). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائلًا: "المُؤْمِنُ، وَإِنْ ماتَ جَسَدُهُ، فَهُوَ لا يَموتُ في الحَقيقَةِ، لأَنَّهُ حَيٌّ بِاللهِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
أَمَّا سُؤالُ يَسوعَ: "أَتُؤْمِنينَ بِهذا؟" فَهُوَ دَعْوَةٌ شَخْصِيَّةٌ إِلى الإِيمانِ، لا بِمُجَرَّدِ فِكْرَةِ القِيامَةِ، بَلْ بِشَخْصِهِ هُوَ كَقِيامَةٍ وَحَياةٍ. فَلَيْسَ كافيًا أَنْ تَرَى مَرْتا في يَسوعَ نَبِيًّا أَوْ رَجُلَ اللهِ، بَلْ مَدْعُوَّةٌ أَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّهُ رَبُّ الحَياةِ، وَصاحِبُ سُلْطانِ المَوْتِ وَالقَبْرِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ هٰذا السُّؤالَ "يَنْقُلُ الإِيمانَ مِنْ مُسْتَوى الفِكْرِ إِلى مُسْتَوى العَلاقَةِ الشَّخْصِيَّةِ مَعَ المَسيحِ"(تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰكَذا، يَخْتِمُ يَسوعُ إِعلانَهُ بِسُؤالٍ يُواجِهُ الإِنسانَ في عُمْقِهِ: لَيْسَ السُّؤالُ ما إِذا كُنَّا نُؤْمِنُ بِالقِيامَةِ كَفِكْرَةٍ، بَلْ هَلْ نُؤْمِنُ بِالمَسيحِ كَقِيامَتِنا وَحَياتِنا؟
27 قالَتْ لَهُ: "نَعَمْ، يا رَبُّ، إِنِّي أُؤْمِنُ بِأَنَّكَ أَنْتَ المَسيحُ، ابْنُ اللهِ، الآتي إِلى العالَمِ".
تُشيرُ عِبارَةُ "نَعَمْ، يا رَبُّ" إِلى إِجابَةٍ حاسِمَةٍ مَمْلُوءَةٍ ثِقَةً، تَكْشِفُ عَنْ إِيمانٍ يَنْطَلِقُ مِنَ القَلْبِ، وَيَتَجاوَزُ كُلَّ تَرَدُّدٍ. فَمَرْتا لا تُجيبُ بِتَحَفُّظٍ، بَلْ بِإِقْرارٍ واضِحٍ بِسُلْطانِ يَسوعَ وَهُوِيَّتِهِ.
أَمَّا عِبارَةُ "إِنِّي أُؤْمِنُ بِأَنَّكَ أَنْتَ المَسيحُ، ابْنُ اللهِ" فَتُعَدُّ إِعْلانَ إِيمانٍ كامِلًا، يَجْمَعُ بَيْنَ البُعْدِ المَسيانيِّ وَالإِلٰهيِّ. فَلَقَبُ "المَسيح" يَدُلُّ عَلى المَمْسوحِ مِنَ اللهِ، المَلِكِ وَالكاهِنِ وَالنَّبِيِّ المُنْتَظَرِ، أَمَّا لَقَبُ "«ابْنُ اللهِ" فَيُشيرُ إِلى عَلاقَتِهِ الفَريدَةِ بِالآبِ، وَإِلى طَبيعَتِهِ الإِلٰهيَّةِ كَمَصْدَرٍ لِلحَياةِ وَالقِيامَةِ. وَيُعادِلُ هٰذا الإِعْلانُ ما أَقَرَّ بِهِ الرَّسولُ بطرس الرسول: "أَنْتَ المَسيحُ، ابْنُ اللهِ الحَيّ" (متى 16: 16)، وَالَّذي مَدَحَهُ عَلَيْهِ يَسوعُ، مُبَيِّنًا أَنَّهُ إِعلانٌ إِلٰهيٌّ. وَهٰكَذا تَنْضَمُّ مَرْتا إِلى جَماعَةِ المُؤْمِنينَ الَّذينَ اعْتَرَفوا بِسِرِّ المَسيحِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِلى أَنَّ مَرْتا "بَلَغَتْ بِإِيمانِها ما بَلَغَهُ بُطْرُسُ، فَاعْتَرَفَتْ بِالمَسيحِ رَبًّا وَابْنًا لِلهِ"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49).
وَأَمَّا عِبارَةُ "الآتي إِلى العالَمِ" فَتُشيرُ إِلى البُعْدِ الخَلاصِيِّ لِرِسالَةِ يَسوعَ، أَيْ إِلى كَوْنِهِ المُرْسَلَ مِنَ الآبِ لِفِداءِ البَشَرِيَّةِ. وَهٰذا اللَّقَبُ يَحْمِلُ صَدًى نَبَوِيًّا، إِذْ كانَ اليَهودُ يَنْتَظِرونَ النَّبِيَّ الآتي (يُوحَنَّا 1: 21)، لٰكِنَّ مَرْتا تَتَجاوَزُ الفَهْمَ السِّياسِيَّ الضَّيِّقَ، الَّذي كانَ يَرْبِطُ المَسيحَ بِتَحْريرٍ زَمَنِيٍّ، وَتُقِرُّ بِهِ كَمُخَلِّصٍ كَوْنِيٍّ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ هٰذا الإِعْلانَ "يُظْهِرُ إِيمانًا ناضِجًا، إِذْ أَدْرَكَتْ أَنَّ المَسيحَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَبِيٍّ، بَلْ ابْنُ اللهِ المُتَجَسِّدُ لِخَلاصِ العالَمِ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰكَذا، فَإِنَّ مَرْتا، الَّتي عُرِفَتْ بانْشِغالِها بِالخِدْمَةِ (لوقا 10: 38–42)، تَكْشِفُ هُنا عَنْ عُمْقِ إِيمانِها. فَلَيْسَ الإِيمانُ مُقْتَصِرًا عَلَى المُتَأمِّلينَ فَقَطْ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَزْهُرَ أَيْضًا في قَلْبٍ مُنْخَرِطٍ في الحَياةِ وَالخِدْمَةِ. وَبِذٰلِكَ يَبْلُغُ الحِوارُ بَيْنَ يَسوعَ وَمَرْتا ذُرْوَتَهُ: مِنْ سُؤالٍ عَنِ الإِيمانِ، إِلى إِعلانٍ كامِلٍ بِهُوِيَّةِ المَسيحِ، الَّذي هُوَ القِيامَةُ وَالحَياةُ، وَالفادي الآتي إِلى العالَمِ.
28 قالَتْ ذٰلِكَ، ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلى أُخْتِها مَرْيَمَ تَدْعُوها، فَأَسَرَّتْ إِلَيْها: "المُعَلِّمُ هٰهُنا، وَهُوَ يَدْعوكِ".
تُشيرُ عِبارَةُ "فَأَسَرَّتْ إِلَيْها"، في الأَصْلِ اليونانيِّ λάθρᾳ εἰποῦσα ("قالَتْ هَمْسًا")، إِلى أَنَّ مَرْتا دَعَتْ أُخْتَها مَرْيَمَ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ، مِنْ دونِ أَنْ تُلْفِتَ انْتِباهَ اليَهودِ الحاضِرينَ في البَيْتِ. وَيُفْهَمُ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّها أَرادَتْ أَنْ تَنْفَرِدَ مَرْيَمُ بِلِقاءِ المَسيحِ، لِتَنالَ تَعْزِيَةً عَميقَةً بَعِيدًا عَنِ الجَوِّ الخارِجِيِّ لِلنَّوْحِ وَالصِّياحِ. وَهٰكَذا تَكْشِفُ مَرْتا، الَّتي تَعَزَّتْ بِلِقاءِ الرَّبِّ، عَنْ بُعْدٍ رِساليٍّ: فَكُلُّ مَنْ يَخْتَبِرُ تَعْزِيَةَ المَسيحِ يَدْعو الآخَرينَ، وَلا سِيَّما المُتَأَلِّمينَ، لِيَشْتَرِكوا أَيْضًا في هٰذِهِ التَّعْزِيَةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "المُعَلِّمُ" في الأَصْلِ اليونانيِّ διδάσκαλος فَتُشيرُ إِلى اللَّقَبِ الَّذي كانَ مَعْروفًا بِهِ يَسوعُ بَيْنَ تَلاميذِهِ، وَالَّذي يَجْمَعُ بَيْنَ السُّلْطانِ وَالتَّعليمِ، كَما قالَ هُوَ نَفْسُهُ: "أَنْتُمْ تَدْعُونَني المُعَلِّمَ وَالرَّبَّ، وَأَصَبْتُمْ فيما تَقولونَ، فَهٰكَذا أَنا" (يُوحَنَّا 13: 13). وَمَرْيَمُ بِشَخْصِيَّتِها التَّأمُّليَّةِ تَظْهَرُ كَتِلْمِيذَةٍ أَمِينَةٍ، جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسوعَ تَسْمَعُ كَلامَهُ (لوقا 10: 39).
أَمَّا عِبارَةُ "وَهُوَ يَدْعوكِ" فَتَحْمِلُ بُعْدًا لاهوتيًّا عَميقًا: فَالمَسيحُ هُوَ المُبادِرُ بِالدَّعْوَةِ، يَبْحَثُ عَنِ الإِنسانِ في أَلَمِهِ، كَما بَحَثَ اللهُ عَنْ آدَمَ في الفِرْدَوْسِ (تكوين 3: 9). إِنَّهُ لا يَنْتَظِرُ فَقَطْ أَنْ نَذْهَبَ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ يَدْعونا إِلَيْهِ، لِيَهَبَنا التَّعْزِيَةَ وَالسَّلامَ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِلى أَنَّ "المَسيحَ يَدْعو كُلَّ نَفْسٍ مُتَأَلِّمَةٍ، لِيَنْقُلَها مِنَ الحُزْنِ إِلى الرَّجاءِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). وَهٰكَذا، فَإِنَّ دَعْوَةَ يَسوعَ لِمَرْيَمَ لا تَقِفُ عِنْدَ حَدِّ التَّعْزِيَةِ العاطِفِيَّةِ، بَلْ تَقودُها إِلى لِقاءٍ يُغَيِّرُ الحُزْنَ إِلى إِيمانٍ، وَاليَأْسَ إِلى رَجاءٍ. فَفي وَسَطِ "وادي الدّموع"، يَبْقى صَوْتُ المَسيحِ هُوَ الدَّعْوَةُ الحَيَّةُ الَّتي تَرْفَعُ الإِنسانَ نَحْوَ الحَياةِ وَالمَجْدِ الأَبَدِيِّ.
29 وَما إِنْ سَمِعَتْ مَرْيَمُ ذٰلِكَ حَتّى قامَتْ عَلَى عَجَلٍ وَذَهَبَتْ إِلَيْهِ.
تُشيرُ عِبارَةُ "وَما إِنْ سَمِعَتْ مَرْيَمُ ذٰلِكَ" إِلى قُوَّةِ كَلِمَةِ الدَّعْوَةِ الَّتي وَصَلَتْ إِلَيْها: "المُعَلِّمُ هٰهُنا، وَهُوَ يَدْعوكِ" (يُوحَنَّا 11: 28). فَسَماعُها لِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ أَحْدَثَ في داخِلِها تَحَوُّلًا فَوْرِيًّا مِنَ الحُزْنِ إِلى الحَرَكَةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "قامَتْ عَلَى عَجَلٍ وَذَهَبَتْ إِلَيْهِ: فَتُظْهِرُ طَبيعَةَ مَرْيَمَ المُنْفَعِلَةَ وَالمُحِبَّةَ، إِذْ إِنَّها، بِمُجَرَّدِ أَنْ سَمِعَتِ الدَّعْوَةَ، لَمْ تَتَرَدَّدْ، بَلْ قَامَتْ مُسْرِعَةً نَحْوَ يَسوعَ. وَهٰذا يَدُلُّ عَلى مَحَبَّتِها العَميقَةِ وَتَعَلُّقِها بِهِ، فَتَرَكَتِ المُعَزّينَ الكُثُرَ لِتَذْهَبَ إِلى المُعَزِّي الحَقيقيِّ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ مَرْيَمَ "لَمْ تَتَباطَأْ، بَلْ أَظْهَرَتْ غَيْرَةً وَحُبًّا عَظيمَيْنِ، فَإِذْ سَمِعَتْ أَنَّ الرَّبَّ يَدْعُوها، تَرَكَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَأَسْرَعَتْ إِلَيْهِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62).
أَمَّا عِبارَةُ "عَلَى عَجَلٍ" فَتُشيرُ إِلى انْبِثاقِ الرَّجاءِ في قَلْبِها، هِيَ الَّتي كانَتْ جالِسَةً في الحُزْنِ وَالصَّمْتِ. فَالدَّعْوَةُ الإِلٰهيَّةُ لا تَتْرُكُ الإِنسانَ في جُمودِهِ، بَلْ تُقيمُهُ وَتَدْفَعُهُ إِلى الحَرَكَةِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ "النَّفْسَ الَّتي تَسْمَعُ دَعْوَةَ المَسيحِ لا تَبْقى في مَكانِها، بَلْ تَقُومُ نَحْوَهُ بِشَوْقٍ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 49). وَهٰكَذا، فَإِنَّ قِيامَ مَرْيَمَ السَّريعَ لا يُعَبِّرُ فَقَطْ عَنْ حَرَكَةٍ خارِجِيَّةٍ، بَلْ عَنْ قِيامَةٍ داخِلِيَّةٍ مِنَ الحُزْنِ إِلى الرَّجاءِ. فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَ المَسيحِ وَيَسْتَجيبُ لَهُ، يَتَحَوَّلُ مِنَ الثُّباتِ في الأَلَمِ إِلى المَسيرِ نَحْوَ الحَياةِ.
30 وَلَمْ يَكُنْ يَسوعُ قَدْ وَصَلَ إِلى القَرْيَةِ، بَلْ كانَ حَيْثُ اسْتَقْبَلَتْهُ مَرْتا.
تُشيرُ عِبارَةُ "وَلَمْ يَكُنْ يَسوعُ قَدْ وَصَلَ إِلى القَرْيَةِ" إِلى أَنَّ يَسوعَ بَقِيَ خارِجَ بَيْتِ عَنْيا، وَلَمْ يَدْخُلْها مُباشَرَةً. وَهٰذا التَّفصيلُ لَيْسَ عَرَضيًّا، بَلْ يَحْمِلُ دَلالَةً تَدْبيرِيَّةً، إِذْ أَنَّ مَكانَ القَبْرِ كانَ خارِجَ القَرْيَةِ، وَبِالتَّالي فَإِنَّ المَسيحَ يَتَّجِهُ مُباشَرَةً نَحْوَ مَوْضِعِ المَوْتِ لِيُحَوِّلَهُ إِلى مَوضِعِ حَياةٍ.
أَمَّا عِبارَةُ "بَلْ كانَ حَيْثُ اسْتَقْبَلَتْهُ مَرْتا" فَتُشيرُ إِلى المَكانِ الَّذي تَمَّ فيه اللِّقاءُ الأَوَّلُ بَيْنَ يَسوعَ وَمَرْتا، وَهُوَ مَكانٌ خارِجِيٌّ، لٰكِنَّهُ يَتَحَوَّلُ إِلى مَسْرَحٍ لِحِوارٍ لاهوتِيٍّ عَميقٍ حَوْلَ القِيامَةِ وَالحَياةِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلى أَنَّ بَقاءَ يَسوعَ خارِجَ القَرْيَةِ "لَمْ يَكُنْ بِالصُّدْفَةِ، بَلْ لِيُقَرِّبَ الجُموعَ إِلى مَكانِ المَعْجِزَةِ، فَتَكونَ الشَّهادَةُ أَوضَحَ وَأَقْوَى"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، العِظَةُ 62). وَهٰكَذا، فَإِنَّ المَسيحَ لا يَدْخُلُ القَرْيَةَ قَبْلَ إِعلانِ سِرِّهِ، بَلْ يَبْقى عِنْدَ الحُدودِ، حَيْثُ يَلْتَقي بِالإِنسانِ في وَسَطِ أَلَمِهِ، لِيَقودَهُ مِنْ هُناكَ إِلى مَجْدِ الحَياةِ. فَخارِجُ القَرْيَةِ—حَيْثُ القَبْرُ—سَيُصْبِحُ مَكانَ إِعلانِ سُلْطانِهِ عَلَى المَوْتِ.
31 فَلَمَّا رَأَى اليَهودُ الَّذينَ كانوا في البَيْتِ مَعَ مَرْيَمَ يُعَزُّونَها أَنَّها قامَتْ على عَجَلٍ وَخَرَجَتْ، لَحِقوا بِها، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّها ذاهِبَةٌ إِلى القَبْرِ لِتَبكِيَ هُناكَ.
تُشيرُ عِبارَةُ "اليَهودُ الَّذينَ كانوا في البَيْتِ" إِلى أُولئِكَ الَّذينَ جاؤوا لِتَعْزِيَةِ مَرْيَمَ وَمَرْتا، حَسَبَ العادَةِ اليَهودِيَّةِ الَّتي تَقْتَضِي مُشارَكَةَ أَهْلِ المَيْتِ في الحُزْنِ وَالمُرافَقَةِ خِلالَ أَيَّامِ الحِداد. وَهٰذا يُظْهِرُ البُعْدَ الجَماعيَّ لِلأَلَمِ، إِذْ لا يُتْرَكُ الحَزينُ وَحْدَهُ، بَلْ يُحاطُ بِجَماعَةٍ تُساعِدُهُ عَلَى احْتِمالِ الفَقْد.
أَمَّا عِبارَةُ "لَحِقوا بِها" فَتُشيرُ إِلى مُرافَقَتِهِم لِمَرْيَمَ خِرْجَ البَيْت، لا سِيَّما أَنَّ التَّقليدَ اليَهودِيَّ كانَ يَحُثُّ على عَدَمِ تَرْكِ المُتَأَلِّمِ وَحْدَهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَغْرَقَ في حُزْنٍ مُفْرِطٍ. وَفي هٰذا السِّياق، يَرَى القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ هٰذِهِ المُرافَقَةَ "لَمْ تَكُنْ فَقَطْ تَعْزِيَةً بَشَرِيَّةً، بَلْ صَارَتْ، بِتَدْبيرِ الله، شَهادَةً جَماعيَّةً لِلمُعْجِزَةِ المُقْبِلَةِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 49).
وَأَمَّا عِبارَةُ "يَظُنُّونَ أَنَّها ذاهِبَةٌ إِلى القَبْرِ لِتَبكِيَ هُناكَ" فَتُعَبِّرُ عَن نَظَرَةٍ بَشَرِيَّةٍ مَحْدودَةٍ، إِذِ اعتَقَدَ اليَهودُ أَنَّ وِجْهَةَ مَرْيَمَ هِيَ القَبْرُ، أَي مَكانُ المَوْتِ وَالبُكاءِ. لٰكِنَّ الحَقيقَةَ أَنَّها كانَتْ ذاهِبَةً إِلى يَسوعَ، أَي إِلى مَصْدَرِ الحَياةِ وَالرَّجاءِ. وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري عَلَى هٰذا التَّبايُنِ، إِذْ يَقُولُ: "هُمْ يَتَبَعونَها إِلى القَبْرِ، أَمَّا هِيَ فَتَتَّجِهُ إِلى الحَياةِ؛ لأَنَّ المَسيحَ هُوَ الحَياةُ الحَقَّةُ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰكَذا يَكْشِفُ النَّصُّ عَنْ مُفارَقَةٍ لاهوتيَّةٍ عَميقَةٍ: الإِنسانُ، بِفِكْرِهِ الطَّبيعيِّ، يَتَّجِهُ نَحْوَ القَبْرِ حَيْثُ يَنْتَهِي كُلُّ شَيءٍ؛ أَمَّا الإِيمانُ، فَيَقودُهُ إِلى المَسيحِ، حَيْثُ يَبْدَأُ كُلُّ شَيءٍ مِنْ جَديدٍ.
32 فَما إِنْ وَصَلَتْ مَرْيَمُ إِلى حَيْثُ كانَ يَسوعُ وَرَأَتْهُ، حتَّى ارْتَمَتْ عَلى قَدَمَيْهِ وَقالَتْ لَهُ: "يا رَبُّ، لَوْ كُنْتَ ههُنا لَما ماتَ أَخي".
تُشيرُ عِبارَةُ "ارْتَمَتْ عَلى قَدَمَيْهِ" إِلى مَوقِفِ الانسِحاقِ وَالتَّوَسُّلِ العَميقِ، إِذْ لَمْ تَكْتَفِ مَرْيَمُ بِالكَلامِ، بَلْ عَبَّرَتْ بِجَسَدِها عَنْ أَلَمِها وَإِيمانِها مَعًا. فَهٰذا السُّجودُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَعْبيرٍ عاطِفيّ، بَلْ هُوَ فِعْلُ إِيمانٍ يَكْشِفُ أَنَّها تَعْتَرِفُ بِسُلْطانِ يَسوعَ وَتَلْتَجِئُ إِلَيْهِ كَمَصْدَرٍ لِلرَّجاءِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائلًا: "إِنَّها سَجَدَتْ عِندَ قَدَمَيْهِ لا كَمَنْ يَيْأَسُ، بَلْ كَمَنْ يَطْلُبُ الحَياةَ مِمَّن يَملِكُها"(عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 49).
أَمَّا عِبارَةُ "لَوْ كُنْتَ ههُنا لَما ماتَ أَخي" فَتُشيرُ إِلى عِتابٍ مَمْزوجٍ بِالإِيمانِ وَالرَّجاءِ. فَمَرْيَمُ، مِثْلُ أُخْتِها مَرْتا (يُوحَنَّا 11: 21)، تُعَبِّرُ عَنْ قَناعَةٍ راسِخَةٍ بِقُدْرَةِ يَسوعَ عَلى الشِّفاءِ، إِذْ تَرى أَنَّ حُضورَهُ كانَ كَفيلًا بِمَنْعِ المَوْتِ. وَيُظْهِرُ تَطابُقُ العِبارَةِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ أَنَّهُما كانَتا تَتَبادَلانِ هٰذا الرَّجاءَ المُشْتَرَكَ فِي غِيابِ يَسوعَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلى إِيمانٍ حَيٍّ، وَلٰكِنَّهُ ما زالَ مُرْتَبِطًا بِحُضورٍ زَمَنيٍّ مَحْدودٍ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ "مَرْيَمَ لَمْ تَقُلْ هٰذا لِتُعاتِبَ، بَلْ لِتُظْهِرَ إِيمانَها بِأَنَّ المَسيحَ سَيِّدُ الحَياةِ وَالمَوْتِ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). وَهٰكَذا يَكْشِفُ المَشْهَدُ عَنْ بُعْدٍ لاهوتيٍّ عَميقٍ: فالإِنسانُ، في وَجْهِ الأَلَمِ، يَنْطِقُ أَحيانًا بِلُغَةِ العِتابِ، لٰكِنَّ هٰذا العِتابَ نَفْسَهُ يَكُونُ، عِندَ الإِيمانِ، صَلاةً مَخْفِيَّةً مَمْلوءَةً رَجاءً. فَمَرْيَمُ تَبْكِي، لٰكِنَّها، في عُمْقِ بُكائِها، تُسَلِّمُ نَفْسَها لِمَنْ هُوَ القِيامةُ وَالحَياةُ.
33 فَلَمَّا رَآها يَسوعُ تَبْكي، وَيَبْكي مَعَها اليَهودُ الَّذينَ رافَقوها، جاشَ صَدْرُهُ وَاضْطَرَبَتْ نَفْسُهُ.
شيرُ عِبارَةُ "تَبكي" في الأَصْلِ اليونانيِّ، κλαίουσαν، إِلى بُكاءٍ عَنيفٍ مَصحوبٍ بِعَويلٍ وَنَحيبٍ مَسْموعٍ، وَهُوَ بُكاءٌ يَعْكِسُ انْكِسارَ الإِنسانِ أَمامَ وَاقِعِ المَوْتِ الَّذي يَبْدو كَأَنَّهُ الكَلِمَةُ الأَخيرةُ في التّاريخِ البَشَريِّ. في تِلْكَ اللَّحْظَةِ يَبْدو أَنَّ المَوْتَ قَدِ انْتَصَرَ، وَأَنَّ المَحَبَّةَ وَقَفَتْ عَاجِزَةً أَمامَ القَبْرِ. لٰكِنَّ المَسيحَ لا يَبْقى خارِجَ مَشْهَدِ الأَلَمِ، بَلْ يَدْخُلُ إِلَيْهِ دُخولَ المُخَلِّصِ المُتَضامِنِ، فَيَتَجَلّى فيهِ إِتْمامُ نُبُوَّةِ أَشَعْيا: "لِيُجَبِّرَ مُنْكَسِري القُلوبِ… وَلِيُعَزِّيَ جَميعَ النَّائِحينَ" (أَشَعْيا 61: 1–2). فَهُوَ لا يُواجِهُ الدُّموعَ بِكَلامٍ نَظَريٍّ، بَلْ بِحُضورٍ إِلٰهيٍّ مُشَارِكٍ، يَدْخُلُ إِلى جُرْحِ الإِنسانِ لِيَفْتَحَ فيهِ طَريقَ الرَّجاءِ وَالحَياةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "جاشَ صَدْرُهُ" في الأَصْلِ اليونانيِّ ἐνεβριμήσατο τῷ πνεύματι فَتُفيدُ اضْطِرابًا داخِلِيًّا عَنيفًا أَوِ اخْتِلاجًا عَميقًا في الرُّوحِ، وَٱنْفِعالٍ يَكادُ يَكونُ كَغَضَبٍ مُقَدَّسٍ. وَقَدْ فَهِمَها الآباءُ بِأَكْثَرَ مِنْ بُعْدٍ: فَيَرى القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ هٰذا الاضْطِرابَ يَكْشِفُ أَلَمَ المَسيحِ أَمامَ بُكاءِ الإِنسانِ الَّذي يَعْكِسُ ضُعْفَ الرَّجاءِ، قائلًا: "إِنَّ البُكاءَ عِندَ القَبْرِ قَدْ يُنْسِي حَقيقَةَ القِيامَةِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 62). وَيَرَى آخَرونَ، مِثْلُ القِدِّيسِ كيرلس الإسكندري، أَنَّ هٰذا "الجَيشانَ" هُوَ تَعْبيرٌ عَنْ سَخَطٍ مُقَدَّسٍ ضِدَّ سُلْطانِ المَوْتِ وَالخَطيئَةِ، وَضِدَّ عَدَمِ الإِيمانِ الَّذي يُقَيِّدُ الإِنسانَ فِي أُفُقٍ مَحْدودٍ.
أَمَّا عِبارَةُ "وَاضْطَرَبَتْ نَفْسُهُ" في الأَصْلِ اليونانيِّ ἐτάραξεν فَتَدُلُّ عَلى اهْتِزازٍ داخِلِيٍّ عَميقٍ، يُعَبِّرُ عَنْ انْفِعالٍ إِنْسانيٍّ حَقيقيٍّ. وَقَدْ ظَهَرَ هٰذا الاضْطِرابُ أَيْضًا في مَواقِفَ أُخْرى (يُوحَنَّا 12: 27؛ 13: 21)، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ المَسيحَ يَعِيشُ الأَلَمَ بِكُلِّ حَقيقَتِهِ الإِنْسانيَّةِ. لَيْسَ هٰذا ٱلٱضْطِرابُ ضَعْفًا، بَلْ هُوَ تَجَلٍّ لِمَوْقِفِ ٱبْنِ ٱللَّهِ أَمامَ وَاقِعِ المَوْتِ، ٱلَّذي هُوَ عَدُوٌّ لِلإِنسانِ وَنَتيجَةُ الخَطيئةِ. إِنَّهُ ٱنْفِعالُ المَحَبَّةِ الَّتي تَرْفُضُ أَنْ تَقْبَلَ سُلْطانَ المَوْتِ كَأَمْرٍ نِهائِيّ. فَالمَسيحُ يَهْتَزُّ في داخِلِهِ كَمُواجَهَةٍ لاهوتيَّةٍ مَعَ قُوَّةِ الفَسادِ الَّتي أَصابَتِ الخَليقَةَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائلًا: "أَنْتُمْ تَضْطَرِبونَ بِغَيْرِ إِرادَةٍ، أَمَّا هُوَ فَاضْطَرَبَ لأَنَّهُ أَرادَ"؛ أَي إِنَّ اضْطِرابَهُ كَانَ فِعْلًا حُرًّا نابعًا مِنْ مَحَبَّتِهِ. وَهٰكَذا يَكْشِفُ النَّصُّ عَنْ سِرٍّ لاهوتيٍّ عَميقٍ: فَيَسوعُ، الإِلهُ المُتَجَسِّدُ، لا يُلْغي الأَلَمَ الإِنْسانيَّ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ وَيَحْمِلُهُ. إِنَّهُ يَبْكي مَعَ الباكينَ، وَيَضْطَرِبُ مَعَ المُتَأَلِّمينَ، لٰكِنَّهُ، فِي عَيْنِ هٰذا الاضْطِرابِ، يُعِدُّ لِلانْتِصارِ عَلى المَوْتِ. فَالمَسيحُ الَّذي يَجاشُ صَدْرُهُ أَمامَ القَبْرِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذي سَيُنادِي بَعْدَ قَليلٍ: "يا لَعازَرُ، هَلُمَّ خارِجًا"، فَيَتَحَوَّلُ البُكاءُ إِلى فَرَحٍ، وَالمَوْتُ إِلى حَياةٍ.
34 وَقالَ: "أَيْنَ وَضَعْتُموه؟" قالوا لَه: "يا رَبُّ، تَعالَ فَانْظُر".
تُشيرُ عِبارَةُ "أَيْنَ وَضَعْتُموه؟" إِلى سُؤالٍ إِلهيٍّ ذي بُعْدٍ خَلاصيٍّ، يُذَكِّرُ بِسُؤالِ اللهِ لِآدَمَ: "أَيْنَ أَنْتَ؟" (تكوين 3: 9)، لا لِأَنَّ اللهَ يَجهَلُ، بَلْ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الإِنسانِ وَيَدْعوهُ إِلى اللِّقاءِ. وَهٰكَذا يَكْشِفُ يَسوعُ عَنْ وَجْهِ اللهِ القَريبِ، الَّذي يَهْتَمُّ وَيَتَدَخَّلُ، خِلافًا لِلتَّصَوُّرِ اليونانيِّ الَّذي كانَ يَرى الإِلهَ بَعيدًا عَنِ الإِنسانِ وَغَيْرَ مُنْخَرِطٍ فِي أَلَمِهِ. كَمَا يَحْمِلُ هٰذا السُّؤالُ بُعْدًا تَدْبيرِيًّا، إِذْ يُمَهِّدُ يَسوعُ لِلمُعْجِزَةِ المُقْبِلَةِ، فَيَجْعَلُ الحاضِرينَ شُهودًا عِيَانٍ عَلى ما سَيَحْدُثُ، وَيُدخِلُهُمْ في مَسارِ الإِيمانِ مِنْ خِلالِ المُشارَكَةِ في الحَدَث.
أَمَّا عِبارَةُ "تَعالَ" فَيُعَلِّقُ عَلَيْها القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائلًا: "ما مَعْنى تَعالَ؟ لِتَأْتِ مَغْفِرَةُ الخَطايا، وَلْتَأْتِ الحَياةُ إِلى مَن رَحَلَ، وَلْتَأْتِ القِيامَةُ مِنَ الأَمْواتِ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 62). فَهٰذِهِ الدَّعْوَةُ لا تَقْتَصِرُ عَلى حَرَكَةٍ مَكانيَّةٍ، بَلْ تَحْمِلُ مَعْنًى خَلاصيًّا عَميقًا.
وَأَمَّا عِبارَةُ "فَانْظُر" فَيُفَسِّرُها القِدِّيسُ أمبروسيوس بِقَوْلِهِ: "إِنَّ الرَّبَّ يَنْظُرُ حِينَ يَتَحَنَّنُ"، فَنَظَرُ اللهِ لَيْسَ نَظَرًا مُجَرَّدًا، بَلْ نَظَرُ رَحْمَةٍ وَخَلاصٍ. وَهٰكَذا يَكْشِفُ النَّصُّ أَنَّ يَسوعَ، الإِلهَ المُتَجَسِّدَ، يَدْخُلُ إِلى عُمْقِ المَأساةِ الإِنْسانيَّةِ، لا كَمُشاهدٍ، بَلْ كَمُخَلِّصٍ. إِنَّهُ "رَجُلُ الأَوْجاعِ" (أشعيا 53: 3)، يَحْمِلُ مَشاعِرَ الإِنسانِ وَيُشارِكُهُ أَلَمَهُ، لٰكِنَّهُ، فِي نَفْسِ الوَقْتِ، يَسيرُ بِهِ نَحْوَ القَبْرِ لِيُحَوِّلَهُ إِلى مَكانِ حَياةٍ وَقِيامَةٍ.
35 فَدَمَعَتْ عَيْنا يَسوعَ
تُشيرُ عِبارَةُ "دَمَعَتْ عَيْنا" في الأَصْلِ اليونانيِّ ἐδάκρυσεν إِلى ذَرْفِ الدُّموعِ في هُدوءٍ، أَي إِلى انْسِيابِ الدَّمْعِ مِنَ العَيْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ صُراخٍ أَوْ عَويلٍ، دُموعٍ تَنْسابُ مِنْ عَيْنَيْنِ تَحْمِلانِ سِرَّ الحُبِّ وَعُمْقَ الأَلَمِ في آنٍ واحِدٍ. وَهٰذا يَخْتَلِفُ عَنْ الفِعْلِ المُسْتَعْمَلِ لِبُكاءِ مَرْيَمَ وَاليَهودِ (κλαίειν) الَّذي يَدُلُّ عَلى النَّحيبِ العَلَنيِّ. وَبِهٰذا التَّمْييزِ اللُّغَوِيِّ يُظْهِرُ الإِنْجيلُ عُمْقَ مَشاعِرِ يَسوعَ وَرِقَّةَ تَأَثُّرِهِ. إِنَّ دُموعَ يَسوعَ تُعْلِنُ حَقيقَةَ ناسوتهِ، فَهُوَ الإِلهُ المُتَجَسِّدُ الَّذي دَخَلَ إِلى عُمْقِ الأَلَمِ الإِنْسانيِّ وَشارَكَ الإِنسانَ حُزْنَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائلًا: "لَمْ يَبْكِ كَما يَبْكي الآخَرونَ بِعَويلٍ، بَلْ دَمَعَتْ عَيْناهُ لِيُظْهِرَ مُشارَكَتَهُ لِلمُتَأَلِّمينَ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 49). هٰذه الدُّموعُ لَيْسَتْ عَجْزًا، بَلْ تَعْبيرٌ عَنْ مَحَبَّةٍ عَميقَةٍ. وَقَدْ رَأَتِ الجُموعُ في هٰذِهِ الدُّموعِ شَهادَةً حَيَّةً عَلى مَحَبَّتِهِ لِلَعازَرَ (يُوحَنَّا 11: 36).
هٰكَذا، تَجْتَمِعُ في هٰذا المَشْهَدِ ثَلاثُ حَقائِقَ لاهوتيَّةٍ كُبرى: دُموعُ الإِنسانِ الَّتي تَكْشِفُ هَشاشَتَهُ أَمامَ المَوْتِ، وَٱضْطِرابُ ٱبْنِ ٱللَّهِ الَّذي يُواجِهُ سُلْطانَ الفَسادِ، وَدُموعُ المُخَلِّصِ الَّتي تَحْمِلُ في داخِلِها بَدْءَ الانْتِصارِ. وَبِذٰلِكَ، لا يَعُودُ البُكاءُ مُجَرَّدَ عَلامَةِ يَأْسٍ، بَلْ يَصيرُ مَكانًا يَدْخُلُ إِلَيْهِ ٱللَّهُ، لِيَحُوِّلَهُ مِن داخِلِهِ إِلى رَجاءٍ وَحَياةٍ. أَمَّا الآباءُ فَرَأَوْا فيها بُعْدًا أَعْمَقَ: إِذْ يَقُولُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري إِنَّهُ "لَمْ يَبْكِ لَعازَرَ وَحْدَهُ، بَلْ بَكى عَلَى الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّةِ كُلِّها الَّتي وَقَعَتْ تَحْتَ سُلْطانِ المَوْتِ" (تَفْسيرُ إِنجيلِ يُوحَنَّا). كَذٰلِكَ يُشَدِّدُ القِدِّيسُ يوحنا الدمشقي عَلَى بُعْدِ التَّجَسُّدِ قائلًا: "كَوْنُكَ تَجَسَّدْتَ، جِئْتَ إِلى بَيْتِ عَنْيا، وَكَإِنسانٍ حَقٍّ بَكَيْتَ لَعازَرَ" (أَناشيدُ سَبْتِ لَعازَر). وَقَدْ وَرَدَ بُكاءُ يَسوعَ أَيْضًا في مَواقِفَ أُخْرى: عَلى أُورَشَليمَ (لوقا 19: 41)، وَفِي آلامِهِ (عِبرانيين 5: 7)، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّهُ "رَجُلُ أَوْجاعٍ" (أَشَعْيا 53: 3)، يَحْمِلُ آلامَ البَشَرِ وَيُشارِكُهُمْ أَحْزانَهُمْ.
وَهٰكَذا تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ -وَهِيَ أَقْصَرُ آيَةٍ في الإِنجيلِ- عَنْ عُمْقٍ لاهوتيٍّ عَظيمٍ: فَالمَسيحُ الَّذي يَبْكي هُوَ نَفْسُهُ الَّذي يُقِيمُ مِنَ المَوْتِ. إِنَّهُ لا يُلْغي الدُّموعَ، بَلْ يُقَدِّسُها، وَيُحَوِّلُها إِلى طَريقٍ نَحْوَ الرَّجاءِ. وَمِنْ هٰذا المُنْطَلَقِ، يَتَعَلَّمُ المُؤْمِنُ أَنَّ البُكاءَ لَيْسَ مُنَاقِضًا لِلإِيمانِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بُكاءً مَمْلوءًا رَجاءً، لا كَحُزْنِ الَّذينَ لا رَجاءَ لَهُمْ (1 تِسالونيقي 4: 13)، بَلْ كَدُموعٍ تَنْتَظِرُ القِيامةَ. هٰكَذا، تَجْتَمِعُ في هٰذا المَشْهَدِ ثَلاثُ حَقائِقَ لاهوتيَّةٍ كُبرى: دُموعُ الإِنسانِ الَّتي تَكْشِفُ هَشاشَتَهُ أَمامَ المَوْتِ، وَٱضْطِرابُ ٱبْنِ ٱللَّهِ الَّذي يُواجِهُ سُلْطانَ الفَسادِ، وَدُموعُ المُخَلِّصِ الَّتي تَحْمِلُ في داخِلِها بَدْءَ الانْتِصارِ. وَبِذٰلِكَ، لا يَعُودُ البُكاءُ مُجَرَّدَ عَلامَةِ يَأْسٍ، بَلْ يَصيرُ مَكانًا يَدْخُلُ إِلَيْهِ ٱللَّهُ، لِيَحُوِّلَهُ مِن داخِلِهِ إِلى رَجاءٍ وَحَياةٍ.
36 فَقالَ اليَهودُ: "اُنْظُروا أَيَّ مَحَبَّةٍ كانَ يُحِبُّهُ".
تُشيرُ عِبارَةُ "اُنْظُروا أَيَّ مَحَبَّةٍ كانَ يُحِبُّهُ" إِلى شَهادَةٍ صادِرَةٍ عَنْ بَعْضِ اليَهودِ الَّذينَ تَأَثَّروا بِمَشْهَدِ دُموعِ يَسوعَ وَحُزْنِهِ، فَأَدْرَكوا -مِنْ خِلالِ هٰذا التَّعْبيرِ الإِنْسانيِّ- عُمْقَ مَحَبَّتِهِ لِلَعازَرَ. فَلَمْ تَكُنْ دُموعُهُ ضَعْفًا، بَلْ لُغَةً إِلهيَّةً مَلموسةً كَشَفَتْ عَن قَلْبِهِ. وَتُظْهِرُ هٰذِهِ العِبارَةُ أَنَّ المَشْهَدَ أَثارَ فِي قُلُوبِ بَعْضِ الحاضِرينَ إِعْجابًا وَاسْتِحْسانًا، وَهُوَ ما شَكَّلَ تَمْهيدًا لِلإِيمانِ، كَما يُشيرُ الإِنْجيلُ لاحِقًا: "فَآمَنَ بِهِ كَثيرٌ مِنَ اليَهودِ الَّذينَ جاؤوا إِلى مَرْيَمَ وَرَأَوْا ما صَنَعَ" (يُوحَنَّا 11: 45). فَالدُّموعُ هُنا تَصيرُ مَدْخَلًا إِلى الإِيمانِ، لأَنَّها تَكْشِفُ عَنْ وَجْهِ اللهِ المُحِبّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الدمشقي قائلًا: "بِمُواسَاتِكَ وَبُكائِكَ عَلى صَديقِكَ، وَضَعْتَ حَدًّا لِدُموعِ مَرْتا" (أَناشيدُ سَبْتِ لَعازَر). فَبُكاءُ المَسيحِ لا يُضاعِفُ الحُزْنَ، بَلْ يَحْمِلُهُ وَيُحَوِّلُهُ. كَما يَرْبِطُ القِدِّيسُ إيرونيموس بَيْنَ دُموعِ يَسوعَ هُنا وَذَبيحَتِهِ عَلى الصَّليبِ، قائِلًا: "نَحْنُ، إِذْ نَرى دَمَهُ يَتَساقَطُ عَلى الصَّليبِ، نُسَبِّحُ قائِلينَ: اُنْظُروا كَيْفَ يُحِبُّنا!". فَمَحَبَّةُ المَسيحِ الَّتي تَظْهَرُ فِي دُموعِهِ عِندَ قَبْرِ لَعازَرَ، تَبْلُغُ كَمالَها فِي بَذْلِ نَفْسِهِ عَلى الصَّليبِ. وَهٰكَذا يَكْشِفُ النَّصُّ أَنَّ مَحَبَّةَ المَسيحِ لَيْسَتْ فِكْرًا مُجَرَّدًا، بَلْ حَقيقَةٌ مَعاشَةٌ تَتَجَلّى فِي الدُّموعِ وَفِي البَذْلِ. فَالَّذي بَكَى عَلى صَديقِهِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذي سَيُعْطِي حَياتَهُ مِنْ أَجْلِ أَحِبَّائِهِ، لِيُحَوِّلَ المَوْتَ إِلى حَياةٍ، وَالحُزْنَ إِلى فَرَحٍ.
37 عَلى أَنَّ بَعْضَهُمْ قالوا: "أَما كانَ بِإِمْكانِ هٰذا الَّذي فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمى أَنْ يَرُدَّ المَوْتَ عَنْهُ؟".
تُشيرُ عِبارَةُ "أَما كانَ بِإِمْكانِ هٰذا الَّذي فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمى" إِلى إِقرارٍ ضِمْنِيٍّ بِسُلْطانِ يَسوعَ، إِذْ يَعْتَرِفُ هٰؤُلاءِ بِمُعْجِزَتِهِ السّابِقَةِ في شِفاءِ الأَعْمى (يُوحَنَّا 9: 6). وَلٰكِنَّ هٰذا الإِقرارَ لا يَقودُهُمْ إِلى الإِيمانِ الكامِلِ، بَلْ يَبْقى مُحاطًا بِالشَّكِّ وَالتَّساؤُلِ.
أَمَّا عِبارَةُ "أَنْ يَرُدَّ المَوْتَ عَنْهُ؟" فَتُعَبِّرُ عَنْ مَنْطِقٍ بَشَرِيٍّ يَرى في عَدَمِ تَدَخُّلِ يَسوعَ لِمَنْعِ المَوْتِ دَليلًا عَلى حُدودِ قُدْرَتِهِ. فَهُمْ يَطْرَحونَ سُؤالًا يُشابِهُ مَوقِفَ مَرْتا وَمَرْيَمَ، لٰكِنَّهُ يَخْتَلِفُ عَنْهُما في أَنَّهُ يَخْلو مِنَ الرَّجاءِ العَميقِ، وَيَمِيلُ إِلى التَّشْكيكِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "إِنَّهُمْ اعْتَرَفوا أَنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمى، وَلٰكِنَّهُمْ اسْتَكْثَروا عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ لَعازَرَ لا يَموتُ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 62). فَهٰذا التَّعليقُ يَكْشِفُ التَّناقُضَ في مَوقِفِهِم: إِذْ يَقْبَلونَ بِقُدْرَةٍ جُزْئِيَّةٍ، وَلٰكِنَّهُمْ يَرْفُضونَ أَنْ يَرَوْا سُلْطانًا مُطْلَقًا عَلَى المَوْتِ. وَهٰكَذا يُظْهِرُ النَّصُّ انْقِسامًا داخِلِيًّا بَيْنَ الشُّهودِ: فَبَعْضُهُمْ يَرَى في دُموعِ يَسوعَ مَحَبَّةً تُؤَدِّي إِلى الإِيمانِ (آية 36)، وَبَعْضُهُم الآخَرُ يَرى فيها سَبَبًا لِلتَّشْكيكِ. وَفِي هٰذا تَجَلٍّ لِسِرِّ الحُرِّيَّةِ الإِنْسانيَّةِ: فَالأَعْمالُ نَفْسُها يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ بَابًا لِلإِيمانِ أَوْ عُثْرَةً لِعَدَمِهِ. إِنَّهُ سُؤالٌ لا يَزالُ يَتَرَدَّدُ في كُلِّ عَصْرٍ: إِذا كانَ اللهُ قادِرًا، فَلِماذا يَسْمَحُ بِالمَوْتِ؟ وَالجَوابُ سَيَظْهَرُ بَعْدَ قَليلٍ، لا بِمَنْعِ المَوْتِ، بَلْ بِقَهْرِهِ مِنَ الدَّاخِلِ، حِينَ يُقِيمُ يَسوعُ لَعازَرَ، وَيُعْلِنُ أَنَّ سُلْطانَهُ لا يَقِفُ عِندَ حُدودِ الحَياةِ الزَّمَنِيَّةِ، بَلْ يَتَجاوَزُها إِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
38 فَجاشَ صَدْرُ يَسوعَ ثانِيَةً، وَذَهَبَ إِلى القَبْرِ، وَكانَ مَغارَةً وُضِعَ عَلى مَدْخَلِها حَجَرٌ.
تُشيرُ عِبارَةُ "فَجاشَ صَدْرُ يَسوعَ ثانِيَةً" إِلى تَجَدُّدِ الاضْطِرابِ الدَّاخِليِّ في نَفْسِ المَسيحِ، لا كَفِقْدانٍ لِلسَّلامِ، بَلْ كَتَعْبيرٍ إِرادِيٍّ عَنْ مُشارَكَتِهِ العَميقَةِ لِلأَلَمِ الإِنْسانيِّ، وَرُبَّما أَيْضًا أَمامَ عَدَمِ الإِيمانِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "لَمْ يَكُنْ هٰذا الاضْطِرابُ فُقْدانًا لِسَلامِهِ، بَلْ دُخولًا إِرادِيًّا إِلى حَالِ الإِنسانِ لِيَحْمِلَهُ إِلى سَلامِهِ الإِلهيِّ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 62).
أَمَّا عِبارَةُ "وَذَهَبَ إِلى القَبْرِ" فَتُشيرُ إِلى تَوَجُّهِ يَسوعَ نَحْوَ مَوضِعِ المَوْتِ خارِجَ القَرْيَةِ، حَيْثُ كانَتِ القُبورُ تُنْحَتُ في الصَّخْرِ، وَهٰذا يَحْمِلُ بُعْدًا لاهوتيًّا: فَالمَسيحُ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ المَوْتِ لِيُواجِهَهُ وَيَغْلِبَهُ.
وَأَمَّا عِبارَةُ "وَكانَ مَغارَةً وُضِعَ عَلى مَدْخَلِها حَجَرٌ" فَتُشيرُ إِلى النَّمَطِ الجَنائِزيِّ السّائِدِ في فِلَسْطينَ في القَرْنِ الأَوَّلِ، إِذْ كانَتِ القُبورُ كُهوفًا مَنْحوتَةً في الحَجَرِ الجِيرِيِّ، تُغْلَقُ بِحَجَرٍ كَبيرٍ يُدَحْرَجُ أَمامَ المَدْخَلِ. وَغالبًا ما كانَ القَبْرُ يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ مِنْ جَسَدٍ، مَعَ وُجودِ نَواويسَ داخِلِيَّةٍ. وَيُؤَكِّدُ البُعْدُ الأَثَرِيُّ هٰذا الوَصْفَ، إِذْ إِنَّ قَبْرَ لَعازَرَ لا يَزالُ مَعْروفًا حَتّى اليَوْمِ في قَرْيَةِ العَيْزَرِيَّةِ (بَيْتِ عَنْيا)، في ضَواحِي القُدْسِ. وَهُوَ قَبْرٌ مَنْحوتٌ في الصَّخْرِ، لَهُ مَدْخَلٌ يَبْلُغُ ارْتِفاعُهُ نَحْوَ مِتْرٍ واحِدٍ، وَعَرْضُهُ نَحْوَ 61 سَنْتيمِتْرًا، يُؤَدِّي إِلى سُلَّمٍ مُكَوَّنٍ مِن سَبْعٍ وَعِشْرينَ دَرَجَةً، تَنْتَهِي إِلى غُرْفَةٍ تَبْلُغُ مِساحَتُها نَحْوَ 2.74 م²، وَفي داخِلِها فَضاءٌ يَتَّسِعُ لِأَرْبَعَةِ نَواويسَ، وَهُوَ ما يَتَوافَقُ مَعَ العاداتِ الجَنائِزيَّةِ في العَصْرِ الرُّومانيِّ في فِلَسْطينَ. وَهٰكَذا يَلْتَقي النَّصُّ الإِنْجيليُّ مَعَ الشَّهادَةِ الأَثَرِيَّةِ، لِيُؤَكِّدَ واقِعِيَّةَ الحَدَثِ التّاريخيِّ، وَيَكْشِفَ في الوَقْتِ عَيْنِهِ عَنْ بُعْدٍ لاهوتيٍّ عَميقٍ: فَالحَجَرُ الَّذي يُغْلِقُ القَبْرَ سَيُصْبِحُ بَعْدَ قَليلٍ عائِقًا يُزالُ، وَالمَغارَةُ الَّتي تَحْمِلُ المَوْتَ سَتَتَحَوَّلُ إِلى مَسْرَحٍ لِإِعلانِ الحَياةِ.
39 فَقالَ يَسوعُ: "اِرْفَعوا الحَجَرَ!" فَقالَتْ لَهُ مَرْتا، أُخْتُ المَيِّتِ: "يا رَبُّ، لَقَدْ أَنْتَنَ، فَهٰذا يَوْمُهُ الرَّابِعُ".
تُشيرُ عِبارَةُ "اِرْفَعوا الحَجَرَ" إِلى أَمْرٍ صادِرٍ عَنْ يَسوعَ يَسْبِقُ العَمَلَ العَجائِبِيَّ، وَيَحْمِلُ بُعْدًا تَدْبيرِيًّا وَشِهادة. فَرَفْعُ الحَجَرِ يُتيحُ لِلجُموعِ أَنْ يَرَوْا القَبْرَ مَفْتوحًا، وَيَتَأَكَّدوا مِنْ وَاقِعِ المَوْتِ وَفَسادِ الجَسَدِ، لِكَيْلا يَظُنُّوا أَنَّ ما سَيَحْدُثُ خِداعٌ أَوْ خَيالٌ. وَهٰكَذا يُشْرِكُهُمُ المَسيحُ في الحَدَثِ، لِيَكونوا شُهودًا عِيانٍ عَلى قُوَّتِهِ، كَما أَشْرَكَ الخَدَمَ في عُرْسِ قانا الجَليلِ: "اِمْلأُوا الأَجْرانَ ماءً" (يُوحَنَّا 2: 7).
أَمَّا عِبارَةُ "فَقالَتْ لَهُ مَرْتا، أُخْتُ المَيِّتِ" فَتُبْرِزُ هُوِيَّتَها وَعَلاقَتَها بِلَعازَرَ، وَتُظْهِرُ أَنَّ اعْتِراضَها يَنْبُعُ مِنْ خِبْرَةٍ واقِعِيَّةٍ بِحَالِ الجَسَدِ، لا مِنْ عَدَمِ مَحَبَّةٍ أَوْ احْتِرامٍ.
وَأَمَّا عِبارَةُ "لَقَدْ أَنْتَنَ" فَتُشيرُ إِلى بُدُوءِ تَحَلُّلِ الجَسَدِ وَانْبِعاثِ الرَّائِحَةِ الكَريهَةِ، وَهِيَ شَهادَةٌ واقِعِيَّةٌ عَلى حَقيقَةِ المَوْتِ. فَمَرْتا تَتَكَلَّمُ بِمَنْطِقٍ بَشَرِيٍّ يَعْرِفُ حُدودَ الطَّبيعَةِ، وَلا يَتَوَقَّعُ تَدَخُّلًا يَتَجاوَزُها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائِلًا: "حَتّى إِنْ كُنْتَ راقِدًا في قَبْرِكَ وَقَدْ أَنْتَنْتَ، فَالرَّبُّ يُقيمُكَ" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 49).
أَمَّا عِبَارَةُ: "فَهٰذَا يَوْمُهُ الرَّابِعُ"، فَتَحْمِلُ بُعْدًا لاهوتيًّا عَميقًا يَتَجاوَزُ الوَصْفَ الزَّمَنِيَّ البَسِيط. فَهِيَ لَا تُشِيرُ فَقَطْ إِلَى مُدَّةِ بَقَاءِ لِعَازَرَ فِي القَبْرِ، بَلْ تُؤَكِّدُ أَنَّ الفَسَادَ قَدْ بَدَأَ فِعْلًا، وَأَنَّ كُلَّ أَمَلٍ بَشَرِيٍّ قَدِ انْقَطَعَ. وَفِي ضَوْءِ التَّقْلِيدِ اليَهُودِيِّ القَدِيمِ، كَانَ يُعْتَقَدُ أَنَّ رُوحَ الإِنْسَانِ تَبْقَى قَرِيبَةً مِنَ الجَسَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ المَوْتِ، مُتَرَقِّبَةً إِمْكَانِيَّةَ العَوْدَةِ، ثُمَّ تُفَارِقُهُ نِهَائِيًّا عِنْدَمَا يَبْدَأُ التَّحَلُّلُ. وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الأَدَبِ الرَّبَّانِيِّ إِلَى هٰذَا التَّصَوُّرِ، إِذْ تُصَوَّرُ الرُّوحُ وَكَأَنَّهَا "تَحُومُ حَوْلَ الجَسَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ عِنْدَمَا تَرَى تَغَيُّرَ مَلَامِحِ الوَجْهِ". وَبِهٰذَا يَغْدُو "اليَوْمُ الرَّابِعُ" عَلامَةً عَلَى المَوْتِ النِّهَائِيِّ الكَامِلِ، حَسَبَ الفَهْمِ البَشَرِيِّ. لِذٰلِكَ، عِنْدَمَا يَصِلُ يسوع المسيح بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، يَكُونُ لِعَازَرُ قَدْ دَخَلَ فِي حَالَةِ مَوْتٌ لا رَجْعَةَ مِنْهُ بِحَسَبِ كُلِّ مِقْيَاسٍ إِنْسَانِيٍّ. وَهُنَا يَبْلُغُ التَّوَتُّرُ اللَّاهُوتِيُّ ذِرْوَتَهُ: فَحَيْثُ يَرَى الإِنْسَانُ النِّهَايَةَ المُطْلَقَةَ، يُعِدُّ اللهُ بِدَايَةً جَدِيدَةً. وَيَتَجَلَّى هٰذَا التَّوَتُّرُ فِي الحِوَارِ بَيْنَ مَرْتَا وَيَسُوعَ: فَمَرْتَا تُعَبِّرُ عَنْ مَنْطِقِ الوَاقِعِ المُغْلَقِ—مَنْطِقِ المَوْتِ وَالتَّحَلُّلِ—أَمَّا يَسُوعُ فَيَفْتَحُ أُفُقًا جَدِيدًا يَتَجَاوَزُهُ، دَاعِيًا إِلَى الإِيمَانِ بِمَجْدِ اللهِ. وَهٰكَذَا يَتَحَوَّلُ "اليَوْمُ الرَّابِعُ" مِنْ عَلامَةِ نِهَايَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ، إِلَى نُقْطَةِ انْطِلَاقٍ لِلإِعْلَانِ الإِلَهِيِّ: فَفِي أَعْمَقِ لَحَظَاتِ المَوْتِ، يَظْهَرُ يسوع المسيح كَرَبِّ الحَيَاةِ، الَّذِي لَا يَخْضَعُ لِزَمَنِ الفَسَادِ، بَلْ يُحَوِّلُهُ إِلَى مَجَالٍ لِمَجْدِ اللهِ.
40 قالَ لَها يَسوعُ: "أَلَمْ أَقُلْ لَكِ إِنَّكِ إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ الله؟".
تُشيرُ عِبارَةُ "أَلَمْ أَقُلْ لَكِ" إِلى تَذْكيرٍ رَقيقٍ يَحْمِلُ طابِعَ التَّوْبيخِ اللَّطيفِ، لا بِغَرَضِ الإِدانَةِ، بَلْ لِتَقْوِيَةِ إِيمانِ مَرْتا وَتَثْبيتِها في الرَّجاءِ. فَيَسوعُ يُحيلُها إِلى كَلامِهِ السّابِقِ: "هٰذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوْت، بَلْ إِلى مَجْدِ الله" (يُوحَنَّا 11: 4)، وَ"سَيَقومُ أَخوكِ" (يُوحَنَّا 11: 23)، لِيُظْهِرَ أَنَّ وَعْدَهُ ثابِتٌ وَأَمِينٌ.
أَمَّا عِبَارَةُ "إِنْ آمَنْتِ" فَهِيَ دَعْوَةٌ إِلَى مَرْثَا أَنْ تَسْلُكَ ذٰلِكَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَقُودُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ السَّطْحِيَّةِ إِلَى الإِيمَانِ الحَيِّ بِهِ. إنَّ الإِيمانَ هُوَ الشَّرْطُ الأَساسِيُّ لِلدُّخولِ في مَجالِ عَمَلِ اللهِ وَمُشاهَدَةِ مَجْدِهِ. فَالمَسيحُ يَقْلِبُ المَنْطِقَ البَشَرِيَّ: الإِنسانُ يُريدُ أَنْ يَرَى لِيُؤْمِنَ، أَمَّا المَسيحُ فَيَدْعو إِلى أَنْ نُؤْمِنَ لِكَيْ نَرَى. وَيَتَّفِقُ هٰذا مَعَ تَعْليمِ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيّينَ: "الإِيمانُ قِوامُ الأُمورِ الَّتي تُرْجى، وبُرْهانُ الحَقائِقِ الَّتي لا تُرى" (عِبرانيّين 11: 1). وَيُشَدِّدُ الآباءُ عَلى هٰذا البُعْدِ، فَيَقولُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "الإِيمانُ يَسْبِقُ الرُّؤْيَةَ، وَبِقَدْرِ ما نُؤْمِنُ، نَتَأَهَّلُ لِأَنْ نَرَى" (عِظاتٌ عَلى إِنجيلِ يُوحَنَّا، 49).
أَمَّا عِبارَةُ "تَرَيْنَ مَجْدَ الله" فَتُشيرُ إِلى إِعلانِ قُوَّةِ اللهِ الحَيَّةِ، لا كَمَجْدٍ مَجَرَّدٍ، بَلْ كَفِعْلٍ خَلاصيٍّ يَتَجَلّى فِي الانْتِصارِ عَلَى المَوْتِ. فَمَجْدُ اللهِ هُنا سَيُكْشَفُ مِنْ خِلالِ إِقامَةِ لَعازَرَ، وَهُوَ عَرَبونٌ لِقِيامةِ المَسيحِ نَفْسِهِ وَقِيامةِ المُؤمِنينَ. وَهٰكَذا يَكْشِفُ النَّصُّ عَنْ قانُونٍ لاهوتيٍّ عَميقٍ: الإِيمانُ يَفْتَحُ العَيْنَيْنِ لِرُؤْيَةِ مَجْدِ اللهِ. فَلَيْسَ المَجْدُ غائِبًا، بَلِ الإِنسانُ هُوَ الَّذي يَحتاجُ إِلى عَيْنِ الإِيمانِ لِيُبْصِرَهُ. وَمَنْ يُؤْمِنْ، يَرى أَنَّ حَيْثُ يَظُنُّ الإِنسانُ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ قَدِ انْتَهى، هُناكَ يَبْدَأُ مَجْدُ اللهِ فِي الظُّهورِ.
41 فَرَفَعوا الحَجَرَ، وَرَفَعَ يَسوعُ عَيْنَيْهِ وَقالَ: "شُكْرًا لَكَ، يا أَبَتِ، عَلى أَنَّكَ اسْتَجَبْتَ لي".
عِبارَةُ " فَرَفَعوا الحَجَرَ " لَا يُمَثِّلُ فَقَطْ حَجَرَ القَبْرِ، بَلْ هُوَ أَيْضًا رَمْزٌ لِحَجَرِ الشَّكِّ، وَلِحُدُودِ العَقْلِ البَشَرِيِّ الَّذِي يُقَيِّدُ اللهَ بِمَقَايِيسِ المَوْتِ. إِنَّهُ الحَاجِزُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُزَالَ لِكَيْ يَتَجَلَّى المَجْدُ.
أمَّا عبارة "رَفَعَ يَسوعُ عَيْنَيْهِ" فتُشير إِلى وَضْعِيَّةِ الصَّلاةِ المُتَّجِهَةِ نَحْوَ السَّماءِ، وَهِيَ عَلامَةُ عَلاقَتِهِ البُنُوِيَّةِ بِالآبِ. وَقَدْ ظَهَرَتْ هٰذِهِ الوَضْعِيَّةُ أَيْضًا في صَلاتِهِ الكَهَنوتِيَّةِ: "رَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّماءِ" (يُوحَنَّا 17: 1)، مِمَّا يَدُلُّ عَلى عِلاقَةٍ دائِمَةٍ وَحَيَّةٍ بَيْنَ الابْنِ وَالآبِ. وَتُعَبِّرُ هٰذِهِ الحَرَكَةُ عَنْ تَوَجُّهِ القَلْبِ كُلِّيًّا نَحْوَ اللهِ، لا كَمُجَرَّدِ إِشارَةٍ جَسَدِيَّةٍ.
أَمَّا عِبارَةُ "شُكْرًا لَكَ" في اليونانيَّة εὐχαριστῶ فَتُشيرُ إِلى صَلاةِ شُكْرٍ وَثِقَةٍ، لا طَلَبٍ. فَيَسوعُ لا يَسْأَلُ الآبَ هُنا، بَلْ يَشْكُرُهُ، مُعْلِنًا ثِقَتَهُ المُطْلَقَةَ بِاسْتِجابَتِهِ. وَهٰذا يُظْهِرُ الاتِّحادَ الكامِلَ بَيْنَ الآبِ وَالابْنِ في الإِرادَةِ وَالعَمَلِ. وَيَتَّفِقُ هٰذا مَعَ مَواقِفَ أُخْرى، مِثْلَ شُكْرِهِ عِندَ إِعلانِ سِرِّ المَلَكوتِ (لوقا 10: 21)، وَعِندَ تَأْسيسِ سِرِّ الإِفخارِسْتِيّا (لوقا 22: 19). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الدمشقي قائلًا: "كَإِنسانٍ دَعا الآبَ، وَكَإِلهٍ أَقامَ لَعازَرَ" (أَناشيدُ سَبْتِ لَعازَر). فَهٰذا التَّلاقي بَيْنَ الصَّلاةِ وَالسُّلْطانِ يَكْشِفُ سِرَّ شَخْصِ المَسيحِ الإِلهِ-الإِنسانِ.
أَمَّا عِبارَةُ "يا أَبَتِ" فَتُؤَكِّدُ هُوِيَّةَ يَسوعَ كَابْنِ اللهِ، وَتُظْهِرُ عَلاقَتَهُ الفَريدَةَ بِالآبِ، عَلاقَةَ بُنُوَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لا مَجازِيَّةٍ.
وَأَمَّا عِبارَةُ "عَلى أَنَّكَ اسْتَجَبْتَ لي" فَتُشيرُ إِلى صَلاةِ ثِقَةٍ تامَّةٍ، تُعْلِنُ أَنَّ الآبَ يَسْمَعُ لِلابْنِ دَائِمًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيرونيموس قائِلًا: "يُصَلّي كَابْنِ الإِنسانِ، وَيَأْمُرُ كَابْنِ اللهِ". وَهٰكَذا يَكْشِفُ المَشْهَدُ عَنْ بُعْدٍ لاهوتيٍّ عَميقٍ: فَقَبْلَ أَنْ يُعْلِنَ يَسوعُ سُلْطانَهُ عَلى المَوْتِ، يُظْهِرُ اتِّحادَهُ بِالآبِ في الصَّلاةِ. فَالمُعْجِزَةُ لَيْسَتْ عَمَلًا مُنْفَصِلًا، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ شَرِكَةٍ أَزَلِيَّةٍ بَيْنَ الآبِ وَالابْنِ. وَمِنْ هٰذا المَنْطَلَقِ، تُصْبِحُ الصَّلاةُ نَفْسُها مَدْخَلًا إِلى الحَياةِ وَالقِيامةِ.
42 وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَجِيبُ لِي دَائِمًا أَبَدًا، وَلَكِنِّي قُلْتُ هٰذا مِنْ أَجْلِ الجَمْعِ المُحِيطِ بِي، لِكَيْ يُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي.
تُشيرُ عِبارَةُ "وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَجِيبُ لِي دَائِمًا أَبَدًا" إِلى يَقينٍ مُطْلَقٍ في عَلاقَةِ الابْنِ بِالآبِ، عَلاقَةٍ قائِمَةٍ عَلى وَحْدَةِ الإِرادَةِ وَالشَّرِكَةِ الدّائِمَةِ. فَصَلاةُ يَسوعَ لَيْسَتْ طَلَبًا يَتَرَقَّبُ إِجابَتَهُ، بَلْ إِعلانٌ عَنْ عَلاقَةٍ أَزَلِيَّةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الثِّقَةِ الكامِلَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائلًا: "أَظْهَرَ سَبَبَ صَلاتِهِ لِئَلّا يَظُنُّوا أَنَّهُ ضِدَّ اللهِ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ اللهِ".
أَمَّا عِبارَةُ "مِنْ أَجْلِ الجَمْعِ المُحِيطِ بِي" فَتُشيرُ إِلى البُعْدِ الإِعلانيِّ لِهٰذِهِ الصَّلاةِ، فَهِيَ مُوَجَّهَةٌ لِتَرْبِيَةِ إِيمانِ الحاضِرينَ: مِنْ يَهودِ أُورُشَليمَ، وَأَهْلِ القَرْيَةِ، وَتَلاميذِهِ. فَيَسوعُ لا يَحتاجُ إِلى الصَّلاةِ لِيُقِيمَ لَعازَرَ، بَلْ يُريدُ أَنْ يَكْشِفَ أَمامَ الجَميعِ سِرَّ عَلاقَتِهِ بِالآبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاريون: "لَمْ يَكُنِ المَسيحُ بِحاجَةٍ إِلى الصَّلاةِ مِنْ أَجْلِ لَعازَرَ، بَلْ مِنْ أَجْلِ الجَمْعِ؛ صَلاتُهُ لَمْ تَنْفَعْهُ بَلْ نَفَعَتْ إِيمانَنا".
أَمَّا عِبارَةُ "لِكَيْ يُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي" ἵνα πιστεύσωσιν ὅτι σύ με ἀπέστειλας فتُشير إلى أنَّ يوحنّا الإنجيلي لا يُقدّم الحدث كخبر تاريخي فقط، بل كحدث له غاية إلهية: هوية الابن. فَتُظْهِرُ الغايَةَ اللاهوتيَّةَ العُظمى: إِعلانُ أَنَّ يَسوعَ هُوَ المُرْسَلُ مِنَ الآبِ. فَالمُعْجِزَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِظْهارِ قُدْرَةٍ، بَلْ آيَةٌ تُقودُ إِلى الإِيمانِ بِرِسالَتِهِ الإِلهيَّةِ. وَبِذٰلِكَ يَرُدُّ يَسوعُ مُسْبَقًا عَلى الشُّكوكِ وَالاتِّهاماتِ الَّتي نُسِبَتْ إِلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِم: "إِنَّ هذا لا يَطرُدُ الشَّياطينَ إِلّا بِبَعلَ زَبول" (مَتّى 12: 24). وَهٰكَذا تَتَحَوَّلُ الصَّلاةُ هُنا إِلى إِعلانٍ رَسوليٍّ: فَإِقامَةُ لَعازَرَ تُصْبِحُ عَلامَةً حاسِمَةً تَضَعُ الجَموعَ أَمامَ خِيارٍ إِيمانيٍّ—إِمّا أَنْ يَعْتَرِفوا بِأَنَّ يَسوعَ هُوَ المُرْسَلُ مِنَ الآبِ، وَإِمّا أَنْ يَبْقَوْا في عَمى عَدَمِ الإِيمانِ. فَالمَجْدُ الَّذي سَيَظْهَرُ في إِحياءِ لَعازَرَ لَيْسَ فَقَطْ انْتِصارًا عَلَى المَوْتِ، بَلْ إِعلانٌ عَنْ هُوِيَّةِ الابْنِ وَرِسالَتِهِ الخَلاصيَّةِ، "لِيُؤْمِنَ العالَمُ" (يُوحَنَّا 17: 21).
43 قالَ هذا ثُمَّ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "يا لَعازَرُ، هَلُمَّ فَاخْرُجْ".
تُشيرُ عِبارَةُ "صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ" إِلى سُلطانِ الكَلِمَةِ الإِلهيَّةِ الَّتي تَخْرُجُ بِقُوَّةٍ وَجَلالٍ، كَما جاءَ في المَزامير: "صَوْتُ الرَّبِّ بِالقُوَّةِ، صَوْتُ الرَّبِّ بِالبَهاءِ" (مزمور 29: 4). فَلَيْسَ الصَّوْتُ هُنا مُجَرَّدَ نِداءٍ، بَلْ فِعْلٌ خَلّاقٌ يُحَرِّكُ الحَياةَ في وَسَطِ المَوْتِ، وَيُظْهِرُ أَنَّ يَسوعَ هُوَ رَبُّ الحَياةِ وَالمَوْتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيسيخيوس الأورشليمي قائِلًا: "دَعَا الصَّوْتُ لَعازَرَ فَأَسْرَعَ، وَأَصْعَدَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنَ التُّرابِ، وَحَرَّرَتْهُ مِنَ القُيودِ".
أَمَّا عِبارَةُ "يا لَعازَرُ" فَتُشيرُ إِلى نِداءٍ شَخْصِيٍّ فَريدٍ يُظْهِرُ أَنَّ ٱللَّهَ يَدْعُو الإِنسانَ بِاسْمِهِ، لا كَعُضْوٍ في جَماعَةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كَشَخْصٍ مَعروفٍ وَمَحبوبٍ. فَالقِيامَةُ هُنا لَيْسَتْ حَدَثًا عَامًّا غامِضًا، بَلْ لِقاءٌ شَخْصِيٌّ حَيٌّ بَيْنَ المَسيحِ وَكُلِّ إِنسانٍ، يَتَجَلّى فيهِ أَنَّ العَلاقَةَ مَعَ ٱللَّهِ لا تَضيعُ في ظِلِّ المَوْتِ، بَلْ تَبْقى وَتَتَجَدَّدُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَبُوليناريوس اللاذِقِيّ قائِلًا: "دَعا صَديقَهُ بِالاسْمِ، لِيَكُونَ ذٰلِكَ رَمْزًا لِقِيامَةِ أَحِبّائِهِ الَّذينَ سَيُدْعَوْنَ بِأَسْمائِهِم". فَالنِّداءُ بِالاسْمِ يُعْلِنُ أَنَّ المَعْرِفَةَ الإِلٰهِيَّةَ لَيْسَتْ مَعْرِفَةً عامَّةً، بَلْ هِيَ مَعْرِفَةُ مَحَبَّةٍ شَخْصِيَّةٍ تَخْتَرِقُ حَتّى ظُلْمَةَ القَبْرِ. وَهٰكَذا تَتَجَلّى قُوَّةُ المَحَبَّةِ الإِلٰهِيَّةِ: إِنَّها لا تَنْتَصِرُ عَلَى المَوْتِ بِالقُوَّةِ أَوِ السُّلْطانِ فَقَط، بَلْ بِأَنَّها تَدْخُلُ إِلَيْهِ، وَتَتَضامَنُ مَعَ الإِنسانِ في عُمْقِ ضَعْفِهِ، ثُمَّ تَدْعوهُ بِاسْمِهِ لِيَخْرُجَ إِلى الحَياةِ. فَالَّذي يَنْزِلُ إِلى القَبْرِ مَعَ الإِنسانِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذي يَرْفَعُهُ مِنْهُ، لِأَنَّ المَحَبَّةَ لا تَعْرِفُ نِهايَةً، وَلا يَسْتَطيعُ المَوْتُ أَنْ يَقْطَعَها. وَبِهٰذا، يُصْبِحُ نِداءُ "يا لَعازَرُ" أَيْقُونَةً لِلنِّداءِ الأَخيرِ في القِيَامَةِ العامَّة، حَيْثُ سَيَسْمَعُ كُلُّ إِنسانٍ صَوْتَ ٱبْنِ ٱللَّهِ يَدْعوهُ بِاسْمِهِ (راجع يوحنا 5: 28–29)، فَيَخْرُجُ لا إِلى حَياةٍ زَمَنِيَّةٍ فَحَسْب، بَلْ إِلى شَرِكَةٍ أَبَدِيَّةٍ لا تَنْقَطِعُ مَعَ ٱللَّهِ.
وَأَمَّا عِبارَةُ "هَلُمَّ فَاخْرُجْ" فَتُعَبِّرُ عَنْ أَمْرٍ إِلهيٍّ فَعّالٍ لا يَحْمِلُ مُجَرَّدَ طَلَبٍ، بَلْ يُحَقِّقُ ما يَأْمُرُ بِهِ. فَكَلِمَةُ المَسيحِ هِيَ كَلِمَةٌ خَلّاقَةٌ تُعِيدُ الحَياةَ إِلى المَيْتِ، كَما تَنَبَّأَ أَشَعْيا: "كَذٰلِكَ تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فَمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغَةً، بَلْ تُتِمُّ ما شِئتُ وَتَنجَحُ فيما أَرسَلْتُها لَهُ" (أشعيا 55: 11). فَيَخْرُجُ لَعازَرُ مِنَ القَبْرِ لا بِاسْمِ أَحَدٍ، بَلْ بِسُلطانِ يَسوعَ الذَّاتِيِّ. إِنَّ هذِهِ الصَّرْخَةَ الإِلَهِيَّةَ: "هَلُمَّ خَارِجًا" لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَمْرٍ مُوَجَّهٍ إِلَى مَيِّتٍ، بَلْ هِيَ كَلِمَةُ الخَلْقِ الجَدِيدِ، الَّتِي تَخْتَرِقُ حُدُودَ المَوْتِ، وَتَسْتَبِقُ سِرَّ القِيَامَةِ، وَتُعْلِنُ أَنَّ صَوْتَ يسوع المسيح هُوَ صَوْتُ الحَيَاةِ نَفْسِهَا، القَادِرُ أَنْ يُخْرِجَ الإِنْسَانَ مِنْ كُلِّ قَبْرٍ—مَادِّيًّا كَانَ أَمْ رُوحِيًّا—إِلَى نُورِ الحَيَاةِ وَمَجْدِ اللهِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنا الدمشقي هٰذا البُعْدَ اللاهوتيَّ قائِلًا: "كَإِلهٍ حَقٍّ، أَحْيَيْتَ إِنسانًا مَيِّتًا مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ بِإِرادَتِكَ". وَهٰكَذا تُصْبِحُ هٰذِهِ الصَّرْخَةُ الإِلهيَّةُ إِعْلانًا عَنْ سُلطانِ الابْنِ، وَعَلامَةً مُسْبَقَةً لِقِيامَةِ الأَمْواتِ في اليَومِ الأَخير، كَما قالَ: "تَأْتي ساعَةٌ فيها يَسْمَعُ الأَمْواتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، فَيَحْيَوْنَ" (يوحنا 5: 25). فَكانَ لَعازَرُ أَوَّلَ مَنِ اسْتَجابَ لِهٰذا الصَّوْتِ كَعَلامَةٍ لِما سَيَحْدُثُ لِجَميعِ المُؤمِنينَ. وَفي هٰذا المَشْهَدِ يَتَجَلَّى السِّرُّ الكِرِسْتولوجيُّ بِوُضوحٍ: فَدُموعُ يَسوعَ تُظْهِرُ ناسوُتَهُ الحَقيقيَّ، أَمَّا كَلِمَتُهُ الَّتي تُقيمُ المَيْتَ فَتُعْلِنُ لاهوتَهُ. وَهٰكَذا يَلْتَقي في شَخْصِهِ سِرُّ الإِلهِ الَّذي يَشْعُرُ وَالإِلهِ الَّذي يُحيي، لِيُصْبِحَ هُوَ رَجاءَ الإِنسانِ في الحَياةِ وَالقِيامَةِ. يكشفُ التَّحليلُ الكِياسِيُّ لِلنَّصِّ أَنَّ عِبَارَةَ: "يَا لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا" تُشَكِّلُ المِحْوَرَ الَّذِي يَدُورُ حَوْلَهُ السَّرْدُ كُلُّهُ. فَلَا يُقَدِّمُ إنجيل يوحنا هذِهِ المُعْجِزَةَ بِوَصْفِهَا حَدَثًا تَارِيخِيًّا مَعْزُولًا، بَلْ يَنْسُجُهَا فِي بِنْيَةٍ أَدَبِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ ذَاتِ طَابِعٍ كِياسِيٍّ، تَجْعَلُ مِنْ إِقَامَةِ لِعَازَرَ مِحْوَرَ الإِعْلَانِ اللَّاهُوتِيِّ عَنْ هُوِيَّةِ يسوع المسيح، بِوَصْفِهِ "القِيَامَةَ وَالحَيَاةَ" (يو 11: 25). وَهَكَذَا، لَا يَبْقَى النَّصُّ فِي مُسْتَوَى الوَصْفِ الخَبَرِيِّ، بَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى بُعْدٍ إِعْلَانِيٍّ خَلَاصِيٍّ: مِنْ خَبَرِ مَرَضٍ وَمَوْتٍ إِلَى كَلِمَةٍ خَالِقَةٍ تُقِيمُ الحَيَاةَ، وَمِنْ مَشْهَدِ الحُزْنِ وَالدُّمُوعِ إِلَى وِلَادَةِ الإِيمَانِ، وَمِنْ ظُلْمَةِ القَبْرِ إِلَى إِشْرَاقِ المَجْدِ الإِلَهِيِّ.
44 فَخَرَجَ المَيِّتُ مَشْدودَ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالعَصائِبِ، وَمَلْفوفًا وَجْهُهُ في مِنْديلٍ. فَقالَ لَهُمْ يَسوعُ: "حُلُّوهُ وَدَعوهُ يَذْهَب".
تُشيرُ عِبارَةُ "فَخَرَجَ المَيِّتُ مَشْدودَ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالعَصائِبِ" إِلى خُروجِ لَعازَرَ وَهُوَ لا يَزالُ مُقَيَّدًا بِأَكْفانِ المَوْتِ، وَهٰذا لا يَقِلُّ عَجَبًا عَنْ إِقامَتِهِ نَفْسِها. فَالحَياةُ الَّتي أُعْطِيَتْ لَهُ لَمْ تُلْغِ آثَارَ المَوْتِ فَوْرًا، بَلْ جَعَلَتْهُ يَخْرُجُ حامِلًا عَلاماتِه. وَيُذَكِّرُنا هٰذا المَشْهَدُ بِنُبُوءَةِ حِزْقِيال: "هاءَنَذا أَفْتَحُ قُبورَكُمْ وَأُصْعِدُكُمْ مِنْ قُبورِكُمْ يا شَعْبي" (حزقيال 37: 12)، حَيْثُ تَرتَبِطُ القِيامَةُ بِعَمَلِ اللهِ الخَلّاقِ الَّذي يُدْخِلُ الرُّوحَ فَتَحْيا العِظامُ اليابِسَةُ (حزقيال 37: 1–10).
أَمَّا عِبارَةُ "العَصائِبِ" فَتُشيرُ إِلى اللَّفَائِفِ وَالأَرْبِطَةِ الكَتَّانِيَّةِ الَّتي كانَت تُسْتَعْمَلُ في تَكْفينِ المَوْتى، لِتَثْبيتِ الأَطْيابِ عَلَى الجَسَدِ. وَهِيَ لَيْسَت مُحْكَمةً بِحَيْثُ تَمْنَعُ الحَرَكَةَ، بَلْ تُظْهِرُ حَالَةَ المَيْتِ الَّذي كانَ في القَبْرِ.
وَأَمَّا عِبارَةُ "مَلْفوفًا وَجْهُهُ في مِنْديلٍ" فَتُشيرُ إِلى عاداتِ الدَّفْنِ عِندَ اليَهودِ، حَيْثُ يُغَطّى وَجْهُ المَيِّتِ بِمِنْديلٍ، كَما وَرَدَ أَيْضًا في قِصَّةِ قِيامةِ المَسيحِ (يوحنا 20: 7). وَهٰذا التَّشابهُ يُظْهِرُ تَواصُلَ التَّقليدِ الدَّفْنِ، مَعَ فَرْقٍ جَوْهَرِيٍّ: فَلَعازَرُ يَخْرُجُ وَلا يَزالُ مُقَيَّدًا، أَمَّا المَسيحُ فَيَتْرُكُ الأَكْفانَ في القَبْرِ، عَلامَةَ قِيامَتِهِ المُمَجَّدَةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "حُلُّوهُ وَدَعوهُ يَذْهَب" فَتُشيرُ إِلى دَعْوَةِ يَسوعَ لِلْحاضِرينَ لِيَشْتَرِكوا في إِظْهارِ الحَياةِ الجَديدَةِ، فَيَلْمِسُوا الجَسَدَ وَيَتَأَكَّدوا أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ الَّذي ماتَ. وَفِي هٰذا بُعْدٌ كَنَسِيٌّ عَميقٌ: فَاللهُ يُقِيمُ، أَمَّا الإِنسانُ فَيُساهِمُ في تَحْريرِ أَخيهِ مِنْ رُبُطِ المَوْتِ. وَيَرى القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ هٰذِهِ الأَفْعالَ تَحْمِلُ بُعْدًا خَلاصيًّا، إِذْ يَقُولُ: "إِنَّهُ أَقامَ الأَجْسادَ لِيُشيرَ إِلى قِيامَةِ النُّفوسِ". كَما يُؤَكِّدُ أَنَّ المَعْجِزَةَ لَيْسَتْ مَوْضوعَ دَهْشَةٍ فَقَط، بَلْ مَوضوعُ فَرَحٍ، لأَنَّها تَكْشِفُ عَنْ عَطِيَّةِ الخَلاصِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الدمشقي قائِلًا: "أَقَمْتَ لَعازَرَ الَّذي ماتَ مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ، وَجَعَلْتَهُ شاهِدًا حَقًّا عَلى قِيامَتِكَ في اليَوْمِ الثّالِث" (أناشيدُ سَبْتِ لَعازَر). وَهذه المَعْجِزَةُ تُعَدُّ أَعْظَمَ آياتِ يَسوعَ، بَعْدَ قِيامَتِهِ هُوَ، لِأَنَّها تَمَّتْ أَمامَ شُهودٍ كَثيرينَ، مِن أَصْدِقائِهِ وَمِن مُعارِضيهِ، فَلا مَجالَ لِإِنْكارِها. وَيُعَمِّقُ هٰذَا البُعْدَ التَّفْسِيرِيَّ يوحنا الذهبي الفم، إِذْ يَرَى فِي هٰذَا التَّفْصِيلِ الزَّمَنِيِّ قَصْدًا لاهوتيًّا وَرَعَوِيًّا وَاضِحًا. وَيَقُولُ: «لَمْ يُقِمِ المَسِيحُ مَيِّتًا حَدِيثًا، بَلِ الَّذِي صَارَ فِي القَبْرِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، لِكَيْ يُظْهِرَ أَنَّ المُعْجِزَةَ لَيْسَتْ وَهْمًا، بَلْ حَقِيقَةٌ ظَاهِرَةٌ". وَهٰكَذَا، يَتَكَامَلُ البُعْدُ الزَّمَنِيُّ («اليَوْمُ الرَّابِعُ») مَعَ القَصْدِ اللَّاهُوتِيِّ: فَكُلَّمَا تَعَاظَمَ دَلِيلُ المَوْتِ، تَعَاظَمَ ظُهُورُ قُوَّةِ الحَيَاةِ. إِنَّهُ مَنْطِقُ الإِعْلَانِ فِي إنجيل يوحنا: حَيْثُ يَبْلُغُ اليَأْسُ أَقْصَاهُ، يَتَجَلَّى مَجْدُ اللهِ بِأَبْهَى صُوَرِهِ، وَحَيْثُ يَثْبُتُ المَوْتُ كَوَاقِعٍ نِهَائِيٍّ، يُعْلِنُ يسوع المسيح سُلْطَانَهُ عَلَيْهِ كَرَبِّ الحَيَاةِ. وَهٰكَذا تَكْشِفُ قِيامَةُ لَعازَرَ عَنْ حَقيقَةِ القِيامَةِ: فَهِيَ لَيْسَتْ فِكْرَةً أَوْ رَجاءً غامِضًا، بَلْ وَاقِعٌ يَتَجَلّى في شَخْصِ يَسوعَ، "القِيامَةِ وَالحَياةِ". لَمْ يَكُنْ الهَدَفُ مُجَرَّدَ تَعْزِيَةِ مَرْثا وَمَرْيَمَ، بَلْ تَثْبيتُ إِيمانِ التَّلاميذِ وَالجُموعِ، لِيُدْرِكوا أَنَّهُ هُوَ "الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ" (يوحنا 14: 6). وَمِنْ هُنا يَنْفَتِحُ البُعْدُ التَّطْبيقيُّ: فَكُلُّ إِنسانٍ مَدْعُوٌّ أَنْ يَسْمَعَ صَوْتَ المَسيحِ الَّذي يُناديه، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ قُبورِ خَطِيئَتِهِ، لِيَدْخُلَ في حَياةِ النِّعْمَةِ. فَهَلْ المَسيحُ هُوَ حَقًّا طَريقُ حَياتِنا؟ وَهَلْ نَسْمَحُ لِكَلِمَتِهِ أَنْ تُحَرِّرَنا وَتُدْخِلَنا في الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ؟
45 فَآمَنَ بِهِ كَثيرٌ مِنَ اليَهودِ الَّذينَ جاؤوا إِلى مَريَمَ وَرَأَوْا ما صَنَعَ.
تُشيرُ عِبارَةُ "فَآمَنَ بِهِ كَثيرٌ مِنَ اليَهودِ" إِلى الثَّمَرَةِ الإِيمانيَّةِ لِهٰذِهِ الآيَةِ العَظيمَةِ، فَالمُعْجِزَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ إِظْهارِ قُدْرَةٍ، بَلْ دَعْوَةً إِلى الإِيمانِ. فَهٰؤُلاءِ الَّذينَ رَأَوْا وَسَمِعُوا اسْتَجابوا لِصَوْتِ المَسيحِ، فَصارَتْ لَهُمْ الحَياةُ، تَحْقيقًا لِصَلاةِ يَسوعَ: "لِكَيْ يُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي" (يوحنا 11: 42). وَهٰذا الإِيمانُ لَيْسَ عَمَلًا بَشَرِيًّا كامِلًا، بَلْ عَطِيَّةٌ تَحتاجُ إِلى نُمُوٍّ وَتَقْوِيَةٍ. لِذٰلِكَ يَصْدُقُ أَنْ نُرَدِّدَ مَعَ الأَبِ الَّذي كانَ ابْنُهُ مُصابًا: "آمَنْتُ، فَشَدِّدْ إِيماني الضَّعيفَ!" (مرقس 9: 24)، وَمَعَ الرُّسُلِ: «يا رَبِّ، زِدْنا إِيمانًا» (لوقا 17: 5). وَلٰكِنْ، إِلى جانِبِ هٰذا الرَّدِّ الإِيمانيِّ، يَظْهَرُ رَدٌّ آخَرُ مُعاكِسٌ، إِذْ رَفَضَتْ فِئَةٌ مِنَ الأَحْبارِ وَالفِرِّيسيِّينَ الإِيمانَ، رَغْمَ وُجودِ شُهودِ العِيانِ. وَلَمْ يَكُنْ رَفْضُهُمْ ناتِجًا عَنْ نَقْصِ الدَّليلِ، بَلْ عَنْ خَوْفٍ عَلَى سُلْطانِهِم وَنُفُوذِهِم، وَعَلَى الاِسْتِقْرارِ السِّياسيِّ تَحْتَ الحُكْمِ الرُّومانيِّ. فَقِيامةُ لَعازَرَ كَشَفَتْ سُلْطانَ يَسوعَ، وَأَثارتْ خَشْيَتَهُمْ مِنْ حَرَكَةٍ مَسيحانيَّةٍ قَدْ تَجْلِبُ تَدَخُّلَ الرُّومانِ (يُوحَنَّا 11: 48؛ 19: 12)، فَتَآمَروا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ. وَهٰكَذا أَصْبَحَتْ قِيامَةُ لَعازَرَ نُقْطَةَ فَصْلٍ: بَيْنَ الإِيمانِ وَعَدَمِ الإِيمانِ، بَيْنَ مَنْ يَنْفَتِحُ عَلَى عَمَلِ اللهِ وَمَنْ يُغْلِقُ قَلْبَهُ أَمامَهُ.
أَمَّا عِبارَةُ "الَّذينَ جاؤوا إِلى مَريَمَ وَرَأَوْا ما صَنَعَ" فَتُشيرُ إِلى هٰؤُلاءِ الشُّهودِ الَّذينَ رافَقوا مَريَمَ وَبَقُوا مَعَها، وَهِيَ الَّتي كانَت سَبَبًا في حُضُورِهِم وَمُشاهدَتِهِم لِلمُعْجِزَةِ. وَيَغيبُ ذِكْرُ مَرْثا هُنا، لأَنَّ السِّياقَ يَرْبِطُ الأَحْداثَ بِمَريَمَ الَّتي قادَتْهُمْ إِلى لِقاءِ يَسوعَ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِلى هٰذا الاِنْقِسامِ قائلًا: "المُعْجِزَةُ الواحِدَةُ نَفْسُها أَضاءَتْ بَعْضَ القُلوبِ وَأَعْمَتْ أُخْرى"، مُبَيِّنًا أَنَّ الإِيمانَ لا يَعْتَمِدُ فَقَطْ عَلَى رُؤيَةِ الآياتِ، بَلْ عَلَى اِنْفِتاحِ القَلْبِ لِعَمَلِ اللهِ. وَهٰكَذا يَبْقى السُّؤالُ مَطْروحًا: هَلْ نَكُونُ مِنَ الَّذينَ "يَرَوْنَ وَيُؤْمِنونَ"، أَمْ مِنَ الَّذينَ "يَرَوْنَ وَيَرْفُضونَ"؟ فَالإِيمانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ رُؤيَةٍ، بَلْ قَرارُ قَلْبٍ يَنْفَتِحُ لِمَجْدِ اللهِ.
ثانِيًا: تَطْبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليّ (يوحنّا 11: 1–45)
بَعْدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحْليلِهِ (يوحنّا 11: 1–45)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَعْجِزَةِ إِحياءِ لَعازَرَ، حَيْثُ يَنْتَقِلُ مِنَ المَرَضِ (يوحنّا 11: 1)، إِلى المَوْتِ (يوحنّا 11: 15)، ثُمَّ إِلى الحَياةِ بِفَضْلِ سُلطانِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ وَقُوَّتِهِ الإِلهيَّةِ (يوحنّا 11: 44). وَمِنْ هُنا تَنْطَلِقُ أَسْئِلَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ: ما هُوَ مَفْهومُ المَرَضِ؟ وَما هُوَ المَوْتُ؟ وَكَيفَ نَنْتَقِلُ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ؟
1. ما هُوَ مَفْهومُ المَرَضِ في الكِتابِ المُقَدَّس؟ (يوحنّا 11: 5–9)
وَقَعَ حَدَثُ إِحياءِ لَعازَرَ في سِياقِ عِيدِ التَّجْديدِ (يوحنّا 10: 22)، الَّذي كانَ يُحْتَفَلُ بِهِ في أَيّامِ الشِّتاءِ، تِذْكارًا لِتَطْهيرِ الهَيْكَلِ بَعْدَ تَدْنيسِهِ عَلَى يَدِ أَنْطيوخُس أَبِيفانوس (1 مَكّابيين 4: 36–59؛ 2 مَكّابيين 10: 1–8). وَفي جَوِّ هٰذا العيدِ، أَحاطَ رُؤَساءُ اليَهودِ بِيَسوعَ وَطَلَبوا مِنهُ أَنْ يُعْلِنَ صَراحَةً إِنْ كانَ هُوَ المَسيحَ (يوحنّا 10: 24). وَعَقِبَ جَوابِهِ، الَّذي عُدَّ تَجْديفًا، اِنْسَحَبَ إِلى عِبْرِ الأُرْدُنِّ (يوحنّا 10: 40)، وَهُناكَ بُلِّغَ بِمَرَضِ لَعازَرَ الَّذي "كانَ يُحِبُّهُ" (يوحنّا 11: 3، 5).
إِنَّ المَرَضَ لا يَخُصُّ لَعازَرَ وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ إِنسانِيَّةٌ شامِلَةٌ. وَهُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ حَالَةُ ضُعْفٍ وَهَزالٍ، كَما يُعَبِّرُ المُرَنِّمُ: "يَخْفِقُ قَلْبي وَقُوَّتي تُفارِقُني، وَنُورُ عَيْنَيَّ أَيْضًا لَيْسَ مَعِي" (مزمور 38: 11). وَلا يَنْشَغِلُ الكِتابُ المُقَدَّسُ بِتَحْليلٍ عِلْميٍّ لِلمَرَضِ، بَلْ يُرَكِّزُ عَلَى بُعْدِهِ الدِّينيِّ، إِذْ يُظْهِرُ المَرَضُ سُلطانَ المَوْتِ عَلَى الإِنسانِ: "فِيكُمْ كَثيرٌ مِنَ الضُّعَفاءِ وَالمَرْضى، وَكَثيرونَ رَقَدوا" (1 قورنتس 11: 30).
وَقَدْ خُلِقَ الإِنسانُ لِلحَياةِ وَالسَّعادَةِ (تكوين 2)، فَمِنْ أَيْنَ جاءَ المَرَضُ؟ لَمْ يَدْخُلِ المَرَضُ إِلى العالَمِ إِلّا كَنَتيجَةٍ لِلخَطيئَةِ (تكوين 3: 16–19)، فَصارَ مِنْ عَلاماتِ الاِنْفِصالِ عَنِ اللهِ. وَيَرِدُ أَيْضًا كَعَلامَةِ دَيْنُونَةٍ إِلهيَّةٍ (خروج 9: 1–12؛ تثنية 28: 21–22)، لِذٰلِكَ يَقْتَرِنُ طَلَبُ الشِّفاءِ فِي المَزاميرِ بِالاِعتِرافِ بِالخَطيئَةِ: "يا رَبِّ… لا سَلامَةَ في عِظامي مِنْ خَطيئَتي" (مزمور 38: 4).
وَغالبًا ما رَبَطَ الإِنسانُ الدِّينيُّ بَيْنَ المَرَضِ وَالخَطيئَةِ. وَقَدْ أَشارَ يَسوعُ إِلى هٰذا البُعْدِ حينَ قالَ عَنِ المَرْأَةِ المُنْحَنِيَةِ: "هٰذِهِ ابنَةُ إِبراهيمَ قَدْ رَبَطَها الشَّيطانُ مُنْذُ ثَماني عَشْرَةَ سَنَة" (لوقا 13: 16).
وَلٰكِنْ، حِينَ يُصيبُ المَرَضُ الأَبْرارَ، كَما في حَالَةِ أَيّوبَ وَطوبيا، يَأْخُذُ بُعْدًا تَجْرِبِيًّا وَتَطْهيريًّا، إِذْ يَصيرُ اِمْتِحانًا لِلإِيمانِ. وَيُعْلِنُ المَلاكُ رافائيل لِطوبيا: "أُرْسِلْتُ لِأَمْتَحِنَكَ" (طوبيا 12: 13).
أَمَّا في شَخْصِ المَسيحِ، فَيَبْلُغُ الأَلَمُ ذِرْوَتَهُ الخَلاصيَّةَ، إِذْ يَأْخُذُ طابِعًا تَكْفيريًّا: "لَقَدْ حَمَلَ هُوَ آلامَنا وَاحْتَمَلَ أَوْجاعَنا» (أشعيا 53: 4).
أَمَّا في حالَةِ لَعازَرَ، فَقَدْ كانَ المَرَضُ طَريقًا إِلى المَوْتِ، وَالمَوْتُ طَريقًا إِلى إِظْهارِ مَجْدِ اللهِ. فَالمَرَضُ لَمْ يَكُنْ نِهايَةً، بَلْ وَسِيلَةً لِلتَّجَلّي الإِلهيِّ، كَما قالَ يَسوعُ: "هٰذا المَرَضُ لا يَؤُولُ إِلى المَوْتِ، بَلْ إِلى مَجْدِ اللهِ" (يوحنّا 11: 4).
وَمِنْ هُنا، يَتَّضِحُ أَنَّ أَعْمالَ الشِّفاءِ عِنْدَ يَسوعَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَعمالِ رَحْمَةٍ، بَلْ عَلاماتٌ لِمَلَكوتِ اللهِ وَانْتِصارِهِ عَلَى الشَّرِّ وَالمَوْتِ (متى 11: 5). وَلا يَطْلُبُ يَسوعُ مِنَ الإِنسانِ سِوى شَرْطٍ واحِدٍ: الإِيمانُ. "كُلُّ شَيءٍ مُمْكِنٌ لِلَّذي يُؤمِن" (مرقس 9: 23)، وَهٰذا الإِيمانُ هُوَ الَّذي يُخَلِّصُ (متى 9: 22). لِذٰلِكَ، يَبْقى سُؤالُ يَسوعَ لِمَرْثا مُوَجَّهًا إِلَيْنا أَيْضًا: "أَتُؤمِنينَ بِهٰذا؟"(يوحنّا 11: 26). وَهٰكَذا تُصْبِحُ مَعْجِزاتُ الشِّفاءِ إِشاراتٍ مُسْبَقَةً لِلحالَةِ الكامِلَةِ الَّتي سَتَبْلُغُها الإِنسانِيَّةُ في مَلَكوتِ اللهِ، حَيْثُ لا مَرَضَ وَلا مَوْتَ، بَلْ حَياةٌ كامِلَةٌ في شَرِكَةِ اللهِ.
2. ما هُوَ مَفْهومُ المَوْتِ في الكِتابِ المُقَدَّس؟ (يوحنّا 11: 10–33)
المَوْتُ جُزْءٌ مِنْ واقِعِ الحَياةِ الإِنسانيَّةِ، فَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ تَوَقُّفِ وُجودِ الإِنسانِ في شُروطِهِ الجَسَدِيَّةِ. وَلكِنَّ المَنْظورَ الكِتابيَّ، وَخُصوصًا في تَعْليمِ يَسوعَ، يُمَيِّزُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ المَوْتِ: مَوْتٍ جَسَدِيٍّ يُصيبُ الجَسَدَ فَقَط، وَمَوْتٍ رُوحيٍّ يَمسُّ النَّفْسَ أَيْضًا. كَما قالَ الرَّبُّ: "لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ ولا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفْس، بل خافوا الَّذي يَقدِرُ أَنْ يُهلِكَ النَّفْسَ وَالجَسَدَ جَميعًا في جَهَنَّم" (متى 10: 28).
لِذٰلِكَ تُدْعَى حَالَةُ الاِنْغِماسِ في الخَطيئَةِ "مَوْتًا"، كَما يُعَلِّمُ الرَّسولُ: "كُنْتُم أَمْواتًا بِزَلّاتِكُمْ وَخَطاياكُم" (أفسس 2: 1)، وَيُقالُ أَيْضًا عَنْ خَلاصِ الخاطِئِ: "خَلَّصَ نَفْسَهُ مِنَ المَوْت" (يعقوب 5: 20). فَالمَوْتُ الحَقيقيُّ، في عُمْقِهِ، لَيْسَ فَقَطْ نِهايَةً جَسَدِيَّةً، بَلْ اِنْفِصالٌ عَنِ اللهِ، مَصْدَرِ الحَياةِ.
وَتُظْهِرُ قِصَّةُ إِحياءِ لَعازَرَ خِبْرَةَ المَوْتِ مِنْ زَوايا مُتَعَدِّدَةٍ: مَرْثا وَمَرْيَمُ تَخْتَبِرانِ فَقْدانَ الأَخِ، وَيَسوعُ يَخْتَبِرُ حُزْنَ الصَّديقِ. فَالمَوْتُ، في التَّقليدِ الكِتابيِّ، يَظْهَرُ كَحَالَةِ صَمْتٍ وَانْقِطاعٍ: "لَيْسَ الأَمْواتُ يُسَبِّحونَ الرَّبَّ… بَلِ الهابِطونَ إِلى الصَّمْت" (مزمور 115: 17)، وَكَمَوضِعِ ظُلْمَةٍ وَنِسْيانٍ: "أَفي القَبْرِ يُحَدَّثُ بِرَحْمَتِكَ؟ … أَفي الظُّلْمَةِ تُعْرَفُ عَجائِبُكَ؟" (مزمور 88: 12–13). وَيُصَوَّرُ أَيْضًا كَعَوْدَةٍ إِلى التُّرابِ (تكوين 3: 19؛ أيوب 17: 16)، وَكَنَوْمٍ عَميقٍ يَسْتَغيثُ الإِنسانُ لِيَنْجُوَ مِنْهُ: "لِئَلّا أَنامَ نَوْمَةَ المَوْت" (مزمور 13: 4). وَحَتْمِيَّةُ المَوْتِ هِيَ وَاقِعٌ يَشْمَلُ جَميعَ البَشَرِ، كَما قالَ داوودُ: "أَنا ذاهِبٌ في طَريقِ أَهْلِ الأَرضِ كُلِّهِم" (1 ملوك 2: 2). فَالإِنسانُ "تُرابٌ وَإِلى التُّرابِ يَعود" (تكوين 3: 19).
غَيْرَ أَنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لا يَنْظُرُ إِلى المَوْتِ كَظاهِرَةٍ طَبيعِيَّةٍ فَقَط، بَلْ كَنَتيجَةٍ لِلخَطيئَةِ. فَبِعِصْيانِ آدَمَ دَخَلَ المَوْتُ إِلى العالَمِ: "بِإِنسانٍ واحِدٍ دَخَلَتِ الخَطيئَةُ إِلى العالَم، وَبِالخَطيئَةِ دَخَلَ المَوْت" (رومة 5: 12). وَهٰكَذا صارَتِ الخَطيئَةُ "شَوْكَةَ المَوْت" (1 قورنتس 15: 56)، لأَنَّها سَبَبُهُ وَعاقِبَتُهُ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ المَوْتَ "لَيْسَ مِنْ طَبيعَةِ الخَلْقِ، بَلْ دَخَلَ كَعُقوبَةٍ لِلخَطيئَةِ"، مُبَيِّنًا بُعْدَهُ الخَلاصيَّ. فَهُوَ لَيْسَ قَدَرًا أَعْمَى، بَلْ عَلامَةٌ لِلانْفِصالِ عَنِ اللهِ.
وَلِذٰلِكَ، لا يَقْدِرُ الإِنسانُ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ مِنَ المَوْتِ، بَلْ يَحْتاجُ إِلى نِعْمَةِ اللهِ، مَصْدَرِ الحَياةِ. وَقَبْلَ مَجيءِ المَسيحِ، كانَ المَوْتُ سائدًا عَلَى العالَمِ. أَمَّا بِمَجيءِ يَسوعَ، فَقَدْ تَغَيَّرَ مَعْناهُ جِذْرِيًّا: فَبِمَوْتِهِ وَقِيامَتِهِ، حَوَّلَ المَوْتَ مِنْ نِهايَةٍ إِلى عُبورٍ، وَمِنْ لَعْنَةٍ إِلى بَابٍ لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. كَما قالَ يَسوعَ لِمَرْثا: "أَنا القِيامَةُ وَالحَياةُ؛ مَنْ آمَنَ بي وَإِنْ ماتَ فَسَيَحْيا، وَكُلُّ مَنْ يَحْيا وَيُؤمِنُ بي لَنْ يَموتَ أَبَدًا" (يوحنّا 11: 25–26).
وَمِنْ هٰذا المُنْطَلَقِ، لا يَعُودُ المَوْتُ، بالنِّسْبَةِ لِلمُؤمِنِ، نِهايَةً، بَلْ لَحْظَةَ اِلْتِقاءٍ كامِلٍ مَعَ اللهِ. فَهُوَ يَضَعُ حَدًّا لِمَسيرَةِ الإِنسانِ الزَّمَنيَّةِ، لٰكِنَّهُ يَفْتَحُ أَمامَهُ أُفُقَ الأَبَدِيَّةِ. وَلِذٰلِكَ، يُدْعَى كُلُّ إِنسانٍ إِلى الاِسْتِعْدادِ لِهٰذِهِ الحَقيقَةِ، لأَنَّهُ "أَيُّ إِنسانٍ يَحْيا وَلا يَرى المَمات؟" (مزمور 89: 49). وَمِنْ هُنا يَنْبَثِقُ السُّؤالُ الجَوْهَرِيُّ: كَيْفَ نَنْتَقِلُ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ؟
3. كَيْفَ نَنْتَقِلُ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ؟
كانَتْ مَرْثا تُؤْمِنُ بِالقِيامَةِ في اليَومِ الأَخير، لٰكِنَّ المَسيحَ أَعْطاها بُرْهانًا واضِحًا وَمَلْموسًا في إِقامَةِ أَخيها مِنْ بَيْنِ الأَمْوات. فَبِإِحياءِ لَعازَرَ أَثْبَتَ يَسوعُ لِتَلاميذِهِ وَلِلشَّعْبِ أَنَّهُ هُوَ حَقًّا "القِيامَةُ وَالحَياةُ" (يوحنّا 11: 25). وَمُنْذُ حَياتِهِ العَلَنِيَّةِ ظَهَرَتْ عَلاماتُ اِنْتِصارِهِ عَلَى المَوْتِ، بِصُورَةٍ تَصاعُدِيَّةٍ: فَقَدْ أَقامَ ابْنَةَ يائيرُس بَعْدَ خُروجِ روحِها (مرقس 5: 35–43)، وَأَقامَ ابْنَ أَرْمَلَةِ نائينَ وَهُوَ في طَريقِهِ إِلى الدَّفْنِ (لوقا 7: 11–17)، ثُمَّ أَقامَ لَعازَرَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ في القَبْرِ، لِيُعْلِنَ بِذٰلِكَ أَنَّ سُلْطانَهُ يَتَجاوَزُ كُلَّ مَراحِلِ المَوْتِ.
وَعَوْدَةُ لَعازَرَ إِلى الحَياةِ تُؤَيِّدُ ما قالَهُ يَسوعُ عَنْ نَفْسِهِ: "أَنا القِيامَةُ وَالحَياةُ". وَهٰكَذا، فِي المَلَكوتِ الَّذي أَعْلَنَهُ يَسوعُ، بَدَأَ المَوْتُ يَتَراجَعُ أَمامَ حُضورِ الَّذي هُوَ الحَياةُ ذاتُها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ بُطْرُس خريزولوغُس قائلًا: "لَقَدْ سَمَحَ سَيِّدُنا يَسوعُ المَسيحُ بِأَنْ يَذوقَ لَعازَرُ طَعْمَ المَوْتِ، لِأَنَّهُ أَرادَ أَنْ يُقيمَ المَيِّتَ فَيُظْهِرَ مَجْدَ المَسيحِ؛ وَلَقَدْ سَمَحَ بِأَنْ يَنْزِلَ صَديقُهُ إِلى مَثْوى الأَمْواتِ حَتّى يُظْهِرَ اللهُ قُوَّتَهُ، وَيُعيدَ الإِنسانَ مِنَ الجَحيمِ".
وَأَخِيرًا، واجَهَ يَسوعُ المَوْتَ نَفْسَهُ الَّذي كانَتِ البَشَرِيَّةُ غارِقَةً في ظِلالِهِ، كَما قالَ زَكَرِيّا: "لِيُضِيءَ لِلجالِسينَ في الظُّلْمَةِ وَظِلالِ المَوْتِ، وَلِيَهْدِيَ خُطانا في سَبيلِ السَّلامِ" (لوقا 1: 79). فَقَدِ اتَّخَذَ طَبيعَتَنا المُعَرَّضَةَ لِلمَوْتِ، وَارْتَعَشَتْ نَفْسُهُ أَمامَ قَبْرِ لَعازَرَ (يوحنّا 11: 33، 38)، وَاضْطَرَبَ أَمامَ ساعَةِ آلامِهِ، قائِلًا: "الآنَ نَفْسي مُضْطَرِبَةٌ، فَماذا أَقولُ؟ يا أَبَتِ، نَجِّني مِنْ هٰذِهِ السَّاعَةِ! وَلكِنِّي لِهٰذا أَتَيْتُ إِلى هٰذِهِ السَّاعَةِ" (يوحنّا 12: 27). وَقَبِلَ كَأْسَ المَوْتِ المُرَّةَ، كَما قالَ لِبُطْرُسَ: "أَفَلا أَشْرَبُ الكَأْسَ الَّتي ناوَلَني أَبي إِيّاها؟" (يوحنّا 18: 11)، وَ"أَطاعَ حَتّى المَوْتِ، مَوْتَ الصَّليبِ" (فيلبّي 2: 8)، لِيُتِمَّ مَشيئَةَ الآبِ وَيُكَمِّلَ الكُتُبَ (متى 26: 54؛ مرقس 14: 36). مِنْ هُنا، فَإِنَّ الاِتِّحادَ بِمَوْتِ المَسيحِ هُوَ الطَّريقُ الَّذي نَنْتَقِلُ بِهِ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ. وَيَتَجَلّى هٰذا الاِنْتِقالُ بِصُورَتَيْنِ أَساسِيَّتَيْنِ:
(أ) الإِيمانُ بِالمَسيح
يَتَغَيَّرُ مَعْنَى المَوْتِ بِالإِيمانِ. فَبِالإِيمانِ يَنْتَقِلُ الإِنسانُ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ، كَما قالَ يَسوعُ: "مَنْ سَمِعَ كَلامي وَآمَنَ بِمَنْ أَرْسَلَني فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنّا 5: 24). وَمَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لا يَخْشى المَوْتَ، لأَنَّهُ، وَإِنْ ماتَ، فَسَيَحْيا: "أَنا القِيامَةُ وَالحَياةُ؛ مَنْ آمَنَ بي، وَإِنْ ماتَ، فَسَيَحْيا" (يوحنّا 11: 25).
هٰذا هُوَ رِبْحُ الإِيمانِ: فَالَّذي هُوَ "الحَياةُ" قادِرٌ أَنْ يُعيدَ الحَياةَ وَيُحيِيَ المَيِّتَ. وَلِلمَسيحِ القُدْرَةُ أَنْ يَهَبَ الحَياةَ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَعْتَرِفُ بِهِ، كَما اِعْتَرَفَتْ مَرْثا: "نَعَمْ، يا رَبُّ، إِنِّي أُؤْمِنُ بِأَنَّكَ أَنْتَ المَسيحُ ابْنُ اللهِ الآتي إِلى العالَمِ" (يوحنّا 11: 27). فَمَرْثا أَعْلَنَتْ إِيمانَها، وَمَرْيَمُ سَجَدَتْ لَهُ، وَهُنا يَصْطَدِمُ الإِيمانُ بِمَأْساةِ المَوْتِ، لٰكِنَّهُ لا يَنْهارُ أَمامَها، بَلْ يَخْتَرِقُها بِالرَّجاءِ.
قامَ لَعازَرُ مِنَ المَوْتِ وَعاشَ سَنَواتٍ أُخْرى ثُمَّ ماتَ. فَإِذا كانَتْ قِيامَتُهُ لَيْسَتْ خَيالًا وَلا وَهْمًا، بَلْ حَقيقَةً مُؤَكَّدَةً كُشِفَتْ بِعَودَتِهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ مِنَ المَوْتِ، فَكَمْ بِالحَرِيِّ قِيامَةُ الَّذينَ يُؤْمِنونَ بِالمَسيحِ، الَّذي قالَ: "هٰذِهِ مَشيئَةُ أَبي: أَنْ كُلَّ مَنْ يَرى الابْنَ وَيُؤْمِنَ بِهِ تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، وَأَنا أُقيمُهُ في اليَوْمِ الأَخيرِ" (يوحنّا 6: 40).
إِنَّ المَسيحَ الَّذي أَحْيا لَعازَرَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذي سَيُقيمُ جَميعَ الأَمْواتِ في اليَوْمِ الأَخيرِ، كَما قالَ: "لا تَعْجَبوا مِنْ هٰذا، فَإِنَّهُ تَأْتي ساعَةٌ فيها يَسْمَعُ جَميعُ الَّذينَ في القُبورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجونَ: أَمَّا الَّذينَ عَمِلوا الصّالِحاتِ فَإِلى قِيامَةِ الحَياةِ، وَأَمَّا الَّذينَ عَمِلوا السَّيِّئاتِ فَإِلى قِيامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يوحنّا 5: 28–29).
وَقَدْ خَتَمَ يُوحَنَّا إِنجيلَهُ مُؤَكِّدًا هٰذِهِ الحَقيقَةَ: "كُتِبَ هٰذا لِتُؤْمِنوا أَنَّ يَسوعَ هُوَ المَسيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِتَكونَ لَكُم، إِذا آمَنْتُم، الحَياةُ بِاسْمِهِ" (يوحنّا 20: 31). فَالإِيمانُ بِالمَسيحِ يُعْطي الحَياةَ مِنَ الآنِ، لأَنَّ إِنجيلَ يُوحَنَّا لا يَجْعَلُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ حَقِيقَةً مُسْتَقْبَلِيَّةً فَقَطْ، بَلْ عَطِيَّةً حاضِرَةً أَيْضًا: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكُم: تَأْتي ساعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، فيها يَسْمَعُ الأَمْواتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، وَالَّذينَ يَسْمَعُونَهُ يَحْيَوْنَ" (يوحنّا 5: 25).
وَهُناكَ شَرْطٌ آخَرُ لِنَوالِ هٰذِهِ الحَياةِ في اللاهوتِ اليوحنّاويِّ، وَهُوَ الاِتِّحادُ السِّرِّيُّ بِالمَسيحِ في الإِفخارِسْتِيّا: "مَنْ أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، وَأَنا أُقيمُهُ في اليَوْمِ الأَخيرِ" (يوحنّا 6: 54).
أَمَّا الَّذي لا يُؤْمِنُ، فَإِنَّهُ يَموتُ في خَطاياهُ: "إِذا لَمْ تُؤْمِنوا بِأَنِّي أَنا هُوَ، تَموتونَ في خَطاياكُم" (يوحنّا 8: 24). وَهٰكَذا تَتَكَرَّرُ مَأْساةُ الإِنسانِيَّةِ في صِراعِها مَعَ المَوْتِ، وَتَرْتَبِطُ خاتِمَتُها بِمَوْقِفِ كُلِّ واحِدٍ مِنَّا إِزاءَ المَسيحِ وَإِنجيلِهِ:
إِمَّا الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ لِمَنْ يَحْفَظُ كَلامَهُ، وَإِمَّا "المَوْتُ الثّانِي" لِلآخَرينَ (رؤيا 2: 11).
(ب) الاِتِّحادُ بِمَوْتِ المَسيح
يَأْخُذُ المَوْتُ الجَسَدِيُّ، بِالاتِّحادِ بِمَوْتِ المَسيحِ، مَعْنًى جَديدًا. فَلَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ قَدَرٍ حَتْمِيٍّ نَسْتَسْلِمُ لَهُ، أَوْ قَضاءٍ إِلهيٍّ نَقْبَلُهُ، أَوْ حُكْمٍ تَسْتَوْجِبُهُ الخَطيئَةُ، بَلْ يُصْبِحُ مَوْتُ المُؤْمِنِ "في الرَّبِّ" وَ"مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ". كَما يَقولُ بُولُسُ الرَّسولُ: "فَما مِنْ أَحَدٍ مِنَّا يَحْيا لِنَفْسِهِ، وَما مِنْ أَحَدٍ يَموتُ لِنَفْسِهِ. فَإِذا حَيِينا فَلِلرَّبِّ نَحْيا، وَإِذا مُتْنا فَلِلرَّبِّ نَموتُ. سَواءٌ حَيِينا أَمْ مُتْنا فَإِنَّنا لِلرَّبِّ"(رومة 14: 7–8).
وَإِذا ماتَ المُؤْمِنُ شَهيدًا مِنْ أَجْلِ المَسيحِ، فَإِنَّ مَوْتَهُ يَصيرُ ذَبيحَةً مَقْبولَةً أَمامَ اللهِ، كَما قالَ بُولُسُ لِأَهْلِ فِيلِبّي: "فَلَوِ اقْتَضَى الأَمْرُ أَنْ يُراقَ دَمي ذَبيحَةً مُقَرَّبَةً في سَبيلِ إِيمانِكُم، لَفَرِحْتُ" (فيلبّي 2: 17). وَهٰذا المَوْتُ الَّذي بِهِ "يُمَجِّدُ اللهَ" (يوحنّا 21: 19)، يَسْتَحِقُّ إِكْليلَ الحَياةِ (رؤيا 2: 10).
وَبَعْدَ أَنْ كانَ المَوْتُ مَصيرًا مُقْلِقًا، أَضْحى مَوْضوعَ تَطْويبٍ: "طوبى مُنْذُ الآنَ لِلأَمْواتِ الَّذينَ يَموتونَ في الرَّبِّ… فَلْيَسْتَريحوا مِنْ جُهودِهِم، لأَنَّ أَعْمالَهُمْ تَتْبَعُهُمْ» (رؤيا 14: 13). فَمَوْتُ الأَبْرارِ هُوَ دُخولٌ في السَّلامِ (حكمة 3: 3)، وَفي الرّاحَةِ الأَبَدِيَّةِ، وَفي النُّورِ الَّذي لا يَغيبُ.
إِنَّ أَمَلَ الخُلودِ وَالقِيامَةِ، الَّذي كانَتِ البَشَرِيَّةُ تَسْتَشِفُّهُ في العَهْدِ القَديمِ، وَجَدَ في سِرِّ المَسيحِ أَساسَهُ الثّابِتَ. فَالاِتِّحادُ بِمَوْتِهِ لا يَجْعَلُنا نَعيشُ فَقَطْ حَياةً جَديدَةً في الحاضِرِ، بَلْ يَمْنَحُنا أَيْضًا ضَمانَةَ القِيامَةِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ: "الَّذي أَقامَ يَسوعَ المَسيحَ مِنْ بَيْنِ الأَمْواتِ، سَيُحيي أَيْضًا أَجْسادَكُمُ الفانِيَةَ بِرُوحِهِ الحالِّ فيكُم"(رومة 8: 11).
وَعِنْدَئِذٍ نَدْخُلُ بِالقِيامَةِ إِلى عالَمٍ جَديدٍ، حَيْثُ "لِلمَوْتِ لَنْ يَبْقَى وُجودٌ" (رؤيا 21: 4)، وَلا يَرَى القائِمونَ مَعَ المَسيحِ "المَوْتَ الثّانِي" (رؤيا 20: 6)، بَلْ يَكونُ نَصيبُ هٰذا المَوْتِ لِلمَرْذولينَ وَإِبْليسَ وَالمَوْتِ وَالجَحيمِ (رؤيا 20: 14؛ 21: 8).
وَنَسْتَنْتِجُ مِمّا سَبَقَ أَنَّ المَوْتَ، في نِهايَةِ الأَمْرِ، يُصْبِحُ رِبْحًا لِلمُؤْمِنِ، ما دامَ المَسيحُ هُوَ حَياتَهُ، كَما قالَ بُولُسُ الرَّسولُ: "فَالحَياةُ عِندي هِيَ المَسيحُ، وَالمَوْتُ رِبْحٌ" (فيلبّي 1: 21). فَالمُؤْمِنُ، وَإِنْ كانَ ما يَزالُ مُقَيَّدًا بِجَسَدِهِ الفاني، يَشْتاقُ إِلى أَنْ يَرْحَلَ لِيُقيمَ عِنْدَ الرَّبِّ (2 قورنتس 5: 8)، وَيَرْغَبُ فِي أَنْ يَنْطَلِقَ لِيَكونَ مَعَ المَسيحِ (فيلبّي 1: 23)، مُتَعَجِّلًا لِباسَ المَجْدِ الَّذي يَبْتَلِعُ كُلَّ ما هُوَ زائِلٌ فِينا (2 قورنتس 5: 1–4).
لِذٰلِكَ يَخْتِمُ المُرَنِّمُ بِصَلاةِ الرَّجاءِ الكُبْرى: "آمَنْتُ أَنِّي سَأُعايِنُ صَلاحَ الرَّبِّ في أَرْضِ الأَحْياء. اِرْجُ الرَّبَّ، تَشَدَّدْ، وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَارْجُ الرَّبَّ" (مزمور 27: 13–14).
خاتِمَةٌ تَطْبيقِيَّةٌ
يَكْشِفُ إِنْجيلُ إِحياءِ لَعازَرَ أَنَّ الإِنسانَ يَعيشُ في مَسيرَةٍ تَمُرُّ بِثَلاثِ حَقائِقَ كُبْرى: المَرَضِ، وَالمَوْتِ، وَالرَّجاءِ بِالحَياةِ. فَالمَرَضُ يُظْهِرُ ضَعْفَ الإِنسانِ وَهَشاشَتَهُ، وَالمَوْتُ يَضَعُهُ أَمامَ حَدِّهِ الأَقْصى، أَمَّا المَسيحُ فَيَدْخُلُ إِلى هٰذِهِ الحَقائِقِ كُلِّها لا لِيَشْرَحَها نَظَرِيًّا فَقَط، بَلْ لِيُحَوِّلَها مِنَ الدَّاخِلِ.
فَالمَرَضُ، في ضَوْءِ الإِيمانِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ شَرٍّ عابِثٍ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَصيرَ مَجالًا لِظُهورِ مَجْدِ اللهِ. وَالمَوْتُ، في ضَوْءِ المَسيحِ، لَيْسَ الكَلِمَةَ الأَخيرَةَ، بَلْ عُبورٌ نَحْوَ الحَياةِ. أَمَّا الاِنْتِقالُ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ، فَلا يَتِمُّ بِقُدْرَةِ الإِنسانِ الذّاتِيَّةِ، بَلْ بِالإِيمانِ بِالمَسيحِ، وَبِالاتِّحادِ بِمَوْتِهِ وَقِيامَتِهِ.
وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ نَصَّ يُوحَنَّا 11 لا يَتَكَلَّمُ فَقَطْ عَنْ لَعازَرَ، بَلْ عَنْ كُلِّ إِنسانٍ. فَلَعازَرُ يُمَثِّلُ الإِنسانَ المَريضَ وَالمَيِّتَ وَالمَدْفونَ في قُبورِ اليَأْسِ وَالخَطيئَةِ وَالخَوْفِ. وَصَوْتُ يَسوعَ: "يا لَعازَرُ، هَلُمَّ فَاخْرُجْ" هُوَ نِداءٌ مُوَجَّهٌ إِلَى كُلِّ واحِدٍ مِنّا، لِنَخْرُجَ مِنْ قُبورِنا الدّاخِلِيَّةِ، وَمِنْ رُبُطِ المَوْتِ الَّتي تُقَيِّدُنا.
لِذٰلِكَ، فَالتَّطْبيقُ الرَّعَوِيُّ الأَوَّلُ هُوَ أَنْ نَتَعَلَّمَ أَنْ نُواجِهَ المَرَضَ وَالأَلَمَ لا بِيَأْسٍ، بَلْ بِإِيمانٍ وَثِقَةٍ. فَلَيْسَتْ قُوَّةُ الإِيمانِ في إِنْكارِ وَجْعِنا، بَلْ في تَسليمِهِ لِلرَّبِّ، مُوقِنينَ أَنَّهُ قادِرٌ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ خَيْرًا أَعْظَمَ.
وَالتَّطْبيقُ الثّاني هُوَ أَنْ نَنْظُرَ إِلى المَوْتِ بِمَنْظارِ الفِصْحِ، لا بِمَنْظارِ العَدَمِ. فَالمُؤْمِنُ يَبْكي، نَعَم، لٰكِنَّهُ لا يَبْكي كَمَنْ لا رَجاءَ لَهُ. وَدُموعُ المَسيحِ عِنْدَ قَبْرِ لَعازَرَ تُشَرِّعُ لَنا البُكاءَ، وَلٰكِنْ قِيامَتُهُ تُعْطينا أَنْ نُبْقِي هٰذا البُكاءَ مَفْتوحًا عَلَى الرَّجاءِ.
وَالتَّطْبيقُ الثّالِثُ هُوَ أَنْ نَعِيشَ مِنَ الآنِ حَياةَ القِيامَةِ، لا كَحَدَثٍ مُؤَجَّلٍ فَقَط، بَلْ كَنِعْمَةٍ حاضِرَةٍ. فَمَنْ يُؤْمِنُ بِالمَسيحِ، وَيَثْبُتُ في كَلِمَتِهِ، وَيَتَّحِدُ بِهِ في الأَسْرارِ، خُصوصًا في الإِفخارِسْتِيّا، يَبدأُ فِعْلًا في الاِنْتِقالِ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ.
وَالتَّطْبيقُ الرَّعَوِيُّ الأَخِيرُ هُوَ أَنْ نَكُونَ، نَحْنُ أَيْضًا، خُدّامَ حَياةٍ لِلآخَرينَ. فَكَمَا قالَ يَسوعُ لِلواقِفينَ: "حُلُّوهُ وَدَعوهُ يَذْهَب"، هٰكَذا تُدْعَى الكَنيسَةُ إِلى أَنْ تُساعِدَ الإِنسانَ عَلى التَّحَرُّرِ مِنْ رُبُطِ الخَطيئَةِ وَالحُزْنِ وَاليَأْسِ، وَأَنْ تُرافِقَهُ نَحْوَ الحُرِّيَّةِ وَالحَياةِ الجَديدَةِ.
وَبِالتّالي، فَالرِّسالَةُ النِّهائِيَّةُ لِهٰذا النَّصِّ هِيَ أَنَّ المَسيحَ لا يَقِفُ بَعِيدًا عَنْ مَرَضِ الإِنسانِ وَمَوْتِهِ، بَلْ يَدْخُلُ إِلَيْهِما، وَيَبْكي مَعَهُ، ثُمَّ يَدْعوهُ إِلى الخُروجِ. فَيَسوعُ لَيْسَ فَقَطْ مُعَزِّي الحُزْنى، بَلْ هُوَ القِيامَةُ وَالحَياةُ، وَمَنْ يَثِقْ بِهِ لا يَبْقَ في القَبْرِ، بَلْ يَسيرُ نَحْوَ مَجْدِ الحَياةِ الَّتي لا تَزولُ. ٰهذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ لَنا في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا: فَهُوَ الحَيُّ الَّذي مَاتَ وَقامَ، وَهُوَ يُقيمُنا مَعَهُ. وَإِقْرارُنا في قانُونِ الإِيمانِ بِقِيامَةِ الأَمْواتِ وَبِالحَياةِ الأَبَدِيَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَلاوَةٍ، بَلْ شَهادَةُ رَجاءٍ حَيٍّ مَبْنِيٍّ عَلَى سُلْطانِ المَسيحِ عَلَى المَوْتِ. هٰذا هُوَ إِيمانُنا، وَهٰذا هُوَ رَجاؤُنا.
خلاصة
يُشَكِّلُ إِنْجيلُ إِحياءِ لَعازَرَ (يوحنّا 11) ذُرْوَةً لاهوتيّةً في الإِعلانِ اليوحنّاويّ، إِذْ يَجْمَعُ في بُنيةٍ واحِدَةٍ أَبْعادًا مُتَعَدِّدَةً: كِرِسْتولوجيّةً (المسيح)، وَخَلاصِيّةً، وَإِكْلِسِيولوجيّةً (الكنيسة)، وَأَسْخَطولوجيّةً (الأزمنة الأخيرة)، مُنْتَهِيًا إِلى إِعْلانِ مَجْدِ اللهِ في شَخْصِ يَسوعَ المَسيحِ.
فَمِنَ النّاحِيَةِ الكِرِسْتولوجيّةِ، يَتَجَلّى يَسوعُ كَـ «القِيامَةِ وَالحَياةِ» (يو 11: 25)، لا كَمُجَرَّدِ صانِعِ مُعْجِزاتٍ، بَلْ كَمَصْدَرِ الحَياةِ ذاتِها. فَهُوَ يَبْكي كَإِنسانٍ حَقّ، وَيُقيمُ المَيْتَ كَإِلهٍ حَقّ، فَيَجْتَمِعُ في شَخْصِهِ سِرُّ الاتِّحادِ بَيْنَ اللاهوتِ وَالناسوتِ. وَكَما يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "لَمْ يَبْكِ لَعازَرَ وَحْدَهُ، بَلْ بَكى عَلَى الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّةِ الَّتي سَقَطَتْ تَحْتَ سُلطانِ المَوْت". وتَضَعُ الكَنيسَةُ مَعْجِزَةَ قِيامَةِ لَعازَرَ في بِدايَةِ أُسْبوعِ الآلامِ، الَّذي سَيَنْتَهي بِقِيامَةِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ، لِتُظْهِرَ أَنَّ القِيامَةَ هِيَ في سُلْطانِهِ، وَأَنَّ يَسوعَ هُوَ الإِنسانُ الحَقُّ الَّذي بَكى صَديقَهُ لَعازَرَ، وَهُوَ الإِلهُ الحَقُّ الَّذي أَقامَهُ مِنَ القَبْرِ حَيًّا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائلًا: "يُجْري الرَّبُّ هُنا واحِدَةً مِن أَعْظَمِ مُعْجِزاتِهِ، فَكَوْنُهُ الخالِقَ، ها هُوَ الآنَ يُقيمُ خَليقَتَهُ".
وَمِنَ النّاحِيَةِ الخَلاصِيّةِ، لا تَكُونُ قِيامَةُ لَعازَرَ غايَةً في ذاتِها، بَلْ آيَةً تُشيرُ إِلى سِرِّ الفِداءِ. فَالمَسيحُ الَّذي يُقيمُ صَديقَهُ، سَيَدْخُلُ نَفْسَهُ في سِرِّ المَوْتِ لِيَغْلِبَهُ مِنَ الدّاخِلِ. وَهٰكَذا تَصيرُ بَيْتُ عَنْيا مُقَدِّمَةً لِلجُلْجُثَةِ، وَقِيامَةُ لَعازَرَ إِعْلانًا مُسْبَقًا لِقِيامَةِ المَسيحِ نَفْسِها. أَمَّا بُعْدُ الإِيمانِ، فَيَتَجَلّى في شَخْصَي مَرْثا وَمَرْيَمَ، حَيْثُ يَنْتَقِلُ الإِيمانُ مِنْ رَجاءٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ "سَيَقومُ في اليَومِ الأَخير" إِلى إِيمانٍ حَيٍّ بِشَخْصِ المَسيحِ الحاضِر. فَالإِيمانُ في اللاهوتِ اليوحنّاويّ لَيْسَ تَصْديقًا عَقْليًّا فَقَط، بَلْ دُخولًا في عَلاقَةٍ شَخْصِيّةٍ مَعَ المَسيحِ، تَنْقُلُ الإِنسانَ "مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ" (يو 5: 24).
وَمِنَ النّاحِيَةِ الإِكْلِسِيولوجيّةِ (الكنسية)، تَظْهَرُ الجَماعَةُ المُؤمِنَةُ شَريكَةً في عَمَلِ الخَلاصِ: "اِرفَعوا الحَجَر"… "حُلُّوهُ وَدَعوهُ يَذْهَب". فَاللهُ يَهَبُ الحَياةَ، أَمَّا الإِنسانُ فَيُدعَى لِيُساهِمَ في تَحْريرِ أَخيهِ مِنْ رُبُطِ المَوْتِ. وَهٰذا يُشَكِّلُ أُسُسَ الدَّوْرِ الكَنَسِيِّ في خِدْمَةِ المُصالَحَةِ وَالحَياةِ الجَديدَةِ.
أَمَّا مِنَ النّاحِيَةِ الأَسْكتولوجيّةِ، فَقِيامَةُ لَعازَرَ هِيَ عَلامَةٌ لِلقِيامَةِ العامَّةِ، لٰكِنَّها تَكْشِفُ أَيْضًا أَنَّ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ تَبْدَأُ مِنَ الآنِ. فَالمُؤمِنُ، وَإِنْ ماتَ جَسَدِيًّا، فَهُوَ يَحْيا بِالمَسيحِ، لأَنَّهُ مُتَّحِدٌ بِمَنْ هُوَ الحَياةُ ذاتُها.
وَأَخِيرًا، يَكْشِفُ هٰذا الإِنْجيلُ عَنْ مَفْتَرَقِ طُرُقٍ حاسِمٍ: بَيْنَ الإِيمانِ وَعَدَمِ الإِيمانِ. فَبَيْنَما "آمَنَ كَثيرون"، رَفَضَ آخَرون وَتَآمَروا عَلَى قَتْلِ يَسوعَ. وَهٰكَذا تُصْبِحُ الآيَةُ نَفْسُها نُورًا لِلبَعْضِ وَحُكْمًا عَلَى آخَرين، كَما يُشيرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "المُعْجِزَةُ الواحِدَةُ أَضاءَتْ قُلوبًا وَأَعْمَتْ أُخْرى".
وَمِنْ هُنا، يَحْمِلُ النَّصُّ دَعْوَةً رَعَوِيَّةً عَميقَةً: أَنْ يَسْمَعَ الإِنسانُ صَوْتَ المَسيحِ الَّذي يُنادِيهِ بِاسْمِهِ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ قُبورِ خَطِيئَتِهِ وَمَوْتِهِ الدّاخِلِيّ، لِيَدْخُلَ في حَياةِ النِّعْمَةِ وَالمَجْدِ.
فَإِنْ كانَ لَعازَرُ قَدْ خَرَجَ مِنَ القَبْرِ بِصَوْتِ المَسيحِ، فَكُلُّ مُؤمِنٍ مَدْعُوٌّ اليَومَ أَنْ يَسْمَعَ هٰذا الصَّوْتَ عَيْنَهُ:
"هَلُمَّ فَاخْرُجْ"—لِيَخْرُجَ مِنَ المَوْتِ إِلى الحَياةِ، وَمِنَ الظُّلْمَةِ إِلى النُّورِ، وَمِنَ الزَّمَنِ إِلى الأَبَدِيَّةِ.
دُعاء
أيُّهَا الآبُ السَّماوِيُّ،
نَسْأَلُكَ بِاسْمِ ابْنِكَ يَسوعَ المَسيحِ، الَّذي أَقامَ لَعازَرَ مِنَ القَبْرِ،
أَنْ تُنيرَ عُقولَنا وَقُلوبَنا، لِنُدْرِكَ أَنَّهُ لا مَفَرَّ مِنَ المَوْتِ،
وَلٰكِنَّ المَوْتَ لَيْسَ النِّهايَةَ.
هِبْ لَنا نِعْمَةَ الإِيمانِ الحَيِّ، لِنُؤْمِنَ أَنَّ ابْنَكَ هُوَ القِيامَةُ وَالحَياةُ،
وَأَنْ نَسْمَعَ صَوْتَهُ يَدْعُونا كَما دَعا لَعازَرَ، فَنَخْرُجَ مِنْ قُبورِ خَطايانا وَضَعْفِنا.
قَوِّ رَجاءَنا، لِنَسيرَ في طَريقِ الحَياةِ مَعَهُ، وَنَبْلُغَ مَعَهُ مَجْدَ القِيامَةِ،
حَيْثُ نَحْيا مَعَكَ إِلى الأَبَدِ. آمين.
قِصَّة: العَزاءِ المَسيحيّ
وَقَفَ كاهِنٌ يُصَلِّي أَمامَ جُثْمانِ شابٍّ راحِلٍ، رافِعًا قَلْبَهُ إِلى اللهِ، وَقائِلًا:"إِنَّنا نَسْتَوْدِعُ حَبيبَنا بَيْنَ يَدَيْكَ أَيُّها الرَّبّ، وَديعَةً مِنّا لَدَيْكَ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ، حَيْثُ سَنَراهُ كَما هُوَ".
وَبَعْدَ أَنْ وُورِيَ الجُثْمانُ في القَبْرِ، تَقَدَّمَ أَخُ المُتَوَفّى وَهُوَ باكٍ، وَقالَ بِصَوْتٍ مُتَقَطِّعٍ: "هَلْ حَقًّا سَنَلْتَقي مَعًا؟ وَهَلْ سَأَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُني؟ فَهٰذا آخِرُ أَمَلٍ لي".
فَابْتَسَمَ الكاهِنُ بِحُنوٍّ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلى كَتِفِهِ، وَقالَ: "يا أَخي، أَيَّةُ سَعادَةٍ تَبْقى لَنا في هٰذِهِ الحَياةِ إِنْ تَبَخَّرَ هٰذا الرَّجاءُ مِنْ قُلوبِنا، وَتَسَرَّبَ إِلَيْها الشَّكُّ في يَوْمِ اللِّقاء؟ إِنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ لَيْسَتْ اِنْفِصالًا عَنْ هٰذِهِ الحَياةِ، كَما يَظُنُّ كَثيرونَ، بَلْ هِيَ اِكْتِمالُها وَمِلْؤُها. هِيَ البِدايَةُ الحَقيقيَّةُ لِكُلِّ رَجاءٍ يَحْمِلُهُ المُؤْمِنُ في قَلْبِهِ. أَلَمْ يَقُلِ الرَّبُّ لِمَرْثا أُخْتِ لَعازَرَ: "أَنا القِيامَةُ وَالحَياةُ، مَنْ آمَنَ بي، وَإِنْ ماتَ، فَسَيَحْيا" (يوحنّا 11: 25)؟ إِذًا، نَعَم، سَتَلْتَقونَ، وَسَتَتَعارَفونَ، لِأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ أَقْوى مِنَ المَوْتِ، وَالرَّبَّ لا يَفْقِدُ أَحَدًا مِمَّنْ أَحَبَّهُمْ".
فَسَكَنَ قَلْبُ الأَخِ قَليلًا، وَتَحَوَّلَ بُكاؤُهُ مِنْ يَأْسٍ إِلى رَجاءٍ، لأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ القَبْرَ لَيْسَ الكَلِمَةَ الأَخيرَة، وَالمَوْتَ لَيْسَ النِّهايَة/ بَلْ صَوْتُ المَسيحِ هُوَ الكَلِمَةُ الأَخيرَة: "هَلُمَّ فَاخْرُجْ!".