موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّص الإنْجِيلي: (متى 17: 1-9)
1 وبَعدَ سِتَّةِ أَيَّام مَضى يسوعُ بِبُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا، فانفَردَ بِهِم على جَبَلٍ عالٍ، 2وتَجلَّى بِمَرأًى مِنهُم، فأَشَعَّ وَجهُه كالشَّمس، وتَلألأَت ثِيابُه كالنُّور. 3وإِذا موسى وإِيلِيَّا قد تَراءَيا لَهم يُكلِّمانِه. 4فخاطَبَ بُطرُسُ يسوعَ قال: ((يا ربّ، حَسَنٌ أَن نكونَ ههُنا. فإِن شِئتَ، نَصَبْتُ ههُنا ثَلاثَ خِيَم: واحِدَةً لكَ وواحِدَةً لِموسى وواحِدَةً لإِيليَّا )). 5وبَينَما هُوَ يَتَكَلَّم إِذا غَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم، وإِذا صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يقول: ((هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا)). 6فلَمَّا سَمِعَ التَّلاميذُ ذلك، سَقَطوا على وُجوهِهِم، وقدِ استَولى علَيهِم خَوفٌ شديد. 7فدنا يسوعُ ولمَسَهم وقالَ لَهم: ((قوموا، لا تَخافوا)). 8فَرفَعوا أَنظارَهم، فلَم يَرَوا إِلاَّ يسوعَ وحدَه.9وبَينما هم نازلونَ مِنَ الجَبَل، أَوصاهُم يسوعُ قال: ((لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا إِلى أَن يَقومَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات)).
المقدّمة: جَبَلُ ٱلتَّجَلِّي وَجَبَلُ ٱلْجُلْجُلَةِ: قَلْبُ ٱلْبِشَارَةِ
يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ إنجيل متى الأَضْوَاءَ عَلَى كِيَانِ يَسُوعَ وَمَهَمَّتِهِ الإِلٰهِيَّةِ مِنْ خِلَالِ مَشْهَدِ ٱلتَّجَلِّي (متى 17: 1–9)، لِكَيْ يُهَيِّئَ ٱلتَّلَامِيذَ لِقَبُولِ آلامِهِ وَمَوْتِهِ ٱلْمُذِلِّ بِرَجَاءٍ وَشَجَاعَةٍ، فِدَاءً لِلْبَشَرِيَّةِ. فَبَعْدَ ٱعْتِرَافِ بُطْرُسَ، "بَدَأَ يَسُوعُ مِنْ ذٰلِكَ ٱلْحِينِ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً مِنَ ٱلشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ" (متى 16: 21).
إِلَّا أَنَّ ٱلتَّلَامِيذَ لَمْ يَفْهَمُوا لِمَاذَا ٱخْتَارَ مُعَلِّمُهُمْ هٰذَا ٱلطَّرِيقَ. لِذٰلِكَ أَرَاهُمُ ٱللّٰهُ شَيْئًا مِنْ مَجْدِ ٱبْنِهِ عَلَى جبل طابور، لِيُثَبِّتَ قُلُوبَهُمْ وَيَنْزِعَ عَنْهَا ٱلشَّكَّ ٱلَّذِي قَدْ يُثِيرُهُ مَنْظَرُ ٱلآلامِ وَٱلصَّلْبِ، يُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا إِنَّ ٱلْمَسِيحَ "كَشَفَ لَهُمْ قَدْرَ مَا يَسْتَطِيعُونَ ٱحْتِمَالَهُ مِنْ مَجْدِهِ، لِئَلَّا يَتَزَعْزَعُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ ٱلصَّلِيبِ"، فَٱلتَّجَلِّي لَيْسَ ٱنْفِصَالًا عَنِ ٱلآلامِ، بَلْ تَثْبِيتًا لِلْإِيمَانِ فِي وَسَطِهَا. وَيُضِيفُ كيرلس الإسكندري أَنَّ ٱلرَّبَّ "أَظْهَرَ شَيْئًا مِنْ بَهَاءِ لَاهُوتِهِ، لِكَيْ يَفْهَمُوا أَنَّ ٱلَّذِي سَيُسَلَّمُ لِلْمَوْتِ هُوَ رَبُّ ٱلْمَجْدِ نَفْسُهُ"، فَيَتَّضِحُ أَنَّ ٱلْمُتَأَلِّمَ عَلَى ٱلْجُلْجُلَةِ هُوَ عَيْنُهُ ٱلْمُتَجَلِّي عَلَى ٱلْجَبَلِ.
أَمَّا صَوْتُ ٱلْآبِ: "هٰذَا هُوَ ٱبْنِيَ ٱلْحَبِيبُ… لَهُ ٱسْمَعُوا" (متى 17: 5)، فَيُعِيدُ ٱلذِّهْنَ إِلَى ٱلْمَعْمُودِيَّةِ وَيُثَبِّتُ هُوِيَّةَ ٱلِٱبْنِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي سِرِّ ٱلْفِدَاءِ. وَفِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ يَقُولُ أوغسطينوس: "تَجَلَّى لِيُثَبِّتَ ٱلْقُلُوبَ قَبْلَ ٱلْآلامِ، وَأَخْفَى مَجْدَهُ بَعْدَ ذٰلِكَ لِيُتِمَّ سِرَّ ٱلْفِدَاءِ"، فَيَتَكَشَّفُ ٱلْمَجْدُ كَمِرْآةٍ تَنْعَكِسُ فِيهَا حَقِيقَةُ ٱلصَّلِيبِ.
فَٱلتَّجَلِّي عَلَى جَبَلِ طَابُورَ، وَٱلآلامُ عَلَى الجلجلة، حَدَثَانِ مِنْ صَمِيمِ ٱلإِنْجِيلِ لَا يَنْفَصِلَانِ؛ فَٱلْمَجْدُ يُنِيرُ دَرْبَ ٱلصَّلِيبِ، وَٱلصَّلِيبُ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ ٱلْمَجْدِ. وَهُنَا نَكُونُ فِي قَلْبِ ٱلْبِشَارَةِ ٱلإِنْجِيلِيَّةِ، حَيْثُ يَلْتَقِي إِعْلَانُ ٱلْهُوِيَّةِ "هٰذَا هُوَ ٱبْنِي" بِتَدْبِيرِ ٱلْفِدَاءِ " يَجِبُ أَنْ يُقْتَلَ وَيَقُومَ". مِنْ هُنَا تَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ ٱلْبَحْثِ فِي وَقَائِعِ ٱلنَّصِّ، بِنْيَتِهِ ٱللَّاهُوتِيَّةِ، وَرَوَابِطِهِ ٱلْكِتَابِيَّةِ، وَتَطْبِيقَاتِهِ ٱلرَّعَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ ٱلتَّجَلِّي لَيْسَ مُجَرَّدَ حَدَثٍ مَاضٍ، بَلْ مِفْتَاحٌ لِفَهْمِ سِرِّ ٱلْمَسِيحِ: مَجْدٌ يَمُرُّ عَبْرَ ٱلصَّلِيبِ، وَحَيَاةٌ تَنْبُثِقُ مِنَ ٱلْمَوْتِ.
أوَّلاً: وَقَائِعِ ٱلنَّصِّ الإنْجيلي (متى 17: 1-9)
1 وبَعدَ سِتَّةِ أَيَّام مَضى يسوعُ بِبُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا، فانفَردَ بِهِم على جَبَلٍ عالٍ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "سِتَّةِ أَيَّام" (متى 17: 1) إِلَى ٱلْأَيَّامِ ٱلسِّتَّةِ ٱلْوَاقِعَةِ بَيْنَ وَعْدِ ٱلرَّبِّ وَيَوْمِ ٱلتَّجَلِّي، إِذْ أَعْلَنَ: "إِنَّ قَوْمًا مِنَ ٱلْقِيَامِ هَهُنَا لَا يَذُوقُونَ ٱلْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ" (متى 16: 28). فَيَأْتِي ٱلتَّجَلِّي كَتَحَقُّقٍ مُبَكِّرٍ لِهٰذَا ٱلْوَعْدِ، وَكَكَشْفٍ ٱسْتِبَاقِيٍّ لِمَجْدِ ٱلْمَلَكُوتِ. وَيَرَى بَعْضُ ٱلشُّرَّاحِ أَنَّ ٱلرَّقْمَ (6) يَتَّصِلُ بِعِيدِ ٱلْمِظَالِّ סֻכּוֹת (سُكُّوت)، أَحَدِ أَعْيَادِ ٱلْحَجِّ ٱلثَّلَاثَةِ فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْيَهُودِيِّ إِلَى جَانِبِ ٱلْفِصْحِ وَٱلْأَسَابِيعِ، وَيَأْتِي بَعْدَ يَوْمِ ٱلْكَفَّارَةِ יוֹם כִּפּוּר. وَإِذْ كَانَ ٱلْعِيدُ يَسْتَغْرِقُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَيُسَمَّى آخِرُهَا "ٱلْيَوْمَ ٱلْعَظِيمَ مِنَ ٱلْعِيدِ" (يوحنا 7: 37)، فَإِنَّ ٱلرَّمْزَ ٱلْعَدَدِيَّ يَفْتَحُ أُفُقًا لِقِرَاءَةٍ لِيتُورْجِيَّةٍ لِلتَّجَلِّي كَعِيدِ حُضُورٍ إِلٰهِيٍّ. كَمَا أَنَّ ٱلرَّقْمَ (6) يَدُلُّ عَلَى ٱلنَّقْصِ، إِذْ خُلِقَ ٱلْإِنْسَانُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّادِسِ وَفِيهِ سَقَطَ، أَمَّا كَمَالُهُ فَيَتَحَقَّقُ فِي "ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ"؛ أَيْ فِي دُخُولِهِ رَاحَةَ ٱللّٰهِ. وَفِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ يَرَى أوريجانوس أَنَّ ٱلْأَيَّامَ ٱلسِّتَّةَ تُرْمِزُ إِلَى ٱلْعَالَمِ ٱلْمَنْظُورِ، وَيَقُولُ: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَرْتَفِعَ مَعَ ٱلرَّبِّ إِلَى ٱلْجَبَلِ ٱلْعَالِي إِنْ لَمْ يَجْتَزْ أَوَّلًا ٱلْأَيَّامَ ٱلسِّتَّةَ… أَيْ أَنْ لَا يُحِبَّ ٱلْعَالَمَ وَلَا ٱلْأَشْيَاءَ ٱلَّتِي فِيهِ". فَٱلتَّجَلِّي يَفْتَرِضُ تَجَرُّدًا وَٱرْتِقَاءً رُوحِيًّا. أَمَّا إنجيل لوقا (9: 28) فَيَتَكَلَّمُ عَنْ "نَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ"، وَٱلرَّقْمُ (8) رَمْزٌ لِلْخَلِيقَةِ ٱلْجَدِيدَةِ وَلِلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَى يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ، "ٱلْيَوْمِ ٱلثَّامِنِ" فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْمَسِيحِيِّ. وَهٰكَذَا يَغْدُو ٱلتَّجَلِّي إِعْلَانًا مُسْبَقًا لِقِيَامَةِ ٱلْمَسِيحِ وَتَدْشِينًا لِحَيَاتِنَا ٱلْجَدِيدَةِ فِي ٱلْمَلَكُوتِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "بِبُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا" إِلَى ٱلشُّهُودِ المُقرَّبين ٱلثَّلَاثَةِ لِلتَّجَلِّي، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ شُهُودُ إِحْيَاءِ ٱبْنَةِ يَائِيرُس (مرقس 5: 37) وَشُهُودُ نِزَاعِ ٱلرَّبِّ فِي جَثْسَيْمَانِي (مرقس 14: 33). وَٱلرَّقْمُ (3) كَافٍ لِإِثْبَاتِ ٱلشَّهَادَةِ حَسَبَ ٱلشَّرِيعَةِ (تثنية 17: 6). وَيُفَسِّرُ هيلاري أسقف بواتييه ٱخْتِيَارَهُمْ رُوحِيًّا: فَبُطْرُسُ "ٱلصَّخْرَةُ" يُشِيرُ إِلَى ٱلْإِيمَانِ، وَيَعْقُوبُ إِلَى ٱلْجِهَادِ وَٱلْبِرِّ، وَيُوحَنَّا "ٱلْحَبِيبُ" إِلَى ٱلْمَحَبَّةِ؛ وَكَأَنَّ ٱلنَّفْسَ لَا تَرْتَفِعُ إِلَى جَبَلِ ٱلتَّجَلِّي إِلَّا بِإِيمَانٍ عَامِلٍ بِٱلْمَحَبَّةِ وَجِهَادٍ رُوحِيٍّ. وَمَعَ أَنَّ بُطْرُسَ سَيُنْكِرُ، وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا طَلَبَا ٱلْمَجْدَ (متى 20: 20–23)، فَإِنَّ ٱلِٱخْتِيَارَ يَبْقَى نِعْمَةً. وَكَمَا قَالَ البابا فرنسيس: "ٱلشَّهَادَةُ هِبَةٌ لَمْ نَسْتَحِقَّهَا، وَنَشْعُرُ أَحْيَانًا بِأَنَّنَا غَيْرُ مُلَائِمِينَ لَهَا".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَٱنْفَرَدَ بِهِم" إِلَى بُعْدٍ لَاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ يَتَجَاوَزُ المَكَانَ إِلَى حَالَةِ القَلْبِ. فَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ παραλαμβάνει يَعْنِي "يَأْخُذُ مَعَهُ" أَو "يَضُمُّ إِلَيْهِ"، وَهُوَ يَحْمِلُ مَعْنَى القُرْبِ وَالشَّرِكَةِ الخَاصَّةِ. فَيَسُوعُ لَا يَأْخُذُ التَّلَامِيذَ إِلَى مَكَانٍ مُنْعَزِلٍ فَحَسْبُ، بَلْ يُدْخِلُهُمْ فِي خِبْرَةٍ دَاخِلِيَّةٍ، إِلَى عُزْلَةٍ رُوحِيَّةٍ تَكْشِفُ لَهُمْ سِرَّ هُوِيَّتِهِ. إِلَّا أَنَّ الإِنْجِيلَ يَسْتَعْمِلُ الفِعْلَ عَيْنَهُ παραλαμβάνει فِي سِيَاقٍ مُغَايِرٍ فِي رِوَايَةِ التَّجْرِبَةِ: "ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُقَدَّسَةِ…" (متى 4: 5، 8). فَفِي حِينِ يَأْخُذُ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ إِلَى الجَبَلِ لِيُدْخِلَهُمْ فِي سِرِّ المَجْدِ وَالطَّاعَةِ، يَأْخُذُ إِبْلِيسُ يَسُوعَ إِلَى الجَبَلِ لِيُغْوِيَهُ وَيُقَدِّمَ لَهُ مَجْدًا زَائِفًا بِلَا صَلِيبٍ. إِذًا، لَيْسَتِ العُزْلَةُ بِحَدِّ ذَاتِهَا خَيْرًا أَو شَرًّا؛ بَلْ تَتَحَدَّدُ بِمَصْدَرِهَا وَغَايَتِهَا: عُزْلَةٌ تَنْبَعُ مِنَ الصَّلَاةِ وَتُؤَدِّي إِلَى الطَّاعَةِ وَالمَجْدِ الحَقِيقِيِّ. وَعُزْلَةٌ تُقَدِّمُهَا التَّجْرِبَةُ لِتُفْصِلَ الإِنْسَانَ عَنْ إِرَادَةِ الآبِ وَتُغْرِيهِ بِطَرِيقٍ سَهْلٍ بِلَا فِدَاءٍ. وَهُنَا يَتَجَلَّى البُعْدُ الرَّعَوِيُّ: فَالمُؤْمِنُ مَدْعُوٌّ أَنْ يَنْفَرِدَ مَعَ المَسِيحِ لِيَتَغَيَّرَ قَلْبُهُ فِي نُورِ الصَّلَاةِ، لَا أَنْ يَنْعَزِلَ تَحْتَ ذَرِيعَةِ الاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ أَوِ الهُرُوبِ مِنَ الصَّلِيبِ. إِنَّهُ فَرْقٌ دَقِيقٌ بَيْنَ "أَنْ يَأْخُذَنَا المَسِيحُ مَعَهُ" وَ"أَنْ تَأْخُذَنَا التَّجْرِبَةُ عَلَى انْفِرَادٍ". فَالأُولَى تَكْشِفُ هُوِيَّتَنَا كَأَبْنَاءٍ فِي الاِبْنِ، وَالثَّانِيَةُ تُحَاوِلُ أَنْ تَنْزِعَ عَنَّا تِلْكَ الهُوِيَّةَ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "على جَبَلٍ عالٍ" الى أنَّ الإنجيل لَا يُحَدِّدُ ٱسْمَ ٱلْجَبَلِ؛ فَبَعْضُهُمْ يُرَجِّحُ جَبَلَ حَرْمُون، وَيُحَدِّدُ ٱلتَّقْلِيدُ ٱلْكَنَسِيُّ جبل طابور فِي ٱلْجَلِيلِ. غَيْرَ أَنَّ ٱلْجَبَلَ هُنَا ذُو دَلَالَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ أَكْثَرَ مِنْهُ جُغْرَافِيَّةً: فَهُوَ مَكَانُ ٱلْوَحْيِ، كَمَا ظَهَرَ ٱللّٰهُ لِمُوسَى (خروج 24: 12–18) وَلِإِيلِيَّا (1 ملوك 19: 8–18). وَيَقُولُ أفرام السرياني: "ٱلْجَبَلُ صَارَ رَمْزًا لِلْكَنِيسَةِ؛ عَلَى قِمَّتِهِ وَحَّدَ ٱلرَّبُّ ٱلْعَهْدَيْنِ"، فَمُوسَى وَإِيلِيَّا يُجَسِّدَانِ ٱلنَّامُوسَ وَٱلْأَنْبِيَاءَ، وَٱلْمَسِيحُ هُوَ تَمَامُهُمَا (Opera omnia , 41). وَهٰكَذَا يَتَجَلَّى ٱلْجَبَلُ كَرَمْزٍ أُخْرَوِيٍّ أَيْضًا، عَلَى مِثَالِ جَبَلِ صِهْيَوْنَ (مزمور 2: 6)، وَنُبُوءَةِ أَشَعْيَا: "هَلُمُّوا نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ ٱلرَّبِّ… فَيُعَلِّمَنَا طُرُقَهُ" (أشعيا 2: 2–3). فَالجَبَلُ عِنْدَ يَسُوعَ يَقُودُ إِلَى أُورُشَلِيمَ؛ وَالمَجْدُ الحَقِيقِيُّ يَمُرُّ دَائِمًا عَبْرَ الطَّاعَةِ حَتَّى المَوْتِ.
2 وتَجلَّى بِمَرأًى مِنهُم، فأَشَعَّ وَجهُه كالشَّمس، وتَلألأَت ثِيابُه كالنُّور.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَجَلَّى" فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ μετεμορφώθη (مَتِمُورْفُوثِه) إِلَى تَغَيُّرِ ٱلْهَيْئَةِ وَٱلصُّورَةِ، بَيْنَ ٱلنُّورِ ٱلْمَخْفِيِّ وَٱلنُّورِ ٱلْمُعْلَنِ. وَٱلْفِعْلُ نَفْسُهُ يَرِدُ فِي سِيَاقٍ رُوحِيٍّ فِي (رومة 12: 2) لِيَدُلَّ عَلَى ٱلتَّحَوُّلِ ٱلدَّاخِلِيِّ، أَمَّا هُنَا فَيَدُلُّ عَلَى تَحَوُّلٍ مَنْظُورٍ أَمَامَ أَعْيُنِ ٱلرُّسُلِ: تَغَيَّرَ وَجْهُ ٱلْمَسِيحِ وَأَضَاءَ كَٱلشَّمْسِ. لَمْ يَكُنْ ٱلتَّغْيِيرُ فِي جَوْهَرِهِ، بَلْ فِي ٱنْكِشَافِ مَجْدِهِ ٱلَّذِي كَانَ مُسْتَتِرًا بِنَاسُوتِهِ. وَرُبَّمَا ظَهَرَ حِينَئِذٍ بِشَيْءٍ مِنَ ٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي لِنَاسُوتِهِ ٱلْمُمَجَّدِ ٱلآنَ فِي ٱلسَّمَاءِ، كَمَا رَآهُ يُوحَنَّا ٱلْحَبِيبُ فِي سفر الرؤيا: " وَوَجْهُهُ كَٱلشَّمْسِ تُضِيءُ فِي أَبْهَى شُرُوقِهَا" (رؤيا 1: 16). فَٱلتَّجَلِّي إِذًا كَشْفٌ لِمَجْدٍ أُخْرَوِيٍّ فِي وَسَطِ ٱلزَّمَنِ. فسِرُّ ٱلتَّجَلِّي هو بَيْنَ ٱلنُّورِ ٱلْمَخْفِيِّ وَٱلنُّورِ ٱلْمُعْلَنِ. أَمَّا إنجيل لوقا (9: 29) فَتَجَنَّبَ ٱسْتِعْمَالَ لَفْظِ " تَجَلَّى"، وَقَالَ: ἐγένετο ἕτερον " صَارَ وَجْهُهُ آخَرَ"، لِئَلَّا يُفْهَمَ ٱلْحَدَثُ بِمَعْنًى أُسْطُورِيٍّ عِنْدَ ٱلسَّامِعِينَ ٱلْيُونَانِ. فَلَمْ يَكُنْ ٱلْأَمْرُ تَنَاسُخًا أَوْ تَحَوُّلًا مِيثُولُوجِيًّا، بَلْ إِعْلَانًا لِمَا هُوَ كَائِنٌ فِي شَخْصِ ٱلِٱبْنِ مُنْذُ ٱلْأَزَلِ. وَكَانَ مَجْدُ ٱلْمَسِيحِ مُسْتَتِرًا بِنَاسُوتِهِ ٱتِّضَاعًا؛ وَفِي ٱلتَّجَلِّي ٱرْتَفَعَ ٱلْحِجَابُ لَحَظَاتٍ. كَمَا يَقُولُ إيريناوس إِنَّ ٱلْمَسِيحَ " أَظْهَرَ لِتَلَامِيذِهِ مَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ ٱلْإِنْسَانُ عِنْدَ ٱتِّحَادِهِ بِٱللّٰهِ". وَيُؤَكِّدُ أوريجانوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ لَا يَتَغَيَّرُ، " بَلْ ٱلَّذِينَ يَصْعَدُونَ مَعَهُ هُمْ ٱلَّذِينَ يَرَوْنَ مَجْدَهُ". فَٱلتَّجَلِّي لَيْسَ حَدَثًا مَاضِيًا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ دَعْوَةٌ دَائِمَةٌ لِلصُّعُودِ مَعَ ٱلْمَسِيحِ، وَلِلدُّخُولِ فِي سِرِّهِ، حَيْثُ يَكْشِفُ مَجْدَهُ لِمَنْ يَتْبَعُهُ فِي دَرْبِ ٱلصَّلِيبِ. فَٱلْمَجْدُ فِي ٱللُّغَةِ ٱلْعِبْرِيَّةِ هُوَ כָּבוֹד، أَيْ "ٱلثِّقَلُ" أَوِ "ٱلْوَزْنُ"، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى حُضُورِ ٱللَّهِ ٱلْمُهَيْبِ ٱلْمَلْمُوسِ فِي ٱلتَّارِيخِ. وَهَذَا ٱلثِّقَلُ ٱلإِلٰهِيُّ لَمْ يَبْلُغْ مِلْأَهُ إِلَّا فِي سَاعَةِ ٱلْفِصْحِ، حِينَ ٱنْكَشَفَ أَنَّ مَا بَدَا عَارًا وَضَعْفًا عَلَى ٱلصَّلِيبِ كَانَ فِي ٱلْحَقِيقَةِ أَثْقَلَ حُضُورٍ إِلٰهِيٍّ فِي ٱلتَّارِيخِ. لِذٰلِكَ يَقُولُ يَسُوعُ فِي سَاعَةِ ٱلْعَبُورِ: "ٱلْآنَ تَمَجَّدَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ" (يوحنا 13: 31). فَٱلصَّلِيبُ لَيْسَ نَقِيضَ ٱلْمَجْدِ، بَلْ بَدَايَتُهُ. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ "ٱلثِّقَلُ» مِنْ عِبْءِ أَلَمٍ إِلَى «ثِقَلِ مَجْدٍ"، كَمَا يَقُولُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ: "ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا" (2 قورنتس 4: 17)، وَفِي ٱلنَّصِّ ٱلْيُونَانِيّ ِ: βάρος δόξης، أَيْ وَزْنُ ٱلْمَجْدِ، فَيَلْتَقِي ٱلْمَعْنَى ٱلْيُونَانِيُّ مَعَ جِذْرِ כָּבוֹד ٱلْعِبْرِيِّ فِي لُغَةِ "ٱلثِّقَلِ" ٱلَّذِي لَا يَعُودُ عِبْئًا، بَلْ ٱمْتِلَاءَ حُضُورٍ وَٱنْتِصَارَ مَحَبَّةٍ.
تَرِدُ ٱلْعِبَارَةُ "بِمَرْأًى مِنْهُمْ" فِي ٱلْيُونَانِيَّةِ: ἔμπροσθεν αὐτῶν (قُدَّامَهُمْ). الى شَهَادَة ٱلرُّؤْيَةِ، أَيْ إِنَّهُمْ رَأَوْا مَا لَمْ يَرَوْهُ مِنْ قَبْلُ. وَيُعَلِّقُ أوريجانوس: "لَا يَرَى مَجْدَهُ إِلَّا مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ ٱلْحِكْمَةِ". فَٱلتَّجَلِّي يَتَطَلَّبُ صُعُودًا، وَٱلصُّعُودُ يَتَطَلَّبُ إِيمَانًا وَنَقَاوَةَ قَلْبٍ. إِنَّ ٱللّٰهَ يَكْشِفُ مَجْدَهُ لَا مِنْ خِلَالِ قُوَى ٱلطَّبِيعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي شَخْصِ ٱبْنِهِ ٱلْمُتَجَسِّدِ: " رَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلْآبِ" (يوحنا 1: 14). فَٱلتَّجَلِّي هُوَ ٱسْتِبَاقٌ لِلْقِيَامَةِ (مرقس 9: 2–13)، وَدَعْوَةٌ لَنَا لِنَبْحَثَ عَنْ حُضُورِهِ بِإِيمَانٍ وَتَقْوَى. فَهَلْ نَصْعَدُ نَحْنُ أَيْضًا إِلَى جَبَلِ ٱلنُّورِ؟
تَرِدُ ٱلْعِبَارَةُ "فَأَشَعَّ وَجْهُهُ" فِي ٱلْيُونَانِيَّةِ: ἔλαμψεν τὸ πρόσωπον αὐτοῦ (أَضَاءَ وَجْهُهُ). إِنَّهُ لَيْسَ نُورًا خَارِجِيًّا، بَلْ نُورٌ يَنْبَعُ مِنْ دَاخِلِ شَخْصِهِ، نُورُ ٱلْأُقْنُومِ ٱلْمُتَجَسِّدِ. وَفِي ضَوْءِ مُقَدِّمَةِ إنجيل يوحنا: " فِيهِ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ وَٱلْحَيَاةُ نُورُ ٱلنَّاسِ" (1: 4)، يَتَّضِحُ أَنَّ ٱلنُّورَ هُوَ حَيَاتُهُ ٱلْإِلٰهِيَّةُ نَفْسُهَا. وَيُعَلِّقُ ايرونيموس قَائِلًا: " لَمْ يَنْزِعِ ٱلرَّبُّ عَنْ نَفْسِهِ صُورَتَهُ، بَلْ أَظْهَرَ فِيهَا بَهَاءَ ٱلسُّمُوِّ". فَٱلتَّجَلِّي لَيْسَ خَلْعًا لِلنَّاسُوتِ، بَلْ تَشْرِيقًا لَهُ بِنُورِ ٱللَّاهُوتِ. وَهُنَا صَدًى لِمُوسَى عِنْدَمَا أَشْرَقَ وَجْهُهُ (خروج 34: 29). لَكِنَّ نُورَ مُوسَى كَانَ مُسْتَمَدًّا، أَمَّا نُورُ ٱلْمَسِيحِ فَجَوْهَرِيٌّ. فَمُوسَى خَادِمٌ فِي بَيْتِ ٱللّٰهِ، أَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَٱلِٱبْنُ وَرَبُّ ٱلْبَيْتِ.
أَمَّا عِبَارَةُ " كَٱلشَّمْسِ" فَتُشِيرُ إِلَى " شَمْسِ ٱلْبِرِّ" (ملاخي 3: 20). وَيَقُولُ غريغوريوس بالاماس إِنَّ هٰذَا " ٱلنُّورَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، كَانَ كَامِنًا فِي ٱلسَّيِّدِ، وَأُعْلِنَ لِلتَّلَامِيذِ بِحَسَبِ ٱحْتِمَالِهِمْ". فَهُوَ نُورُ ٱلطَّبِيعَةِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ، لَا نُورٌ حِسِّيٌّ زَائِلٌ.
تُشيرالعبارة " تَلَأْلَأَتْ ثِيَابُهُ" فِي ٱلْيُونَانِيَّةِ τὰ δὲ ἱμάτια αὐτοῦ ἐγένετο λευκά (صَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ) الى رِدَاءِ ٱلْمَجْدِ وَرَمْزِ ٱلْقِيَامَةِ. إذ ان ٱلْبَيَاضُ رَمْزُ ٱلْمَجْدِ ٱلسَّمَاوِيِّ (دانيال 7: 9)، وَعَلَامَةُ ٱلْغَالِبِينَ فِي سفر الرؤيا (3: 4–5). إِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى ثَوْبِ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ ٱلْأَبْيَضِ، وَثَوْبِ ٱلْعُرْسِ ٱلْأَبَدِيِّ، وَإِلَى ٱلْإِشْتِرَاكِ فِي ٱلْفِصْحِ. أَمَّا ٱلْخَطِيئَةُ فَتُعَرِّي ٱلْإِنْسَانَ (تكوين 3: 7)، وَتُفْقِدُهُ ثَوْبَ ٱلْمَجْدِ؛ أَمَّا ٱلتَّجَلِّي فَيُعِيدُ ٱلصُّورَةَ ٱلْأُولَى، وَيُشِيرُ إِلَى ٱلْخَلِيقَةِ ٱلْجَدِيدَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ " كَٱلنُّورِ" فَتُشِيرُ، وَفْقَ شَهَادَةِ ٱلْأَنَاجِيلِ، إِلَى أَنَّ ٱلَّذِي ظَهَرَ عَلَى ٱلْجَبَلِ لَمْ يَكُنْ نُورًا حِسِّيًّا مَخْلُوقًا، بَلْ ضِيَاءَ ٱلطَّبِيعَةِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ ٱلَّتِي تُشِعُّ مِنْ شَخْصِ ٱلِٱبْنِ. فَهُوَ نُورٌ يَفُوقُ ٱلضَّوْءَ ٱلمَادِّيَّ، لِأَنَّهُ نُورُ ٱللّٰهِ نَفْسِهِ، ٱلَّذِي ٱحْتَجَبَ فِي ٱلتَّجَسُّدِ تَوَاضُعًا، ثُمَّ ٱنْكَشَفَ لَحَظَاتٍ فِي ٱلتَّجَلِّي لِتَثْبِيتِ ٱلتَّلَامِيذِ وَإِعْلَانِ هُوِيَّةِ ٱلْمَسِيحِ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى يُؤَكِّدُ ٱلْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ ٱلتَّسَالُونِيكِيّ (بالاماس) أَنَّ نُورَ ٱلتَّجَلِّي هُوَ " ٱلنُّورُ غَيْرُ ٱلْمَخْلُوقِ ٱلَّذِي كَانَ كَامِنًا فِي ٱلسَّيِّدِ، وَأَخْفَاهُ فِي نَاسُوتِهِ عِنْدَ ٱلتَّجَسُّدِ لَمَّا ٱتَّخَذَ صُورَةَ عَبْدٍ"، أَيْ أَنَّ ٱلتَّجَلِّي لَا يَزِيدُ ٱلْمَسِيحَ مَجْدًا، بَلْ يَكْشِفُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ مَجْدٍ أَزَلِيٍّ، وَيُدْخِلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِي أُفُقِ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلْخَلِيقَةِ ٱلْجَدِيدَةِ.
3 وإِذا موسى وإِيلِيَّا قد تَراءَيا لَهم يُكلِّمانِه
تُشِيرُ عِبَارَةُ " مُوسَى وَإِيلِيَّا" (متى 17: 3) إِلَى ٱلشَّاهِدَيْنِ ٱلَّذَيْنِ يُمَثِّلَانِ ٱلْعَهْدَ ٱلْقَدِيمَ: مُوسَى لِلنَّامُوسِ، وَإِيلِيَّا لِلْأَنْبِيَاءِ. فِي ٱجْتِمَاعِهِمَا بِٱلْمَسِيحِ عَلَى ٱلْجَبَلِ يَتَجَلَّى أَنَّ ٱلنَّامُوسَ وَٱلنُّبُوءَةَ كَانَا يَتَوَجَّهَانِ نَحْوَهُ كَتَمَامٍ وَغَايَةٍ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ظُهُورَهُمَا " يُثْبِتُ أَنَّهُ لَيْسَ نَاقِضًا لِلنَّامُوسِ وَلَا مُخَالِفًا لِلْأَنْبِيَاءِ، بَلْ هُوَ رَبُّ ٱلنَّامُوسِ وَمُتَمِّمُ ٱلنُّبُوءَاتِ". كَانَ مُنْتَظَرًا، حَسَبَ مَلَاخِي (3: 23)، أَنْ يَأْتِيَ إِيلِيَّا قَبْلَ ٱلْمَسِيحِ، وَيُطَابِقُ ٱلْإِنْجِيلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ (متى 17: 12). أَمَّا مُوسَى فَقَدْ ٱرْتَبَطَ بِمَصِيرٍ سِرِّيٍّ: " دَفَنَهُ ٱللّٰهُ… وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ قَبْرَهُ" (تثنية 34: 6)، فِي حِينِ أَنَّ إِيلِيَّا " صَعِدَ فِي ٱلْعَاصِفَةِ إِلَى ٱلسَّمَاءِ" (2 ملوك 2: 11). وَإِذْ " تَرَاءَيَا بِمَجْدٍ" كَمَا يَرْوِي إنجيل لوقا (9: 31)، فَهُمَا يَظْهَرَانِ فِي وَضْعٍ سَمَاوِيٍّ، شَارَكَا فِيهِ سِرَّ ٱلْمَجْدِ ٱلْإِلٰهِيِّ. وَيُفَسِّرُ ٱلْقِدِّيسُ كيرلس الإسكندري هٰذَا ٱلْمَشْهَدَ قَائِلًا إِنَّ مُوسَى وَإِيلِيَّا " يَقِفَانِ خَادِمَيْنِ أَمَامَ ٱلسَّيِّدِ، لِأَنَّ ٱلْخَادِمَ يَتَوَارَى أَمَامَ ٱبْنِ ٱلْبَيْتِ". فَٱلْعَهْدُ ٱلْقَدِيمُ يَسْلِمُ ٱلشَّهَادَةَ لِلِٱبْنِ ٱلْوَحِيدِ. بِحُضُورِ مُوسَى وَإِيلِيَّا، يَتَبَيَّنُ أَنَّ وَظِيفَتَهُمَا تَنْتَهِي عِنْدَ ٱلْمَسِيحِ. فَٱلنَّامُوسُ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَٱلْأَنْبِيَاءُ يُنَبِّئُونَ بِهِ، وَفِيهِ يَتِمُّ ٱلْكُلُّ. وَيَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أفرام السرياني إِنَّ " مُوسَى وَإِيلِيَّا كَلَّمَا ٱلسَّيِّدَ لِيُظْهِرَا أَنَّ ٱلشَّرِيعَةَ وَٱلنُّبُوءَةَ كَانَتَا تُنْصِتَانِ إِلَى صَوْتِهِ وَتَنْتَظِرَانِ ٱكْتِمَالَهُمَا فِيهِ".
تُشِير عِبَارَةُ "تَرَاءَيَا لَهُمْ" الفِعْلُ اليُونَانِيُّ ὤφθησαν هُوَ صِيغَةُ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ مِ (يَرَى). وَفِي اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ يُسَمَّى «المَبْنِيُّ الإِلَهِيُّ»، أَيْ إِنَّ الفَاعِلَ الضِّمْنِيَّ هُوَ اللهُ. موسى وإِيلِيَّا لَمْ «يَظْهَرَا» مِنْ ذَاتِهِمَا، بَلْ "أُظْهِرَا" بِتَدْبِيرٍ إِلَهِيٍّ. وَبِظُهُورِهِمَا مَعَ المَسِيحِ يَتَجَلَّى أَنَّهُ تَتْمِيمُ الكِتَابِ كُلِّهِ، وَأَنَّ التَّارِيخَ الخَلَاصِيَّ يَلْتَقِي فِيهِ. "تَرَاءَيَا" تَعْنِي أَنَّ السَّمَاءَ انْفَتَحَتْ لِلحَظَةٍ، وَأَنَّ الزَّمَنَ الأَرْضِيَّ تَلَاقَى مَعَ الأَبَدِيَّةِ. إِنَّهُ لَيْسَ مَشْهَدًا خَيَالِيًّا، بَلْ كَشْفٌ نُبُوِيٌّ يُثَبِّتُ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الصَّلِيبِ هُوَ فِي قَلْبِ مَشِيئَةِ اللهِ. فَظُهُورُ مُوسَى وَإِيلِيَّا لَيْسَ إِضَافَةً زِينَةً لِلْمَشْهَدِ، بَلْ شَهَادَةً أَنَّ المَسِيحَ هُوَ مِحْوَرُ الشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ مَجْدَهُ يَمُرُّ عَبْرَ أُورُشَلِيمَ نَحْوَ القِيَامَةِ.
في عبارة "يُكَلِّمَانِهِ" يُحَدِّدُ إنجيل لوقا مَوْضُوعَ ٱلْحَدِيثِ: " رَحِيلِهِ ٱلَّذِي سَيَتِمُّ فِي أُورَشَلِيمَ" (9: 31). وَٱلْكَلِمَةُ ٱلْيُونَانِيَّةُ ἔξοδος " خُرُوج" تَرْبِطُ بَيْنَ خُرُوجِ مُوسَى وَفِصْحِ ٱلْمَسِيحِ. وَيَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أمبروسيوس إِنَّ ٱلْمَسِيحَ " يُتِمُّ فِي أُورَشَلِيمَ خُرُوجًا أَعْظَمَ مِنْ خُرُوجِ مُوسَى، لِأَنَّهُ لَا يُحَرِّرُ مِنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ، بَلْ مِنْ عُبُودِيَّةِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْخَطِيئَةِ". وَهُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ ٱلْمَجْدَ ٱلْمُنْكَشِفَ عَلَى ٱلْجَبَلِ يَرْتَبِطُ جَوْهَرِيًّا بِٱلصَّلِيبِ. فَلَيْسَ ٱلتَّجَلِّي هُرُوبًا مِنَ ٱلْآلَامِ، بَلْ تَثْبِيتًا لِمَعْنَاهَا. وَيُؤَكِّدُ ٱلْقِدِّيسُ إيريناوس أَنَّ " ٱلْأَنْبِيَاءَ شَهِدُوا مُسْبَقًا لِآلَامِ ٱلْمَسِيحِ وَمَجْدِهِ"، وَهُوَ مَا يُرَدِّدُهُ ٱلرَّسُولُ بُطْرُسُ: " شَهِدَ رُوحُ ٱلْمَسِيحِ… بِمَا عُدَّ لِلْمَسِيحِ مِنَ ٱلْآلَامِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ ٱلْمَجْدِ" (1 بطرس 1: 11). هٰكَذَا يَتَحَوَّلُ مَشْهَدُ ٱلتَّجَلِّي إِلَى إِعْلَانٍ لِاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ: ٱلتَّارِيخُ ٱلْخَلَاصِيُّ كُلُّهُ يَلْتَقِي فِي شَخْصِ ٱلْمَسِيحِ، وَٱلْمَجْدُ ٱلْمُعْلَنُ عَلَى ٱلْجَبَلِ يُمَهِّدُ لِلْمَجْدِ ٱلَّذِي سَيَنْبُثِقُ مِنَ ٱلصَّلِيبِ وَٱلْقِيَامَةِ.
4 فخاطَبَ بُطرُسُ يسوعَ قال: يا ربّ، حَسَنٌ أَن نكونَ ههُنا. فإِن شِئتَ، نَصَبْتُ ههُنا ثَلاثَ خِيَم: واحِدَةً لكَ وواحِدَةً لِموسى وواحِدَةً لإِيليَّا.
تشير عبارة "فخاطَبَ بُطرُسُ " الى مُبَادَرة بُطْرُسُ فِي ٱلْكَلَامِ كَعَادَتِهِ (يوحنا 20: 5، 21: 7). فَتَكَلَّمَ فِي نَشْوَةِ ٱلْمَجْدِ، مُقْتَرِحًا إِطَالَةَ ٱللَّحْظَةِ وَتَثْبِيتَهَا. وَيُظْهِرُ إنجيل لوقا (9: 33) أَنَّهُ قَالَ ذٰلِكَ " حِينَ هَمَّا بِٱلِٱنْصِرَافِ عَنْهُ"، أَيْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ رَحِيلَ مُوسَى وَإِيلِيَّا.
تَحْمِلُ ٱلْعِبَارَةُ " حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا" مَعَانٍ مُحْتَمَلَة:
رُبَّمَا عَبَّرَ بُطْرُسُ عَنْ فَرَحٍ شَبِيهٍ بِفَرَحِ إِبْرَاهِيمَ فِي ٱسْتِقْبَالِ ٱلضُّيُوفِ (تكوين 18)، أَوْ رَغِبَ فِي خِدْمَةِ مُوسَى وَإِيلِيَّا، أَوْ أَرَادَ ٱلْبَقَاءَ عَلَى ٱلْجَبَلِ هَرَبًا مِنْ دَرْبِ ٱلْآلَامِ ٱلَّذِي أَعْلَنَهُ ٱلرَّبُّ (متى 16: 21). وَيُفَسِّرُ ٱلْعَلَّامَةُ أوريجانوس قَوْلَهُ بِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْ خَوْفٍ عَلَى ٱلسَّيِّدِ: " أَرَادَ أَنْ يَبْقَى ٱلسَّيِّدُ عَلَى ٱلْجَبَلِ لِئَلَّا يَنْزِلَ إِلَى أُورَشَلِيمَ، فَلَا يَتَعَرَّضَ لِلْمَوْتِ". فَٱلْجَبَلُ، فِي ذِهْنِ بُطْرُسَ، مَلَاذٌ مِنَ ٱلِٱضْطِهَادِ. لٰكِنَّهُ أَسَاءَ فَهْمَ سِرِّ ٱلتَّجَلِّي، لِأَنَّهُ أَرَادَ ٱلْمَجْدَ دُونَ ٱلصَّلِيبِ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس قَائِلًا: " كَانَ بُطْرُسُ يُرِيدُ ٱلْبَقَاءَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ عَلَى ٱلْجَبَلِ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ بَعْدُ أَنَّ ٱلطَّرِيقَ إِلَى ٱلْمَجْدِ يَمُرُّ عَبْرَ ٱلتَّعَبِ وَٱلصَّلِيبِ… يَسُوعُ ٱلْحَيَاةُ نَزَلَ لِيُقْتَلَ، وَيَسُوعُ ٱلْخُبْزُ نَزَلَ لِيَجُوعَ، وَأَنْتَ تَرْفُضُ أَنْ تَتْبَعَهُ فِي طَرِيقِ ٱلْمَشَقَّةِ؟".
تشير عبارة "نَصَبْتُ ثَلَاثَ خِيَم" الى بُعْدِ لِيتُورْجِيٍّ وَخَلَاصِيٍّ. ٱلْفِعْلُ ٱلْيُونَانِيُّ (ποιήσω) يَعْنِي " أَصْنَعُ". وَٱلْخِيَامُ (σκηναί) تُحِيلُ إِلَى عِيدِ ٱلْمِظَالِّ (سُكُّوت)، حَيْثُ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يُقِيمُونَ مَظَالَّ مِنْ أَغْصَانِ ٱلشَّجَرِ (لاويين 23: 42)، تَذْكَارًا لِسُكْنَى ٱللّٰهِ مَعَهُمْ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ.
وَتُذَكِّرُ "ٱلْخِيَمُ" أَيْضًا بِـ " خَيْمَةِ ٱلِٱجْتِمَاعِ" ٱلَّتِي أَمَرَ ٱللّٰهُ مُوسَى أَنْ يُقِيمَهَا: " فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا فَأَسْكُنُ فِي وَسَطِهِمْ" (خروج 25: 8). كَانَتْ مَرْكَزَ ٱلْعِبَادَةِ وَرَمْزَ حُضُورِ ٱللّٰهِ بَيْنَ شَعْبِهِ. وَفِي ٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ تُصْبِحُ ٱلْخَيْمَةُ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ نَفْسِهِ (عبرانيين 9: 11)، وَيُعْلِنُ سفر الرؤيا: " هُوَذَا مَسْكَنُ ٱللّٰهِ مَعَ ٱلنَّاسِ" (21: 3). .إِذًا، فِي ٱقْتِرَاحِ بُطْرُسَ بِنَصْبِ ٱلْخِيَامِ، رَغْبَةٌ فِي تَثْبِيتِ ٱلْمَجْدِ وَإِدْخَالِ ٱلزَّمَنِ فِي ٱلْأَبَدِيَّةِ. أَرَادَ أَنْ " يُوقِفَ ٱلزَّمَنَ" وَيُدْخِلَ ٱلْأَبَدِيَّةَ مِنَ ٱلْآنِ. لٰكِنَّ ٱلْمَجْدَ ٱلْحَقِيقِيَّ لَا يُثَبَّتُ بِخِيَمٍ أَرْضِيَّةٍ، بَلْ يُنَالُ بِٱجْتِيَازِ ٱلصَّلِيبِ. إِنَّ عَفْوِيَّةَ بُطْرُسَ وَوَاقِعِيَّةَ ٱقْتِرَاحِهِ تَدُلَّانِ عَلَى تَارِيخِيَّةِ ٱلْحَدَثِ؛ لَمْ يَكُنْ مَشْهَدًا رَمْزِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ خِبْرَةً مَعِيشَةً. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ ٱلْمَغْزَى ٱللَّاهُوتِيَّ أَعْمَقُ: لَا مَجْدَ دُونَ صَلِيبٍ. لَا قِيَامَةَ دُونَ آلامٍ. لَا خَيْمَةَ أَبَدِيَّةَ دُونَ " رَحِيلٍ" فِي أُورَشَلِيمَ. فَٱلتَّجَلِّي لَيْسَ نِهَايَةَ ٱلطَّرِيقِ، بَلْ تَشْدِيدٌ لِلْقُلُوبِ قَبْلَ ٱلنُّزُولِ إِلَى ٱلْوَادِي، حَيْثُ يَنْتَظِرُ ٱلْعَالَمُ ٱلْفِدَاءَ.
5 وبَينَما هُوَ يَتَكَلَّم إِذا غَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم، وإِذا صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يقول: هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا
تُشِيرُ عِبَارَةُ " غَمَامٌ نَيِّرٌ" (متى 17: 5) إِلَى عَلَامَةِ حُضُورِ ٱللّٰهِ وَظُهُورِهِ ٱلْمَجِيدِ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ. فَٱلْغَمَامُ رَافَقَ مَسِيرَةَ ٱلْخُرُوجِ (خروج 19: 16)، وَمَلَأَ خَيْمَةَ ٱلِٱجْتِمَاعِ (خروج 40: 34–35)، وَغَشِيَ ٱلْهَيْكَلَ عِنْدَ تَدْشِينِهِ فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ (1 ملوك 8: 10–12). وَسُمِّيَ " مَجْدَ ٱلرَّبِّ"، وَوُصِفَ أَيْضًا بِأَنَّهُ " مَرْكَبَتُهُ" (مزمور 104: 3). فِي ٱلتَّجَلِّي لَا يَظْهَرُ ٱللّٰهُ فِي نَارٍ مُرْهِبَةٍ كَمَا فِي سِينَاء، بَلْ فِي " غَمَامٍ نَيِّرٍ"، أَيْ فِي حُضُورٍ مَجِيدٍ وَلَطِيفٍ فِي آنٍ مَعًا. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ غريغوريوس النزينزي أَنَّ ٱلْغَمَامَ " لَيْسَ حِجَابًا لِحَجْبِ ٱللّٰهِ، بَلْ وَسِيلَةً لِتَقْرِيبِ ٱلنُّورِ إِلَى مَا تَحْتَمِلُهُ أَعْيُنُ ٱلْبَشَرِ". فَهُوَ نُورٌ يُظَلِّلُ، لَا يُفْنِي. وَهٰذَا ٱلْغَمَامُ نَفْسُهُ رَافَقَ تَجَلِّي ٱلْمَجْدِ فِي مِيلَادِ ٱلرَّبِّ (لوقا 2: 9)، وَفِي صُعُودِهِ (أعمال الرسل 1: 9)، وَسَيُحِيطُ بِهِ فِي مَجِيئِهِ ٱلثَّانِي (متى 24: 30). إِنَّهُ خَيْطٌ لَاهُوتِيٌّ يَرْبِطُ بَيْنَ ٱلتَّجَسُّدِ وَٱلْقِيَامَةِ وَٱلْمَجْدِ ٱلْأُخْرَوِيِّ.
تشير عبارة "ظَلَّلَهُمْ": الى حُضُور الله. تَرِدُ ٱلْعِبَارَةُ فِي إنجيل لوقا (9: 34): " فَظَلَّلَهُمْ ٱلْغَمَامُ". وَيَسْتَعْمِلُ لُوقَا ٱلْفِعْلَ ٱلَّذِي ٱسْتُعْمِلَ أَيْضًا فِي ٱلْبِشَارَةِ لِمَرْيَمَ: " ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ ٱلْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ" (لوقا 1: 35). فَكَمَا ظَلَّلَ ٱلرُّوحُ ٱلْعَذْرَاءَ فِي ٱلتَّجَسُّدِ، يَظَلِّلُ ٱلْغَمَامُ ٱلرُّسُلَ فِي ٱلتَّجَلِّي، لِيُدْخِلَهُمْ فِي سِرِّ ٱلِٱبْنِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " صَوْتٌ" إِلَى صَوْتِ ٱللّٰهِ ٱلْآبِ ٱلَّذِي يَشْهَدُ لِلِٱبْنِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ هٰذَا ٱلْإِعْلَانُ فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ (متى 3: 17) وَفِي أُورَشَلِيمَ (يوحنا 12: 28). فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ كَانَ ٱلصَّوْتُ مُوَجَّهًا إِلَى يَسُوع، أَمَّا هُنَا فَهُوَ مُوَجَّهٌ إِلَى ٱلتَّلَامِيذِ وَمِنْ خِلَالِهِمْ إِلَى ٱلْعَالَمِ.
" هٰذَا هُوَ ٱبْنِيَ ٱلْحَبِيبُ". تَدُلُّ هٰذِهِ ٱلْكَلِمَاتُ عَلَى بُنُوَّةِ ٱلْمَسِيحِ ٱلطَّبِيعِيَّةِ (مزمور 2: 7)، وَتُذَكِّرُ بِعَبْدِ ٱلرَّبِّ فِي سِفْرِ أَشَعْيَا (42: 1): " مُخْتَارِيَ ٱلَّذِي رَضِيَتْ عَنْهُ نَفْسِي". وَيُؤَكِّدُ كيرلس الإسكندري أَنَّ ٱلْآبَ " يُعْلِنُ أَنَّ ٱلَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُمْ لَيْسَ أَحَدَ ٱلْأَنْبِيَاءِ، بَلِ ٱلِٱبْنُ بِٱلطَّبِيعَةِ". وَفِي إنجيل لوقا تَرِدُ ٱلصِّيغَةُ: " هٰذَا هُوَ ٱبْنِيَ ٱلَّذِي ٱخْتَرْتُهُ"، فَتُحِيلُ إِلَى عَبْدِ ٱلرَّبِّ وَإِلَى ٱلْمَسِيحِ ٱلْمُخْتَارِ، وَهِيَ ٱلْكَلِمَةُ ذَاتُهَا ٱلَّتِي سَتُسْتَعْمَلُ عِنْدَ ٱلصَّلْبِ (لوقا 23: 35). فَٱلِٱبْنُ ٱلْحَبِيبُ هُوَ عَيْنُهُ ٱلْعَبْدُ ٱلْمُتَأَلِّمُ، وَمَجْدُهُ يَمُرُّ عَبْرَ ٱلْفِصْحِ.
تَرِدُ عِبَارَةُ "عَنْهُ رَضِيتُ" فِي صَوْتِ الآبِ عِنْدَ مَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ وَفِي التَّجَلِّي (متى 3: 17؛ 17: 5). الفِعْلُ اليُونَانِيُّ εὐδόκησα يَعْنِي "سُرِرْتُ"، "رَضِيتُ رِضًى كَامِلًا". وَهُوَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى مَشِيئَةٍ مُحِبَّةٍ وَاخْتِيَارٍ إِلَهِيٍّ. فَالآبُ لَا يُعْلِنُ رِضًى عَابِرًا، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ عَلاقَةٍ أَزَلِيَّةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الابْنِ. تَحْمِلُ هذا العِبَارَةُ صَدَى نُصُوصٍ مِثْلَ: "أَنْتَ ٱبْنِي، أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مزمور 2: 7). "هُوَذَا عَبْدِي ٱلَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي ٱلَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي" (أشعيا 42: 1). إِذًا، الرِّضَى الإِلَهِيُّ يَرْبِطُ بَيْنَ بُنُوَّةِ المَجْدِ وَمَسِيرَةِ العَبْدِ المُتَأَلِّمِ. فَالآبُ يَرْضَى عَنِ الابْنِ لِأَنَّهُ يُتِمُّ مَشِيئَتَهُ حَتَّى الصَّلِيبِ. فَالرِّضَى يَسْبِقُ الصَّلِيبَ وَلَا يَنْتَظِرُ النَّصْرَ الظَّاهِرَ. إنه يُعْلِنُ وِحْدَةَ الإِرَادَةِ بَيْنَ الآبِ وَالابْنِ. وأَنَّ طَرِيقَ الطَّاعَةِ هُوَ مَوْضِعُ سُرُورِ اللهِ. وأَنَّ المَجْدَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي القُوَّةِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ فِي الأَمَانَةِ لِمَشِيئَةِ الآبِ.
إِنَّهُ صَوْتُ الآبِ الَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ الطَّرِيقَ نَحْوَ الصَّلِيبِ هُوَ فِي قَلْبِ سُرُورِهِ، وَأَنَّ المَجْدَ يَنْبُعُ مِنَ الطَّاعَةِ المَحْبُوبَةِ.
تَحْمِلُ عِبَارَةُ " لَهُ ٱسْمَعُوا" صَدًى لِكَلِمَاتِ مُوسَى فِي (تثنية 18: 15): " نَبِيًّا مِثْلِي يُقِيمُ لَكُمُ ٱلرَّبُّ… لَهُ تَسْمَعُونَ". وَيُطَبِّقُ ٱلرَّسُولُ بُطْرُسُ هٰذَا ٱلنَّصَّ عَلَى يَسُوع (أعمال 3: 22). فَٱلْمَسِيحُ هُوَ ٱلنَّبِيُّ ٱلْمَوْعُودُ، وَٱلْكَلِمَةُ ٱلنِّهَائِيَّةُ ٱلَّتِي فِيهَا يُكَلِّمُنَا ٱلْآبُ، كَمَا يُعْلِنُ الرسالة إلى العبرانيين (1: 1–2).. وَيُشِيرُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِلَى أَنَّ ٱلْآبَ لَمْ يَقُلْ " ٱسْمَعُوا لِمُوسَى أَوْ إِيلِيَّا"، بَلْ " لَهُ ٱسْمَعُوا"، لِأَنَّ ٱلِٱبْنَ هُوَ ٱلتَّمَامُ، وَبِكَلِمَاتِهِ يُعْلَنُ ٱلْآبُ نَفْسُهُ. لَا يَتَحَقَّقُ ٱلْبَقَاءُ مَعَ يَسُوعَ بِنَصْبِ ثَلَاثِ خِيَمٍ كَمَا ٱقْتَرَحَ بُطْرُسُ، بَلْ بِٱلْإِصْغَاءِ ٱلْمُسْتَمِرِّ لِصَوْتِهِ، وَبِٱتِّبَاعِهِ فِي طَرِيقِ ٱلْآلَامِ نَحْوَ ٱلْمَجْدِ. فَٱلتَّجَلِّي لَا يَدْعُونَا إِلَى ٱلْهُرُوبِ مِنَ ٱلْعَالَمِ، بَلْ إِلَى ٱلسَّيْرِ وَرَاءَ ٱلِٱبْنِ ٱلْحَبِيبِ ٱلْمُخْتَارِ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِينَا وَعْدُ ٱلشَّرِكَةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ فِي " مَسْكَنِ ٱللّٰهِ مَعَ ٱلنَّاسِ".
6 فلَمَّا سَمِعَ التَّلاميذُ ذلك، سَقَطوا على وُجوهِهِم، وقدِ استَولى علَيهِم خَوفٌ شديد.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " فَلَمَّا سَمِعُوا" إِلَى لَحْظَةِ سَمَاعِ صَوْتِ ٱلْآبِ مِنَ ٱلْغَمَامِ ٱلنَّيِّرِ. فَلَمْ يَكُنِ ٱلْخَوْفُ مِنْ ٱلْمَشْهَدِ فَقَطْ، بَلْ مِنَ ٱلْكَلِمَةِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ ٱلْمُعْلَنَةِ. كَمَا فِي تَدْشِينِ ٱلْهَيْكَلِ، حِينَ مَلَأَ ٱلْغَمَامُ ٱلْمَكَانَ " فَلَمْ يَسْتَطِعِ ٱلْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ" (1 ملوك 8: 11)، كَذٰلِكَ هُنَا تَتَزَعْزَعُ ٱلْقُلُوبُ أَمَامَ حُضُورِ ٱللّٰهِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِم": إلى سُجُودُ ٱلرَّهْبَةِ؟ ٱلسُّقُوطُ عَلَى ٱلْوَجْهِ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ هُوَ عَلامَةُ ٱلرَّهْبَةِ أَمَامَ ٱلظُّهُورِ ٱلْإِلٰهِيِّ (دانيال 8: 18؛ حزقيال 1: 28). وَهُوَ مَا فَعَلَهُ أَنْبِيَاءُ ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ عِنْدَ إِحْسَاسِهِمْ بِٱلْحُضُورِ ٱلْإِلٰهِيِّ. فَقَدْ كَانَ ٱلِٱعْتِقَادُ ٱلْيَهُودِيُّ أَنَّ " لَا أَحَدَ يَرَى ٱللّٰهَ وَيَحْيَا" (قضاة 13: 22). وَيُفَسِّرُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم هٰذَا ٱلسُّقُوطَ بِأَنَّهُ " لَيْسَ خَوْفًا من العِقَاب، بَلْ رَهْبَةُ ٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي فَاقَ ٱحْتِمَالَهُمْ". إِنَّهُ خَوْفٌ مُمْتَزِجٌ بِٱلْإِيمَانِ، وَرَهْبَةٌ تَنْبَعُ مِنَ ٱلشُّعُورِ بِٱلْقُدْسِيَّةِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ خَوْفٌ شَدِيدٌ": إلى رَهْبَةُ ٱلْقُدْسِيَّةِ؟ ٱلْخَوْفُ هُنَا لَيْسَ فَزَعًا نَفْسِيًّا، بَلْ مَا يُسَمِّيهِ ٱللَّاهُوتُ " رَهْبَةَ ٱلْقُدْسِيِّ"؛ ذٰلِكَ ٱلشُّعُورُ ٱلَّذِي ٱعْتَرَى أَشَعْيَا حِينَ قَالَ: " وَيْلٌ لِي إِنِّي هَلَكْتُ" (أشعيا 6: 5). إِنَّهُ وَعْيُ ٱلْإِنْسَانِ بِضَعْفِهِ أَمَامَ جَلَالِ ٱللّٰهِ. وَيَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ غريغوريوس النيسي إِنَّ ٱلرَّهْبَةَ " هِيَ بَابُ ٱلْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّ ٱلنَّفْسَ لَا تَدْخُلُ فِي سِرِّ ٱللّٰهِ إِلَّا إِذَا ٱعْتَرَفَتْ بِحُدُودِهَا". فَٱلسُّجُودُ إِذًا لَيْسَ هَرَبًا، بَلْ ٱسْتِعْدَادٌ لِتَقَبُّلِ ٱلْإِعْلَانِ.
إِنَّ ٱلتَّجَلِّي يَكْشِفُ جَلَالَ ٱللّٰهِ، لٰكِنَّهُ فِي ٱلْوَقْتِ نَفْسِهِ يُمَهِّدُ لِلِٱقْتِرَابِ. فَٱلرُّسُلُ يَسْقُطُونَ أَمَامَ ٱلْمَجْدِ، لَكِنَّ ٱلْمَجْدَ نَفْسَهُ سَيَقْتَرِبُ مِنْهُمْ فِي ٱلْآيَةِ ٱلتَّالِيَةِ حِينَ يَلْمِسُهُمْ يَسُوعُ وَيَقُولُ: " قُومُوا وَلَا تَخَافُوا". فَٱلْخَوْفُ ٱلْمُقَدَّسُ هُوَ بَدَايَةُ ٱلْحِكْمَةِ، أَمَّا كَمَالُهُ فَهُوَ فِي ٱلثِّقَةِ بِٱلِٱبْنِ ٱلَّذِي يَقْرُبُ مِنَ ٱلْإِنْسَانِ، لَا لِيُفْنِيَهُ بِنُورِهِ، بَلْ لِيُقِيمَهُ وَيُدْخِلَهُ فِي شَرِكَةِ مَجْدِهِ.
7فدنا يسوعُ ولمَسَهم وقالَ لَهم: قوموا، لا تَخافوا.
عِبَارَةُ " فَدَنَا يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: قُومُوا وَلَا تَخَافُوا" هِيَ دَعْوَةٌ إِلَى ٱلرَّجَاءِ بَعْدَ ٱلرَّهْبَةِ، وَإِلَى ٱلثِّقَةِ بَعْدَ ٱلسُّقُوطِ. فَبَعْدَ أَنْ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ مِنْ شِدَّةِ ٱلْمَجْدِ، لَمْ يَبْقَ ٱلْمَجْدُ بَعِيدًا عَنْهُمْ، بَلِ ٱقْتَرَبَ مِنْهُمْ فِي شَخْصِ ٱلِٱبْنِ. ٱلَّذِي أَرْهَبَهُمْ بِنُورِ لَاهُوتِهِ، يُطَمْئِنُهُمْ بِلَمْسَةِ نَاسُوتِهِ. هُنَا يَلْتَقِي ٱلْجَلَالُ بِٱلرَّحْمَةِ، وَٱلنُّورُ بِٱلْحَنَانِ، وَٱلْمَجْدُ بِٱلرِّفْقِ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا ٱلْمَشْهَدُ بِرُؤْيَا دَانِيال، حِينَ سَقَطَ مِنْ هَيْبَةِ ٱلرُّؤْيَا: "فَإِذَا بِيَدٍ لَمَسَتْنِي وَأَقَامَتْنِي مُرْتَعِشًا" (دانيال 10: 10)، وَأَيْضًا: "فَلَمَسَنِي وَأَنْهَضَنِي" (دانيال 8: 18). فَٱلرُّؤْيَا ٱلسَّمَاوِيَّةُ تُسْقِطُ ٱلْإِنْسَانَ، أَمَّا لَمْسَةُ ٱللّٰهِ فَتُقِيمُهُ. ٱلْجَلَالُ يَكْشِفُ ضَعْفَ ٱلْإِنْسَانِ، وَٱلرَّحْمَةُ تُعِيدُ إِلَيْهِ قُوَّتَهُ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ كيرلس الإسكندري قَائِلًا: "ٱلَّذِي أَظْهَرَ مَجْدَ لَاهُوتِهِ، يُقَرِّبُهُمْ بِلَمْسَةِ نَاسُوتِهِ، لِكَيْ يَتَعَلَّمُوا أَنَّ ٱلْمَجْدَ لَا يُفْنِي ٱلْإِنْسَانَ بَلْ يُقَدِّسُهُ". فَٱللَّاهُوتُ يُرْهِبُ، وَٱلنَّاسُوتُ يَلْمِسُ وَيُشَجِّعُ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ قَوْلَ يَسُوعَ «قُومُوا وَلَا تَخَافُوا» لَيْسَ تَهْدِئَةً نَفْسِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ إِعْلَانًا فِصْحِيًّا مُبَكِّرًا: ٱلْمَجْدُ ٱلَّذِي سَيَظْهَرُ عَلَى ٱلصَّلِيبِ وَفِي ٱلْقِيَامَةِ لَا يُدَمِّرُ ٱلْإِنْسَانَ، بَلْ يُقِيمُهُ وَيُدْخِلُهُ فِي شَرِكَتِهِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " ولمَسَهم " الى لَّمْسَةُ كَفِعْلِ تَعْزِيَةٍ وَإِقَامَةٍ. الفِعْلُ اليُونَانِيُّ ἥψατο يَدُلُّ عَلَى لَمْسٍ شَخْصِيٍّ مُبَاشِرٍ. لَيْسَ مُجَرَّدَ إِشَارَةٍ، بَلْ تَوَاصُلٌ يُعِيدُ الطُّمَأْنِينَةَ لِتَلَامِيذٍ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ خَوْفًا أَمَامَ سُحَابَةِ المَجْدِ وَصَوْتِ الآبِ. إِنَّهَا لَمْسَةُ الرَّاعِي الَّذِي يُقِيمُ خِرَافَهُ، وَلَمْسَةُ الطَّبِيبِ الَّذِي يَشْفِي الرُّعْبَ قَبْلَ الجَسَد. فَالمَجْدُ الإِلَهِيُّ لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْحَقَ الإِنْسَانَ، بَلْ أَنْ يُقِيمَهُ. اللَّمْسَةُ هُنَا تَقُولُ: لَا تَبْقُوا سَاجِدِينَ فِي الخَوْفِ. وَلَا تَتَشَبَّثُوا بِلَحْظَةِ النُّورِ. بَلْ قُومُوا وَانْزِلُوا مَعِي نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. إِنَّهَا لَمْسَةُ التَّحْوِيلِ: مِنَ الرُّعْبِ إِلَى الثِّقَةِ، وَمِنَ السُّجُودِ المَشْلُولِ إِلَى التِّلْمَذَةِ السَّائِرَةِ خَلْفَ الرَّبِّ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " قُومُوا" الفِعْلُ ἐγέρθητε يَعْنِي "قُومُوا"، وَهُوَ نَفْسُ الجِذْرِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ لِلقِيَامَةِ. فَالتَّجَلِّي يَحْمِلُ بُعْدًا فِصْحِيًّا: مَنْ يَسْقُطُ خَوْفًا أَمَامَ سِرِّ اللهِ، يُقَامُ بِلَمْسَةِ الابْنِ. هَكَذَا يَرْتَبِطُ الجَبَلُ بِالصَّلِيبِ وَبِالفِصْحِ: مَجْدٌ يُخِيفُ، وَلَكِنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى قِيَامَةٍ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " لَا تَخَافُوا " الى نَغْمَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ فِي التَّجَلِّيَاتِ الإِلَهِيَّةِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ. وَهُنَا يَتَكَلَّمُ الابْنُ بِلُغَةِ الآبِ: المَجْدُ الَّذِي سَمِعُوا صَوْتَهُ لَيْسَ لِلدَّيْنُونَةِ، بَلْ لِلتَّثْبِيتِ.
"قُومُوا، لَا تَخَافُوا": تشير الى كَلِمَةُ ٱلْقِيَامَةِ. تُشِيرُ عِبَارَةُ " قُومُوا" إِلَى إِقَامَةٍ مِنْ حَالَةٍ شَبِيهَةٍ بِٱلْمَوْتِ؛ فَقَدْ صَارُوا كَٱلْأَمْوَاتِ سَاجِدِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ. وَيُعِيدُ هٰذَا إِلَى ذِهْنِنَا لَمْسَةَ ٱلْمَلَكِ لِدَانِيال، وَأَيْضًا إِلَى كَلِمَةِ ٱلْمَلَكِ لِلنِّسْوَةِ عِنْدَ ٱلْقِيَامَةِ: " لَا تَخَافَا" (متى 28: 5). وَيَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم إِنَّ ٱلْمَسِيحَ " لَمْ يَتْرُكْهُمْ فِي رَهْبَتِهِمْ، بَلْ أَقَامَهُمْ بِلُطْفِهِ، لِيُرِيَهُمْ أَنَّ ٱلْخَوْفَ لَيْسَ نِهَايَةَ ٱللِّقَاءِ مَعَ ٱللّٰهِ، بَلْ بَدَايَتَهُ". فَكَلِمَةُ " لَا تَخَافُوا" هِيَ جِسْرٌ بَيْنَ ٱلتَّجَلِّي وَٱلْقِيَامَةِ. إِنَّ ٱلْبَقَاءَ أَمَامَ يَسُوعَ لَا يَعْنِي ٱلتَّشَبُّثَ بِلَحْظَةِ ٱلتَّجَلِّي، كَمَا أَرَادَ بُطْرُسُ، بَلِ ٱلنُّزُولَ مَعَهُ إِلَى أُورَشَلِيمَ. فَٱلْمَجْدُ ٱلْمُنْكَشِفُ عَلَى ٱلْجَبَلِ هُوَ لِتَثْبِيتِ ٱلْقُلُوبِ قَبْلَ ٱلسَّيْرِ فِي دَرْبِ ٱلْآلَامِ. وَيُؤَكِّدُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ " أَرَاهُمْ ٱلْمَجْدَ لِيَتَقَوَّوْا فِي ٱلتَّجْرِبَةِ، لَا لِيُقِيمُوا فِيهِ دَائِمًا". فَٱلتَّجَلِّي لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ ٱلْعَالَمِ، بَلْ إِرْسَالٌ إِلَيْهِ بِنُورٍ جَدِيدٍ. هٰكَذَا يَجْمَعُ ٱلْمَشْهَدُ بَيْنَ ٱلنُّورِ ٱلْأُخْرَوِيِّ وَلَمْسَةِ ٱلْحَنَانِ، بَيْنَ ٱلرَّهْبَةِ وَٱلطُّمَأْنِينَةِ. فَٱلَّذِي يَقُولُ " لَا تَخَافُوا" هُوَ نَفْسُهُ ٱلَّذِي سَيَسِيرُ أَمَامَهُمْ نَحْوَ ٱلصَّلِيبِ، لِيَحْوِّلَ خَوْفَهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ، وَرَهْبَتَهُمْ إِلَى رَجَاءٍ، وَسُقُوطَهُمْ إِلَى قِيَامَةٍ. تبيِّن هذه الآية الانتقال مِنْ رَهْبَةِ ٱلْمَجْدِ إِلَى حَنَانِ ٱلِٱبْنِ
8 فَرفَعوا أَنظارَهم، فلَم يَرَوا إِلاَّ يسوعَ وحدَه.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ" إِلَى ٱنْتِقَالِ ٱلتَّلَامِيذِ مِنْ حَالَةِ ٱلسُّجُودِ وَٱلرَّهْبَةِ إِلَى ٱلطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ لَمْسَةِ ٱلْمَسِيحِ وَكَلِمَتِهِ: " لَا تَخَافُوا". فَٱلَّذِي أَسْقَطَهُمُ ٱلْمَجْدُ، أَقَامَهُمُ ٱلْحَنَانُ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: " لَمَّا ٱرْتَفَعَ خَوْفُهُمْ بِصَوْتِهِ، ٱنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمْ لِيَرَوْا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ ٱلرُّؤْيَا: شَخْصَ ٱلسَّيِّدِ نَفْسَهُ".
" لَمْ يَرَوْا إِلَّا يَسُوعَ وَحْدَهُ": تَدُلُّ هٰذِهِ ٱلْعِبَارَةُ عَلَى نِهَايَةِ ٱلْمَشْهَدِ. فَبَعْدَ أَنْ ظَهَرَ مُوسَى وَإِيلِيَّا، وَتَكَلَّمَا عَنْ " رَحِيلِهِ"، وَبَعْدَ أَنْ ظَلَّلَ ٱلْغَمَامُ ٱلْجَمِيعَ، ٱخْتَفَى ٱلشَّاهِدَانِ، وَبَقِيَ ٱلْمَسِيحُ وَحْدَهُ. يُفَسِّرُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذَا ٱلِٱخْتِفَاءَ قَائِلًا: " لَمَّا زَالَ ٱلنَّامُوسُ وَٱلْأَنْبِيَاءُ مِنَ ٱلنَّظَرِ، بَقِيَ ٱلْمَسِيحُ، لِأَنَّهُ هُوَ ٱلْغَايَةُ ٱلَّتِي يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا ٱلنَّامُوسُ وَٱلنُّبُوءَةُ". فَلَا يُلْغِي ٱلْمَسِيحُ ٱلْعَهْدَ ٱلْقَدِيمَ، بَلْ يُتِمُّهُ وَيَجْعَلُهُ يَتَوَارَى فِيهِ كَمَا يَتَوَارَى ٱلظِّلُّ عِنْدَ حُضُورِ ٱلْحَقِيقَةِ. إِنَّ ٱلتَّجَلِّي يَبْلُغُ ذُرْوَتَهُ لَا فِي رُؤْيَةِ ٱلنُّورِ، بَلْ فِي ٱلِٱكْتِفَاءِ بِيَسُوعَ وَحْدَهُ. فَهُوَ ٱلْكَلِمَةُ ٱلْأَخِيرَةُ، وَٱلْوَسِيطُ ٱلْأَوْحَدُ، وَٱلْكَاهِنُ ٱلَّذِي " يَبْقَى إِلَى ٱلْأَبَدِ" كَمَا يُعْلِنُ الرسالة إلى العبرانيين (7: 3). لِذٰلِكَ فَإِنَّ " يَسُوعَ وَحْدَهُ" لَيْسَتْ خَاتِمَةَ ٱلْمَشْهَدِ فَحَسْبُ، بَلْ خُلَاصَةَ ٱلْإِيمَانِ: هُوَ ٱلْمُعَلِّمُ ٱلَّذِي نَسْمَعُ لَهُ. هُوَ ٱلْكَاهِنُ ٱلَّذِي يَبْقَى. هُوَ ٱلطَّرِيقُ ٱلَّذِي نَسِيرُ فِيهِ نَحْوَ ٱلْمَجْدِ. فِي بَدَايَةِ ٱلْمَشْهَدِ رَأَوْا ٱلنَّامُوسَ وَٱلْأَنْبِيَاءَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ؛
تُشِيرُ عِبَارَةُ "يَسُوعَ وَحْدَهُ" النَّصُّ اليُونَانِيُّ: εἰ μὴ Ἰησοῦν μόνον أَيْ "إِلَّا يَسُوعَ فَقَط" إلى تأكيد الحَصْرَ وَالتَّفْرِيدَ. بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ مُوسَى وَإِيلِيَّا، وَبَعْدَ صَوْتِ الآبِ، يَبْقَى فِي المَشْهَدِ شَخْصٌ وَاحِدٌ: يَسُوعُ. فِي إنجيل متى، يَتَدَرَّجُ الإِعْلَانُ: الشَّرِيعَةُ (مُوسَى)، الأَنْبِيَاءُ (إِيلِيَّا)، صَوْتُ الآبِ مِنَ السَّحَابَةِ. ثُمَّ يَتَلَاشَى كُلُّ شَيْءٍ، وَيَبْقَى يَسُوعُ وَحْدَهُ. إِشَارَةٌ وَاضِحَةٌ إِلَى أَنَّهُ هُوَ تَتْمِيمُ الشَّرِيعَةِ وَغَايَةُ النُّبُوَّاتِ. فَالكِتَابُ كُلُّهُ يَقُودُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْسَحِبُ لِيُفْسِحَ المَجَالَ لِحُضُورِهِ. فِي البِدَايَةِ نَحْتَاجُ إِلَى عَلامَاتٍ وَأَصْوَاتٍ وَرُمُوزٍ؛ أَمَّا فِي النِّهَايَةِ، فَتَكْفِينَا شَخْصِيَّةُ الرَّبِّ نَفْسِهِ. خُلاصَةُ التَّجَلِّي: عِنْدَمَا تَنْقَشِعُ السَّحَابَةُ، وَيَسْكُتُ الصَّوْتُ، وَتَتَوَارَى الرُّؤْيَا، يَبْقَى لَنَا يَسُوعُ وَحْدَهُ - وَهُوَ يَكْفِي. فَلْنَصْنَعْ لَهُ، لَا خِيَمًا عَابِرَةً عَلَى ٱلْجَبَلِ، بَلْ هَيْكَلًا حَيًّا فِي قُلُوبِنَا، لِيَكُونَ " يَسُوعُ وَحْدَهُ" رُؤْيَتَنَا فِي ٱلْمَجْدِ، وَرِفِيقَنَا فِي دَرْبِ ٱلْحَيَاةِ، ٱلآنَ وَإِلَى ٱلْأَبَدِ.
9 وبَينما هم نازلونَ مِنَ الجَبَل، أَوصاهُم يسوعُ قال: لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا إِلى أَن يَقومَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات.
تُشِيرُ ٱلْعِبَارَةُ " بَيْنَمَا هُمْ نَازِلُونَ" إِلَى ٱلِٱنْتِقَالِ مِنْ لَحْظَةِ ٱلْمَجْدِ إِلَى وَاقِعِ ٱلطَّرِيقِ. وَيُوَضِّحُ إنجيل لوقا (9: 37) أَنَّ ذٰلِكَ كَانَ " فِي ٱلْغَدِ"، أَيْ إِنَّ ٱلتَّجَلِّي لَمْ يَكُنْ إِقَامَةً دَائِمَةً عَلَى ٱلْجَبَلِ، بَلْ تَثْبِيتًا قَبْلَ ٱلنُّزُولِ إِلَى سَاحَةِ ٱلْخِدْمَةِ وَٱلْآلَامِ. يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلْمَسِيحَ " أَرَاهُمْ ٱلْمَجْدَ لِيَحْمِلُوا ٱلصَّلِيبَ، لَا لِيَتَجَنَّبُوهُ". فَٱلْجَبَلُ يُعْطِي ٱلنُّورَ، أَمَّا ٱلْوَادِي فَيَخْتَبِرُ ٱلشَّهَادَةَ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " أَوصاهُم يسوعُ " الفِعْلُ اليُونَانِيُّ ἐνετείλατο إلى أَمْرٍ مُلْزِمٍ. لَيْسَ طَلَبًا عَابِرًا، بَلْ تَوْجِيهًا لِحِفْظِ سِرِّ المَجْدِ فِي إِطَارِهِ الخَلَاصِيِّ. فَالتَّجَلِّي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مُنْفَصِلًا عَنِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ؛ وَنَشْرُهُ قَبْلَ الأَوَانِ قَدْ يُحَوِّلُهُ إِلَى مَجْدٍ مَسِيحَانِيٍّ سِيَاسِيٍّ، لَا إِلَى إِعْلَانِ ابْنِ الإِنْسَانِ المُتَأَلِّمِ. إِذًا، "أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ" لَا يَعْنِي كَتْمَ الحَقِّ، بَلْ حِفْظَهُ إِلَى أَنْ يَكْتَمِلَ زَمَنُ الإِعْلَانِ. فَالمَجْدُ بِلَا صَلِيبٍ يُسِيءُ الفَهْمَ، أَمَّا المَجْدُ بَعْدَ القِيَامَةِ فَيُصْبِحُ بُشْرَى لِلعَالَمِ كُلِّهِ. يُشِكِّلُ هَذَا المَوْضِعُ جُزْءًا مِمَّا يُسَمِّيهِ العُلَمَاءُ "سِرَّ المَسِيحِ"؛ فَيَسُوعُ يَكْشِفُ هُوِيَّتَهُ تَدْرِيجِيًّا، وَيَرْبِطُ إِظْهَارَهَا بِلَحْظَةِ الفِصْحِ. فَالمَجْدُ الَّذِي عَايَنَهُ بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا لَنْ يُفْهَمَ إِلَّا فِي ضَوْءِ القَبْرِ الفَارِغِ. فِي الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ أَيْضًا، هُنَاكَ خِبْرَاتُ نُورٍ لَا تُشَارَكُ فَوْرًا، بَلْ تُحْفَظُ فِي القَلْبِ حَتَّى يَنْضُجَ فَهْمُهَا. لَيْسَ كُلُّ مَجْدٍ يُعْلَنُ فِي حِينِهِ؛ فَالشَّهَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ تَنْبَعُ مِنْ خِبْرَةِ صَلِيبٍ وَقِيَامَةٍ مَعًا.
" لَا تُخْبِرُوا أَحَدًا بِٱلرُّؤْيَا" يُوصِي يَسُوعُ بِحِفْظِ سِرِّ ٱلتَّجَلِّي " حَتَّى يَقُومَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ". فَلَمْ يَكُنِ ٱلزَّمَنُ قَدِ ٱكْتَمَلَ بَعْدُ. لَا يُمْكِنُ فَهْمُ ٱلتَّجَلِّي بِمَعْزِلٍ عَنِ ٱلْقِيَامَةِ، وَلَا يُمْكِنُ إِعْلَانُ مَجْدِ ٱلْمَسِيحِ قَبْلَ ٱلْعُبُورِ فِي ٱلصَّلِيبِ. فَقَدْ حَدَثَ سُوءُ فَهْمٍ سَابِقًا عِنْدَ تَكْثِيرِ ٱلْخُبْزِ كَمَا يَرْوِي إنجيل يوحنا (6: 14–15)، حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوهُ مَلِكًا. لِذٰلِكَ يَحْمِي يَسُوعُ سِرَّهُ مِنْ تَأْوِيلٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ مَسِيحَانِيٍّ أَرْضِيٍّ. وَيَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس: " لَوْ أُعْلِنَ ٱلْمَجْدُ قَبْلَ ٱلصَّلِيبِ، لَظَنُّوا أَنَّهُ مَلِكٌ زَمَنِيٌّ، أَمَّا بَعْدَ ٱلْقِيَامَةِ فَيُفْهَمُ أَنَّ مَمْلَكَتَهُ لَيْسَتْ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ".
" حَتَّى يَقُومَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ" تَدُلُّ ٱلْعِبَارَةُ عَلَى ضَرُورَةِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْقِيَامَةِ كَطَرِيقٍ لِلْمَجْدِ. فَٱلتَّجَلِّي لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا فِي فِصْحِ ٱلْمَسِيحِ. وَقَدْ " حَفِظُوا ٱلْأَمْرَ وَأَخَذُوا يَتَسَاءَلُونَ مَا مَعْنَى ٱلْقِيَامَةِ" (مرقس 9: 10)، لِأَنَّ ٱلْعَقْلِيَّةَ ٱلْيَهُودِيَّةَ كَانَتْ تَنْتَظِرُ ٱلْقِيَامَةَ فِي آخِرِ ٱلزَّمَانِ، لَا فِي حَدَثٍ قَرِيبٍ وَشَخْصِيٍّ. وَيُفَسِّرُ ٱلْقِدِّيسُ كيرلس الإسكندري أَنَّ ٱلْمَسِيحَ " أَرَادَ أَنْ يُقْرِنَ رُؤْيَا ٱلنُّورِ بِحَقِيقَةِ ٱلصَّلِيبِ، لِكَيْ لَا يَنْفَصِلَ ٱلْمَجْدُ عَنِ ٱلْفِدَاءِ". إِنَّ ٱلتَّجَلِّي كَانَ لِتَثْبِيتِ ٱلرُّسُلِ، أَمَّا ٱلْقِيَامَةُ فَهِيَ لِإِرْسَالِهِمْ. فَبَعْدَ ٱلْقِيَامَةِ وَحُلُولِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فِي ٱلْعَنْصَرَةِ، أَصْبَحُوا شُهُودًا جُرْأَاءَ يُعْلِنُونَ مَا كَانَ مَكْتُومًا. فَٱلْمَسِيحُ يُمَيِّزُ بَيْنَ زَمَنِ ٱلتَّدْبِيرِ عَلَى ٱلْأَرْضِ وَزَمَنِ ٱلْإِعْلَانِ ٱلْكَنَسِيِّ. ٱلْمَجْدُ لَا يُفْصَلُ عَنِ ٱلصَّلِيبِ، وَٱلرُّؤْيَا لَا تُفْهَمُ إِلَّا فِي ضَوْءِ ٱلْقِيَامَةِ. هٰكَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ ٱلتَّجَلِّي لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ إِشَارَةٌ مُسْبَقَةٌ إِلَى ٱلْفِصْحِ: ٱلْجَبَلُ يُنِيرُ، وَٱلصَّلِيبُ يُخَلِّصُ، وَٱلْقِيَامَةُ تُعْلِنُ ٱلْمَجْدَ.
ثانياً: تَطْبِيقَاتُ ٱلنَّصِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ (متى 17: 1–9)
بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ ٱلنَّصِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ فِي إنجيل متى (17: 1–9)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ غَايَاتِ ٱلتَّجَلِّي لِشَخْصِ ٱلْمَسِيحِ وَلِلْكَنِيسَةِ ٱلْأُولَى. فَلَمْ يَكُنِ ٱلتَّجَلِّي حَدَثًا مَعْزُولًا، بَلْ تَدْبِيرًا خَلَاصِيًّا يُنِيرُ طَرِيقَ ٱلصَّلِيبِ وَٱلْقِيَامَةِ، وَيُؤَسِّسُ مَسِيرَةَ ٱلْكَنِيسَةِ فِي ٱلتَّارِيخِ.
< غايةُ التجلِّي لِشَخْصِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ
تُعْلِنُ رِوَايَةُ ٱلتَّجَلِّي فِي إنجيل متى (17: 1–9) حَقِيقَةَ يَسُوعَ كَٱبْنِ ٱللّٰهِ ٱلْمُنْتَظَرِ، " شُعَاعِ مَجْدِهِ وَصُورَةِ جَوْهَرِهِ" (عبرانيين 1: 3). فَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ نَبِيًّا بَيْنَ ٱلْأَنْبِيَاءِ، بَلِ ٱلِٱبْنَ ٱلْوَحِيدَ ٱلَّذِي يَفُوقُهُمْ سُلْطَانًا وَجَوْهَرًا.
1. التجلِّي كَإِعْلَانٍ لِلَّاهُوتِ: إِنَّ ٱلتَّجَلِّي يَكْشِفُ عَنْ لَاهُوتِ ٱلْمَسِيحِ بِصُورَةٍ أَعْمَقَ مِمَّا فَعَلَتْ آيَةُ قَانَا فِي إنجيل يوحنا (2: 1-11) فَتَحْوِيلُ ٱلْمَاءِ خَمْرًا هُوَ آيَةٌ خَارِجِيَّةٌ تُظْهِرُ قُدْرَتَهُ، أَمَّا ٱلتَّجَلِّي فَهُوَ آيَةٌ دَاخِلِيَّةٌ تُظْهِرُ كَيْنُونَتَهُ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: " لَمْ يَتَغَيَّرِ ٱلْمَسِيحُ فِي جَوْهَرِهِ، بَلْ ٱنْكَشَفَ مَا هُوَ فِيهِ أَزَلًا". فَٱلتَّجَلِّي لَا يُضِيفُ مَجْدًا، بَلْ يُظْهِرُ ٱلْمَجْدَ ٱلْمَحْجُوبَ فِي ٱلتَّجَسُّدِ.
2. تعزيةٌ لِيَسُوعِ ٱلْإِنْسَانِ: كَانَ ٱلتَّجَلِّي أَيْضًا تَعْزِيَةً لِيَسُوعَ فِي إِنْسَانِيَّتِهِ، إِسْتِعْدَادًا لِطَرِيقِ ٱلصَّلِيبِ. فَكَمَا " تَرَاءَى لَهُ مَلَاكٌ يُشَدِّدُ عَزِيمَتَهُ" (لوقا 22: 43)، هكَذَا يَأْتِي ٱلتَّجَلِّي كَتَثْبِيتٍ مِنَ ٱلْآبِ قَبْلَ ٱلْآلَامِ. وَيَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس: " أَرَاهُ ٱلْآبُ مَجْدَهُ لِيَسِيرَ بِثَبَاتٍ نَحْوَ ٱلصَّلِيبِ". فَٱلنُّورُ هُنَا لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ ٱلْمَوْتِ، بَلْ قُوَّةً لِٱحْتِمَالِهِ.
3. استباقُ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلْمَجِيء: يُرْبَطُ ٱلتَّجَلِّي مُبَاشَرَةً بِقَوْلِ ٱلرَّبِّ فِي إنجيل متى (16: 27-29) " سَوْفَ يَأْتِي ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ فِي مَجْدِ أَبِيهِ…". فَٱلتَّجَلِّي عَرَبُونُ ٱلْقِيَامَةِ وَإِشَارَةٌ مُسْبَقَةٌ إِلَى ٱلْمَجْدِ ٱلْأُخْرَوِيِّ. وَيُبَيِّنُ إنجيل لوقا (9: 31) ٱلْحِوَارَ كَانَ عَنْ " رَحِيلِهِ"، أَيْ فِصْحِهِ (ἔξοδος)، مِمَّا يَرْبِطُ ٱلتَّجَلِّي مُبَاشَرَةً بِٱلصَّلِيبِ وَٱلْقِيَامَةِ. فَٱلْمَجْدُ فِي نَظَرِ يَسُوعَ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ ٱلطَّاعَةِ وَلَا عَنِ ٱلْبَذْلِ، بَلْ هُوَ نُورٌ فِي طَرِيقِ ٱلْمَوْتِ.
4. سِينَاءُ وَطَابُور: مِنَ ٱلسَّمَاعِ إِلَى ٱلْمُعَايَنَةِ: يُؤَكِّدُ ٱلتَّقْلِيدُ ٱلْمَسِيحِيُّ ٱلْعَلَاقَةَ بَيْنَ جَبَلِ سِينَاءَ وَجَبَلِ ٱلتَّجَلِّي. فَعَلَى سِينَاءَ سَمِعَ مُوسَى وَإِيلِيَّا صَوْتَ ٱللّٰهِ، أَمَّا عَلَى طَابُور فَشَاهَدَا وَجْهَ ٱلِٱبْنِ ٱلْمُتَجَلِّي. وَيَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أفرام السرياني: " فِي سِينَاءَ ٱحْتَجَبَ ٱللّٰهُ بِٱلْغَمَامِ، أَمَّا هُنَا فَقَدْ كَشَفَ وَجْهَهُ فِي ٱلِٱبْنِ". فَٱلْمَسِيحُ أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى وَٱلْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ خَادِمًا فِي ٱلْبَيْتِ، بَلِ ٱلِٱبْنُ وَرَبُّ ٱلْبَيْتِ.
ٱلتَّجَلِّي هُوَ:
إِعْلَانُ بُنُوَّةِ ٱلْمَسِيحِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ.
تَعْزِيَةٌ لِلْمَسِيحِ ٱلْمُتَجَسِّدِ فِي طَرِيقِ ٱلْآلَامِ.
عَرَبُونُ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلْمَجِيءِ ٱلثَّانِي.
تَتْوِيجُ ٱلشَّرِيعَةِ وَٱلنُّبُوَّةِ فِي شَخْصِ يَسُوعَ.
فَهُوَ لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ ٱلْوَاقِعِ، بَلْ إِضَاءَةً لَهُ؛ لَيْسَ قَطِيعَةً مَعَ ٱلصَّلِيبِ، بَلْ كَشْفًا لِمَعْنَاهُ. وَهٰكَذَا يَظَلُّ ٱلتَّجَلِّي عَرَبُونَ ٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي سَيَكْتَمِلُ فِي ٱلْقِيَامَةِ وَفِي مَجِيءِ ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ فِي مَلَكُوتِهِ.
< غاية التجلي للكنيسة الأولى
لَمْ يَكُنْ حَدَثُ ٱلتَّجَلِّي ذَا أَهَمِّيَّةٍ لِشَخْصِ ٱلْمَسِيحِ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَكْوِينِ ٱلتَّلَامِيذِ وَتَثْبِيتِ ٱلْكَنِيسَةِ ٱلنَّاشِئَةِ. فَقَبْلَ أَنْ يَسِيرَ ٱلرَّبُّ نَحْوَ أُورَشَلِيمَ لِيُعَانِيَ وَيُصْلَبَ، كَمَا أَعْلَنَ فِي إنجيل متى (16: 21)، أَرَادَ أَنْ يُعِدَّ شُهُودَهُ رُوحِيًّا لِقَبُولِ سِرِّ ٱلصَّلِيبِ. فَدُخُولُهُ فِي ٱلْمَجْدِ (لوقا 24: 26) يَمُرُّ حَتْمًا عَبْرَ ٱلْجُلْجُلَةِ. لِذٰلِكَ " مَضَى بِبُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا" وَتَجَلَّى أَمَامَهُمْ، وَظَلَّلَهُمُ ٱلْغَمَامُ، وَسَمِعُوا صَوْتَ ٱلْآبِ، ثُمَّ لَمَسَهُمْ ٱلِٱبْنُ وَأَقَامَهُمْ، وَأَخِيرًا " لَمْ يَرَوْا إِلَّا يَسُوعَ وَحْدَهُ". هٰذَا ٱلتَّدَرُّجُ هُوَ مَدْرَسَةٌ كَنَسِيَّةٌ: مِنَ ٱلرُّؤْيَا إِلَى ٱلسَّمَاعِ، وَمِنَ ٱلْخَوْفِ إِلَى ٱلشَّهَادَةِ.
أ) تثبيتُ إيمانِ الرُّسُل
أَعْلَنَ ٱلرَّبُّ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ بَوُضُوحٍ أَنَّهُ " يَجِبُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَيُعَانِيَ… وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ" (إنجيل متى 16: 21). وَلَكِنَّ هٰذَا ٱلْإِعْلَانَ هَزَّ إِيمَانَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ مَسِيحًا مُمَجَّدًا لَا مُتَأَلِّمًا. ِنْ هُنَا جَاءَ ٱلتَّجَلِّي كَتَثْبِيتٍ سَمَاوِيٍّ لِإِيمَانِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ فِي طَرِيقِ ٱلْجِسْمَانِيَّةِ وَٱلْجُلْجُلَةِ. فَأَظْهَرَ لَهُمْ سِرَّ شَخْصِهِ: وَجْهٌ يُشِعُّ كَٱلشَّمْسِ، وَثِيَابٌ مُتَلَأْلِئَةٌ كَٱلنُّورِ، لِيُدْرِكُوا أَنَّ ٱلْمَتَّجِهَ إِلَى ٱلصَّلِيبِ هُوَ " شُعَاعُ مَجْدِهِ وَصُورَةُ جَوْهَرِهِ" (عبرانيين 1: 3).
شهادةُ الآب وترسيخُ البنوّة
لَمْ يَكْتَفِ ٱلْمَسِيحُ بِإِظْهَارِ نُورِهِ، بَلْ جَاءَ صَوْتُ ٱلْآبِ: " هٰذَا هُوَ ٱبْنِيَ ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ ٱسْمَعُوا" (إنجيل متى 17: 5). فَبِقَوْلِهِ " هٰذَا هُوَ ٱبْنِي" ثَبَّتَ إِيمَانَهُمْ بِلَاهُوتِهِ؛ وَبِقَوْلِهِ " فَلَهُ ٱسْمَعُوا" أَكَّدَ سُلْطَانَهُ ٱلتَّعْلِيمِيَّ وَتَفَوُّقَهُ عَلَى مُوسَى وَٱلْأَنْبِيَاءِ. يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أفرام السرياني: " صَعِدَ بِهِمْ إِلَى ٱلْجَبَلِ لِيُرِيَهُمْ مَجْدَ لَاهُوتِهِ، لِئَلَّا يَتَعَثَّرُوا عِنْدَمَا يَرَوْنَهُ فِي ٱلْآلَامِ ٱلَّتِي قَبِلَهَا بِإِرَادَتِهِ". فَٱلتَّجَلِّي لَمْ يَكُنْ مَشْهَدًا جَمَالِيًّا، بَلْ دِعَامَةً إِيمَانِيَّةً.
من رفض الصليب إلى فهم سرّ الحنطة
قَبْلَ ٱلتَّجَلِّي، عَاتَبَ بُطْرُسُ ٱلرَّبَّ عِنْدَمَا أَعْلَنَ آلامَهُ (إنجيل مرقس 8: 31)، فَوَبَّخَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: " ٱذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ" (متى 16: 23)3)، لِأَنَّ مِقْيَاسَ ٱلْمَجْدِ عِنْدَ ٱللّٰهِ يَمُرُّ عَبْرَ ٱلْمَوْتِ، كَمَا أَعْلَنَ فِي إنجيل يوحنا (12: 24): " إِنْ لَمْ تَمُتْ حَبَّةُ ٱلْحِنْطَةِ…". جَاءَ ٱلتَّجَلِّي لِيُصَحِّحَ مِفْهُومَ ٱلْمَجْدِ فِي ذِهْنِ بُطْرُسَ وَٱلرُّسُلِ: فَلَيْسَ ٱلْمَجْدُ تَهَرُّبًا مِنَ ٱلْوَاقِعِ، بَلْ طَاعَةً تُفْضِي إِلَى ٱلْقِيَامَةِ.
مجدُ الناسوت الكامل
رَأَى بُطْرُسُ فِي ٱلتَّجَلِّي بُكُورَةَ ٱلْمَلَكُوتِ، فَقَالَ: " حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ هٰهُنَا". وَلَكِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَنَّ هٰذَا ٱلنُّورَ لَيْسَ نِهَايَةَ ٱلطَّرِيقِ، بَلْ تَأْكِيدٌ أَنَّ ٱلطَّرِيقَ صَحِيحٌ. وَيَرَى ٱلْبَاحِثُ G. Campbell Morgan أَنَّ مَا رَآهُ ٱلتَّلَامِيذُ " لَمْ يَكُنْ بَهَاءَ ٱللَّاهُوتِ فَحَسْبُ، بَلْ مَجْدَ ٱلنَّاسُوتِ ٱلْكَامِلِ بِلَا خَطِيئَةِ". أَيْ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ فِي تَجَلِّيهِ كَانَ يُعْلِنُ ٱلْإِنْسَانِيَّةَ كَمَا أَرَادَهَا ٱللّٰهُ: مُنِيرَةً، مُقَدَّسَةً، مُتَّحِدَةً بِهِ.
" يَسُوعُ وَحْدَهُ": بقاءُ الإيمان
فِي خِتَامِ ٱلرُّؤْيَا، " فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ فَلَمْ يَرَوْا إِلَّا يَسُوعَ وَحْدَهُ" (إنجيل متى 17: 8). فَبَعْدَ ٱنْقِضَاءِ ٱلْمَشْهَدِ، بَقِيَ ٱلْإِيمَانُ. وَهٰذَا هُوَ ثَمَرُ ٱلتَّجَلِّي: أَنْ يَبْقَى يَسُوعُ وَحْدَهُ فِي قَلْبِ ٱلتِّلْمِيذِ، حَتَّى إِنْ ٱحْتَجَبَ ٱلنُّورُ عَنْ ٱلْعُيُونِ.
إِنَّ ٱلتَّجَلِّي يُهَيِّئُ ٱلتَّلَامِيذَ لِلسَّيْرِ مَعَ ٱلْمَسِيحِ نَحْوَ ٱلْجُلْجُلَةِ وَرُؤْيَةِ ٱلْقَبْرِ ٱلْفَارِغِ. فَهُوَ: تَثْبِيتٌ لِلْإِيمَانِ قَبْلَ ٱلِٱمْتِحَانِ، نُورٌ فِي وَسَطِ ٱلظُّلْمَةِ، وَعَرَبُونُ قِيَامَةٍ فِي قَلْبِ ٱلْآلَامِ. هٰكَذَا يَسْنُدُ ٱلتَّجَلِّي ٱلْمُؤْمِنَ فِي حَمْلِ ٱلصَّلِيبِ، لِيَعْلَمَ أَنَّ ٱلَّذِي يَسِيرُ مَعَهُ نَحْوَ ٱلْمَوْتِ هُوَ رَبُّ ٱلْمَجْدِ، وَأَنَّ ٱلنُّورَ ٱلَّذِي أُعْلِنَ عَلَى ٱلْجَبَلِ سَيَكْتَمِلُ فِي صَبَاحِ ٱلْقِيَامَةِ.
ب) تَتْمِيمٌ لِلشَّرِيعَةِ وَٱلْأَنْبِيَاءِ
لَمْ يَأْتِ يَسُوعُ لِيَنْقُضَ مَا أُعْلِنَ فِي ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ، بَلْ لِيُتِمَّ وَعُودَ ٱللّٰهِ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِنَسْلِهِ، وَلِيُكَمِّلَ ٱلشَّرِيعَةَ وَٱلْأَنْبِيَاءَ. فَلَمْ تَكُنْ فِكْرَةُ ٱلْمَسِيحِ ٱلْمُتَأَلِّمِ غَرِيبَةً عَنْ إِعْلَانِ ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ، بَلْ مُنْسَجِمَةً مَعَ شَهَادَتِهِ. يُؤَكِّدُ ذٰلِكَ مَا يَرِدُ فِي إنجيل لوقا (24: 27) َبَدَأَ مِنْ مُوسَى وَجَمِيعِ ٱلْأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ فِي جَمِيعِ ٱلْكُتُبِ". فَٱلْمَسِيحُ هُوَ مِحْوَرُ ٱلتَّارِيخِ ٱلْخَلَاصِيِّ، وَآلَامُهُ عَمَلٌ بِمَشِيئَةِ ٱلْآبِ كَمَا تَنَبَّأَ سفر أشعيا (42: 1)" هُوَذَا عَبْدِيَ ٱلَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِيَ ٱلَّذِي رَضِيَتْ عَنْهُ نَفْسِي".
من سيناء إلى طابور: من السماع إلى المعاينة
مَا حَدَثَ عَلَى جَبَلِ ٱلتَّجَلِّي هُوَ ٱمْتِدَادٌ لِمَا حَدَثَ عَلَى سِينَاءَ، لَكِنَّ ٱلْجَدِيدَ أَنَّ ٱللّٰهَ أَصْبَحَ مَنْظُورًا فِي شَخْصِ ٱلِٱبْنِ ٱلْمُتَجَسِّدِ. فَعَلَى سِينَاءَ أُعْطِيَتِ ٱلشَّرِيعَةُ عَنْ يَدِ مُوسَى، أَمَّا فِي ٱلتَّجَلِّي فَٱلنِّعْمَةُ وَٱلْحَقُّ ظَهَرَا فِي يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، كَمَا يَقُولُ إنجيل يوحنا (1: 17): " ٱلشَّرِيعَةُ أُعْطِيَتْ عَنْ يَدِ مُوسَى، وَأَمَّا ٱلنِّعْمَةُ وَٱلْحَقُّ فَقَدْ أَتَيَا عَنْ يَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ". وَيُعَلِّقُ ٱلْبَابَا لاون الكبير: " بِيَسُوعَ تَمَّتِ ٱلْوُعُودُ ٱلَّتِي تَنَبَّأَ بِهَا ٱلْأَنْبِيَاءُ بِٱلصُّوَرِ وَٱلرُّمُوزِ، وَصَارَ ٱلْعَمَلُ بِٱلْوَصَايَا مُمْكِنًا بِٱلنِّعْمَةِ".
موسى وإيليا: الشريعة والنبوءة في خدمة الابن
يُمَثِّلُ مُوسَى ٱلشَّرِيعَةَ، وَإِيلِيَّا ٱلْأَنْبِيَاءَ. مُوسَى تَنَبَّأَ عَنْ مَجِيءِ نَبِيٍّ عَظِيمٍ (سفر التثنية 18: 15–19). وَإِيلِيَّا يَرْمُزُ إِلَى تَوَقُّعِ مَجِيءِ ٱلْمَسِيحِ (سفر ملاخي 4: 5-6). فَظُهُورُهُمَا مَعَ ٱلْمَسِيحِ هُوَ تَأْيِيدٌ رَسْمِيٌّ مِنَ ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ لِرِسَالَتِهِ. وَيَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أفرام السرياني: " فَرِحَ ٱلْأَنْبِيَاءُ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا تَأَنُّسَهُ، وَٱبْتَهَجَ ٱلتَّلَامِيذُ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا مَجْدَ لَاهُوتِهِ".
الحديث عن " الرحيل": الخروج الجديد
يُخْبِرُنَا إنجيل لوقا (9: 31) أَنَّهُمَا كَانَا يُكَلِّمَانِهِ عَنْ " رَحِيلِهِ" (ἔξοδος)، أَيْ خُرُوجِهِ ٱلْجَدِيدِ. فَكَمَا قَادَ مُوسَى ٱلشَّعْبَ فِي ٱلْخُرُوجِ ٱلْأَوَّلِ مِنْ عُبُودِيَّةِ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ ٱلْمِيعَادِ، هٰكَذَا يَقُودُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَشَرِيَّةَ فِي خُرُوجٍ جَدِيدٍ مِنْ عُبُودِيَّةِ ٱلْخَطِيئَةِ إِلَى وَطَنِنَا ٱلسَّمَاوِيِّ، عَبْرَ آلَامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ.
صوت الآب وسلطان الكلمة
كَمَا أَعْطَى ٱلرَّبُّ ٱلسُّلْطَانَ لِشَرِيعَتِهِ عَلَى سِينَاءَ (سفر الخروج 19: 9)، هٰكَذَا أَضْفَى ٱلسُّلْطَانَ عَلَى أَقْوَالِ ٱلِٱبْنِ فِي ٱلتَّجَلِّي: " لَهُ ٱسْمَعُوا". وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أفرام السرياني: " فِي لَحْظَةِ ٱلتَّجَلِّي خُتِمَتِ ٱلشَّهَادَةُ لِلِٱبْنِ بِصَوْتِ ٱلْآبِ وَبِحُضُورِ ٱلنَّبِيَّيْنِ خَادِمَيْهِ".
الخلاصة اللاهوتية: إِنَّ ٱلتَّجَلِّي يُعْلِنُ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ هُوَ تَمَامُ ٱلشَّرِيعَةِ وَٱلنُّبُوَّةِ؛ ٱلتَّارِيخَ يَكْتَمِلُ فِيهِ؛ وَعْدَ ٱللّٰهِ لِإِبْرَاهِيمَ بِأَنْ " يَتَبَارَكَ فِيهِ جَمِيعُ شُعُوبِ ٱلْأَرْضِ" (سفر التكوين 12: 3) يَتَحَقَّقُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ. فَفِي ٱلتَّجَلِّي، لَمْ يَكُنْ مُوسَى وَإِيلِيَّا مَسَاوِيَيْنِ لِلْمَسِيحِ، بَلْ شَاهِدَيْنِ لَهُ؛ لِأَنَّ ٱلتَّارِيخَ ٱلْخَلَاصِيَّ كُلَّهُ يَجِدُ مَعْنَاهُ وَكَمَالَهُ فِي ٱلِٱبْنِ ٱلْحَبِيبِ ٱلَّذِي فِيهِ يَبْلُغُ ٱلْعَهْدُ ٱلْقَدِيمُ تَمَامَهُ، وَيَبْدَأُ عَهْدُ ٱلْمَلَكُوتِ.
جـ) تَشْجِيعٌ عَلَى سَمَاعِ كَلِمَةِ ٱللّٰهِ
يُعْطِي ٱلصَّوْتُ ٱلْآتِي مِنَ ٱلْغَمَامِ ٱلْمَعْنَى ٱلْجَوْهَرِيَّ لِلتَّجَلِّي: " هٰذَا هُوَ ٱبْنِيَ ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ ٱسْمَعُوا" (إنجيل متى 17: 5). إِنَّ ٱلْمَطْلُوبَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُشَاهَدَةِ ٱلنُّورِ، بَلْ سَمَاعَ ٱلْكَلِمَةِ. فَٱلتَّجَلِّي يَنْقُلُ ٱلرُّسُلَ مِنْ دَهْشَةِ ٱلرُّؤْيَا إِلَى طَاعَةِ ٱلسَّمَاعِ.
" فَلَهُ ٱسْمَعُوا": سلطان الابن.
بِقَوْلِهِ " فَلَهُ ٱسْمَعُوا" يُحِيلُ ٱلْآبُ إِلَى نُبُوءَةِ سفر التثنية (18: 15): " نَبِيًّا مِثْلِي… فَلَهُ تَسْمَعُونَ". فَيَسُوعُ هُوَ ٱلنَّبِيُّ ٱلْمَوْعُودُ، وَكَلِمَاتُهُ لَهَا سُلْطَانُ ٱللّٰهِ نَفْسِهِ. وَهُوَ " ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ" (إنجيل يوحنا 14: 6)، أَيْ أَنَّ ٱلسَّمَاعَ لَهُ هُوَ طَرِيقُ ٱلْوُصُولِ إِلَى ٱلْآبِ.
من أفكار البشر إلى فكر الله
كَانَ ٱلتَّلَامِيذُ يَسْمَعُونَ ٱلْمَسِيحَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَفْكِرُونَ بِفِكْرِهِ. فَقَدْ عَاتَبَ بُطْرُسُ ٱلرَّبَّ عِنْدَمَا تَكَلَّمَ عَنِ ٱلصَّلِيبِ (إنجيل متى 16: 22)، لِأَنَّهُ كَانَ يُفَسِّرُ ٱلْمَسِيحَ بِمِقْيَاسٍ بَشَرِيٍّ. يَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس: "كَثِيرُونَ يَسْمَعُونَ ٱلْمَسِيحَ بِٱلْأُذُنِ، وَلٰكِنْ قَلِيلِينَ يَسْمَعُونَهُ بِٱلْقَلْبِ". فَٱلتَّجَلِّي يَدْعُو إِلَى ٱلِٱنْتِقَالِ مِنْ سَمَاعِ ٱلرَّغَبَاتِ ٱلشَّخْصِيَّةِ إِلَى ٱلِٱنْصِيَاعِ لِمَشِيئَةِ ٱلْآبِ، كَمَا كَانَ ٱلِٱبْنُ يَسْمَعُ أَبَاهُ وَيُتِمُّ إِرَادَتَهُ.
من سيناء إلى طابور: شعب يسمع
كَمَا أُعْطِيَتِ ٱلشَّرِيعَةُ عَلَى سِينَاءَ بِصَوْتٍ وَغَمَامٍ، هٰكَذَا عَلَى جَبَلِ ٱلتَّجَلِّي يُؤَسِّسُ ٱللّٰهُ شَعْبَهُ ٱلْجَدِيدَ عَلَى سَمَاعِ ٱلِٱبْنِ. فَفِي مَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ سُمِعَ ٱلصَّوْتُ لِتَثْبِيتِ رِسَالَتِهِ (إنجيل مرقس 1: 11) ، وَفِي ٱلتَّجَلِّي يُوَجَّهُ ٱلصَّوْتُ إِلَى ٱلتَّلَامِيذِ لِتَثْبِيتِ طَاعَتِهِمْ. يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أفرام السرياني: " عَلَى سِينَاءَ أُعْطِيَتِ ٱلْوَصِيَّةُ بِحَرْفٍ، أَمَّا هُنَا فَقَدْ أُعْطِيَتْ فِي شَخْصِ ٱلِٱبْنِ". فَيَسُوعُ هُوَ تَجَسُّدُ ٱلْكَلِمَةِ، وَمَنْ يَسْمَعْهُ يَسْمَعِ ٱللّٰهَ نَفْسَهُ.
الشهادة ثمرة السماع
ٱلشَّاهِدُ هُوَ ٱلَّذِي يَرَى ثُمَّ يُعْلِنُ. عَلَى ٱلْجَبَلِ شَاهَدَ ٱلتَّلَامِيذُ ٱلْمَجْدَ، وَلٰكِنَّ ٱلْمَجْدَ لَا يُثْمِرُ إِلَّا بِسَمَاعِ ٱلْكَلِمَةِ وَٱلْعَيْشِ بِهَا. إِنَّ ٱلدُّخُولَ إِلَى ٱلْمَلَكُوتِ لَا يَتِمُّ إِلَّا عَبْرَ ٱلْكَلِمَةِ ٱلْمَكْتُوبَةِ وَٱلْكَلِمَةِ ٱلْمُتَجَسِّدَةِ. فَٱلتَّجَلِّي يُعِيدُ تَوْجِيهَ ٱلْكَنِيسَةِ إِلَى مِحْوَرِهَا: أَنْ تَقْرَأَ ٱلشَّرِيعَةَ وَٱلْأَنْبِيَاءَ فِي ضَوْءِ ٱلِٱبْنِ ٱلْحَبِيبِ.
هَلْ نَسْمَعُ لِيَسُوعَ حَقًّا، أَمْ نُفَسِّرُهُ بِحَسَبِ أَفْكَارِنَا؟ هَلْ نَقْبَلُ كَلِمَتَهُ عِنْدَمَا تَدْعُونَا إِلَى ٱلصَّلِيبِ كَمَا نَقْبَلُهَا عِنْدَمَا تَعِدُنَا بِٱلْمَجْدِ؟ " فَلَهُ ٱسْمَعُوا" لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَصِيَّةٍ لِلرُّسُلِ، بَلْ دَعْوَةٌ دَائِمَةٌ لِلْكَنِيسَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ. فَلْنَسْمَعْ لَهُ، وَنَتَأَمَّلْ وَجْهَهُ ٱلْمُشِعَّ، وَنَسِرْ وَرَاءَهُ فِي دَرْبِ ٱلْبَذْلِ، لِنَشْتَرِكَ فِي مَجْدِهِ ٱلَّذِي لَا يَزُولُ.
د) تَأْكِيدٌ مُسْبَقٌ لِمَجْدِ ٱلْأَبْرَارِ
إِنَّ يَسُوعَ ٱلَّذِي تَجَلَّى عَلَى ٱلْجَبَلِ، وَشَعَّ مِنْهُ ٱلنُّورُ، لَيْسَ ٱلْمَسِيحَ ٱلإِلٰهَ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ أَيْضًا ٱلْمَسِيحُ ٱلإِنْسَانُ. فَهُوَ صُورَةُ ٱللّٰهِ وَصُورَةُ ٱلْإِنْسَانِ مَعًا. وَٱلتَّجَلِّي يُقَدِّمُ لَنَا صُورَةَ ٱلْمَسِيحِ ٱلْمُمَجَّدِ، أَيْ هَيْئَتَهُ بَعْدَ ٱلْقِيَامَةِ فِي ٱلْجَسَدِ ٱلْمُمَجَّدِ، وَهِيَ عَيْنُ ٱلْهَيْئَةِ ٱلَّتِي يُدْعَى ٱلْأَبْرَارُ لِلِٱشْتِرَاكِ فِيهَا. يَقُولُ ٱلرَّسُولُ فِي الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس 3: 18) : "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَعْكِسُ صُورَةَ مَجْدِ ٱلرَّبِّ بِوُجُوهٍ مَكْشُوفَةٍ كَمَا فِي مِرْآةٍ، فَنَتَحَوَّلُ إِلَى تِلْكَ ٱلصُّورَةِ، وَنَزْدَادُ مَجْدًا عَلَى مَجْدٍ". فَٱلتَّجَلِّي هُوَ دُخُولٌ مُسْبَقٌ إِلَى تَذَوُّقِ ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ، وَمُعَايَنَةٌ ٱسْتِبَاقِيَّةٌ لِمَجْدِ ٱلْمَلَكُوتِ.
مَجْدُ ٱلْمَسِيحِ وَمَجْدُنَا فِيهِ
يُعْلِنُ ٱلرَّبُّ أَنَّ ٱلْأَبْرَارَ " يُضِيئُونَ كَٱلشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِم" (إنجيل متى 13: 43). وَيَقُولُ ٱلرَّسُولُ فِي الرسالة إلى أهل فيلبي (3: 21): " سَيُغَيِّرُ هَيْئَةَ جَسَدِنَا ٱلْحَقِيرِ فَيَجْعَلُهُ عَلَى صُورَةِ جَسَدِهِ ٱلْمَجِيدِ". فَٱلَّذِي " عَايَنُوا مَجْدَهُ" عَلَى ٱلْجَبَلِ (إنجيل لوقا 9: 32)، هُوَ نَفْسُهُ ٱلَّذِي سَيُشْرِكُ أَحِبَّاءَهُ فِي مَجْدِهِ. يُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ غريغوريوس النزينزي: " تَجَلَّى ٱلْمَسِيحُ لِيُرِيَنَا مَا سَنَصِيرُ إِلَيْهِ إِذَا تَجَدَّدَتْ فِينَا صُورَتُهُ".
شَوْقُ بُطْرُسَ وَحَقِيقَةُ ٱلسَّمَاءِ
لَمَّا عَايَنَ بُطْرُسُ ٱلْمَجْدَ، صَرَخَ: " يَا رَبُّ، حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا" (إنجيل متى 17: 4). كَأَنَّهُ أَرَادَ إِيقَافَ ٱلزَّمَنِ وَٱلدُّخُولَ فِي ٱلْأَبَدِيَّةِ مِنَ ٱلْآنِ. هُنَا نَلْمَسُ مَعْنَى ٱلسَّمَاءِ: فَرَحٌ دَائِمٌ بِمُعَايَنَةِ وَجْهِ ٱللّٰهِ. يَقُولُ ٱلْقِدِّيسُ أوغسطينوس:
" قَلْبُنَا لَا يَسْتَرِيحُ إِلَّا إِذَا سَكَنَ فِيكَ". فَٱلتَّجَلِّي يُوَلِّدُ فِي ٱلْقَلْبِ شَوْقًا إِلَى ٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي لَا يَزُولُ.
عِيدُ ٱلْمِظَالِّ وَٱلْمَظَالُّ ٱلْأَبَدِيَّةُ
يَرْتَبِطُ ٱلتَّجَلِّي رُوحِيًّا بِعِيدِ ٱلْمِظَالِّ(سفر اللاويين 23)، حَيْثُ كَانَ ٱلشَّعْبُ يُقِيمُ فِي مَظَالٍّ ذِكْرَى لِعُبُورِ ٱلْبَرِّيَّةِ. وَلَكِنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يُقِمْ لَهُمْ مَظَالًّا أَرْضِيَّةً، بَلْ أَرْسَلَ " غَمَامًا نَيِّرًا" كَمَظَلَّةٍ سَمَاوِيَّةٍ، لِيَرْفَعَ قُلُوبَهُمْ نَحْوَ ٱلْمَظَالِّ ٱلْأَبَدِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أفرام السرياني: "أَرَادَ بُطْرُسُ أَنْ يَبْنِيَ مَظَالًّا عَلَى ٱلْجَبَلِ، أَمَّا ٱلرَّبُّ فَكَانَ يُعِدُّ لَهُ مَسْكَنًا فِي ٱلسَّمَاءِ".
ٱلصَّلِيبُ طَرِيقُ ٱلْمَجْدِ
لَيْسَ ٱلْمَجْدُ هُرُوبًا مِنَ ٱلْوَاقِعِ، بَلْ عُبُورًا مِنْ خِلَالِ ٱلصَّلِيبِ. يَقُولُ ٱلرَّسُولُ فِي الرسالة إلى أهل رومة (8: 18)
" آلَامُ ٱلزَّمَنِ ٱلْحَاضِرِ لَا تُعَادِلُ ٱلْمَجْدَ ٱلَّذِي سَيَتَجَلَّى فِينَا". فَٱلتَّجَلِّي عَرْبُونُ ٱلْقِيَامَةِ، وَإِشَارَةٌ مُسْبَقَةٌ إِلَى أَنَّ ٱلْإِنْسَانَ ٱلْبَارَّ مَدْعُوٌّ لِلِٱشْتِرَاكِ فِي مَجْدِ ٱلِٱبْنِ.
فَٱلتَّجَلِّي لَيْسَ حَدَثًا مَاضِيًا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ دَعْوَةٌ دَائِمَةٌ لِلصُّعُودِ مَعَ ٱلْمَسِيحِ، وَلِلدُّخُولِ فِي سِرِّهِ، حَيْثُ يَكْشِفُ مَجْدَهُ لِمَنْ يَتْبَعُهُ فِي دَرْبِ ٱلصَّلِيبِ. فَٱلْمَجْدُ فِي ٱللُّغَةِ ٱلْعِبْرِيَّةِ هُوَ כָּבוֹד، أَيْ "ٱلثِّقَلُ" أَوِ "ٱلْوَزْنُ"، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى حُضُورِ ٱللَّهِ ٱلْمُهَيْبِ ٱلْمَلْمُوسِ فِي ٱلتَّارِيخِ. وَهَذَا ٱلثِّقَلُ ٱلإِلٰهِيُّ لَمْ يَبْلُغْ مِلْأَهُ إِلَّا فِي سَاعَةِ ٱلْفِصْحِ، حِينَ ٱنْكَشَفَ أَنَّ مَا بَدَا عَارًا وَضَعْفًا عَلَى ٱلصَّلِيبِ كَانَ فِي ٱلْحَقِيقَةِ أَثْقَلَ حُضُورٍ إِلٰهِيٍّ فِي ٱلتَّارِيخِ. لِذٰلِكَ يَقُولُ يَسُوعُ فِي سَاعَةِ ٱلْعَبُورِ: "ٱلْآنَ تَمَجَّدَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ" (يوحنا 13: 31). فَٱلصَّلِيبُ لَيْسَ نَقِيضَ ٱلْمَجْدِ، بَلْ بَدَايَتُهُ. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ "ٱلثِّقَلُ" مِنْ عِبْءِ أَلَمٍ إِلَى "ثِقَلِ مَجْدٍ"، كَمَا يَقُولُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ: "ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا" (2 قورنتس 4: 17)، وَفِي ٱلنَّصِّ ٱلْيُونَانِيِّ: βάρος δόξης، أَيْ وَزْنُ ٱلْمَجْدِ، فَيَلْتَقِي ٱلْمَعْنَى ٱلْيُونَانِيُّ مَعَ جِذْرِ כָּבוֹד ٱلْعِبْرِيِّ فِي لُغَةِ "ٱلثِّقَلِ" ٱلَّذِي لَا يَعُودُ عِبْئًا، بَلْ ٱمْتِلَاءَ حُضُورٍ وَٱنْتِصَارَ مَحَبَّةٍ.
الخلاصة اللاهوتية: فِي ٱلتَّجَلِّي نَرَى: مَجْدَ ٱلْمَسِيحِ ٱلْمُقِيمِ، وَدَعْوَةَ ٱلْإِنْسَانِ إِلَى ٱلتَّأَلُّهُ بِٱلنِّعْمَةِ، وَوَعْدَ ٱلْمَلَكُوتِ ٱلَّذِي لَا يَزُولُ. فَكَمَا تَجَلَّى ٱلْمَسِيحُ فِي ٱلْجَبَلِ، هٰكَذَا سَيَتَجَلَّى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ صَلِيبَهُ بِإِيمَانٍ، لِيُشْرِكَهُمْ فِي مَجْدِهِ ٱلْأَبَدِيِّ.
الخُلاصَة
نَنْتَقِلُ فِي هٰذَا ٱلْأَحَدِ مَعَ ٱلسَّيِّدِ ٱلْمَسِيحِ مِنْ بَرِّيَّةِ ٱلتَّخَلِّي فِي أَرِيحَا إِلَى جَبَلِ ٱلتَّجَلِّي فِي طَابُور، حَيْثُ أَظْهَرَ يَسُوعُ مَجْدَهُ ٱلْإِلٰهِيَّ لِتَلَامِيذِهِ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَكَشَفَ لَهُمْ عَنْ طَبِيعَتِهِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ.
ٱرْتَبَطَ ٱلتَّجَلِّي بِأَحْدَاثِ ٱلصَّلِيبِ وَٱلْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا لِلرُّسُلِ أَنْ يَتَقَبَّلُوا آلَامَ ٱلسَّيِّدِ وَيُدْرِكُوا سِرَّ قِيَامَتِهِ مَا لَمْ يُهَيِّئْهُمْ ٱلرَّبُّ بِهٰذِهِ ٱلرُّؤْيَا ٱلْمَجِيدَةِ. فَكَانَ ٱلْهَدَفُ ٱلرَّئِيسِيُّ مِنَ ٱلتَّجَلِّي إِزَالَةَ ٱلشَّكِّ مِنْ قُلُوبِ ٱلتَّلَامِيذِ بِسَبَبِ ٱلصَّلِيبِ. فَبَعْدَ أَنْ عَايَنُوا جَلَالَ كَرَامَتِهِ ٱلْمَخْفِيَّةِ، لَنْ يَضْطَرِبَ إِيمَانُهُمْ عِنْدَمَا يَرَوْنَ مَذَلَّةَ ٱلْآلَامِ ٱلَّتِي سَيَتَحَمَّلُهَا طَوْعًا.
وَكَمَا كَانَتِ ٱلْمَعْمُودِيَّةُ عَلَى عَتَبَةِ حَيَاةِ يَسُوعَ ٱلْعَلَنِيَّةِ، هٰكَذَا كَانَ ٱلتَّجَلِّي عَلَى عَتَبَةِ ٱلْفِصْحِ. فَبِمَعْمُودِيَّتِهِ " ظَهَرَ سِرُّ تَجَدُّدِنَا ٱلْأَوَّلُ"، أَيْ مَعْمُودِيَّتَنَا؛ وَٱلتَّجَلِّي هُوَ، عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ ٱلْقِدِّيسِ توما الأكويني، " سِرُّ ٱلتَّجَدُّدِ ٱلثَّانِي"، أَيْ قِيَامَتُنَا ٱلْخَاصَّةُ. فَمُنْذُ ٱلْآنِ نَشْتَرِكُ فِي قِيَامَةِ ٱلرَّبِّ بِفِعْلِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ فِينَا مِنْ خِلَالِ أَسْرَارِ جَسَدِ ٱلْمَسِيحِ.
يَجْعَلُنَا ٱلتَّجَلِّي نَتَذَوَّقُ مُسْبَقًا مَجِيءَ ٱلْمَسِيحِ ٱلْمَجِيدِ ٱلَّذِي " سَيُغَيِّرُ هَيْئَةَ جَسَدِنَا ٱلْحَقِيرِ فَيَجْعَلُهُ عَلَى صُورَةِ جَسَدِهِ ٱلْمَجِيدِ" الرسالة إلى أهل فيلبي (3: 21)، وَلٰكِنَّهُ يُذَكِّرُنَا أَيْضًا أَنَّهُ " يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَازَ مَضَايِقَ كَثِيرَةً لِنَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ" (سفر أعمال الرسل 14: 22).
فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَرْتَفِعَ إِلَى جَبَلِ ٱلتَّجَلِّي لِيُعَايِنَ بَهَاءَ ٱلسَّيِّدِ، مَا لَمْ يَقْبَلْ صَلِيبَهُ وَيَدْخُلْ مَعَهُ فِي آلَامِهِ، لِيَخْتَبِرَ قُوَّةَ قِيَامَتِهِ فِيهِ. فَٱلْمَجْدُ لَا يُفْصَلُ عَنِ ٱلصَّلِيبِ، وَٱلنُّورُ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بَعْدَ عُبُورِ ٱلظُّلْمَةِ. هٰكَذَا يُصْبِحُ ٱلتَّجَلِّي دَعْوَةً لَنَا: أَنْ نَسِيرَ وَرَاءَ ٱلْمَسِيحِ فِي دَرْبِ ٱلطَّاعَةِ وَٱلْبَذْلِ، حَتَّى نَبْلُغَ مَعَهُ مَجْدَ ٱلْقِيَامَةِ ٱلَّذِي لَا يَزُولُ.
دُعَاء
أَيُّهَا ٱلْآبُ ٱلسَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ تَجَلَّى ٱبْنُكَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ عَلَى ٱلْجَبَلِ، فَعَايَنَ تَلَامِيذُهُ مَجْدَهُ، لِكَيْ إِذَا رَأَوْهُ مَصْلُوبًا لَا يَشُكُّوا، بَلْ يُكْرِزُوا لِلْعَالَمِ أَنَّهُ حَقًّا ٱبْنُكَ ٱلْحَبِيبُ، مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ؛ نَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُونَا أَنْ نَصْعَدَ مَعَهُ إِلَى جَبَلِ ٱلصَّلَاةِ، فَنَسْمَعَ لِكَلِمَتِهِ، وَنَنْفَتِحَ لِنُورِ حُضُورِهِ فِي حَيَاتِنَا، فَيَثْبُتَ إِيمَانُنَا بِهِ، وَنَشْهَدَ لَهُ رَبًّا وَإِلٰهًا وَمُخَلِّصًا. اِمْلَأْ قُلُوبَنَا رَجَاءً بِمَجْدِهِ ٱلْآتِي، هُوَ ٱلَّذِي " سَيُغَيِّرُ هَيْئَةَ جَسَدِنَا ٱلْحَقِيرِ فَيَجْعَلُهُ عَلَى صُورَةِ جَسَدِهِ ٱلْمَجِيدِ" (الرسالة إلى أهل فيلبي 3: 21). وَأَعْطِنَا أَنْ نَحْمِلَ صَلِيبَنَا بِأَمَانَةٍ، لِنَبْلُغَ مَعَهُ فَرَحَ ٱلْقِيَامَةِ، وَنُشَارِكَ فِي نُورِ مَجْدِكَ ٱلَّذِي لَا يَزُولُ. آمِينَ.
قِصَّةُ عِبْرَةٍ عَنِ ٱلتَّجَلِّي
يُرْوَى أَنَّ شَابًّا كَانَ يَعِيشُ ضِيقًا كَبِيرًا فِي حَيَاتِهِ، يَشْعُرُ بِٱلْفَشَلِ وَٱلْخَوْفِ مِنَ ٱلْمُسْتَقْبَلِ. كَانَ يَخْدِمُ فِي ٱلْكَنِيسَةِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ كَانَ مُثْقَلًا بِأَسْئِلَةٍ كَثِيرَةٍ: لِمَاذَا يَسْمَحُ ٱللّٰهُ بِٱلتَّعَبِ؟ لِمَاذَا ٱلصَّلِيبُ قَبْلَ ٱلْفَرَحِ؟
ذَاتَ يَوْمٍ، قَرَّرَ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى جَبَلٍ قَرِيبٍ مَعَ كِتَابِهِ ٱلْمُقَدَّسِ. جَلَسَ هُنَاكَ عِنْدَ ٱلْفَجْرِ، وَقَرَأَ رِوَايَةَ ٱلتَّجَلِّي فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (17: 1–9). وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَأَمَّلُ قَوْلَ بُطْرُسَ: "يَا رَبُّ، حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا"، شَعَرَ بِلَحْظَةِ سَلَامٍ عَمِيقٍ، وَكَأَنَّ نُورًا دَاخِلِيًّا لَمَسَ قَلْبَهُ.
لَكِنَّ ٱلشَّمْسَ مَا لَبِثَتْ أَنْ ٱرْتَفَعَتْ، وَٱضْطُرَّ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ ٱلْجَبَلِ لِيَعُودَ إِلَى عَمَلِهِ وَمَشَاكِلِهِ. عِنْدَئِذٍ فَهِمَ: لَمْ يُعْطِ ٱلرَّبُّ بُطْرُسَ أَنْ يَبْقَى فِي ٱلْجَبَلِ، بَلْ أَنْ يَنْزِلَ لِيَحْمِلَ ٱلصَّلِيبَ. وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ قَالَ فِي نَفْسِهِ: "ٱلتَّجَلِّي لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ ٱلْوَاقِعِ، بَلْ نُورٌ لِأُوَاجِهَ بِهِ ٱلْوَاقِعَ". وَمُنْذُ ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ، لَمْ تَخْتَفِ مَشَاكِلُهُ، لَكِنَّ نَظْرَتَهُ تَغَيَّرَتْ. صَارَ يَرَى فِي كُلِّ أَلَمٍ دَعْوَةً إِلَى عُبُورٍ جَدِيدٍ، وَفِي كُلِّ ظُلْمَةٍ وَعْدًا بِنُورٍ آتٍ.
ٱلْعِبْرَةُ
كَمَا تَجَلَّى ٱلْمَسِيحُ قَبْلَ ٱلصَّلِيبِ، هٰكَذَا يَمْنَحُنَا ٱللّٰهُ أَوْقَاتَ تَعْزِيَةٍ قَبْلَ ٱلِٱمْتِحَانِ، لِكَيْ يُثَبِّتَ إِيمَانَنَا عِنْدَمَا تَأْتِي سَاعَةُ ٱلظُّلْمَةِ. فَٱلتَّجَلِّي وَعْدٌ بِأَنَّ ٱلْمَجْدَ أَقْوَى مِنَ ٱلْأَلَمِ، وَأَنَّ ٱلصَّلِيبَ لَيْسَ ٱلنِّهَايَةَ، بَلْ ٱلطَّرِيقُ إِلَى ٱلْقِيَامَةِ.