موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٤ مارس / آذار ٢٠٢٦

يسوع وشِفَاء الأعْمى مُنذُ مَولِدِه في سِلوان

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحَد الرَّابع من الزَّمن الأربعين: يسوع وشِفَاء الأعْمى مُنذُ مَولِدِه في سِلوان (يوحنا 9: 1-41)

الأحَد الرَّابع من الزَّمن الأربعين: يسوع وشِفَاء الأعْمى مُنذُ مَولِدِه في سِلوان (يوحنا 9: 1-41)

 

النص الإنجيلي: (يوحنا 9: 1-41)

 

1 وبَينَما هو سائِرٌ رأَى رَجُلاً أَعْمى مُنذُ مَولِدِه. 2فسأَلَه تَلاميذُه: ((رابِّي، مَن خَطِىءَ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟)). 3أَجابَ يسوع: ((لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله. 4يَجِبُ علَينا، مادامَ النَّهار، أَن نَعمَلَ أَعمالَ الَّذي أَرسَلَني. فاللَّيلُ آتٍ، وفيه لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَعمَل. 5مادُمتُ في العالَم. فأَنا نورُ العالَم)). 6قالَ هذا وتَفَلَ في الأَرض، فجَبَلَ مِن تُفالِه طيناً، وطَلى بِه عَينَي الأَعْمى، 7ثُمَّ قالَ له: ((اِذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ))، أَي الرَّسول. فذَهَبَ فاغتَسَلَ فَعادَ بَصيراً. 8فقالَ الجيرانُ والَّذينَ كانوا يَرونَه مِن قَبلُ لأَنَّه كانَ شحَّاذاً: ((أَلَيسَ هو ذاكَ الَّذي كانَ يَقعُدُ فيَستَعْطي؟)) 9وقالَ آخَرون: ((إِنَّه هو)). وقالَ غَيرُهم: ((لا، بل يُشبِهُه)). أَمَّا هوَ فكانَ يقول: ((أَنا هو)). 10فقالوا له: ((فكَيفَ انفَتَحَت عَيناكَ؟)) 11فأَجابَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ الَّذي يُقالُ لَه يسوع جَبَلَ طيناً فطَلى بِه عَينَيَّ وقالَ لي: ((اِذهَبْ إِلى سِلوامَ فَاغتَسِل. فذَهَبتُ فَاغتَسَلَتُ فَأَبصَرتُ)). 12فقالوا له: ((أَينَ هو؟)) قال: ((لا أَعلَم)). 13فَذَهبوا إِلى الفِرِّيسيِّبنَ بِذاكَ الَّذي كانَ مِن قَبْلُ أَعْمى. 14وكانَ اليَومُ الَّذي فيه جَبَلَ يسوعُ طيناً وفَتحَ عيَنَيِ الأَعمى يَومَ سَبْت. 15فسأَلَهُ الفِرِّيسيُّونَ أَيضاً كَيفَ أَبصَر. فقالَ لَهم: ((جَعَلَ طيناً على عَينَيَّ ثُمَّ اغتَسَلتُ وها إِنِّي أُبصِر)). 16فقالَ بَعضُ الفِرِّيسيِّين: ((لَيسَ هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لأَنَّه لا يَحفَظُ شَريعةَ السَّبْت)). وقالَ آخَرون: ((كَيفَ يَستَطيعُ خاطِئٌ أَنَ يَأتيَ بِمثِلِ هذهِ الآيات؟)) فوَقَعَ الخِلافُ بَينَهم. 17فقالوا: أَيضاً لِلأَعمى: ((وأَنتَ ماذا تَقولُ فيه وقَد فَتَحَ عَينَيكَ؟)) قال: ((إِنَّهُ نَبِيّ)). 18على أَنَّ اليَهودَ لم يُصَدِّقوا أَنَّه كانَ أَعْمى فأَبصَر، حتَّى دَعَوا والِدَيه. 19فسأَلوهما: ((أَهذا ابنُكما الَّذي تَقولانِ إِنَّه وُلِدَ أَعمى؟ فكَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن؟)) 20فأَجابَ والِداه: ((نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا ابنُنا، وأَنَّه وُلِدَ أَعْمى. 21أَمَّا كَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن، فلا نَدْري، ومَن فَتَحَ عَينَيه فنَحنُ لا نَعلم. إِسأَلوهُ، إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، سَيَتكلَّمُ هو بِنَفسِه عن أَمرِه)). 22وإِنَّما قالَ والِداهُ هذا لِخَوفِهِما مِنَ اليَهود، لأَنَّ اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح. 23فلِذَلكَ قالَ والِداه: إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، فاسأَلوه. 24فَدَعَوا ثانِيَةً الرَّجُلَ الَّذي كانَ أَعمى وقالوا له: ((مَجِّدِ الله، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا الرَّجُلَ خاطِئ)). 25فأَجاب: ((هل هو خاطِئٌ لا أَعلَم، وإِنَّما أَعلَمُ أَنِّي كُنتُ أَعْمى وها إِنِّي أُبصِرُ الآن)). 26فقالوا له: ((ماذا صَنَعَ لكَ؟ وكَيفَ فتَحَ عَينَكَ؟)) 27أَجابَهم: ((لقد قُلتُه لَكم فلَم تُصغُوا، فلِماذا تُريدونَ أَن تَسمَعوه ثانِيَةً؟ أَتُراكم تَرغَبونَ في أَن تَصيروا أَنتُم أَيضاً تَلاميذَه؟)) 28فشَتَموه وقالوا: ((أَنتَ تِلميذُه، أَمَّا نَحنُ فَإِنَّنا تَلاميذُ مُوسى. 29نحَنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوسى، أَمَّا هذا فلا نَعلَمُ مِن أَينَ هو)). 30أجابَهُمُ الرَّجُل: ((فعَجيبٌ أَن لا تَعلَموا مِن أَينَ هو وقَد فتَحَ عَينَيَّ. 31نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ لا يَستَجيبُ لِلخاطِئين، بل يَستَجيبُ لِمَنِ اتَّقاهُ وعَمِلَ بِمَشيئتِه. 32ولَم يُسمَعْ يَوماً أَنَّ أَحداً مِنَ النَّاسِ فتَحَ عَينَي مَن وُلِدَ أَعْمى. 33فلَو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لَما استَطاعَ أَن يَصنَعَ شَيئاً)). 34أَجابوه: ((أَتُعَلِّمُنا أَنتَ وقد وُلِدتَ كُلُّكَ في الخَطايا؟)) ثُمَّ طَردوه. 35فسَمِعَ يسوع أَنَّهم طَردوه. فلَقِيَه وقالَ له: ((أَتُؤمِنُ أَنتَ بِابنِ الإِنسان؟)) 36أَجاب: ((ومَن هو. يا ربّ، فأُومِنَ به؟)) 37قالَ له يسوع: ((قد رَأَيتَه، هو الَّذي يكَلِّمُكَ)). 38فقال: ((آمنتُ، يا ربّ)) وسجَدَ له. 39فقالَ يسوع: ((إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ: أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون)). 40فسَمِعَه بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانوا معَه فقالوا له: ((أَفنَحنُ أَيضاً عُمْيان؟)) 41قالَ لَهم يسوع: ((لو كُنتُم عُمْياناً لَما كانَ علَيكُم خَطيئة. ولكِنَّكُم تَقولونَ الآن: إنَّنا نُبصِر فخَطيئَتُكُم ثابِتَة)).

 

 

ٱلْمُقَدِّمَةُ

 

يَنْفَرِدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا بِرِوَايَةِ مَعْجِزَةِ شِفَاءِ ٱلْأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ (يُوحَنَّا 9: 1–41)، وَهِيَ مَعْجِزَةٌ لَمْ يَحْدُثْ مِثْلُهَا مِنْ قَبْلُ فِي تَارِيخِ ٱلْبَشَرِيَّةِ. وَمِنْ خِلَالِ هٰذَا ٱلْحَدَثِ يَكْشِفُ ٱلْإِنْجِيلُ تَدْرِيجِيًّا عَنْ شَخْصِ يَسُوعَ وَهُوِيَّتِهِ. فَفِي بَدَايَةِ ٱلرِّوَايَةِ يُنْظَرُ إِلَيْهِ كَإِنْسَانٍ (يُوحَنَّا 9: 11)، ثُمَّ يُعْتَرَفُ بِهِ نَبِيًّا (يُوحَنَّا 9: 17)، وَرَجُلًا مِنَ ٱللَّهِ (يُوحَنَّا 9: 33)، ثُمَّ يُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ (يُوحَنَّا 9: 35)، حَتَّى يَبْلُغَ ٱلْإِعْلَانُ ذُرْوَتَهُ فِي ٱعْتِرَافِ ٱلْأَعْمَى ٱلْمَشْفِيِّ بِهِ رَبًّا مُسْتَحِقًّا لِلسُّجُودِ وَٱلْعِبَادَةِ (يُوحَنَّا 9: 38). وَبِهٰذِهِ ٱلْمَعْجِزَةِ لَا يَفْتَحُ يَسُوعُ عَيْنَيِ ٱلْأَعْمَى فَقَطْ، بَلْ يَفْتَحُ أَيْضًا بَصِيرَةَ ٱلْقَلْبِ، لِيَكْشِفَ لِلنَّاسِ نُورَ ٱلْإِيمَانِ وَٱلْحَقِّ وَٱلْحَيَاةِ وَٱلْخَلَاصِ. وَفِي ٱلْوَقْتِ نَفْسِهِ يَفْضَحُ عَمَى ٱلْقِيَادَاتِ ٱلدِّينِيَّةِ ٱلْمُرَائِيَةِ ٱلْمُتَعَجْرِفَةِ، ٱلَّتِي لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَكْتَشِفَ عَمَاهَا ٱلرُّوحِيَّ وَلَا خَطَايَاهَا. وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ هٰذَا ٱلنَّصِّ ٱلْإِنْجِيلِيِّ، مِنْ خِلَالِ ٱلتَّأَمُّلِ فِي وَقَائِعِهِ وَتَحْلِيلِ أَبْعَادِهِ ٱللَّاهُوتِيَّةِ وَٱلرُّوحِيَّةِ، وَكَذٰلِكَ فِي تَطْبِيقَاتِهِ ٱلَّتِي تَمَسُّ حَيَاةَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ.

 

 

أولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 9: 1-41)

 

1 "وَبَيْنَمَا هُوَ سَائِرٌ رَأَى رَجُلًا أَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ" (يُوحَنَّا 9: 1)

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "سَائِرٌ" فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ παράγων (مَعْنَاهَا: مُجْتَازًا أَوْ عَابِرًا فِي ٱلطَّرِيقِ) إِلَى مَرُورِ يَسُوعَ فِي وَسَطِ ٱلْقِيَادَاتِ ٱلْيَهُودِيَّةِ عِنْدَ مَدْخَلِ ٱلْهَيْكَلِ فِي أُورَشَلِيمَ أَوْ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُ، حَيْثُ كَانَ يَجْتَمِعُ ٱلْمُتَسَوِّلُونَ (أَعْمَال 3: 2). وَيَبْدُو أَنَّهُ كَانَ يَمْرُّ مُتَوَارِيًا عَنِ ٱلْقِيَادَاتِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ حَمَلُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ (يُوحَنَّا 8: 59). وَيُشِيرُ يوحنا الذهبي الفم إِلَى "أَنَّ ٱلْمَسِيحَ، حَتَّى فِي لَحَظَاتِ ٱلْخَطَرِ وَٱلِٱضْطِهَادِ، لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنْ صُنْعِ ٱلْخَيْرِ، بَلْ كَانَ يَسِيرُ وَيَبْحَثُ عَنِ ٱلْمُتَأَلِّمِينَ لِيَشْفِيَهُمْ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "رَأَى" فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ" εἶδεν من فعل ὁράω (معناه شاهد، نظر) فَتُشِيرُ إِلَى نَظْرَةِ يَسُوعَ إِلَى هٰذَا ٱلرَّجُلِ ٱلْأَعْمَى. الأَعْمَى غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى رُؤْيَةِ يَسُوعَ، لَكِنَّ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي رَآهُ. وَهٰكَذَا تَبْدَأُ قِصَّةُ شِفَاءِ هٰذَا. فَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ كَمَا يَنْظُرُ الآخَرُونَ إِلَى مُتَسَوِّلٍ مُهْمَلٍ أَوْ إِلَى إِنْسَانٍ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالشَّقَاءِ، بَلْ نَظَرَ إِلَيْهِ بِنَظْرَةِ المَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ، نَظْرَةٍ تَكْشِفُ قَلْبَ اللهِ الَّذِي يَرَى الإِنْسَانَ فِي ضُعْفِهِ وَيَدْعُوهُ إِلَى الحَيَاةِ وَالنُّورِ. فَنَظَرَةُ ٱلْمَسِيحِ هِيَ دَائِمًا نَظْرَةُ خَلَاصٍ، تَسْبِقُ حَتَّى طَلَبَ ٱلْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، كَمَا يَقُولُ ٱلنَّبِيُّ إشعياء: "وُجِدْتُ لِلَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِي، وَأُظْهِرْتُ لِلَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِّي" (إِشَعْيَاء 65: 1). وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: " إِنَّ ٱلْمَسِيحَ لَا يَنْتَظِرُ دَائِمًا أَنْ يُطْلَبَ، بَلْ هُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ بِٱلْبَحْثِ عَنِ ٱلْإِنْسَانِ لِيَشْفِيَهُ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "رَجُلًا أَعْمَى" فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ  ἄνθρωπον τυφλὸν فَتُشِيرُ إِلَى إِنْسَانٍ مَحْرُومٍ مِنْ نِعْمَةِ ٱلْبَصَرِ، أَيْ مِنَ ٱلْإِدْرَاكِ ٱلْحِسِّيِّ لِلنُّورِ ٱلْمَرْئِيِّ. وَكَانَ ٱلْعَمَى فِي ٱلْفِكْرِ ٱلْكِتَابِيِّ يُعَدُّ مِنْ أَقْسَى ٱلْمِحَنِ ٱلْإِنْسَانِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ أَيُّوب: " لِمَ يُعْطَى لِلشَّقِيِّ نُورٌ، وَحَيَاةٌ لِذَوِي ٱلنُّفُوسِ ٱلْمُرَّةِ؟" (أَيُّوب 3: 20). وَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنْجِيلُ ٱسْمَ هٰذَا ٱلْأَعْمَى، مِمَّا يَجْعَلُ شَخْصِيَّتَهُ رَمْزِيَّةً تُمَثِّلُ ٱلْإِنْسَانَ. وَلِذٰلِكَ تَتَكَرَّرُ لَفْظَةُ "أَعْمَى" نَحْوَ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي هٰذَا ٱلْفَصْلِ، لِتُبْرِزَ أَهَمِّيَّةَ هٰذِهِ ٱلشَّخْصِيَّةِ فِي ٱلرِّوَايَةِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قَائِلًا: "إِنَّ ٱلْأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ يُمَثِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ، لِأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ يُولَدُ أَعْمَى رُوحِيًّا بِسَبَبِ ٱلْخَطِيئَةِ. فَلَوْ كَانَ يَرَى حَقًّا لَمَا ٱحْتَاجَ إِلَى مَنْ يَقُودُهُ، وَلٰكِنْ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُنِيرُهُ، فَهُوَ أَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مُنْذُ مَوْلِدِهِ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ فَقَدَ بَصَرَهُ بَعْدَ أَنْ أَبْصَرَ. وَلِذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ أَمَلٍ فِي شِفَائِهِ بِوَسَائِلَ بَشَرِيَّةٍ. وَمِنْ هُنَا يَبْدُو شِفَاؤُهُ أَعْظَمَ فِي عُيُونِ ٱلنَّاسِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِعَادَةِ بَصَرٍ مَفْقُودٍ، بَلْ خَلْقٌ جَدِيدٌ لِلنُّورِ فِي عَيْنَيْ إِنْسَانٍ لَمْ يَرَ قَطُّ. وَفِي ذٰلِكَ يَظْهَرُ يَسُوعُ لَيْسَ فَقَطْ شَافِيًا، بَلْ خَالِقًا يُعِيدُ إِلَى ٱلْإِنْسَانِ مَا فَقَدَهُ فِي ٱلْخَلِيقَةِ.

 

 2"فَسَأَلَهُ تَلَامِيذُهُ: رَابِّي، مَنْ خَطِئَ، أَهٰذَا أَمْ وَالِدَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" (يُوحَنَّا 9: 2).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَنْ خَطِئَ، أَهٰذَا أَمْ وَالِدَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" إِلَى سُؤَالٍ كَانَ مَوْضُوعَ نِقَاشٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ ٱلْيَهُودِ فِي ذٰلِكَ ٱلزَّمَانِ. فَقَدِ ٱعْتَادُوا أَنْ يَرْبِطُوا بَيْنَ ٱلْمَصَائِبِ ٱلْأَرْضِيَّةِ وَخَطَايَا ٱلْإِنْسَانِ، مُعْتَبِرِينَ أَنَّ ٱلْأَلَمَ أَوِ ٱلْمَرَضَ هُوَ نَتِيجَةٌ مُبَاشِرَةٌ لِلْخَطِيئَةِ. وَقَدْ أَشَارَ يَسُوعُ نَفْسُهُ إِلَى هٰذَا ٱلتَّفْكِيرِ ٱلشَّائِعِ عِنْدَ ٱلْيَهُودِ حِينَ تَكَلَّمَ عَنْ مَأْسَاةِ ٱلْجَلِيلِيِّينَ وَسُقُوطِ بُرْجِ سِلْوَامَ (لُوقَا 13: 1–4).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مَنْ خَطِئَ؟" فَتُشِيرُ إِلَى ٱسْتِفْسَارِ ٱلتَّلَامِيذِ عَنْ سَبَبِ وِلَادَةِ هٰذَا ٱلرَّجُلِ أَعْمَى. فَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ مُعَلِّمِي ٱلْيَهُودِ يَرَوْنَ أَنَّ هُنَاكَ عِلَاقَةً بَيْنَ ٱلْخَطِيئَةِ وَٱلْمَرَضِ، كَمَا يَرِدُ فِي ٱلْمَزَامِيرِ: "جُرُوحِي أَنْتَنَتْ وَقَاحَتْ مِنْ جَرَّاءِ حَمَاقَتِي" (مَزْمُور 38: 6). وَكَانُوا يَرَوْنَ أَيْضًا عِلَاقَةً بَيْنَ ٱلْخَطِيئَةِ وَٱلْمَوْتِ. وَلِذٰلِكَ وَجَدَ عِنْدَ ٱلرَّبَّانِيِّينَ قَوْلٌ مَأْثُورٌ يَقُولُ: "لَيْسَ مَوْتٌ بِدُونِ خَطِيئَةٍ، وَلَا أَلَمٌ بِدُونِ شَرّ". وَقَدْ حَاوَلُوا تَبْرِيرَ هٰذَا ٱلتَّفْكِيرِ بِمَا وَرَدَ فِي تَعْلِيمِ حزقيال: "ٱلنَّفْسُ ٱلَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (حِزْقِيَال 18: 20). وَيُبَيِّنُ هٰذَا أَنَّ سُؤَالَ ٱلتَّلَامِيذِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ خَيَالٍ، بَلْ كَانَ تَعْلِيمًا مُتَجَذِّرًا فِي أَذْهَانِ كَثِيرٍ مِنَ ٱلْيَهُودِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَهٰذَا" فَتُشِيرُ إِلَى ٱحْتِمَالِ أَنَّ ٱلْأَعْمَى قَدْ أَخْطَأَ وَهُوَ فِي أَحْشَاءِ أُمِّهِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ. وَقَدْ بُنِيَ هٰذَا ٱلِٱعْتِقَادُ عَلَى بَعْضِ ٱلتَّفَاسِيرِ ٱلْيَهُودِيَّةِ لِلنُّصُوصِ ٱلْكِتَابِيَّةِ، مِثْلَ مَا وَرَدَ عَنْ ٱصْطِدَامِ يعقوب وَعيسو فِي بَطْنِ أُمِّهِمَا رفقة (تَكْوِين 25: 22). كَمَا اسْتَنَدُوا إِلَى قَوْلِ صَاحِبِ ٱلْمَزَامِيرِ: "إِنِّي فِي ٱلْإِثْمِ وُلِدْتُ، وَفِي ٱلْخَطِيئَةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي" (مَزْمُور 51: 7).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَمْ وَالِدَاهُ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلِٱعْتِقَادِ ٱلْمُنْتَشِرِ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ ٱلْيَهُودِ أَنَّ مِصَائِبَ ٱلْأَبْنَاءِ قَدْ تَكُونُ نَتِيجَةً لِخَطَايَا ٱلْوَالِدَيْنِ. وَكَانُوا يَسْتَنِدُونَ فِي ذٰلِكَ إِلَى مَا جَاءَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى: "إِنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ إِلٰهٌ غَيُورٌ، أُعَاقِبُ إِثْمَ ٱلْآبَاءِ فِي ٱلْأَبْنَاءِ إِلَى ٱلْجِيلِ ٱلثَّالِثِ وَٱلرَّابِعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ" (خُرُوج 20: 5). فَبَنَى بَعْضُ ٱلرَّبَّانِيِّينَ عَلَى هٰذَا ٱلنَّصِّ فِكْرَةَ أَنَّ ٱلْعِقَابَ قَدْ يَمْتَدُّ مِنَ ٱلْآبَاءِ إِلَى ٱلْأَبْنَاءِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى سُؤَالِ ٱلتَّلَامِيذِ قَائِلًا: "إِنَّ ٱلتَّلَامِيذَ لَمْ يَطْرَحُوا هٰذَا ٱلسُّؤَالَ لِطَلَبِ ٱلْمَعْلُومَاتِ فَقَطْ، بَلْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي حَيْرَةٍ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْطَأَ إِنْسَانٌ قَبْلَ وِلَادَتِهِ حَتَّى يُولَدَ أَعْمَى؟ وَإِنْ كَانَ ٱلسَّبَبُ خَطِيئَةَ وَالِدَيْهِ، فَمَا ذَنْبُهُ هُوَ؟". وَفِي ٱلْوَاقِعِ، تَرْجِعُ مِصَائِبُ ٱلْبَشَرِيَّةِ فِي مَنْظُورِ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ إِلَى دُخُولِ ٱلْخَطِيئَةِ إِلَى ٱلْعَالَمِ مِنْ خِلَالِ سُقُوطِ آدم (تَكْوِين 3: 16–19). وَيُؤَكِّدُ ذٰلِكَ بولس الرسول بِقَوْلِهِ:"فَكَمَا أَنَّ ٱلْخَطِيئَةَ دَخَلَتْ إِلَى ٱلْعَالَمِ بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ، وَبِٱلْخَطِيئَةِ ٱلْمَوْتُ، وَهٰكَذَا سَرَى ٱلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ ٱلنَّاسِ لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا أَخْطَأُوا" (رُومَا 5: 12). إِلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ ٱلْيَهُودِ فِي زَمَنِ يَسُوعَ كَانُوا يُفَسِّرُونَ ٱلْمَصَائِبَ تَفْسِيرًا مُبَاشِرًا بِأَنَّهَا نَتِيجَةُ خَطِيئَةٍ شَخْصِيَّةٍ. وَسَيُصَحِّحُ يَسُوعُ هٰذَا ٱلْمَفْهُومَ فِي ٱلْآيَةِ ٱلتَّالِيَةِ، كَاشِفًا أَنَّ ٱلْمَرَضَ لَيْسَ دَائِمًا عِقَابًا عَلَى خَطِيئَةٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَجَالًا لِظُهُورِ أَعْمَالِ ٱللَّهِ فِي ٱلْإِنْسَانِ (يُوحَنَّا 9: 3).

 

3 "أَجَابَ يَسُوعُ: لَا هٰذَا خَطِئَ وَلَا وَالِدَاهُ، وَلٰكِنْ لِتَظْهَرَ فِيهِ أَعْمَالُ ٱللَّهِ" (يُوحَنَّا 9: 3).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَا هٰذَا خَطِئَ وَلَا وَالِدَاهُ" إِلَى رَفْضِ يَسُوعَ مُعَالَجَةَ ٱلْمَوْضُوعِ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ مَسْأَلَةٍ نَظَرِيَّةٍ لِلْبَحْثِ ٱللاهُوتِيِّ. فَلَمْ يُجِبْ ٱلْمَسِيحُ عَنْ سُؤَالِ ٱلتَّلَامِيذِ بِالْمَعْنَى ٱلْمُبَاشِرِ، بَلْ حَوَّلَ نَظَرَهُمْ مِنَ ٱلْبَحْثِ عَنْ سَبَبِ ٱلْمُصِيبَةِ إِلَى ٱلْنَّظَرِ فِي مَقْصِدِ ٱللَّهِ مِنْهَا. فَٱلْمَرَضُ فِي هٰذَا ٱلنَّصِّ لَيْسَ عِقَابًا إِلٰهِيًّا، بَلْ فُرْصَةٌ لِإِعْلَانِ مَجْدِ ٱللَّهِ وَعَمَلِهِ ٱلْخَلَاصِيِّ، كَمَا يَظْهَرُ أَيْضًا فِي شِفَاءِ ٱلْمُقْعَدِ (يُوحَنَّا 5: 14) وَفِي مَرَضِ لعازر، حَيْثُ قَالَ يَسُوعُ: "هٰذَا ٱلْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ بَلْ لِمَجْدِ ٱللَّهِ" (يُوحَنَّا 11: 4). وَبِهٰذَا ٱلجَوَابِ وَجَّهَ ٱلْمَسِيحُ أَنْظَارَ تَلَامِيذِهِ إِلَى عِنَايَةِ ٱللَّهِ ٱلْفَائِقَةِ وَخُطَّتِهِ ٱلْخَفِيَّةِ فِي تَدْبِيرِ ٱلْخَلَاصِ، عِوَضًا عَنْ إِدَانَةِ هٰذَا ٱلرَّجُلِ ٱلْمَوْلُودِ أَعْمَى أَوْ وَالِدَيْهِ. فَقَدْ سَمَحَ ٱللَّهُ بِعَمَى ٱلْبَصَرِ، لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَهَبَهُ بَصِيرَةً رُوحِيَّةً أَعْمَقَ، لِيُمَجَّدَ ٱللَّهُ مِنْ خِلَالِ شِفَائِهِ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَتَعَامَلُ مَعَ خَطِيئَةِ ٱلْإِنْسَانِ بِنِيَّةِ ٱلْعِقَابِ، بَلْ بِنِيَّةِ ٱلشِّفَاءِ وَٱلْخَلَاصِ. وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يُنْكِرْ يَسُوعُ فِي هٰذَا ٱلنَّصِّ أَنَّ خَطَايَا ٱلْوَالِدَيْنِ قَدْ تَجْلِبُ أَحْيَانًا بَعْضَ ٱلْمَصَائِبِ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، كَمَا يَرِدُ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى (خُرُوج 20: 5)، وَأَنَّ بَعْضَ ٱلْخَطَايَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي بَعْضِ ٱلْأَمْرَاضِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي غُفْرَانِ خَطَايَا ٱلْمُفْلُوجِ (مَرْقُس 2: 5)، أَوْ فِي تَحْذِيرِ ٱلْمَسِيحِ لِلْمُقْعَدِ: "لَا تَعُدْ تُخْطِئْ لِئَلَّا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ" (يُوحَنَّا 5: 14)، وَقَدْ أَشَارَتِ ٱلتَّوْرَاةُ أَيْضًا إِلَى عِلَاقَةٍ بَيْنَ ٱلْخَطِيئَةِ وَبَعْضِ ٱلْبَلَايَا (ٱلْأَحْبَار 26: 16). لٰكِنَّ يَسُوعَ نَفَى بَصُورَةٍ قَاطِعَةٍ أَنْ يَكُونَ عَمَى هٰذَا ٱلرَّجُلِ نَاتِجًا عَنْ هٰذَا ٱلنَّوْعِ مِنَ ٱلْعِقَابِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لِتَظْهَرَ فِيهِ أَعْمَالُ ٱللَّهِ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ ٱلْمَرَضَ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ مَجَالًا لِإِظْهَارِ مَجْدِ ٱللَّهِ وَقُدْرَتِهِ. فَفِي شِفَاءِ هٰذَا ٱلْأَعْمَى سَيَظْهَرُ عَمَلُ ٱللَّهِ ٱلْخَلَّاقُ ٱلَّذِي يَهَبُ ٱلصِّحَّةَ ٱلْجَسَدِيَّةَ وَٱلْإِيمَانَ ٱلرُّوحِيَّ. وَبِذٰلِكَ يُثَبِّتُ يَسُوعُ دَعْوَاهُ أَنَّهُ ٱلْمَسِيحُ وَ"نُورُ ٱلْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 9: 5)، وَيَنَالُ ٱلْأَعْمَى مِنْ خِلَالِ شِفَائِهِ نُورَ ٱلْإِيمَانِ وَخَلَاصَهُ. فَأَعْمَالُ ٱللَّهِ لَيْسَتْ أَعْمَالَ عِقَابٍ بَلْ أَعْمَالُ شِفَاءٍ وَتَحْرِيرٍ وَخَلَاصٍ. وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَوَّلَ سُؤَالُنَا مِنْ: مِنْ أَيْنَ جَاءَ ٱلْأَلَمُ؟ إِلَى: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ ٱلْأَلَمُ فُرْصَةً لِعَمَلِ ٱللَّهِ؟ وَقَدْ عَبَّرَ بولس الرسول عَنْ هٰذِهِ ٱلْحَقِيقَةِ عِنْدَمَا سَمِعَ قَوْلَ ٱلرَّبِّ لَهُ فِي ضَعْفِهِ: "حَسْبُكَ نِعْمَتِي، فَإِنَّ ٱلْقُدْرَةَ تَبْلُغُ ٱلْكَمَالَ فِي ٱلضُّعْفِ" (2 قُورِنْتُس 12: 9). وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذَا ٱلْمَعْنَى قَائِلًا: "إِنَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلْحَاضِرَةَ لَيْسَتْ شَرًّا فِي ذَاتِهَا، وَلَا ٱلصِّحَّةُ خَيْرًا مُطْلَقًا؛ ٱلْخَطِيئَةُ وَحْدَهَا هِيَ ٱلشَّرُّ، أَمَّا ٱلضُّعْفُ وَٱلْعَجْزُ فَلَيْسَا شَرًّا".

 

4 "يَجِبُ عَلَيْنَا، مَا دَامَ ٱلنَّهَارُ، أَنْ نَعْمَلَ أَعْمَالَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي. فَٱللَّيْلُ آتٍ، وَفِيهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ" (يُوحَنَّا 9: 4).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "يَجِبُ عَلَيْنَا" فِي صِيغَةِ ٱلْجَمْعِ إِلَى بُعْدٍ مُهِمٍّ فِي رِسَالَةِ ٱلْمَسِيحِ، إِذْ تَدُلُّ عَلَى ٱلتَّعَاوُنِ بَيْنَ ٱلْآبِ وَٱلِٱبْنِ فِي تَدْبِيرِ ٱلْخَلَاصِ، وَكَذٰلِكَ عَلَى ٱشْتِرَاكِ ٱلتَّلَامِيذِ فِي هٰذَا ٱلْعَمَلِ. فَٱلْجَمَاعَةُ ٱلْمَسِيحِيَّةُ ٱلْأُولَى كَانَتْ تَعْتَبِرُ خِدْمَتَهَا ٱمْتِدَادًا لِعَمَلِ ٱلْمَسِيحِ نَفْسِهِ. فَعَمَلُ ٱلْكَنِيسَةِ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ ٱمْتِدَادٌ لِعَمَلِ ٱلْمَسِيحِ ٱلْخَلَاصِيِّ فِي ٱلْعَالَمِ. وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ عَمَلَ ٱلْمَسِيحِ وَعَلَاقَتَهُ بِٱلْآبِ تَبْقَى عَلَى مُسْتَوًى فَرِيدٍ يَخْتَلِفُ عَنْ عِلَاقَةِ ٱلتَّلَامِيذِ بِهِ، كَمَا صَرَّحَ يَسُوعُ: "إِنَّ أَبِي مَا يَزَالُ يَعْمَلُ وَأَنَا أَعْمَلُ أَيْضًا" (يُوحَنَّا 5: 17).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَجِبُ" فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ  δεῖ  (صيغة الواجب والقانون) فَتُشِيرُ إِلَى ضَرُورَةٍ إِلٰهِيَّةٍ نَاتِجَةٍ عَنْ ٱلطَّاعَةِ وَٱلْمَحَبَّةِ وَٱلْوَحْدَةِ بَيْنَ ٱلْآبِ وَٱلِٱبْنِ فِي إِتْمَامِ مَشِيئَةِ ٱللَّهِ. فَحَيَاةُ ٱلْمَسِيحِ كُلُّهَا كَانَتْ خُضُوعًا أَمِينًا لِإِرَادَةِ ٱلْآبِ وَتَحْقِيقًا لِخُطَّةِ ٱلْخَلَاصِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مَا دَامَ ٱلنَّهَارُ" فَتُشِيرُ إِلَى زَمَنِ ٱلْعَمَلِ وَٱلْخِدْمَةِ. فَٱللَّهُ وَهَبَ ٱلْإِنْسَانَ ٱلنَّهَارَ لِلْعَمَلِ، كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ ٱلْمَزَامِيرِ: "يَخْرُجُ ٱلْإِنْسَانُ إِلَى شُغْلِهِ وَإِلَى عَمَلِهِ حَتَّى ٱلْمَسَاءِ"(مَزْمُور 104: 23). وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ نَهَارَ ٱلْإِنْسَانِ هُوَ مُدَّةُ حَيَاتِهِ عَلَى ٱلْأَرْضِ، ٱلَّتِي فِيهَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْمَلَ وَيُؤْمِنَ وَيَتُوبَ. وَفِي هٰذَا ٱلنَّهَارِ يَدْعُونَا ٱلْمَسِيحُ إِلَى ٱلْمُشَارَكَةِ فِي عَمَلِ ٱللَّهِ ٱلْخَلَاصِيِّ. فَٱللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَنَا، وَٱلسُّؤَالُ ٱلرُّوحِيُّ هُوَ: هَلْ نُسَلِّمُ لَهُ حَيَاتَنَا لِيَعْمَلَ فِينَا وَبِنَا؟

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَنْ نَعْمَلَ أَعْمَالَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْأَعْمَالِ ٱلْخَلَاصِيَّةِ ٱلَّتِي أَوْكَلَهَا ٱلْآبُ إِلَى ٱلِٱبْنِ. فَفِي شَخْصِ يَسُوعَ يَتَجَلَّى عَمَلُ ٱللَّهِ ٱلْخَلَاصِيُّ لِخَيْرِ ٱلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، لِأَنَّ ٱلْمَسِيحَ هُوَ ٱلسَّبِيلُ ٱلْوَحِيدُ إِلَى ٱلْخَلَاصِ. وَهٰذِهِ ٱلْوَحْدَةُ بَيْنَ ٱلْآبِ وَٱلِٱبْنِ يُعَبِّرُ عَنْهَا ٱلْمَسِيحُ بِقَوْلِهِ: "جَمِيعُ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي" (يُوحَنَّا 17: 10)، وَأَيْضًا: "جَمِيعُ مَا هُوَ لِلْآبِ فَهُوَ لِي" (يُوحَنَّا 16: 15).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ٱللَّيْلُ آتٍ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْمُسْتَقْبَلِ ٱلَّذِي تَنْتَهِي فِيهِ فُرْصَةُ ٱلْعَمَلِ. وَقَدْ يَعْنِي لَيْلُ ٱلْإِنْسَانِ يَوْمَ مَوْتِهِ، أَوْ حَالَةَ ٱلْخَطِيئَةِ ٱلَّتِي يَنْغَمِسُ فِيهَا ٱلْإِنْسَانُ دُونَ تَوْبَةٍ. وَيُشِيرُ سِفْرُ ٱلْجَامِعَةِ إِلَى هٰذَا ٱلْمَعْنَى قَائِلًا: "كُلُّ مَا تَصِلُ إِلَيْهِ يَدُكَ مِنْ عَمَلٍ فَٱعْمَلْهُ بِقُوَّتِكَ، فَإِنَّهُ لَا عَمَلَ وَلَا حِسَابَ وَلَا عِلْمَ وَلَا حِكْمَةَ فِي مَثْوَى ٱلْأَمْوَاتِ ٱلَّذِي أَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهِ" (ٱلْجَامِعَة 9: 10). وَهُنَاكَ أَيْضًا لَيْلٌ عَامٌّ هُوَ يَوْمُ ٱلدَّيْنُونَةِ، حِينَ تَنْتَهِي فُرْصَةُ ٱلتَّوْبَةِ وَٱلْعَمَلِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ. أَمَّا بولس الرسول فَيَسْتَعْمِلُ صُورَةَ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لِلْحَيَاةِ ٱلرُّوحِيَّةِ قَائِلًا: "قَدْ تَنَاهَى ٱللَّيْلُ وَٱقْتَرَبَ ٱلنَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ ٱلظُّلْمَةِ وَلْنَلْبَسْ سِلَاحَ ٱلنُّورِ" (رُومَا 13: 12).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ" فَتُشِيرُ إِلَى تَشْبِيهِ حَيَاةِ ٱلْإِنْسَانِ بِيَوْمِ عَمَلٍ. فَمَا دَامَ ٱلْإِنْسَانُ حَيًّا فَلَدَيْهِ فُرْصَةٌ لِلْإِيمَانِ وَٱلتَّوْبَةِ وَٱلْعَمَلِ ٱلصَّالِحِ، أَمَّا بَعْدَ ٱنْتِهَاءِ هٰذَا ٱلْيَوْمِ فَلَا تَبْقَى فُرْصَةٌ لِذٰلِكَ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قَائِلًا: "يَا لَهُ مِنْ إِنْسَانٍ شَقِيٍّ! عِنْدَمَا كُنْتَ حَيًّا كَانَ ٱلْوَقْتُ وَقْتَ ٱلْعَمَلِ، أَمَّا ٱلْآنَ فَأَنْتَ فِي لَيْلٍ، حَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ". وَيُوضِّحُ يوحنا الذهبي الفم مَعْنَى كَلَامِ ٱلْمَسِيحِ قَائِلًا: "لَمْ يَقُلِ ٱلْمَسِيحُ: أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْمَلَ، بَلْ قَالَ: لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ، أَيْ لَمْ تَعُدْ هُنَاكَ فُرْصَةٌ لِلْإِيمَانِ وَلَا لِلْأَعْمَالِ وَلَا لِلتَّوْبَةِ".

 

5 "مَا دُمْتُ فِي ٱلْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ ٱلْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 9: 5).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَا دُمْتُ فِي ٱلْعَالَمِ" إِلَى حُضُورِ يَسُوعَ فِي ٱلْعَالَمِ بِحَسَبِ طَبِيعَتِهِ ٱلْبَشَرِيَّةِ، إِذْ دَخَلَ إِلَى تَارِيخِ ٱلْبَشَرِ وَعَاشَ فِيهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا. فَحُضُورُهُ ٱلْمَنْظُورُ كَانَ حُضُورًا زَمَنِيًّا مُحَدَّدًا، إِلَى أَنْ يُتِمَّ رِسَالَتَهُ ٱلْخَلَاصِيَّةَ فِي ٱلْعَالَمِ. أَمَّا بِحَسَبِ طَبِيعَتِهِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ فَهُوَ حَاضِرٌ فِي كُلِّ ٱلْأَزْمِنَةِ وَٱلْأَمْكِنَةِ، كَمَا أَعْلَنَ لِتَلَامِيذِهِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ: "هَا أَنَا مَعَكُمْ طُولَ ٱلْأَيَّامِ إِلَى نِهَايَةِ ٱلْعَالَمِ" (مَتَّى 28: 20). فَٱلْمَسِيحُ الَّذِي كَانَ حَاضِرًا فِي ٱلْعَالَمِ جَسَدِيًّا يَبْقَى حَاضِرًا رُوحِيًّا فِي كَنِيسَتِهِ وَفِي حَيَاةِ ٱلْمُؤْمِنِينَ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَنَا نُورُ ٱلْعَالَمِ" فَتُشِيرُ إِلَى هُوِيَّةِ يَسُوعَ ٱلْخَلَاصِيَّةِ. فَهُوَ ٱلنُّورُ ٱلَّذِي أَتَى إِلَى ٱلْبَشَرِيَّةِ لِيُضِيءَ طَرِيقَهَا وَيَهْدِيَهَا إِلَى ٱلْحَقِّ وَٱلْحَيَاةِ. وَلَيْسَ ٱلْمَسِيحُ مُجَرَّدَ مَنْ يَحْمِلُ ٱلنُّورَ، بَلْ هُوَ مَنْبَعُ ٱلنُّورِ نَفْسُهُ. لِذٰلِكَ يَقُولُ: "أَنَا نُورُ ٱلْعَالَمِ، مَنْ يَتْبَعْنِي لَا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ" (يُوحَنَّا 8: 12). وَفِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ يَرْمِزُ ٱلنُّورُ إِلَى ٱلْحَيَاةِ وَٱلْحَقِّ وَحُضُورِ ٱللَّهِ. فَٱلْمَسِيحُ هُوَ شَمْسُ ٱلْبِرِّ ٱلَّتِي تُنِيرُ ٱلْقُلُوبَ وَٱلْعُقُولَ، وَتَكْشِفُ لِلْإِنْسَانِ طَرِيقَ ٱلْخَلَاصِ. وَقَدْ تَنَبَّأَ أشعيا عَنْ هٰذَا ٱلنُّورِ قَائِلًا: "وَفِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ أَقْوَالَ ٱلْكِتَابِ، وَتُبْصِرُ عُيُونُ ٱلْعُمْيَانِ بَعْدَ ٱلدَّيْجُورِ وَٱلظَّلَامِ"» (إِشَعْيَاء 29: 18). وَفِي هٰذِهِ ٱلْمَعْجِزَةِ نَفْسِهَا يَتَحَقَّقُ هٰذَا ٱلْوَعْدُ ٱلنَّبَوِيُّ، حَيْثُ يَفْتَحُ ٱلْمَسِيحُ عَيْنَيِ ٱلْأَعْمَى لِيُظْهِرَ أَنَّهُ نُورُ ٱلْعَالَمِ. وَيُعَلِّقُ كيرلس الإسكندري قَائِلًا: "إِنَّ ٱلِٱبْنَ ٱلْوَحِيدَ هُوَ ٱلنُّورُ لَيْسَ لِلْعَالَمِ فَقَطْ، بَلْ لِكُلِّ ٱلْخَلِيقَةِ ٱلْعُلْوِيَّةِ أَيْضًا". فَٱلْمَسِيحُ هُوَ ٱلنُّورُ ٱلَّذِي يُنِيرُ ٱلْخَلِيقَةَ كُلَّهَا. وَفِي شَخْصِ يَسُوعَ ٱلَّذِي دَخَلَ بِٱلصَّلِيبِ إِلَى مَجْدِ ٱلْآبِ، يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَرَوْا ٱلنُّورَ ٱلْحَقِيقِيَّ، أَيْ ذٰلِكَ ٱلَّذِي يُظْهِرُ ٱلطَّرِيقَ ٱلْمُؤَدِّيَ إِلَى ٱلْحَيَاةِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ عِنْدَ ٱلْآبِ (يُوحَنَّا 8: 12). فَلَا نُورَ حَقِيقِيًّا فِي ٱلْعَالَمِ سِوَى نُورِ ٱلْمَسِيحِ، وَهُوَ وَحْدَهُ حَامِلُ ٱلْخَلَاصِ (يُوحَنَّا 8: 12؛ 12: 35) لِذٰلِكَ يَدْعُونَا ٱلْمَسِيحُ قَائِلًا: "آمِنُوا بِٱلنُّورِ مَا دَامَ لَكُمُ ٱلنُّورُ" (يُوحَنَّا 12: 36). وَمِنْ هُنَا تَنْبَعُ ٱلدَّعْوَةُ ٱلرُّوحِيَّةُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ: أَنْ يَطْلُبَ مِنَ ٱللَّهِ أَنْ يُضِيءَ عَلَيْهِ بِنُورِهِ، لِيَرَى ٱلْحَقِيقَةَ فِي ضَوْءِ ٱلْإِيمَانِ وَفِي نُورِ كَلِمَتِهِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، فَيَسِيرَ فِي طَرِيقِ ٱلْحَيَاةِ وَٱلْخَلَاصِ.

 

6" قَالَ هٰذَا وَتَفَلَ فِي ٱلْأَرْضِ، فَجَبَلَ مِنْ تُفَالِهِ طِينًا، وَطَلَى بِهِ عَيْنَيِ ٱلْأَعْمَى"(يُوحَنَّا 9: 6).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَفَلَ" إِلَى ٱلْبُصَاقِ، وَهُوَ أَمْرٌ كَانَ يُعْتَقَدُ فِي ٱلْعَالَمِ ٱلْقَدِيمِ أَنَّ لَهُ خَصَائِصَ شِفَائِيَّةً. فَقَدْ كَانَ ٱلنَّاسُ يَرَوْنَ فِي ٱلْبُصَاقِ وَسِيلَةً لِبَعْضِ أَنْوَاعِ ٱلْعِلَاجِ. وَيَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ هُنَا فِعْلًا مَأْلُوفًا فِي ثَقَافَةِ زَمَانِهِ، لَكِنَّهُ يُضْفِي عَلَيْهِ قُوَّةً وَمَعْنًى جَدِيدَيْنِ، كَمَا فِي شِفَاءِ ٱلأَصَمِّ ٱلأَعْقَدِ (مَرْقُس 7: 33). فَٱلشِّفَاءُ لَا يَأْتِي مِنَ ٱلتُّفَالِ أَوِ ٱلطِّينِ، وَلَا مِنَ ٱلْمَاءِ، بَلْ مِنَ ٱلْقُوَّةِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ ٱلْكَامِنَةِ فِي شَخْصِ ٱلْمَسِيحِ نَفْسِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "جَبَلَ مِنْ تُفَالِهِ طِينًا، وَطَلَى بِهِ عَيْنَيِ ٱلْأَعْمَى" فَتُشِيرُ إِلَى بُعْدٍ رَمْزِيٍّ عَمِيقٍ. فَهٰذَا ٱلْفِعْلُ يُذَكِّرُنَا بِعَمَلِ ٱللَّهِ ٱلْخَلَّاقِ فِي بَدَايَةِ ٱلْخَلِيقَةِ، حِينَ جَبَلَ ٱللَّهُ ٱلْإِنْسَانَ مِنْ تُرَابِ ٱلْأَرْضِ، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ ٱلتَّكْوِين: "جَبَلَ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ ٱلْإِنْسَانَ تُرَابًا مِنَ ٱلْأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ" (تَكْوِين 2: 7). وَبِهٰذَا ٱلْفِعْلِ يُظْهِرُ يَسُوعُ أَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ شَافٍ، بَلْ ٱلْخَالِقُ نَفْسُهُ ٱلَّذِي يُعِيدُ خَلْقَ مَا فَسَدَ فِي ٱلْإِنْسَانِ. فَكَمَا جَبَلَ ٱللَّهُ ٱلْإِنْسَانَ فِي ٱلْبَدَايَةِ مِنَ ٱلطِّينِ، هٰكَذَا يَجْبُلُ ٱلْمَسِيحُ ٱلطِّينَ لِيُعِيدَ إِلَى هٰذَا ٱلْأَعْمَى بَصَرَهُ، فَيَصِيرُ ٱلْفِعْلُ عَمَلَ خَلْقٍ جَدِيدٍ. وَقَدِ ٱسْتَعْمَلَ يَسُوعُ وَسَائِلَ مَادِّيَّةً بَسِيطَةً لِيُعْطِيَهَا مَعْنًى رَمْزِيًّا وَخَلَاصِيًّا. فَٱلْمَسِيحُ كَثِيرًا مَا كَانَ يُؤَيِّدُ كِرَازَتَهُ بِعَلَامَاتٍ مَادِّيَّةٍ وَأَفْعَالٍ رَمْزِيَّةٍ، كَمَا يُبَيِّنُ ذٰلِكَ هٰذَا ٱلنَّصُّ (يُوحَنَّا 9: 6). وَتُشِيرُ تَعَالِيمُ ٱلْكَنِيسَةِ إِلَى هٰذَا ٱلْبُعْدِ ٱلرَّمْزِيِّ فِي ٱلْأَعْمَالِ ٱلْمَادِّيَّةِ ٱلَّتِي تَحْمِلُ مَعْنًى رُوحِيًّا وَخَلَاصِيًّا (التَّعْلِيمُ ٱلْمَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ ٱلْكَاثُولِيكِيَّة، 1151). فَيَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ وَسَائِلَنَا ٱلْبَشَرِيَّةَ لِيُعْلِنَ مِنْ خِلَالِهَا حَقَائِقَ ٱلْمَلَكُوتِ. وَبِٱسْتِعْمَالِهِ ٱلتُّرَابَ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ ٱلْخَالِقُ وَٱلْمُخَلِّصُ، وَأَنَّ سِرَّ ٱلْقُوَّةِ لَيْسَ فِي ٱلطِّينِ، بَلْ فِي شَخْصِ ٱلْمَسِيحِ وَعَمَلِ يَدَيْهِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: "إِنَّ ٱلْمَسِيحَ عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يَشْفِيَ ٱلْأَعْمَى، ٱسْتَعْمَلَ وَسِيلَةً يَبْدُو أَنَّهَا تَزِيدُ ٱلْعَمَى، إِذْ وَضَعَ طِينًا عَلَى عَيْنَيْهِ، لِيُظْهِرَ أَنَّ ٱلشِّفَاءَ لَا يَأْتِي مِنَ ٱلْوَسِيلَةِ بَلْ مِنْ قُوَّةِ ٱللَّهِ". وَمِنَ ٱلْمُلَاحَظِ أَيْضًا أَنَّ يَسُوعَ شَفَى هٰذَا ٱلْأَعْمَى دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَحَدٌ ٱلشِّفَاءَ، كَمَا حَدَثَ فِي شِفَاءِ ٱلْمُقْعَدِ عِنْدَ بِرْكَةِ بَيْتِ حِسْدَا قُرْبَ هَيْكَلِ أُورَشَلِيمَ (يُوحَنَّا 5: 6). فَٱلْمَسِيحُ هُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ بِالْمُبَادَرَةِ وَيَسْعَى إِلَى ٱلْإِنْسَانِ لِيُخَلِّصَهُ. وَقَدْ تَمَّ هٰذَا ٱلشِّفَاءُ فِي مَكَانٍ كَانَتْ تَجْتَمِعُ فِيهِ ٱلْجُمُوعُ، لِكَيْ يَكُونَ ٱلْحَدَثُ وَاضِحًا لِلْجَمِيعِ، وَحَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ ٱلْيَهُودُ إِنْكَارَ ٱلْمُعْجِزَةِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ. وَبِذٰلِكَ يَصِيرُ هٰذَا ٱلْعَمَلُ آيَةً تَكْشِفُ هُوِيَّةَ ٱلْمَسِيحِ كَنُورِ ٱلْعَالَمِ وَخَالِقِ ٱلْحَيَاةِ.

 

7 "ثُمَّ قَالَ لَهُ: اِذْهَبْ فَاغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ" (أَيِ ٱلْمُرْسَلِ). "فَذَهَبَ فَٱغْتَسَلَ فَعَادَ بَصِيرًا" (يُوحَنَّا 9: 7).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "اِذْهَبْ فَاغْتَسِلْ" إِلَى طَلَبِ يَسُوعَ مِنَ ٱلْأَعْمَى أَنْ يَغْسِلَ عَيْنَيْهِ فِي ٱلْبِرْكَةِ كَشَرْطٍ لِنَوَالِ ٱلشِّفَاءِ، وَكَٱمْتِحَانٍ لِإِيمَانِهِ وَطَاعَتِهِ. فَٱلْمَسِيحُ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُظْهِرَ إِيمَانَهُ بِفِعْلٍ مَلْمُوسٍ. وَهٰذَا يُذَكِّرُنَا بِمَا حَدَثَ مَعَ نعمان ٱلسُّورِيِّ، حِينَ طَلَبَ مِنْهُ أليشع أَنْ يَغْتَسِلَ فِي نَهْرِ ٱلْأُرْدُنِّ لِيُشْفَى مِنَ ٱلْبَرَصِ (2 مُلُوك 5: 10). فَٱلشِّفَاءُ يَتَطَلَّبُ طَاعَةَ ٱلْإِيمَانِ. وَيَرَى بَعْضُ ٱلْمُفَسِّرِينَ أَنَّ غَسْلَ جَسَدِ هٰذَا ٱلرَّجُلِ ٱلْمَجْبُولِ عَلَى شَكْلِ آدَمَ ٱلْجَدِيدِ يَرْمُزُ إِلَى غَسْلِ ٱلْمِيلَادِ ٱلثَّانِي، كَمَا يَقُولُ بولس الرسول: "خَلَّصَنَا بِغُسْلِ ٱلْمِيلَادِ ٱلثَّانِي وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ"(تِيطُس 3: 5). وَمِنْ هُنَا يَرَى آبَاءُ ٱلْكَنِيسَةِ فِي هٰذَا ٱلِٱغْتِسَالِ رَمْزًا لِسِرِّ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ، حَيْثُ يُولَدُ ٱلْإِنْسَانُ وِلَادَةً جَدِيدَةً فِي ٱلْمَسِيحِ. وَيُعَبِّرُ بولس الرسول عَنْ هٰذَا ٱلْمَعْنَى قَائِلًا:"أَوَتَجْهَلُونَ أَنَّنَا، وَقَدِ ٱعْتَمَدْنَا جَمِيعًا فِي يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، إِنَّمَا ٱعْتَمَدْنَا فِي مَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِٱلْمَعْمُودِيَّةِ فِي ٱلْمَوْتِ لِنَحْيَا نَحْنُ أَيْضًا حَيَاةً جَدِيدَةً" (رُومَا 6: 3–4).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "بِرْكَةِ سِلْوَامَ" فَتُشِيرُ إِلَى بِرْكَةٍ مَعْرُوفَةٍ فِي أُورَشَلِيمَ، تُعْرَفُ ٱلْيَوْمَ بِبِرْكَةِ سِلْوَان، وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي وَادِي قَدْرُونَ جَنُوبَ شَرْقِ هَيْكَلِ أُورَشَلِيمَ (2 مُلُوك 20: 20؛ إِشَعْيَاء 8: 6). وَيَعُودُ تَارِيخُهَا إِلَى زَمَنِ حزقيا (716–687 ق.م)، حِينَ أَنْشَأَ قَنَاةً تَحْتَ ٱلْأَرْضِ لِنَقْلِ ٱلْمِيَاهِ مِنْ عَيْنِ جِيحُونَ خَارِجَ أَسْوَارِ أُورَشَلِيمَ إِلَى ٱلْبِرْكَةِ دَاخِلَ ٱلْمَدِينَةِ، لِتَأْمِينِ ٱلْمَاءِ أَثْنَاءَ ٱلْحِصَارِ (2 مُلُوك 20: 20). وَتُسَمَّى بِٱلْيُونَانِيَّةِ Σιλωάμ، وَفِي ٱلْعِبْرِيَّةِ הַשִּׁלֹּחַ  وَمَعْنَاهَا "ٱلْمُرْسَل".  وَقَدْ يُفَسَّرُ هٰذَا ٱلِٱسْمُ بِأَنَّ مِيَاهَ هٰذَا ٱلْيَنْبُوعِ تُعْتَبَرُ عَطِيَّةً مُرْسَلَةً مِنَ ٱللَّهِ لِلْمَدِينَةِ، كَمَا يَقُولُ أشعيا: "لِأَنَّ هٰذَا ٱلشَّعْبَ قَدْ نَبَذَ مِيَاهَ سِلْوَامَ ٱلْجَارِيَةَ رُوَيْدًا رُوَيْدًا" (إِشَعْيَاء 8: 6). وَقَدْ يَكُونُ ٱلِٱسْمُ أَيْضًا نَاتِجًا عَنْ أَنَّ ٱلْمِيَاهَ كَانَتْ تُرْسَلُ مِنَ ٱلْيَنْبُوعِ عَبْرَ قَنَوَاتٍ إِلَى أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ. وَلَيْسَ مِنَ ٱلْمُصَادَفَةِ أَنَّ ٱسْمَ سِلْوَامَ يَعْنِي "ٱلْمُرْسَل"، لِأَنَّهُ يَرْمُزُ إِلَى يَسُوعَ نَفْسِهِ ٱلْمُرْسَلِ مِنَ ٱلْآبِ لِخَلَاصِ ٱلْبَشَرِ. فَٱلْمَسِيحُ يُكَرِّرُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ ٱلْآبَ أَرْسَلَهُ إِلَى ٱلْعَالَمِ، كَمَا قَالَ:"ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ ٱلرَّسُولُ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ" (يُوحَنَّا 13: 16). وَكَذٰلِكَ تَكَلَّمَ ٱلنَّبِيُّ ملاخي عَنْ رَسُولِ ٱلْعَهْدِ قَائِلًا: "هَا أَنَا مُرْسِلٌ رَسُولِي" (مَلَاخِي 3: 1). لِذٰلِكَ تُصْبِحُ بِرْكَةُ سِلْوَامَ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ ٱلْمُرْسَلِ مِنَ ٱلْآبِ لِإِنَارَةِ ٱلنُّفُوسِ وَشِفَائِهَا. وَكَمَا دَعَا يَسُوعُ ٱلْأَعْمَى إِلَى ٱلِٱغْتِسَالِ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ، هٰكَذَا يَدْعُو كُلَّ نَفْسٍ تَحْتَاجُ إِلَى ٱلِٱسْتِنَارَةِ أَنْ تَأْتِي إِلَيْهِ. فَكَمَا أَعَادَ مَاءُ ٱلْبِرْكَةِ ٱلْبَصَرَ إِلَى ٱلْأَعْمَى، هٰكَذَا يَهَبُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْمُرْسَلُ نُورَ ٱلْوَحْيِ وَٱلْخَلَاصِ لِلْبَشَرِ. وَيَرَى بَعْضُ ٱلْمُفَسِّرِينَ فِي هٰذَا ٱلْمَشْهَدِ تَلْمِيحًا لِطَقْسِ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ، لِأَنَّ ٱلْمَعْمُودِيَّةَ هِيَ ٱسْتِنَارَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مِنْ خِلَالِ ٱلْمِيلَادِ ٱلْجَدِيدِ، كَمَا يُشِيرُ سِفْرُ ٱلْعِبْرَانِيِّينَ إِلَى ٱلْمُعَمَّدِينَ بِأَنَّهُمْ "ٱلْمُسْتَنِيرُونَ" (ٱلْعِبْرَانِيِّينَ 6: 4).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَذَهَبَ فَٱغْتَسَلَ" فَتُشِيرُ إِلَى طَاعَةِ ٱلْأَعْمَى ٱلْكَامِلَةِ. فَقَدْ أَطَاعَ كَلَامَ يَسُوعَ بِإِيمَانٍ وَثِقَةٍ، وَلَمْ يُجَادِلْ أَوْ يَتَرَدَّدْ، بَلْ تَصَرَّفَ وَفْقَ ٱلْأَمْرِ ٱلَّذِي أُعْطِيَ لَهُ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا:"لِمَ لَمْ يَشْفِ ٱلْمَسِيحُ ٱلْأَعْمَى فِي ٱلْحَالِ، بَلْ أَرْسَلَهُ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ؟ لِكَيْ يَظْهَرَ إِيمَانُ ٱلْأَعْمَى، وَلِكَيْ تُبْكَمَ مُكَابَرَةُ ٱلْيَهُودِ، وَلِكَيْ يَرَاهُ ٱلنَّاسُ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى ٱلْبِرْكَةِ".

أَمَّا عِبَارَةُ "فَعَادَ بَصِيرًا" فِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ  ἦλθεν βλέπων ( له عيون ليبصر) فَتُشِيرُ إِلَى ٱنْتِقَالِ ٱلْأَعْمَى مِنَ ٱلظُّلْمَةِ إِلَى ٱلنُّورِ، لَيْسَ عَلَى ٱلْمُسْتَوَى ٱلْجَسَدِيِّ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا عَلَى ٱلْمُسْتَوَى ٱلرُّوحِيِّ. فَهٰذَا ٱلرَّجُلُ سَيَنْتَقِلُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ شِفَاءِ ٱلْعَيْنَيْنِ إِلَى نُورِ ٱلْإِيمَانِ بِٱلْمَسِيحِ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا ٱلْحَدَثُ بِمَا جَرَى مَعَ نعمان ٱلسُّورِيِّ ٱلَّذِي أَمَرَهُ أليشع أَنْ يَغْتَسِلَ فِي نَهْرِ ٱلْأُرْدُنِّ فَيُشْفَى، كَمَا أَشَارَ إِلَى ذٰلِكَ يَسُوعُ قَائِلًا: "كَانَ فِي إِسْرَائِيلَ كَثِيرٌ مِنَ ٱلْبُرْصِ فِي أَيَّامِ أَلِيشَعَ ٱلنَّبِيِّ، وَلَمْ يُبْرَأْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَّا نُعْمَانُ ٱلسُّورِيُّ" (لُوقَا 4: 27). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا ٱلنَّصُّ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ ٱلْمُرْسَلَ مِنَ ٱلْآبِ هُوَ ٱلَّذِي يَهَبُ ٱلنُّورَ ٱلْحَقِيقِيَّ، وَيَقُودُ ٱلْإِنْسَانَ مِنْ ظُلْمَةِ ٱلْعَمَى إِلَى نُورِ ٱلْإِيمَانِ وَٱلْخَلَاصِ. فكَمَا بَدَأَ الخَلْقُ الأَوَّلُ بِكَلِمَةِ اللهِ الَّتِي أَشْرَقَتْ بِالنُّورِ فِي الظُّلْمَةِ، هٰكَذَا يَبْدَأُ الخَلْقُ الجَدِيدُ فِي المَسِيحِ بِإِشْرَاقِ نُورِهِ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ، فَيُجَدِّدُهُ مِنَ الدَّاخِلِ وَيُعِيدُهُ إِلَى صُورَتِهِ الأُولَى الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا. وَبِهٰذَا المَعْنَى تُصْبِحُ مُعْجِزَةُ شِفَاءِ الأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ عَلاَمَةً عَلَى عَمَلِ الخَلْقِ الجَدِيدِ الَّذِي يُحَقِّقُهُ اللهُ فِي الإِنْسَانِ، فَيُعِيدُ إِلَيْهِ كَرَامَتَهُ وَطَبِيعَتَهُ الأُولَى بِحَسَبِ المَخَطَّطِ الإِلَهِيِّ مُنْذُ البَدْءِ. فَالمَسِيحُ لَا يَمْنَحُ الإِنْسَانَ نُورَ البَصَرِ فَحَسْبُ، بَلْ يَمْنَحُهُ أَيْضًا نُورَ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ الَّتِي تُجَدِّدُ الإِنْسَانَ كُلَّهُ، وَتُدْخِلُهُ فِي شَرِكَةِ النُّورِ وَالحَيَاةِ مَعَ اللهِ.

 

9 "فَقَالَ ٱلْجِيرَانُ وَٱلَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ مِنْ قَبْلُ لِأَنَّهُ كَانَ شَحَّاذًا: أَلَيْسَ هُوَ ذَاكَ ٱلَّذِي كَانَ يَقْعُدُ فَيَسْتَعْطِي؟".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱلْجِيرَانُ وَٱلَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ مِنْ قَبْلُ لِأَنَّهُ كَانَ شَحَّاذًا" إِلَى أَوَّلِ فِئَةٍ شَهِدَتْ مُعْجِزَةَ شِفَاءِ ٱلْأَعْمَى. فَهٰؤُلَاءِ كَانُوا أَقْرَبَ ٱلنَّاسِ إِلَيْهِ، وَهُمْ ٱلَّذِينَ عَرَفُوهُ فِي حَالَتِهِ ٱلسَّابِقَةِ، حِينَ كَانَ يَعِيشُ أَعْمَى فَقِيرًا يَعْتَمِدُ عَلَى ٱلتَّسَوُّلِ لِيَحْصُلَ عَلَى مَعِيشَتِهِ. وَلِذٰلِكَ كَانَتْ مُفَاجَأَتُهُمْ كَبِيرَةً عِنْدَمَا رَأَوْهُ بَصِيرًا. فَقَدْ أَصَابَهُمْ ٱلذُّهُولُ مِنْ هٰذَا ٱلتَّغْيِيرِ ٱلْمُفَاجِئِ، إِلَى دَرَجَةٍ جَعَلَتْهُمْ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ هُوِيَّةِ ٱلرَّجُلِ نَفْسِهِ. فَٱلْإِنْسَانُ ٱلَّذِي كَانُوا يَعْرِفُونَهُ فِي ٱلْمَاضِي كَأَعْمَى شَحَّاذٍ، أَصْبَحَ ٱلآنَ مُبْصِرًا يَسِيرُ بَيْنَهُمْ. وَهٰذَا ٱلتَّغْيِيرُ ٱلْجَذْرِيُّ أَثَارَ فِيهِمُ ٱلْحَيْرَةَ وَٱلتَّسَاؤُلَ. وَيَبْدُو أَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلْأَعْمَى بَعْدَ أَنْ ٱغْتَسَلَ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ عَادَ مُبَاشَرَةً إِلَى بَيْتِهِ، لِذٰلِكَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ رَآهُ بَعْدَ شِفَائِهِ هُمُ ٱلْجِيرَانُ وَٱلْمُقَرَّبُونَ مِنْهُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَلَيْسَ هُوَ ذَاكَ ٱلَّذِي كَانَ يَقْعُدُ فَيَسْتَعْطِي؟" فَتُعَبِّرُ عَنْ سُؤَالِ تَعَجُّبٍ وَحَيْرَةٍ. فَهُمْ يُحَاوِلُونَ أَنْ يُوَفِّقُوا بَيْنَ صُورَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ: صُورَةِ ٱلرَّجُلِ فِي ٱلْمَاضِي كَأَعْمَى فَقِيرٍ يَجْلِسُ عَلَى ٱلطَّرِيقِ لِلتَّسَوُّلِ، وَصُورَتِهِ ٱلْحَالِيَّةِ كَرَجُلٍ مُبْصِرٍ يَسِيرُ بَيْنَ ٱلنَّاسِ. وَهٰكَذَا يُبْرِزُ ٱلنَّصُّ أَنَّ ٱلْمُعْجِزَةَ لَمْ تُغَيِّرْ حَالَةَ ٱلرَّجُلِ فَقَطْ، بَلْ زَعْزَعَتْ أَيْضًا تَصَوُّرَ ٱلنَّاسِ عَنْهُ. فَقَدْ كَانَ ٱلنَّاسُ يَعْرِفُونَهُ بِهُوِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ: "ٱلْأَعْمَى ٱلشَّحَّاذ". أَمَّا بَعْدَ تَدَخُّلِ يَسُوعَ، فَقَدْ أَصْبَحَ إِنْسَانًا جَدِيدًا، وَهٰذَا ٱلتَّحَوُّلُ كَانَ أَعْمَقَ مِنْ أَنْ يَسْتَوْعِبَهُ ٱلنَّاسُ بِسُهُولَةٍ. وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱللَّاهُوتِيَّةِ، يُظْهِرُ هٰذَا ٱلْمَشْهَدُ أَنَّ عَمَلَ ٱلْمَسِيحِ لَا يُغَيِّرُ حَيَاةَ ٱلْإِنْسَانِ فَقَطْ، بَلْ هُوِيَّتَهُ أَيْضًا.  فَٱلَّذِي كَانَ يَعِيشُ فِي ٱلظُّلْمَةِ وَٱلْعَوَزِ، أَصْبَحَ بِنِعْمَةِ ٱلْمَسِيحِ إِنْسَانًا جَدِيدًا مُسْتَنِيرًا بِنُورِ ٱلْحَيَاةِ. وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ ٱلْإِنْجِيلُ فِي إِظْهَارِ ٱلتَّحَوُّلِ ٱلْعَمِيقِ ٱلَّذِي يُحْدِثُهُ ٱلْمَسِيحُ فِي حَيَاةِ ٱلْإِنْسَانِ، وَٱلَّذِي سَيَقُودُ هٰذَا ٱلرَّجُلَ تَدْرِيجِيًّا إِلَى ٱلِٱعْتِرَافِ بِيَسُوعَ رَبًّا وَمُخَلِّصًا.

 

9 "وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ هُوَ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: لَا، بَلْ يُشْبِهُهُ. أَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا هُوَ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ هُوَ" إِلَى ٱلْفِئَةِ ٱلَّتِي عَايَنَتْ مَا حَدَثَ لِلرَّجُلِ ٱلْأَعْمَى وَأَدْرَكَتْ حَقِيقَةَ ٱلْمُعْجِزَةِ. فَقَدْ تَمَّ كُلُّ شَيْءٍ عَلَانِيَةً، وَكَانَ ٱلرَّجُلُ مَعْرُوفًا فِي ٱلْمَدِينَةِ بِوَصْفِهِ شَحَّاذًا أَعْمَى، لِذٰلِكَ رَأَى بَعْضُ ٱلنَّاسِ أَنَّ ٱلَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُمْ هُوَ نَفْسُ ٱلشَّخْصِ ٱلَّذِي كَانُوا يَعْرِفُونَهُ مِنْ قَبْلُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَقَالَ غَيْرُهُمْ: لَا، بَلْ يُشْبِهُهُ" فَتُشِيرُ إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُصَدِّقَ مَا حَدَثَ. فَٱلتَّغْيِيرُ ٱلَّذِي حَدَثَ لِلرَّجُلِ كَانَ كَبِيرًا جِدًّا، حَتَّى إِنَّ عَيْنَيْهِ ٱلْمَفْتُوحَتَيْنِ أَعْطَتَاهُ مَظْهَرًا جَدِيدًا يَخْتَلِفُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلًا. وَلِذٰلِكَ قَالُوا: "لَا، لَيْسَ هُوَ نَفْسَهُ، بَلْ رَجُلٌ يُشْبِهُهُ". وَهٰكَذَا ٱخْتَلَفَ ٱلنَّاسُ فِي آرَائِهِمْ، بِقَدْرِ مَا ٱخْتَلَفَتْ مَعْرِفَتُهُمْ ٱلسَّابِقَةُ بِهٰذَا ٱلرَّجُلِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا هُوَ" فَتُشِيرُ إِلَى شَهَادَةِ ٱلرَّجُلِ نَفْسِهِ عَنْ هُوِيَّتِهِ. فَقَدْ أَكَّدَ أَنَّهُ هُوَ ذَاتُهُ ٱلَّذِي كَانَ قَبْلًا أَعْمَى يَجْلِسُ يَسْتَعْطِي، وَأَنَّهُ ٱلْآنَ يَتَمَتَّعُ بِنِعْمَةِ ٱلشِّفَاءِ ٱلَّتِي مَنَحَهُ إِيَّاهَا ٱللَّهُ. وَفِي هٰذَا ٱلِٱعْتِرَافِ يَظْهَرُ صِدْقُهُ وَشَجَاعَتُهُ فِي إِعْلَانِ ٱلْحَقِّ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: "لَمْ يَخْجَلْ مِنْ عَمَاهُ ٱلْأَوَّلِ، وَلَمْ يَخْشَ غَضَبَ ٱلْجَمْعِ، وَلَمْ يَتَجَنَّبْ إِظْهَارَ نَفْسِهِ، بَلْ أَعْلَنَ ذَاتَهُ بِجُرْأَةٍ لِيُشِيرَ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ".

 

وَلَا تَقِفُ كَلِمَةُ "أَنَا هُوَ" عِنْدَ حَدِّ تَأْكِيدِ ٱلْهُوِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ تَحْمِلُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا. فَيَسُوعُ نَفْسُهُ كَانَ يَعْرِضُ هُوِيَّتَهُ بِهٰذِهِ ٱلصِّيغَةِ، كَمَا قَالَ لِلْيَهُودِ: "إِذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِأَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ" (يُوحَنَّا 8: 24). وَكَذٰلِكَ قَالَ لِلْجُنُودِ ٱلَّذِينَ جَاءُوا لِلْقَبْضِ عَلَيْهِ: "أَنَا هُوَ" (يُوحَنَّا 18: 5). وَبَعْدَ ٱلْقِيَامَةِ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: "أَنَا هُوَ بِنَفْسِي. إِلْمِسُونِي وَٱنْظُرُوا" (لُوقَا 24: 39).

 

10 "فَقَالُوا لَهُ: فَكَيْفَ ٱنْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَكَيْفَ ٱنْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟" إِلَى سُؤَالِ ٱلْجِيرَانِ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَمَعُوا حَوْلَ ٱلرَّجُلِ بَعْدَ سَمَاعِهِمْ بِخَبَرِ ٱلشِّفَاءِ ٱلْعَجِيبِ. فَقَدْ أَثَارَ ٱلتَّغْيِيرُ ٱلْمُفَاجِئُ ٱلَّذِي حَدَثَ لِلْأَعْمَى ٱلْفَضُولَ وَٱلتَّسَاؤُلَ فِي نُفُوسِ ٱلنَّاسِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَعْرِفُوا كَيْفَ تَمَّ هٰذَا ٱلشِّفَاءُ.  وَلَا يَتَعَلَّقُ ٱلسُّؤَالُ بِهُوِيَّةِ ٱلرَّجُلِ فَقَطْ، بَلْ بِطَرِيقَةِ حُدُوثِ ٱلْمُعْجِزَةِ. فَٱلنَّاسُ أَرَادُوا أَنْ يَفْهَمُوا ٱلْكَيْفِيَّةَ ٱلَّتِي ٱنْفَتَحَتْ بِهَا عَيْنَا ٱلَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ بِأَنَّهُ أَعْمَى مُنْذُ وِلَادَتِهِ.

 

وَيَكْشِفُ هٰذَا ٱلسُّؤَالُ عَنْ رَدِّ فِعْلٍ طَبِيعِيٍّ لَدَى ٱلْإِنْسَانِ أَمَامَ ٱلْمُعْجِزَاتِ؛ فَعِنْدَمَا يَرَى ٱلنَّاسُ حَدَثًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ يَسْعَوْنَ إِلَى تَفْسِيرِهِ وَفَهْمِهِ. لِذٰلِكَ بَدَأَ ٱلْحِوَارُ مَعَ ٱلرَّجُلِ حَوْلَ كَيْفِيَّةِ ٱلشِّفَاءِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّرَ ٱلنِّقَاشُ لَاحِقًا حَوْلَ هُوِيَّةِ ٱلَّذِي صَنَعَ ٱلْمُعْجِزَةَ. وَهٰكَذَا يُمَهِّدُ هٰذَا ٱلسُّؤَالُ لِمَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ فِي ٱلرِّوَايَةِ، حَيْثُ سَيَبْدَأُ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي شُفِيَ بِتَقْدِيمِ شَهَادَتِهِ عَنْ يَسُوعَ، وَبِذٰلِكَ تَتَحَوَّلُ ٱلْقِصَّةُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ مُجَرَّدِ حَدَثِ شِفَاءٍ جَسَدِيٍّ إِلَى شَهَادَةٍ إِيمَانِيَّةٍ تَكْشِفُ هُوِيَّةَ يَسُوعَ كَنُورِ ٱلْعَالَمِ.

 

11" فَأَجَابَ: إِنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ جَبَلَ طِينًا فَطَلَى بِهِ عَيْنَيَّ، وَقَالَ لِي: اِذْهَبْ إِلَى سِلْوَامَ فَاغْتَسِلْ. فَذَهَبْتُ فَٱغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "إِنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ" فِي أَصْلِهَا ٱلْيُونَانِيِّ ἄνθρωπος (وَمَعْنَاهَا إِنْسَان). وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلْمُعَافَى لَا يَقْصِدُ إِنْسَانًا عَادِيًّا، بَلْ إِنْسَانًا مُمَيَّزًا يَفُوقُ سَائِرَ ٱلنَّاسِ. فَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يَسُوعَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ رَآهُ بِعَيْنَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَعْمَى؛ لَكِنَّهُ سَمِعَ عَنْهُ وَسَمِعَ صَوْتَهُ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ. وَمِنْ خِلَالِ ٱلْخِبْرَةِ ٱلَّتِي عَاشَهَا شَعَرَ أَنَّ هٰذَا ٱلْإِنْسَانَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "جَبَلَ طِينًا فَطَلَى بِهِ عَيْنَيَّ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْعَمَلِ ٱلَّذِي قَامَ بِهِ يَسُوعُ. فَقَدْ جَبَلَ طِينًا مِنَ ٱلتُّفَالِ وَطَلَى بِهِ عَيْنَيِ ٱلْأَعْمَى، فَكَانَ هٰذَا ٱلْفِعْلُ عَمَلًا رَمْزِيًّا يُذَكِّرُ بِعَمَلِ ٱللَّهِ ٱلْخَالِقِ حِينَ جَبَلَ ٱلْإِنْسَانَ مِنْ تُرَابِ ٱلْأَرْضِ (تَكْوِين 2: 7). وَبِهٰذَا يَظْهَرُ يَسُوعُ كَٱلَّذِي يُعِيدُ خَلْقَ ٱلْإِنْسَانِ وَيُرَجِّعُ لَهُ مَا فَقَدَهُ.

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "اِذْهَبْ إِلَى سِلْوَامَ فَاغْتَسِلْ" إِلَى ٱلْأَمْرِ ٱلَّذِي أَعْطَاهُ يَسُوعُ لِلرَّجُلِ، وَهُوَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِي كَانَ سَبَبَ شِفَائِهِ. وَيُنْسِبُ ٱلرَّجُلُ هٰذَا ٱلْعَمَلَ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ إِلَى يَسُوعَ، فَهُوَ ٱلَّذِي أَمَرَ وَهُوَ ٱلَّذِي صَنَعَ ٱلْعَمَلَ ٱلْخَلَاصِيَّ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَذَهَبْتُ فَٱغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ" فَتُشِيرُ إِلَى وَصْفٍ بَسِيطٍ وَصَادِقٍ لِمَا حَدَثَ. فَٱلرَّجُلُ لَا يُضِيفُ شَيْئًا وَلَا يُنْقِصُ شَيْئًا، بَلْ يَرْوِي ٱلْوَاقِعَ كَمَا هُوَ: أَطَاعَ ٱلْأَمْرَ، فَذَهَبَ وَٱغْتَسَلَ، وَبَعْدَ ذٰلِكَ أَبْصَرَ. وَفِي هٰذَا ٱلْوَصْفِ تَظْهَرُ بَسَاطَةُ شَهَادَتِهِ وَصِدْقُهَا. وَمِنَ ٱلْمَنْظُورِ ٱللَّاهُوتِيِّ، فَإِنَّ مَا وَصَفَهُ ٱلرَّجُلُ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ كَرَمْزٍ لِمَسِيرَةِ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ. فَٱلِٱغْتِسَالُ فِي ٱلْمَاءِ يُشِيرُ إِلَى ٱلْمِيلَادِ ٱلْجَدِيدِ وَٱلِٱنْتِقَالِ مِنَ ٱلظُّلْمَةِ إِلَى ٱلنُّورِ. وَيُعَبِّرُ بولس الرسول عَنْ هٰذَا ٱلْمَعْنَى قَائِلًا: "أَوَتَجْهَلُونَ أَنَّنَا، وَقَدِ ٱعْتَمَدْنَا جَمِيعًا فِي يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، إِنَّمَا ٱعْتَمَدْنَا فِي مَوْتِهِ؟ فَدُفِنَّا مَعَهُ بِٱلْمَعْمُودِيَّةِ فِي ٱلْمَوْتِ، لِنَحْيَا نَحْنُ أَيْضًا حَيَاةً جَدِيدَةً، كَمَا أُقِيمَ ٱلْمَسِيحُ مِنْ بَيْنِ ٱلْأَمْوَاتِ بِمَجْدِ ٱلْآبِ" (رُومَا 6: 3–4). وَهٰكَذَا تَصِيرُ قِصَّةُ شِفَاءِ ٱلْأَعْمَى صُورَةً رَمْزِيَّةً لِمَسِيرَةِ ٱلْإِنْسَانِ مَعَ ٱلْمَسِيحِ: طَاعَةٌ لِكَلِمَتِهِ، وَٱغْتِسَالٌ فِي مِيَاهِ ٱلنِّعْمَةِ، ثُمَّ ٱنْتِقَالٌ مِنَ ٱلْعَمَى إِلَى نُورِ ٱلْإِيمَانِ وَٱلْحَيَاةِ ٱلْجَدِيدَةِ.

 

12 "فَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَيْنَ هُوَ؟" إِلَى رَغْبَةِ ٱلسَّائِلِينَ فِي مَعْرِفَةِ مَكَانِ يَسُوعَ ٱلَّذِي صَنَعَ هٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةَ ٱلْعَجِيبَةَ. فَبَعْدَ أَنْ سَمِعُوا شَهَادَةَ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ، أَرَادُوا أَنْ يَرَوْا يَسُوعَ بِأَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ يَكُونُ دَافِعُهُمْ فِي ذٰلِكَ ٱلْفُضُولَ وَٱلرَّغْبَةَ فِي مُعَايَنَةِ ٱلَّذِي يَمْلِكُ هٰذِهِ ٱلْقُوَّةَ ٱلْعَجِيبَةَ. وَمِنَ ٱلْمُحْتَمَلِ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَهُمْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ مَكَانِهِ لِيُخْبِرُوا ٱلسُّلُطَاتِ ٱلدِّينِيَّةَ عَنْهُ، خَاصَّةً أَنَّ ٱلْمُعْجِزَةَ جَرَتْ فِي يَوْمِ ٱلسَّبْتِ، وَهُوَ مَا سَيُثِيرُ ٱعْتِرَاضَ قِيَادَاتِ ٱلْيَهُودِ فِيمَا بَعْدُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "قَالَ: لَا أَعْلَمُ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي شُفِيَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَكَانَ يَسُوعَ. فَبَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ يَسُوعُ أَنْ يَذْهَبَ وَيَغْتَسِلَ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ، تَوَارَى عَنْ ٱلْأَنْظَارِ. وَلِذٰلِكَ لَمْ يَرَهُ ٱلرَّجُلُ بَعْدَ ذٰلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَدُلَّ ٱلنَّاسَ عَلَيْهِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذَا ٱلْمَشْهَدِ قَائِلًا: "لَاحِظُوا تَوَاضُعَ ٱلْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَشْفِيهِمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ مَجْدًا لِنَفْسِهِ، وَلَا أَرَادَ أَنْ يَجْتَذِبَ ٱلْجُمُوعَ إِلَيْهِ، وَلَا أَنْ يُظْهِرَ نَفْسَهُ أَمَامَ ٱلنَّاسِ". وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا ٱلنَّصُّ بُعْدًا مُهِمًّا فِي شَخْصِ يَسُوعَ: فَهُوَ لَا يَطْلُبُ ٱلشُّهْرَةَ وَلَا ٱلْمَجْدَ ٱلْبَشَرِيَّ، بَلْ يَقُومُ بِعَمَلِ ٱلرَّحْمَةِ وَٱلْخَلَاصِ ثُمَّ يَنْسَحِبُ فِي تَوَاضُعٍ. وَفِي هٰذَا تَتَجَلَّى طَبِيعَةُ رِسَالَتِهِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ ٱلَّتِي تَهْدِفُ إِلَى خَلَاصِ ٱلْإِنْسَانِ لَا إِلَى مَجْدٍ أَرْضِيٍّ.

 

13 "فَذَهَبُوا إِلَى ٱلْفِرِّيسِيِّينَ بِذَاكَ ٱلَّذِي كَانَ مِنْ قَبْلُ أَعْمَى".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ «فَذَهَبُوا إِلَى ٱلْفِرِّيسِيِّينَ بِذَاكَ ٱلَّذِي كَانَ مِنْ قَبْلُ أَعْمَى" إِلَى أَنَّ ٱلَّذِينَ شَهِدُوا شِفَاءَ ٱلرَّجُلِ أَخَذُوهُ إِلَى ٱلْفِرِّيسِيِّينَ لِيُعْرَضَ ٱلْأَمْرُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ الفريسيون يُعَدُّونَ مِنَ ٱلْجَمَاعَاتِ ٱلدِّينِيَّةِ ٱلْمُؤَثِّرَةِ فِي ٱلْمُجْتَمَعِ ٱلْيَهُودِيِّ، وَكَانَ لَهُمْ دَوْرٌ فِي ٱلْإِشْرَافِ عَلَى تَفْسِيرِ ٱلنَّامُوسِ وَتَطْبِيقِهِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدِّينِيَّةِ.

 

وَقَدْ جَرَى إِحْضَارُ ٱلرَّجُلِ إِلَيْهِمْ لِأَنَّ عَمَلَ ٱلشِّفَاءِ حَدَثَ فِي يَوْمِ ٱلسَّبْتِ، وَهُوَ مَا رَآهُ بَعْضُ ٱلْيَهُودِ مُخَالِفًا لِتَفْسِيرِهِمُ ٱلصَّارِمِ لِلنَّامُوسِ. لِذٰلِكَ أُرادواَ فَحْصُ ٱلْحَدَثِ أَمَامَ ٱلسُّلْطَةِ ٱلدِّينِيَّةِ لِلتَّحَقُّقِ مِنْهُ وَتَقْيِيمِهِ فِي ضَوْءِ ٱلشَّرِيعَةِ. وَكَانَ لِهٰذِهِ ٱلْقِيَادَاتِ ٱلدِّينِيَّةِ نُفُوذٌ فِي ٱلْمَجَامِعِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، حَيْثُ كَانَ فِي وُسْعِهِمْ أَنْ يُصْدِرُوا أَحْكَامًا تَأْدِيبِيَّةً، مِنْهَا إِخْرَاجُ ٱلشَّخْصِ مِنَ ٱلْمَجْمَعِ (يُوحَنَّا 9: 34). وَلِذٰلِكَ أُحْضِرَ ٱلرَّجُلُ لِيُسْتَجْوَبَ أَمَامَهُمْ بِشَأْنِ مَا جَرَى لَهُ.

 

وَمِنَ ٱلْمَنْظُورِ ٱللَّاهُوتِيِّ، يَكْشِفُ هٰذَا ٱلْمَشْهَدُ مُفَارَقَةً لَافِتَةً: فَٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى جَسَدِيًّا قَدْ نَالَ نُورَ ٱلْبَصَرِ، أَمَّا ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُبْصِرُونَ فِي ٱلْمَعْرِفَةِ وَٱلشَّرِيعَةِ، فَقَدْ بَدَأَ عَمَاهُمْ ٱلرُّوحِيُّ يَنْكَشِفُ. فَبَدَلَ أَنْ يَفْرَحُوا بِعَمَلِ ٱللَّهِ، رَكَّزُوا عَلَى مَسْأَلَةِ ٱلسَّبْتِ وَمُخَالَفَةِ ٱلشَّرِيعَةِ. وَلِذٰلِكَ سَيُظْهِرُ ٱلإِنْجِيلُ فِي مَا بَعْدُ أَنَّ عَمَى ٱلرَّجُلِ ٱلسَّابِقَ سَيُقَابِلُهُ عَمًى رُوحِيٌّ عِنْدَ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ، كَمَا يَقُولُ يَسُوعُ فِي خِتَامِ ٱلْفَصْلِ: "لِلدَّيْنُونَةِ أَتَيْتُ إِلَى هٰذَا ٱلْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ ٱلَّذِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَيَعْمَى ٱلَّذِينَ يُبْصِرُونَ" (يُوحَنَّا 9: 39–40). وَهٰكَذَا يَتَحَوَّلُ مَشْهَدُ شِفَاءِ ٱلْأَعْمَى إِلَى كَشْفٍ لِحَقِيقَةِ ٱلْبَصِيرَةِ ٱلرُّوحِيَّةِ وَٱلْعَمَى ٱلدِّينِيِّ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

 

14"وَكَانَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي فِيهِ جَبَلَ يَسُوعُ طِينًا وَفَتَحَ عَيْنَيِ ٱلْأَعْمَى يَوْمَ سَبْتٍ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "يَوْمَ سَبْتٍ" فِي ٱلْعِبْرِيَّةِ יוֹם הַשַּׁבָּת إِلَى يَوْمِ ٱلرَّاحَةِ ٱلْأُسْبُوعِيِّ عِنْدَ ٱلْيَهُودِ، وَهُوَ يَوْمٌ مُقَدَّسٌ خُصِّصَ لِلْعِبَادَةِ وَٱلِٱحْتِفَالِ ٱلدِّينِيِّ فِي ٱلْعَائِلَةِ وَٱلْمَجْمَعِ. وَيَعُودُ أَصْلُ هٰذَا ٱلْيَوْمِ إِلَى وَصِيَّةِ ٱللَّهِ فِي ٱلشَّرِيعَةِ، حَيْثُ أَمَرَ بِتَقْدِيسِهِ كَيَوْمِ رَاحَةٍ (خُرُوج 20: 8–11). وَكَانَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ كَعَلَامَةٍ لِعَهْدِ ٱللَّهِ مَعَ شَعْبِهِ. وَفِي زَمَنِ يَسُوعَ، كَانَتِ ٱلتَّفَاسِيرُ ٱلرَّبَّانِيَّةُ لِشَرِيعَةِ ٱلسَّبْتِ قَدْ صَارَتْ شَدِيدَةَ ٱلتَّفْصِيلِ، حَيْثُ وُضِعَتْ قَوَائِمُ طَوِيلَةٌ مِنَ ٱلْأَعْمَالِ ٱلْمَمْنُوعَةِ فِي هٰذَا ٱلْيَوْمِ. وَكَانَتِ ٱلْمُعَالَجَةُ ٱلطِّبِّيَّةُ مَحْظُورَةً عَادَةً، إِلَّا فِي حَالَاتِ ٱلْخَطَرِ ٱلْمُبَاشِرِ عَلَى ٱلْحَيَاةِ (يُوحَنَّا 5: 9). وَكَانَ ٱلْفُقَهَاءُ مِنَ الفريسيون يَرَوْنَ أَنَّ إِجْرَاءَ أَيِّ عَمَلٍ طِبِّيٍّ فِي يَوْمِ ٱلسَّبْتِ يُعَدُّ مُخَالَفَةً لِلشَّرِيعَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ ٱلْمَرِيضُ فِي خَطَرِ ٱلْمَوْتِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "جَبَلَ يَسُوعُ طِينًا وَفَتَحَ عَيْنَيِ ٱلْأَعْمَى يَوْمَ سَبْتٍ" فَتُبَيِّنُ أَنَّ ٱلْعَمَلَ ٱلَّذِي قَامَ بِهِ يَسُوعُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ، فِي نَظَرِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ، عَمَلًا مَمْنُوعًا. فَجَبْلُ ٱلطِّينِ يُعَدُّ فِي تَفْسِيرِهِمْ نَوْعًا مِنَ ٱلْعَمَلِ، وَكَذٰلِكَ ٱلشِّفَاءُ نَفْسُهُ يُفَسَّرُ كَعَمَلٍ طِبِّيٍّ، وَلِذٰلِكَ رَأَوْا فِيهِ خَرْقًا لِقَانُونِ ٱلسَّبْتِ. لِذٰلِكَ أَصْبَحَتْ هٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةُ سَبَبًا لِلْجِدَالِ بَيْنَ يَسُوعَ وَٱلْفِرِّيسِيِّينَ. فَهُمْ رَكَّزُوا عَلَى مُخَالَفَةِ ٱلسَّبْتِ، أَمَّا يَسُوعُ فَرَكَّزَ عَلَى رَحْمَةِ ٱللَّهِ وَخَيْرِ ٱلْإِنْسَانِ. فَفِي تَعْلِيمِهِ بَيَّنَ أَنَّ ٱلسَّبْتَ لَمْ يُوضَعْ لِيَكُونَ عِبْئًا عَلَى ٱلْإِنْسَانِ، بَلْ لِخَيْرِهِ. وَقَدِ ٱسْتَعْمَلَ يَسُوعُ حُجَجًا مَعْرُوفَةً فِي ٱلْفِكْرِ ٱلرَّبَّانِيِّ لِيُظْهِرَ أَنَّ فِعْلَ ٱلرَّحْمَةِ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ ٱلسَّبْتِ. فَقَالَ:"أَيُّهَا ٱلْمُرَاؤُونَ، أَمَا يَحُلُّ كُلٌّ مِنْكُمْ يَوْمَ ٱلسَّبْتِ رِبَاطَ ثَوْرِهِ أَوْ حِمَارِهِ مِنَ ٱلْمِذْوَدِ وَيَذْهَبُ بِهِ فَيَسْقِيهِ؟ وَهٰذِهِ ٱبْنَةُ إِبْرَاهِيمَ، قَدْ رَبَطَهَا ٱلشَّيْطَانُ مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَفَمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ تُحَلَّ مِنْ هٰذَا ٱلرِّبَاطِ يَوْمَ ٱلسَّبْتِ؟" (لُوقَا 13: 15–16). وَبِهٰذَا يُظْهِرُ يَسُوعُ أَنَّ مَقْصِدَ ٱللَّهِ مِنَ ٱلسَّبْتِ هُوَ ٱلْحَيَاةُ وَٱلرَّحْمَةُ، لَا ٱلْتَّشَدُّدُ ٱلْقَانُونِيُّ. فَشِفَاءُ ٱلْمَرِيضِ وَتَحْرِيرُ ٱلْإِنْسَانِ مِنَ ٱلْأَلَمِ هُوَ عَمَلٌ يَتَّفِقُ مَعَ إِرَادَةِ ٱللَّهِ، لِأَنَّ ٱللَّهَ "يُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً" (هُوشَع 6: 6؛ مَتَّى 9: 13). وَهٰكَذَا يَصِيرُ هٰذَا ٱلنَّصُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ لِمُعْجِزَةٍ، بَلْ مَوْقِفًا لَاهُوتِيًّا يُظْهِرُ ٱلتَّوَتُّرَ بَيْنَ حَرْفِيَّةِ ٱلشَّرِيعَةِ وَرُوحِهَا، بَيْنَ ٱلْقَانُونِ ٱلْمُتَشَدِّدِ وَرَحْمَةِ ٱللَّهِ ٱلَّتِي جَاءَ يَسُوعُ لِيُعْلِنَهَا فِي ٱلْعَالَمِ.

 

15" فَسَأَلَهُ ٱلْفِرِّيسِيُّونَ أَيْضًا كَيْفَ أَبْصَرَ. فَقَالَ لَهُمْ: جَعَلَ طِينًا عَلَى عَيْنَيَّ، ثُمَّ ٱغْتَسَلْتُ، وَهَا إِنِّي أُبْصِرُ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَسَأَلَهُ ٱلْفِرِّيسِيُّونَ أَيْضًا كَيْفَ أَبْصَرَ" إِلَى ٱسْتِجْوَابٍ جَدِيدٍ أَجْرَاهُ الفريسيون مَعَ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ. وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ مِنَ ٱلسُّؤَالِ ٱلتَّحَقُّقَ مِنَ ٱلْحَقِيقَةِ بِرُوحٍ مُنْفَتِحَةٍ، بَلْ ٱلْبَحْثَ عَنْ سَبَبٍ يُمْكِنُ أَنْ يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً لِلِٱتِّهَامِ وَٱلشَّكْوَى عَلَى يَسُوعَ، وَلِتَشْوِيهِ صُورَتِهِ أَمَامَ جُمْهُورِ ٱلشَّعْبِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَيْضًا" فَفِي أَصْلِهَا ٱلْيُونَانِيِّ πάλιν، وَمَعْنَاهَا "مِنْ جَدِيدٍ" أَوْ "بِدَوْرِهِمْ". وَتُشِيرُ هُنَا إِلَى أَنَّ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ، بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا خَبَرَ ٱلْمُعْجِزَةِ مِنَ ٱلنَّاسِ ٱلَّذِينَ سَأَلُوا ٱلْأَعْمَى مِنْ قَبْلُ، أَرَادُوا أَنْ يَسْمَعُوا ٱلْقِصَّةَ مِنْ فَمِ ٱلرَّجُلِ نَفْسِهِ، لِيَفْحَصُوا أَقْوَالَهُ وَيَجِدُوا فِيهَا مَا يُمْكِنُ ٱلِٱسْتِنَادُ إِلَيْهِ فِي ٱتِّهَامِ يَسُوعَ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "جَعَلَ طِينًا عَلَى عَيْنَيَّ ثُمَّ ٱغْتَسَلْتُ وَهَا إِنِّي أُبْصِرُ" فَتُشِيرُ إِلَى شَهَادَةِ ٱلرَّجُلِ فِي ٱلِٱسْتِجْوَابِ ٱلثَّانِي. وَمَا قَالَهُ لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا لِمَا قَالَهُ فِي ٱلِٱسْتِجْوَابِ ٱلْأَوَّلِ، بَلْ كَانَ تَلْخِيصًا بَسِيطًا لِلْحَدَثِ. فَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا أَنَّ يَسُوعَ "جَبَلَ طِينًا" (يُوحَنَّا 9: 11)، وَلَا ذَكَرَ ٱلْمَكَانَ ٱلَّذِي ٱغْتَسَلَ فِيهِ، أَيْ بِرْكَةَ سِلْوَامَ، بَلِ ٱكْتَفَى بِذِكْرِ جَوْهَرِ ٱلْحَدَثِ: وُضِعَ ٱلطِّينُ عَلَى عَيْنَيْهِ، ثُمَّ ٱغْتَسَلَ، فَأَبْصَرَ. وَتُظْهِرُ هٰذِهِ ٱلشَّهَادَةُ بَسَاطَةَ ٱلرَّجُلِ وَصِدْقَهُ، فَهُوَ لَا يُحَاوِلُ أَنْ يُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهِ بِجِدَالٍ طَوِيلٍ، بَلْ يَعْرِضُ ٱلْوَاقِعَةَ كَمَا حَدَثَتْ: كَانَ أَعْمَى، وَٱلْآنَ يُبْصِرُ. وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱللَّاهُوتِيَّةِ، تُعَدُّ هٰذِهِ ٱلشَّهَادَةُ إِعْلَانًا جَدِيدًا لِعَمَلِ ٱلْمَسِيحِ، وَبِذٰلِكَ تَصِيرُ شَهَادَةُ ٱلرَّجُلِ بُرْهَانًا عَلَى قُدْرَةِ يَسُوعَ وَصِحَّةِ تَعْلِيمِهِ. فَبَيْنَمَا يَحَاوِلُ ٱلْفِرِّيسِيُّونَ ٱلْبَحْثَ عَنْ تُهْمَةٍ ضِدَّهُ، تَتَحَوَّلُ كَلِمَاتُ ٱلرَّجُلِ ٱلْبَسِيطَةُ إِلَى شَهَادَةٍ صَادِقَةٍ لِعَمَلِ ٱللَّهِ فِي ٱلْمَسِيحِ. وَهٰكَذَا يَصِيرُ ٱلَّذِي كَانَ قَبْلًا أَعْمَى شَاهِدًا لِنُورِ ٱلْمَسِيحِ، فِي وَقْتٍ يَظَلُّ فِيهِ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ ٱلنَّاسِ بِٱلشَّرِيعَةِ غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يُبْصِرُوا حَقِيقَةَ عَمَلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي جَرَى أَمَامَهُمْ.

 

16"فَقَالَ بَعْضُ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ: لَيْسَ هٰذَا ٱلرَّجُلُ مِنَ ٱللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ شَرِيعَةَ ٱلسَّبْتِ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَيْفَ يَسْتَطِيعُ خَاطِئٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ هٰذِهِ ٱلْآيَاتِ؟ فَوَقَعَ ٱلْخِلَافُ بَيْنَهُمْ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَيْسَ هٰذَا ٱلرَّجُلُ مِنَ ٱللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ شَرِيعَةَ ٱلسَّبْتِ" إِلَى رَأْيِ ٱلْفِئَةِ ٱلْأُولَى مِنَ الفريسيون، ٱلَّذِينَ رَفَضُوا ٱلِٱعْتِرَافَ بِيَسُوعَ كَنَبِيٍّ أَوْ مُرْسَلٍ مِنَ ٱللَّهِ، بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَا يُرَاعِي حُرْمَةَ ٱلسَّبْتِ. وَفِي مَنْطِقِهِمْ ٱلشَّرْعِيِّ، مَنْ يُخَالِفُ شَرِيعَةَ ٱلسَّبْتِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ ٱللَّهِ، ٱسْتِنَادًا إِلَى تَفْسِيرِهِمْ لِلنَّامُوسِ كَمَا وَرَدَ فِي (تَثْنِيَةِ ٱلِٱشْتِرَاعِ 13: 1–6). وَمِنْ هٰذَا ٱلْمُنْطَلَقِ وَصَلُوا إِلَى نَتِيجَةٍ خَطِيرَةٍ، وَهِيَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ يَسُوعُ لَا يَأْتِي مِنْ ٱللَّهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِقُوَّةٍ شِرِّيرَةٍ. وَهٰذَا نَفْسُ ٱلِٱتِّهَامِ ٱلَّذِي وُجِّهَ إِلَى يَسُوعَ فِي مَوَاقِفَ أُخْرَى، حِينَ قَالُوا: "إِنَّهُ بِسَيِّدِ ٱلشَّيَاطِينِ يَطْرُدُ ٱلشَّيَاطِينَ" (مَتَّى 9: 34). وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس عَلَى هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ قَائِلًا: " إِنَّ ٱللَّهَ عِنْدَمَا أَمَرَ بِحِفْظِ ٱلسَّبْتِ لَمْ يَقْصِدِ ٱلتَّشَدُّدَ ٱلْحَرْفِيَّ، بَلْ تَحْرِيرَ ٱلْإِنْسَانِ مِنْ عُبُودِيَّةِ ٱلْخَطِيئَةِ. فَقَدْ جَاءَ فِي ٱلشَّرِيعَةِ: "لَا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلَ خِدْمَةٍ" (ٱلْأَحْبَار 23: 8). وَيُفَسِّرُ ذٰلِكَ فِي ضَوْءِ قَوْلِ يَسُوعَ: «كُلُّ مَنْ يَرْتَكِبُ ٱلْخَطِيئَةَ يَكُونُ عَبْدًا لِلْخَطِيئَةِ" (يُوحَنَّا 8: 34). وَبِذٰلِكَ يَكُونُ ٱلْمَعْنَى ٱلْحَقِيقِيُّ لِلسَّبْتِ ٱلرَّاحَةَ فِي ٱللَّهِ وَٱلْحُرِّيَّةَ مِنْ عُبُودِيَّةِ ٱلْخَطِيئَةِ. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ شِفَاءَ يَسُوعَ لِلْمَرِيضِ يَوْمَ ٱلسَّبْتِ لَا يُعَدُّ خَرْقًا لِشَرِيعَةِ ٱللَّهِ، بَلْ إِظْهَارًا لِمَعْنَاهَا ٱلْحَقِيقِيِّ، أَيْ عَمَلَ ٱلْمَحَبَّةِ وَٱلرَّحْمَةِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي وَصِيَّةُ بولس الرسول: "فَلَا يَحْكُمَنَّ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي ٱلْمَأْكُولِ وَٱلْمَشْرُوبِ أَوْ فِي ٱلْأَعْيَادِ وَٱلْأَهِلَّةِ وَٱلسُّبُوتِ" (كُولُسِّي 2: 16).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "كَيْفَ يَسْتَطِيعُ خَاطِئٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ هٰذِهِ ٱلْآيَاتِ؟" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْفِئَةِ ٱلثَّانِيَةِ مِنَ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ، ٱلَّذِينَ بَدَأُوا يَمِيلُونَ إِلَى ٱلِٱعْتِرَافِ بِأَنَّ يَسُوعَ قَدْ يَكُونُ مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ. فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ ٱلْآيَاتِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا إِنْسَانٌ خَاطِئٌ. وَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَ هٰؤُلَاءِ بَعْضُ ٱلَّذِينَ أَظْهَرُوا مَيْلًا إِلَى يَسُوعَ، مِثْلُ نيقوديموس أَوْ يوسف الرامي، ٱلَّذِينَ رَأَوْا فِي أَعْمَالِهِ عَلامَةً عَلَى حُضُورِ ٱللَّهِ مَعَهُ. وَهٰذَا مَا قَالَهُ نِيقُودِيمُوسُ مُبَكِّرًا: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ ٱلْآيَاتِ ٱلَّتِي تَأْتِي بِهَا أَنْتَ إِلَّا إِذَا كَانَ ٱللَّهُ مَعَهُ" (يُوحَنَّا 3: 2).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَوَقَعَ ٱلْخِلَافُ بَيْنَهُمْ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلِٱنْقِسَامِ ٱلَّذِي حَدَثَ بَيْنَ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ شَخْصِ يَسُوعَ وَأَعْمَالِهِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذَا ٱلْخِلَافِ قَائِلًا إِنَّ بَعْضَهُمْ مَنَعَهُمْ حُبُّ ٱلرِّيَاسَةِ مِنَ ٱلِٱعْتِرَافِ بِٱلْمَسِيحِ عَلَنًا، وَبَعْضَهُمْ أَسْكَتَهُمْ ٱلْخَوْفُ وَٱلْجُبْنُ أَمَامَ ٱلْكَثِيرِينَ. وَهٰكَذَا يُظْهِرُ هٰذَا ٱلنَّصُّ أَنَّ شَخْصَ يَسُوعَ كَانَ سَبَبًا لِلِٱنْقِسَامِ وَٱلْتَّمْيِيزِ بَيْنَ ٱلنَّاسِ: فَبَعْضُهُمْ رَفَضَهُ بِسَبَبِ تَشَدُّدِهِمْ فِي ٱلتَّفْسِيرِ ٱلْحَرْفِيِّ لِلشَّرِيعَةِ، وَبَعْضُهُمْ رَأَى فِي أَعْمَالِهِ عَلامَةً عَلَى حُضُورِ ٱللَّهِ وَعَمَلِهِ فِي ٱلْعَالَمِ.

 

17 "فَقَالُوا أَيْضًا لِلْأَعْمَى: وَأَنْتَ مَاذَا تَقُولُ فِيهِ وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ نَبِيٌّ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَقَالُوا أَيْضًا لِلْأَعْمَى" إِلَى أَنَّ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ عَادُوا يَتَوَجَّهُونَ بِٱلسُّؤَالِ إِلَى ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ. وَكَانَ ذٰلِكَ لِأَنَّ ٱلْجَدَلَ ٱلَّذِي نَشَأَ بَيْنَهُمْ بِشَأْنِ يَسُوعَ جَعَلَ كُلَّ فِئَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَسْتَنِدَ إِلَى شَهَادَةِ ٱلرَّجُلِ نَفْسِهِ. وَفِي هٰذَا إِقْرَارٌ ضِمْنِيٌّ مِنْهُمْ بِأَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلْمُعَافَى يَعْلَمُ عَنْ هٰذَا ٱلْأَمْرِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ ٱلَّذِي ٱخْتَبَرَ ٱلْمُعْجِزَةَ بِنَفْسِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَنْتَ مَاذَا تَقُولُ فِيهِ وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟" فَتُشِيرُ إِلَى طَلَبِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ مِنَ ٱلرَّجُلِ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ رَأْيِهِ فِي شَخْصِ يَسُوعَ. وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ حُكْمًا شَخْصِيًّا يُسَاهِمُ فِي حَسْمِ ٱلْخِلَافِ ٱلْقَائِمِ بَيْنَ ٱلْجَمَاعَةِ ٱلْمُنْقَسِمَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "إِنَّهُ نَبِيٌّ" فَتُعَبِّرُ عَنْ شَهَادَةِ ٱلرَّجُلِ ٱلْوَاضِحَةِ وَٱلْجَرِيئَةِ. فَقَدْ أَعْلَنَ أَنَّ يَسُوعَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِنَ ٱللَّهِ، أَيْ إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِٱسْمِ ٱللَّهِ وَيَعْمَلُ بِسُلْطَانٍ يَفُوقُ ٱلْقُدْرَاتِ ٱلْبَشَرِيَّةِ. وَهٰذَا ٱلِٱعْتِرَافُ يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ المرأة السامرية حِينَ قَالَتْ لِيَسُوعَ: "يَا رَبُّ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ" (يُوحَنَّا 4: 19). وَكَانَتْ هٰذِهِ ٱلشَّهَادَةُ مُخَالِفَةً لِرَأْيِ كَثِيرِينَ مِنْ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ ٱلَّذِينَ قَالُوا: "لَيْسَ هٰذَا ٱلرَّجُلُ مِنَ ٱللَّهِ" (يُوحَنَّا 9: 16). وَبِذٰلِكَ أَظْهَرَ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى شَجَاعَةً كَبِيرَةً فِي إِعْلَانِ ٱلْحَقِّ، عَلَى ٱلرَّغْمِ مِنَ ٱلضُّغُوطِ ٱلَّتِي كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُوَاجِهَهَا أَمَامَ ٱلسُّلْطَةِ ٱلدِّينِيَّةِ.

 

وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱللَّاهُوتِيَّةِ، تُمَثِّلُ هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةُ مَرْحَلَةً فِي نُمُوِّ إِيمَانِ ٱلرَّجُلِ. فَهُوَ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إِلَى ٱلِٱعْتِرَافِ بِيَسُوعَ كَرَبٍّ أَوْ مَسِيحٍ، وَلَكِنَّهُ بَدَأَ يَرَى فِيهِ نَبِيًّا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ. وَهٰكَذَا يَتَطَوَّرُ إِيمَانُهُ تَدْرِيجِيًّا فِي هٰذَا ٱلْفَصْلِ، حَتَّى يَصِلَ فِي ٱلنِّهَايَةِ إِلَى ٱلِٱعْتِرَافِ بِيَسُوعَ رَبًّا وَٱلسُّجُودِ لَهُ. وَهٰذَا ٱلْمَشْهَدُ يَطْرَحُ سُؤَالًا رُوحِيًّا عَمِيقًا: هَلْ نَخَافُ أَنْ نَقُولَ ٱلْحَقِيقَةَ؟ وَهَلْ نَشْهَدُ لِمَا نَعْرِفُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ، حَتَّى إِذَا وَاجَهْنَا ضُغُوطًا أَوْ مَعَارَضَةً؟ فَٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى لَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ ٱلْحَقَّ ٱلَّذِي ٱخْتَبَرَهُ بِشَجَاعَةٍ وَبِسَاطَةٍ، وَهٰذَا هُوَ جَوْهَرُ ٱلشَّهَادَةِ لِلْمَسِيحِ.

 

18"عَلَى أَنَّ ٱلْيَهُودَ لَمْ يُصَدِّقُوا أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ، حَتَّى دَعَوْا وَالِدَيْهِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱلْيَهُودَ" إِلَى ٱسْمِ يَهُوذَا، أَحَدِ أَبْنَاءِ يعقوب، وَٱلَّذِي صَارَ ٱسْمُهُ فِيمَا بَعْدُ يُطْلَقُ عَلَى شَعْبٍ كَامِلٍ يَتَمَيَّزُ بِٱنْتِمَائِهِ إِلَى ٱلدِّيَانَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَتُرَاثِهَا ٱلدِّينِيِّ وَٱلثَّقَافِيِّ. أَمَّا فِي سِيَاقِ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، فَغَالِبًا مَا تُسْتَعْمَلُ هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَصْحَابِ ٱلسُّلْطَةِ ٱلدِّينِيَّةِ، خَاصَّةً الفريسيون وَأَعْضَاءِ ٱلْمَجْمَعِ ٱلْمَحَلِّيِّ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لَمْ يُصَدِّقُوا أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ" فَتُشِيرُ إِلَى رَفْضِهِمْ ٱلِٱعْتِرَافَ بِحَقِيقَةِ ٱلْمُعْجِزَةِ. فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَقْبَلُوا ٱلْحَدَثَ ٱلْوَاضِحَ أَمَامَهُمْ، حَاوَلُوا إِنْكَارَهُ أَوِ ٱلتَّشْكِيكَ فِيهِ. وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ إِلْغَاءَ ٱلْمُعْجِزَةِ أَوِ ٱلِٱنْتِقَاصَ مِنْ حَقِيقَتِهَا، لِأَنَّ قَبُولَهَا يَعْنِي ٱلِٱعْتِرَافَ بِأَنَّ يَسُوعَ يَعْمَلُ بِقُوَّةِ ٱللَّهِ. وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ عَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ شَهَادَةَ ٱلرَّجُلِ أَنَّهَا تُمَجِّدُ يَسُوعَ وَتُظْهِرُ قُدْرَتَهُ. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ رَفْضَهُمْ لِلْمُعْجِزَةِ يَكْشِفُ فِي ٱلْوَاقِعِ عَنْ عَمًى رُوحِيٍّ فِي أَذْهَانِهِمْ، إِذْ لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى رُؤْيَةِ صِحَّةِ ٱلْبَرَاهِينِ ٱلَّتِي أَمَامَهُمْ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "حَتَّى دَعَوْا وَالِدَيْهِ" فَتُشِيرُ إِلَى لُجُوءِ ٱلسُّلُطَاتِ ٱلدِّينِيَّةِ إِلَى ٱسْتِدْعَاءِ وَالِدَيِ ٱلرَّجُلِ لِيَتَأَكَّدُوا مِنَ ٱلْأَمْرِ. فَقَدْ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَقَّقُوا هَلْ كَانَ ٱبْنُهُمَا فِعْلًا أَعْمَى مُنْذُ وِلَادَتِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ لَيْسَ هُوَ ٱلشَّخْصَ نَفْسَهُ. وَكَانُوا يَرْجُونَ رُبَّمَا أَنْ يُكَذِّبَ ٱلْوَالِدَانِ شَهَادَةَ ٱبْنِهِمَا، إِمَّا خَوْفًا مِنْ سُلْطَتِهِمْ أَوْ مُجَامَلَةً لَهُمْ. وَبِهٰذَا يَكْشِفُ ٱلنَّصُّ مَرَّةً أُخْرَى ٱلتَّبَايُنَ بَيْنَ ٱلْبَصِيرَةِ ٱلَّتِي نَالَهَا ٱلرَّجُلُ ٱلْمَشْفِيُّ وَبَيْنَ ٱلْعَمَى ٱلرُّوحِيِّ لَدَى ٱلَّذِينَ رَفَضُوا ٱلِٱعْتِرَافَ بِعَمَلِ ٱللَّهِ. فَبَيْنَمَا ٱنْفَتَحَتْ عَيْنَا ٱلْأَعْمَى جَسَدِيًّا، ظَلَّتْ قُلُوبُ مُتَّهِمِيهِ مُغْلَقَةً أَمَامَ نُورِ ٱلْحَقِّ.

 

19" فَسَأَلُوهُمَا: أَهٰذَا ٱبْنُكُمَا ٱلَّذِي تَقُولَانِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى؟ فَكَيْفَ أَصْبَحَ يُبْصِرُ ٱلْآنَ؟".

 

تُشِيرُ هٰذِهِ ٱلْآيَةُ إِلَى أَنَّ أَعْضَاءَ الفريسيون قَامُوا بِٱسْتِجْوَابِ وَالِدَيِ ٱلرَّجُلِ ٱلْمَشْفِيِّ، وَذٰلِكَ فِي مُحَاوَلَةٍ مِنْهُمْ لِلتَّحَقُّقِ مِنْ صِحَّةِ ٱلْمُعْجِزَةِ أَوْ لِلْعُثُورِ عَلَى ثَغْرَةٍ تُمَكِّنُهُمْ مِنْ إِبْطَالِ ٱلشَّهَادَةِ ٱلَّتِي تُثْبِتُ عَمَلَ يَسُوعَ. وَقَدْ طَرَحُوا عَلَى وَالِدَيْهِ ثَلَاثَةَ أَسْئِلَةٍ مُتَتَالِيَةٍ، عَلَى أَمَلِ أَنْ يَجِدُوا فِي جَوَابِ أَحَدِهَا مَا يُضْعِفُ دَعْوَى يَسُوعَ: "أَهٰذَا ٱبْنُكُمَا؟" وَيُرِيدُونَ بِهٰذَا ٱلسُّؤَالِ ٱلتَّأَكُّدَ مِنْ هُوِيَّةِ ٱلرَّجُلِ، أَي هَلْ هُوَ فِعْلًا ٱبْنُهُمَا ٱلَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَ ٱلنَّاسِ. "ٱلَّذِي تَقُولَانِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى؟" وَيَسْتَهْدِفُ هٰذَا ٱلسُّؤَالُ ٱلتَّأَكُّدَ مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى مُنْذُ وِلَادَتِهِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ هٰذِهِ ٱلنُّقْطَةِ يَجْعَلُ ٱلْمُعْجِزَةَ أَكْثَرَ وُضُوحًا وَقُوَّةً. "فَكَيْفَ أَصْبَحَ يُبْصِرُ ٱلْآنَ؟" وَهُوَ ٱلسُّؤَالُ ٱلأَهَمُّ فِي نَظَرِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَعْرِفَةَ ٱلْوَاسِطَةِ ٱلَّتِي تَمَّ بِهَا ٱلشِّفَاءُ، عَلَّهُمْ يَجِدُونَ فِيهَا مَا يَتَّخِذُونَهُ حُجَّةً ضِدَّ يَسُوعَ. وَبِهٰذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ ٱسْتِجْوَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ بُغْيَةَ ٱلْوُصُولِ إِلَى ٱلْحَقِّ، بَلْ لِلْبَحْثِ عَنْ ذَرِيعَةٍ تُبْطِلُ شَهَادَةَ ٱلْمُعْجِزَةِ وَتُقَلِّلُ مِنْ شَأْنِ عَمَلِ ٱلْمَسِيحِ. وَهٰكَذَا يَكْشِفُ ٱلنَّصُّ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ ٱلْعَمَى ٱلرُّوحِيِّ لَدَى ٱلَّذِينَ رَفَضُوا أَنْ يَرَوْا فِي هٰذَا ٱلْحَدَثِ عَمَلَ ٱللَّهِ ٱلْخَلَّاصِيَّ.

 

20"فَأَجَابَ وَالِدَاهُ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا ٱبْنُنَا، وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا ٱبْنُنَا" إِلَى إِقْرَارِ وَالِدَيِ ٱلرَّجُلِ بِهُوِيَّةِ ٱبْنِهِمَا أَمَامَ ٱلْمَجْمَعِ. فَهُمَا يُؤَكِّدَانِ أَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُمْ هُوَ فِعْلًا ٱبْنُهُمَا ٱلْمَعْرُوفُ بَيْنَ ٱلنَّاسِ، ٱلَّذِي كَانَ يَعِيشُ فِي حَالَةِ عَمًى وَيَجْلِسُ لِلِٱسْتِعْطَاءِ. وَبِهٰذَا ٱلِٱعْتِرَافِ يُثْبِتَانِ أَوَّلَ أَمْرَيْنِ أَرَادَ الفريسيون ٱلتَّأَكُّدَ مِنْهُمَا: هُوِيَّةُ ٱلرَّجُلِ وَصِلَتُهُ بِوَالِدَيْهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى" فَتُشِيرُ إِلَى تَأْكِيدِ وَالِدَيْهِ ٱلْحَقِيقَةَ ٱلثَّانِيَةَ، وَهِيَ أَنَّ ٱبْنَهُمَا كَانَ فِعْلًا أَعْمَى مُنْذُ مِيلَادِهِ. وَهٰذَا ٱلِٱعْتِرَافُ يُثَبِّتُ حَقِيقَةَ ٱلْمُعْجِزَةِ أَكْثَرَ، لِأَنَّ ٱلْعَمَى ٱلْمُولُودِيَّ كَانَ يُعَدُّ حَالَةً لَا أَمَلَ فِي شِفَائِهَا بِقُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ قَائِلًا: "حَاوَلَ ٱلْيَهُودُ أَنْ يَطْمِسُوا ٱلْمُعْجِزَةَ بِٱلظُّلْمَةِ وَيُزِيلُوهَا. وَلَكِنْ هٰذِهِ هِيَ طَبِيعَةُ ٱلْحَقِّ: بِذَاتِ ٱلْوَسَائِلِ ٱلَّتِي يُهَاجِمُهُ بِهَا ٱلْبَشَرُ، يَصِيرُ أَقْوَى، وَيُشْرِقُ بِذَاتِ ٱلْوَسَائِلِ ٱلَّتِي تُسْتَخْدَمُ لِطَمْسِهِ". وَهٰكَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ ٱلْمُحَاوَلَةَ ٱلَّتِي قَامَ بِهَا قَادَةُ ٱلشَّعْبِ لِإِنْكَارِ ٱلْمُعْجِزَةِ انْقَلَبَتْ شَهَادَةً جَدِيدَةً لِصِحَّتِهَا، لِأَنَّ وَالِدَيِ ٱلرَّجُلِ نَفْسَيْهِمَا أَكَّدَا أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى مُنْذُ وِلَادَتِهِ، وَبِذٰلِكَ صَارَتِ ٱلْحَقِيقَةُ أَوْضَحَ وَأَثْبَتَ أَمَامَ ٱلْجَمِيعِ.

 

21"أَمَّا كَيْفَ أَصْبَحَ يُبْصِرُ ٱلْآنَ فَلَا نَدْرِي، وَمَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. ٱسْأَلُوهُ، إِنَّهُ مُكْتَمِلُ ٱلسِّنِّ، سَيَتَكَلَّمُ هُوَ بِنَفْسِهِ عَنْ أَمْرِهِ" (يُوحَنَّا 9: 21).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَمَّا كَيْفَ أَصْبَحَ يُبْصِرُ ٱلْآنَ فَلَا نَدْرِي، وَمَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ" إِلَى مَوْقِفِ وَالِدَيِ ٱلرَّجُلِ ٱلْمَشْفِيِّ ٱلَّذَيْنِ تَجَنَّبَا ٱلدُّخُولَ فِي تَفَاصِيلِ ٱلْمُعْجِزَةِ. فَمَعَ أَنَّهُمَا أَقَرَّا بِأَنَّ ٱبْنَهُمَا وُلِدَ أَعْمَى، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَرْغَبَا فِي ٱلْإِقْرَارِ بِٱلَّذِي صَنَعَ ٱلشِّفَاءَ. وَيَكْشِفُ هٰذَا عَنْ خَوْفِهِمَا مِنْ سُلْطَةِ ٱلْقَادَةِ ٱلدِّينِيِّينَ وَتَرَدُّدِهِمَا فِي ٱلْوُقُوفِ مَعَ ٱبْنِهِمَا أَمَامَ ٱلْمَجْمَعِ. وَهٰذَا ٱلْخَوْفُ يُظْهِرُ مَا يَقُولُهُ ٱلْكِتَابُ فِي سِفْرِ الأمثال: "خَشْيَةُ ٱلْبَشَرِ تُلْقِي فَخًّا، وَٱلْمُتَّكِلُ عَلَى ٱلرَّبِّ هُوَ فِي أَمَانٍ» (أمثال 29: 25). وَيُظْهِرُ إنجيل يوحنا هٰذَا ٱلْمَوْقِفَ فِي ضَوْءِ ٱلضُّغُوطِ ٱلَّتِي كَانَ يَعِيشُهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْأَوَائِلُ، إِذْ يَقُولُ: "غَيْرَ أَنَّ عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ ٱلرُّؤَسَاءِ أَنْفُسِهِمْ آمَنُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُجَاهِرُوا بِإِيمَانِهِمْ بِسَبَبِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ، لِئَلَّا يُفْصَلُوا مِنَ ٱلْمَجْمَعِ" (يُوحَنَّا 12: 42).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "إِسْأَلُوهُ، إِنَّهُ مُكْتَمِلُ السِّنِّ، سَيَتَكَلَّمُ هُوَ بِنَفْسِهِ عَنْ أَمْرِهِ" إِلَى إِحَالَةِ وَالِدَيِ ٱلرَّجُلِ ٱلْمَشْفِيِّ ٱلسُّؤَالَ إِلَى ٱبْنِهِمَا نَفْسِهِ، وَذٰلِكَ تَجَنُّبًا لِلدُّخُولِ فِي جِدَالٍ مَعَ ٱلسُّلْطَاتِ ٱلدِّينِيَّةِ. فَقَدْ أَرَادَا أَنْ يَتَجَنَّبَا ٱلِٱعْتِرَافَ ٱلصَّرِيحَ بِٱلَّذِي صَنَعَ ٱلْمُعْجِزَةَ، خَشْيَةَ أَنْ يُفْهَمَ جَوَابُهُمَا كَتَكْرِيمٍ لِيَسُوعَ أَمَامَ ٱلْمَجْمَعِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مُكْتَمِلُ السِّنِّ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ ٱبْنَهُمَا بَالِغٌ وَقَادِرٌ عَلَى ٱلْإِجَابَةِ بِنَفْسِهِ أَمَامَ ٱلْقَضَاءِ ٱلدِّينِيِّ. وَفِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْيَهُودِيِّ يُعْتَبَرُ ٱلْإِنْسَانُ مُكْتَمِلَ ٱلْمَسْؤُولِيَّةِ عِنْدَمَا يَبْلُغُ سِنَّ ٱلنُّضُوجِ، لِذٰلِكَ أَكَّدَ ٱلْوَالِدَانِ أَنَّ ٱبْنَهُمَا قَادِرٌ عَلَى ٱلدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ وَتَقْدِيمِ شَهَادَتِهِ. وَيُفْهَمُ مِنَ ٱلسِّيَاقِ أَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى بَلَغَ سِنَّ ٱلنُّضُوجِ، وَيُقَدِّرُ بَعْضُ ٱلشُّرَّاحِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَلَغَ حَوَالَي سِنِّ ٱلثَّلَاثِينَ، أَيْ سِنَّ ٱلرُّشْدِ وَٱلْمَسْؤُولِيَّةِ ٱلْكَامِلَةِ، وَبِذٰلِكَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدْلِيَ بِشَهَادَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَمَامَ ٱلْمَجْمَعِ.

22 "وَإِنَّمَا قَالَ وَالِدَاهُ هٰذَا لِخَوْفِهِمَا مِنَ ٱلْيَهُودِ، لِأَنَّ ٱلْيَهُودَ كَانُوا قَدِ ٱتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يُفْصَلَ مِنَ ٱلْمَجْمَعِ مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ ٱلْمَسِيحُ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لِخَوْفِهِمَا مِنَ ٱلْيَهُودِ" إِلَى سَبَبِ تَرَدُّدِ وَالِدَيِ ٱلرَّجُلِ فِي ٱلْإِجَابَةِ ٱلصَّرِيحَةِ عَنْ شِفَاءِ ٱبْنِهِمَا. فَقَدْ خَافَا مِنْ سُلْطَةِ ٱلْقَادَةِ ٱلدِّينِيِّينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ قَرَّرُوا طَرْدَ كُلِّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ. وَيُظْهِرُ هٰذَا ٱلْمَوْقِفُ أَنَّ ٱلْإِيمَانَ ٱلْحَقِيقِيَّ يَجِبُ أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَى ٱلْخَوْفِ مِنْ تَهْدِيدِ ٱلنَّاسِ وَعُقُوبَاتِهِمْ، لِأَنَّ ٱلْإِيمَانَ لَا يَكُونُ صَادِقًا إِلَّا إِذَا كَانَ ٱلِٱلْتِزَامُ بِهِ دُونَ تَحَفُّظٍ، حَتَّى وَلَوْ قَادَ إِلَى ٱلِٱعْتِرَافِ ٱلْعَلَنِيِّ ٱلَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى ٱلْفَصْلِ عَنِ ٱلْجَمَاعَةِ أَوِ ٱلِٱضْطِهَادِ أَوِ ٱلِٱسْتِشْهَادِ (يُوحَنَّا 9: 22؛ 12: 42؛ 17: 1–14).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لِأَنَّ ٱلْيَهُودَ كَانُوا قَدِ ٱتَّفَقُوا" فَفِي أَصْلِهَا ٱلْيُونَانِيِّ συνετέθειντο، وَمَعْنَاهَا "تَعَاهَدُوا" أَوْ "تَوَاطَأُوا". وَتُشِيرُ هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةُ إِلَى أَنَّ رُؤَسَاءَ ٱلْيَهُودِ قَدْ عَقَدُوا ٱتِّفَاقًا مُسْبَقًا عَلَى إِقْنَاعِ ٱلْمَجْمَعِ ٱلْمَحَلِّيِّ بِفَصْلِ كُلِّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يُفْصَلَ مِنَ ٱلْمَجْمَعِ" فَتُشِيرُ إِلَى عُقُوبَةٍ دِينِيَّةٍ كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْيَهُودِيِّ، إِذْ كَانَ يُمْكِنُ لِلسُّلْطَاتِ ٱلدِّينِيَّةِ أَنْ تَحْرِمَ ٱلشَّخْصَ مِنَ ٱلْمُشَارَكَةِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدِّينِيَّةِ وَٱلِٱجْتِمَاعِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ. وَكَانَ هٰذَا ٱلْفَصْلُ يُعَدُّ عَارًا دِينِيًّا وَٱجْتِمَاعِيًّا، إِذْ يُنْظَرُ إِلَى ٱلْمَفْصُولِ كَأَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ ٱلْجَمَاعَةِ وَمُتَمَرِّدٌ عَلَى قِيَادَتِهَا. وَيُشِيرُ بَعْضُ ٱلْبَاحِثِينَ إِلَى أَنَّ مَنْعَ ٱلْمَسِيحِيِّينَ مِنَ ٱلدُّخُولِ إِلَى ٱلْمَجَامِعِ لَمْ يَتَضِحْ بِشَكْلٍ كَامِلٍ إِلَّا فِي أَوَاخِرِ ٱلْقَرْنِ ٱلْأَوَّلِ، وَلِذٰلِكَ فَمِنَ ٱلْمُمْكِنِ أَنَّ يوحنا الإنجيلي قَدْ نَسَبَ إِلَى ٱلْمَاضِي وَضْعًا كَانَ مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ كِتَابَةِ ٱلْإِنْجِيلِ (يُوحَنَّا 12: 42؛ 16: 2). وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس عَلَى هٰذَا ٱلْأَمْرِ قَائِلًا: "لَمْ يَعُدِ ٱلطَّرْدُ مِنَ ٱلْمَجْمَعِ أَمْرًا سَيِّئًا؛ فَهُمْ يَطْرُدُونَ، وَٱلْمَسِيحُ يَسْتَقْبِلُ". وَبِهٰذَا يَكْشِفُ ٱلنَّصُّ عَنِ ٱلتَّوَتُّرِ بَيْنَ سُلْطَةِ ٱلْمَجْمَعِ وَحُرِّيَّةِ ٱلْإِيمَانِ، وَيُظْهِرُ أَنَّ ٱتِّبَاعَ ٱلْمَسِيحِ قَدْ يَتَطَلَّبُ فِي بَعْضِ ٱلْأَحْيَانِ ٱلْقَبُولَ بِٱلرَّفْضِ ٱلِٱجْتِمَاعِيِّ فِي سَبِيلِ ٱلْحَقِّ.

 

23 "فَلِذٰلِكَ قَالَ وَالِدَاهُ: إِنَّهُ مُكْتَمِلُ ٱلسِّنِّ، فَٱسْأَلُوهُ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلِذٰلِكَ قَالَ وَالِدَاهُ" إِلَى رَبْطِ هٰذِهِ ٱلْآيَةِ بِمَا سَبَقَهَا، أَيْ بِٱلْخَوْفِ ٱلَّذِي كَانَ يَسْكُنُ قَلْبَيِ ٱلْوَالِدَيْنِ مِنْ سُلْطَةِ الفريسيون وَقِيَادَةِ ٱلْمَجْمَعِ. فَبِسَبَبِ هٰذَا ٱلْخَوْفِ تَجَنَّبَا ٱلدُّخُولَ فِي شَهَادَةٍ صَرِيحَةٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ شِفَاءِ ٱبْنِهِمَا.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "إِنَّهُ مُكْتَمِلُ ٱلسِّنِّ، فَٱسْأَلُوهُ" فَتُشِيرُ إِلَى سَبَبِ تَرْكِ ٱلْوَالِدَيْنِ جَوَابَ سُؤَالِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ: "فَكَيْفَ أَصْبَحَ يُبْصِرُ ٱلْآنَ؟" إِلَى ٱبْنِهِمَا نَفْسِهِ. فَقَدْ تَحَجَّجَا بِأَنَّهُ بَالِغٌ وَقَادِرٌ عَلَى ٱلْكَلَامِ وَٱلدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ أَمَامَ ٱلْمَجْمَعِ. وَفِي ٱلْوَاقِعِ، لَمْ يَكُنْ هٰذَا ٱلْمَوْقِفُ مُجَرَّدَ تَحَوِيلٍ لِلسُّؤَالِ، بَلْ كَانَ مُحَاوَلَةً لِتَجَنُّبِ ٱلِٱعْتِرَافِ بِصِحَّةِ دَعْوَى يَسُوعَ. فَإِنَّ ٱلِٱعْتِرَافَ بِأَنَّ ٱلْمُعْجِزَةَ صَنَعَهَا يَسُوعُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِضَهُمَا لِعُقُوبَةِ ٱلْفَصْلِ مِنَ ٱلْمَجْمَعِ، أَيْ ٱلْحِرْمَانِ مِنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدِّينِيَّةِ وَٱلِٱجْتِمَاعِيَّةِ فِي ٱلْجَمَاعَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ. وَبِهٰذَا يَكْشِفُ ٱلنَّصُّ عَنْ تَبَايُنٍ وَاضِحٍ بَيْنَ شَجَاعَةِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى ٱلَّذِي لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي ٱلشَّهَادَةِ لِلْحَقِّ، وَبَيْنَ تَرَدُّدِ وَالِدَيْهِ ٱلَّذَيْنِ قَادَهُمَا ٱلْخَوْفُ إِلَى ٱلتَّحَفُّظِ وَٱلصَّمْتِ. وَهٰكَذَا يُظْهِرُ ٱلْإِنْجِيلُ أَنَّ ٱلْإِيمَانَ ٱلْحَقِيقِيَّ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ مَعْرِفَةِ ٱلْحَقِّ فَقَطْ، بَلْ يَتَطَلَّبُ أَيْضًا شَجَاعَةَ ٱلِٱعْتِرَافِ بِهِ.

 

24 "فَدَعَوْا ثَانِيَةً ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى وَقَالُوا لَهُ: مَجِّدِ ٱللَّهَ، نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا ٱلرَّجُلَ خَاطِئٌ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَدَعَوْا ثَانِيَةً ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى" إِلَى أَنَّ الفريسيون لَمْ يَقْتَنِعُوا بِشَهَادَةِ ٱلرَّجُلِ فِي ٱلِٱسْتِجْوَابِ ٱلْأَوَّلِ، فَأَعَادُوا ٱسْتِدْعَاءَهُ لِمُحَاوَلَةِ ٱلضَّغْطِ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، عَلَّهُمْ يَحْصُلُونَ مِنْهُ عَلَى إِجَابَةٍ تُبْطِلُ شَهَادَتَهُ لِمَا فَعَلَهُ يَسُوعُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مَجِّدِ ٱللَّهَ" فَتُعَدُّ صِيغَةً مَعْرُوفَةً فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْيَهُودِيِّ لِاسْتِحْلَافِ ٱلشَّاهِدِ عَلَى قَوْلِ ٱلْحَقِّ أَمَامَ ٱللَّهِ. فَهِيَ دَعْوَةٌ لِلشَّاهِدِ أَنْ يُقْسِمَ بِٱللَّهِ وَيُقِرَّ بِٱلْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ ٱللَّهَ يَتَمَجَّدُ بِإِظْهَارِ ٱلْحَقِّ، وَيُعَاقِبُ ٱلْكَذِبَ. وَهٰذِهِ ٱلصِّيغَةُ تُذَكِّرُ بِمَا قَالَهُ يشوع بن نون لِعَاخَانَ قَبْلَ إِدَانَتِهِ:"يَا وَلَدِي، مَجِّدِ ٱلرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ وَٱحْمَدْهُ، وَأَخْبِرْنِي بِمَا فَعَلْتَ وَلَا تَكْتُمْنِي"(يشوع 7: 19). إِلَّا أَنَّ هٰذِهِ ٱلدَّعْوَةَ فِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ لَمْ تَكُنْ بُغْيَةَ ٱلْحَقِّ، بَلْ كَانَتْ وَسِيلَةَ ضَغْطٍ لِإِجْبَارِ ٱلرَّجُلِ عَلَى ٱلتَّرَاجُعِ عَنْ شَهَادَتِهِ. وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهُ: ٱعْتَرِفْ بِأَنَّكَ مُخْطِئٌ فِي مَا قُلْتَ، وَأَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ هُوَ ٱلَّذِي صَنَعَ ٱلْمُعْجِزَةَ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قَائِلًا: "مَاذَا يَعْنِي: مَجِّدِ ٱللَّهَ؟ فِي نَظَرِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ يَعْنِي: ٱجْحَدْ مَا نِلْتَهُ. لَكِنَّ مِثْلَ هٰذَا ٱلتَّصَرُّفِ لَا يُمَجِّدُ ٱللَّهَ بَلْ هُوَ تَجْدِيفٌ عَلَيْهِ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا ٱلرَّجُلَ خَاطِئٌ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْحُكْمِ ٱلْمُسْبَقِ ٱلَّذِي أَصْدَرَهُ أَعْضَاءُ ٱلْمَجْمَعِ عَلَى يَسُوعَ. فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَهَبَ ٱللَّهُ قُوَّةَ ٱلشِّفَاءِ لِمَنْ يَتَعَدَّى شَرِيعَةَ ٱلسَّبْتِ (يُوحَنَّا 9: 16)، وَمِنْ ثَمَّ يَسْتَنْتِجُونَ أَنَّ شَهَادَةَ ٱلرَّجُلِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ. وَهُنَا يَظْهَرُ رِيَاءُ ٱلْقَادَةِ ٱلدِّينِيِّينَ؛ فَفِي حُضُورِ يَسُوعَ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُثْبِتَ عَلَيْهِ خَطِيئَةً، كَمَا قَالَ هُوَ نَفْسُهُ: "مَنْ مِنْكُمْ يُثْبِتُ عَلَيَّ خَطِيئَةً؟" (يُوحَنَّا 8: 46). أَمَّا فِي غِيَابِهِ فَيُصْدِرُونَ حُكْمَهُمْ قَائِلِينَ:" نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا ٱلرَّجُلَ خَاطِئٌ". وَيَتَسَاءَلُ يوحنا الذهبي الفم مُعَلِّقًا عَلَى هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ: "مِنْ أَيْنَ عَرَفْتُمْ أَنَّهُ خَاطِئٌ؟" وَهٰكَذَا يَكْشِفُ ٱلنَّصُّ أَنَّ ٱلْمَشْكِلَةَ لَمْ تَكُنْ فِي ٱلْمُعْجِزَةِ، بَلْ فِي قُلُوبٍ رَفَضَتْ أَنْ تَرَى ٱلْحَقَّ. فَبَيْنَمَا ٱنْفَتَحَتْ عَيْنَا ٱلرَّجُلِ جَسَدِيًّا، بَقِيَ قَادَةُ ٱلشَّعْبِ فِي عَمًى رُوحِيٍّ يَمْنَعُهُمْ مِنَ ٱلِٱعْتِرَافِ بِعَمَلِ ٱللَّهِ.

 

25 "فَأَجَابَ: هَلْ هُوَ خَاطِئٌ لَا أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا أَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَهَا إِنِّي أُبْصِرُ ٱلْآنَ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "هَلْ هُوَ خَاطِئٌ لَا أَعْلَمُ" إِلَى أَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي شُفِيَ لَمْ يُسَلِّمْ بِٱتِّهَامِ قَادَةِ ٱلشَّعْبِ لِيَسُوعَ، وَلَمْ يَنْكِرْهُ فِي ٱلْوَقْتِ نَفْسِهِ، بَلْ تَجَنَّبَ ٱلدُّخُولَ فِي جِدَالٍ لَاهُوتِيٍّ مَعَ الفريسيون. فَهُوَ لَا يَدَّعِي مَعْرِفَةً لَا يَمْلِكُهَا، بَلْ يَقِفُ عَلَى أَرْضِيَّةِ ٱلْحَقِيقَةِ ٱلَّتِي ٱخْتَبَرَهَا.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَإِنَّمَا أَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَهَا إِنِّي أُبْصِرُ ٱلْآنَ" فَتُعَبِّرُ عَنْ شَهَادَةِ ٱلْخِبْرَةِ ٱلشَّخْصِيَّةِ. فَٱلرَّجُلُ لَا يُقَدِّمُ جَدَلًا نَظَرِيًّا، بَلْ شَهَادَةً وَاضِحَةً عَمَّا حَدَثَ لَهُ: كَانَ أَعْمَى وَقَدْ أَصْبَحَ مُبْصِرًا. وَبِهٰذَا يُصِرُّ عَلَى حَقِيقَةِ ٱلشِّفَاءِ وَيُؤَكِّدُ وُقُوعَ ٱلْمُعْجِزَةِ، تَارِكًا لِسَامِعِيهِ أَنْ يَحْكُمُوا عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ. وَيَتَجَلَّى فِي كَلَامِهِ بُعْدٌ رُوحِيٌّ عَمِيقٌ: فَهُوَ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَقُولَ ٱلْحَقَّ أَمَامَ ٱلسُّلْطَةِ ٱلدِّينِيَّةِ، بَلْ أَعْلَنَ مَا عَايَنَهُ بِبَسَاطَةٍ وَصِدْقٍ، فَصَارَ بِذٰلِكَ شَاهِدًا حَقِيقِيًّا لِعَمَلِ ٱللَّهِ فِي يَسُوعَ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ قَائِلًا: "هٰكَذَا حَفِظَ نَفْسَهُ بَعِيدًا عَنِ ٱلشُّبُهَاتِ، فَلَا تَفْسُدُ شَهَادَتُهُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ عَنْ تَحَيُّزٍ، بَلْ يُقَدِّمُ شَهَادَتَهُ مِنْ خِلَالِ ٱلْوَاقِعِ".وَهٰكَذَا يُظْهِرُ هٰذَا ٱلْجَوَابُ أَنَّ قُوَّةَ ٱلشَّهَادَةِ لِلْمَسِيحِ لَا تَأْتِي دَائِمًا مِنَ ٱلْجَدَلِ ٱلنَّظَرِيِّ، بَلْ مِنْ خِبْرَةِ ٱلْقَاءَ بِهِ؛ فَمَنْ ٱخْتَبَرَ نُورَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هٰذَا ٱلرَّجُلِ: "كُنْتُ أَعْمَى وَٱلْآنَ أُبْصِرُ".

 

26 "فَقَالُوا لَهُ: مَاذَا صَنَعَ لَكَ؟ وَكَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَاذَا صَنَعَ لَكَ؟ وَكَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟" إِلَى أَنَّ الفريسيون أَعَادُوا ٱسْتِجْوَابَ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ، وَلٰكِنْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ ٱلْمَرَّةِ ٱلسَّابِقَةِ. فَهُمْ يُكَرِّرُونَ ٱلسُّؤَالَ عَنْ ٱلْحَدَثِ نَفْسِهِ عَلَى أَمَلِ أَنْ يَجِدُوا فِي جَوَابِهِ مَا يُنَاقِضُ مَا قَالَهُ سَابِقًا، فَيَجِدُوا بِذٰلِكَ ذَرِيعَةً لِٱتِّهَامِ يَسُوعَ. وَيَتَّضِحُ مِنْ هٰذَا ٱلسِّيَاقِ أَنَّ تَحْقِيقَهُمْ مَعَ ٱلرَّجُلِ وَمَعَ وَالِدَيْهِ لَمْ يَكُنْ بُغْيَةَ ٱلْوُصُولِ إِلَى ٱلْحَقِّ، بَلْ بُغْيَةَ ٱلْبَحْثِ عَنْ وَسِيلَةٍ لِنَفْيِ ٱلْمُعْجِزَةِ أَوِ ٱلتَّقْلِيلِ مِنْ شَأْنِهَا. فَهُمْ لَا يَبْحَثُونَ عَنِ ٱلْحَقِيقَةِ بِقَدْرِ مَا يَبْحَثُونَ عَنْ حُجَّةٍ ضِدَّ يَسُوعَ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَكَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟" فَتُشِيرُ إِلَى عَوْدَتِهِمْ إِلَى ٱلسُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ ٱلشِّفَاءِ، أَيْ عَنِ ٱلطَّرِيقَةِ ٱلَّتِي أَعَادَ بِهَا يَسُوعُ لِلرَّجُلِ بَصَرَهُ. وَكَانَ ٱهْتِمَامُهُمْ مُنْصَبًّا عَلَى ٱلتَّفَاصِيلِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يَجِدُوا فِيهَا مَا يَتَّخِذُونَهُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ يَسُوعَ قَدْ خَالَفَ شَرِيعَةَ ٱلسَّبْتِ. وَهٰكَذَا يُظْهِرُ ٱلنَّصُّ مَرَّةً أُخْرَى ٱلْفَرْقَ بَيْنَ بَسَاطَةِ شَهَادَةِ ٱلرَّجُلِ ٱلْمَشْفِيِّ ٱلَّذِي يَقُولُ ٱلْحَقَّ كَمَا ٱخْتَبَرَهُ، وَبَيْنَ تَعَقِيدِ ٱلْقَادَةِ ٱلدِّينِيِّينَ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَسْعَوْنَ إِلَى تَشْكِيكِ ٱلْحَقِيقَةِ بَدَلًا مِنَ ٱلِٱعْتِرَافِ بِهَا.

 

27 "أَجَابَهُمْ: لَقَدْ قُلْتُهُ لَكُمْ فَلَمْ تُصْغُوا، فَلِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوهُ ثَانِيَةً؟ أَتُرَاكُمْ تَرْغَبُونَ فِي أَنْ تَصِيرُوا أَنْتُمْ أَيْضًا تَلَامِيذَهُ؟".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَقَدْ قُلْتُهُ لَكُمْ فَلَمْ تُصْغُوا، فَلِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوهُ ثَانِيَةً؟" إِلَى تَضَجُّرِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ مِنْ تَكْرَارِ أَسْئِلَةِ الفريسيون. فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ سُؤَالَهُمْ لَيْسَ بُغْيَةَ ٱلْوُصُولِ إِلَى ٱلْحَقِّ، بَلْ لِإِجْبَارِهِ عَلَى ٱلرُّجُوعِ عَنْ شَهَادَتِهِ وَإِنْكَارِ ٱلْخِبْرَةِ ٱلَّتِي ٱخْتَبَرَهَا بِنَفْسِهِ. وَلِذٰلِكَ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُمْ بِٱلْأَمْرِ سَابِقًا، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُصْغُوا، أَيْ لَمْ يُصَدِّقُوا مَا قَالَهُ. وَيَدُلُّ هٰذَا عَلَى أَنَّهُمْ، عَلَى ٱلرَّغْمِ مِنْ تَكْرَارِ ٱلِٱسْتِجْوَابِ، لَمْ يَجِدُوا أَيَّ تَنَاقُضٍ فِي شَهَادَتِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ وَجَّهُوا إِلَيْهِ أَسْئِلَةً مُتَعَاقِبَةً لِيُوقِعُوهُ فِي ٱلتَّضَارُبِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَتُرَاكُمْ تَرْغَبُونَ فِي أَنْ تَصِيرُوا أَنْتُمْ أَيْضًا تَلَامِيذَهُ؟" فَتُشِيرُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ ٱلِٱسْتِهْزَاءِ ٱلْمُبَطَّنِ بِٱلْفِرِّيسِيِّينَ. فَكَأَنَّ ٱلرَّجُلَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ تُلِحُّونَ فِي ٱلسُّؤَالِ عَنْ يَسُوعَ إِلَى هٰذَا ٱلْحَدِّ، فَلَعَلَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مِنْ تَلَامِيذِهِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس عَلَى هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ قَائِلًا: "مَاذَا يَعْنِي قَوْلُهُ: أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلَامِيذَ؟ فَمِنْ جِهَتِي أَنَا قَدْ صِرْتُ فِعْلًا تِلْمِيذًا لَهُ. أَتُرِيدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا؟ إِنَّنِي ٱلْآنَ أُبْصِرُ، أُبْصِرُ بِلَا ٱرْتِيَابٍ". وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا ٱلْجَوَابُ عَنْ تَحَوُّلٍ فِي مَوْقِفِ ٱلرَّجُلِ: فَهُوَ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ عَلَى ٱلْمُعْجِزَةِ، بَلْ بَدَأَ يُظْهِرُ شَجَاعَةً فِي ٱلدِّفَاعِ عَنْ يَسُوعَ. فَٱلَّذِي ٱنْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ جَسَدِيًّا، بَدَأَ يَنْفَتِحُ أَيْضًا فِي بَصِيرَتِهِ ٱلرُّوحِيَّةِ، فَاقْتَرَبَ أَكْثَرَ مِنْ طَرِيقِ ٱلتَّلْمَذَةِ لِلْمَسِيحِ.

 

28 "فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا: أَنْتَ تِلْمِيذُهُ، أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلَامِيذُ مُوسَى".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَشَتَمُوهُ" إِلَى أَنَّ قَادَةَ الفريسيون لَمْ يَكْتَفُوا بِٱلْجِدَالِ مَعَ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ، بَلْ ٱنْتَقَلُوا إِلَى ٱلشَّتْمِ وَٱلِٱزْدِرَاءِ، فَسَبُّوهُ وَعَيَّرُوهُ، وَوَصَفُوهُ بِمَا فِيهِ نَقْصٌ وَإِهَانَةٌ. وَبِهٰذَا يَظْهَرُ أَنَّ إِيمَانَ ٱلرَّجُلِ قَدْ تَعَرَّضَ لِٱمْتِحَانٍ قَاسٍ عَلَى يَدِ أَصْحَابِ ٱلسُّلْطَةِ ٱلدِّينِيَّةِ. وَفِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ تُذَكِّرُنَا كَلِمَاتُ يَسُوعَ: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا شَتَمُوكُمْ وَٱضْطَهَدُوكُمْ وَٱفْتَرَوْا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَذِبٍ مِنْ أَجْلِي" (متى 5: 11).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَنْتَ تِلْمِيذُهُ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱسْتِخْفَافِهِمْ بِٱلرَّجُلِ ٱلْمُعَافَى. فَهُمْ يَنْسِبُونَهُ إِلَى يَسُوعَ كَتِلْمِيذٍ لَهُ عَلَى سَبِيلِ ٱلِٱزْدِرَاءِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدْ رَأَى يَسُوعَ أَوْ سَمِعَ تَعْلِيمَهُ. لَكِنَّهُمْ عَدُّوهُ تِلْمِيذًا لَهُ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ وَيُدَافِعُ عَنْهُ. وَمَعَ ذٰلِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ ٱلرَّجُلُ يَعْتَزُّ ضِمْنِيًّا بِهٰذَا ٱلِٱنْتِسَابِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلَامِيذُ مُوسَى" فَتُشِيرُ إِلَى ٱفْتِخَارِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ بِٱنْتِمَائِهِمْ إِلَى تَعْلِيم موسى، حَامِلِ ٱلشَّرِيعَةِ. فَهُمْ يَعْتَبِرُونَ أَنْفُسَهُمْ أَوْفِيَاءَ لِشَرِيعَةِ مُوسَى، وَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مُعَلِّمٍ آخَرَ مِثْلَ يَسُوعَ، ٱلَّذِي – فِي نَظَرِهِمْ – يُخَالِفُ شَرِيعَةَ ٱلسَّبْتِ. وَلٰكِنَّ ٱلْمُفَارَقَةَ أَنَّهُ لَوْ كَانُوا حَقًّا تَلَامِيذَ مُوسَى لَآمَنُوا بِيَسُوعَ، لِأَنَّ مُوسَى نَفْسَهُ قَدْ أَشَارَ إِلَى مَجِيءِ ٱلْمَسِيحِ. وَفِي هٰذَا يَقُولُ أوغسطينوس: "أَهٰكَذَا تَتْبَعُونَ ٱلْعَبْدَ وَتُدِيرُونَ ظُهُورَكُمْ لِلرَّبِّ؟ فَإِنَّكُمْ بِهٰذَا لَا تَتْبَعُونَ ٱلْعَبْدَ، لِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ يَقُودُ إِلَى ٱلرَّبِّ". وَهٰكَذَا يَتَضِحُ ٱلتَّقَابُلُ فِي ٱلنَّصِّ: فَٱلْفِرِّيسِيُّونَ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ تَلَامِيذَ مُوسَى حَامِلِ ٱلشَّرِيعَةِ، أَمَّا ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى فَقَدْ بَدَأَ يَصِيرُ تِلْمِيذًا لِلْمَسِيحِ. وَٱلْمَسِيحُ، حَامِلُ ٱلْوَحْيِ ٱلتَّامِّ وَٱلنِّهَائِيِّ، يَتَفَوَّقُ عَلَى مُوسَى، كَمَا أَعْلَنَ هُوَ نَفْسُهُ: "ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يُعْطِكُمْ مُوسَى خُبْزَ ٱلسَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ ٱلْخُبْزَ ٱلْحَقِيقِيَّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ"(يوحنا 6: 32).

 

29 "َنحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى، أَمَّا هٰذَا فَلَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى" إِلَى ٱلْمَكَانَةِ ٱلْعَالِيَةِ ٱلَّتِي ٱحْتَلَّهَا موسى فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْيَهُودِيِّ. فَقَدْ كَانَ يُعَدُّ ٱلنَّبِيَّ ٱلَّذِي تَلَقَّى ٱلشَّرِيعَةَ مُبَاشَرَةً مِنَ ٱللَّهِ، وَبِذٰلِكَ صَارَ فِي نَظَرِ الفريسيون ٱلْمُعَلِّمَ ٱلْمِثَالِيَّ وَٱلْمُشَرِّعَ ٱلأَعْظَمَ، ٱلَّذِي ٱسْتَمَدَّ سُلْطَانَهُ وَرِسَالَتَهُ مِنَ ٱللَّهِ نَفْسِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَمَّا هٰذَا فَلَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ" فَتُعَبِّرُ عَنْ مَوْقِفِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ مِنْ يَسُوعَ، إِذْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَصْلَهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَلَا يَرَوْنَ دَلِيلًا يُثْبِتُ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَرْسَلَهُ. وَبِذٰلِكَ يُحَاوِلُونَ نَفْيَ سُلْطَانِهِ ٱلنَّبَوِيِّ وَإِبْطَالَ شَهَادَتِهِ. وَلَكِنَّ هٰذَا ٱلْمَوْقِفَ يَكْشِفُ عَنْ تَنَاقُضٍ وَاضِحٍ فِي أَقْوَالِهِمْ؛ فَقَدْ كَانُوا قَدْ قَالُوا سَابِقًا عَنْ يَسُوعَ: أَمَّا هٰذَا فَنَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَلَا يُعْرَفُ حِينَ يَأْتِي مِنْ أَيْنَ هُوَ" (يُوحَنَّا 7: 27).  فَهُنَا يَقُولُونَ: «لَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ»، بَيْنَمَا قَالُوا سَابِقًا: "نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ".  وَهٰذَا ٱلتَّخَبُّطُ يَدُلُّ عَلَى ٱلِارْتِبَاكِ ٱلَّذِي وَقَعُوا فِيهِ أَمَامَ وَاقِعِ ٱلْمُعْجِزَةِ، وَعَلَى عَجْزِهِمْ عَنِ ٱلرَّدِّ عَلَى شَهَادَةِ ٱلرَّجُلِ ٱلْمُعَافَى.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مِنْ أَيْنَ هُوَ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلسُّؤَالِ عَنْ أَصْلِ ٱلشَّخْصِ وَمَصْدَرِ سُلْطَانِهِ، لِأَنَّ أَصْلَ ٱلْإِنْسَانِ كَانَ يُعَدُّ دَلِيلًا عَلَى طَبِيعَتِهِ وَرِسَالَتِهِ. وَقَدْ طُرِحَ هٰذَا ٱلسُّؤَالُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ ٱلْكِتَابِ، مِثْلَ سُؤَالِ ٱلْيَهُودِ عَنْ مَصْدَرِ مَعْمُودِيَّةِ يوحنا المعمدان: "مِنْ أَيْنَ كَانَتْ مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: أَمِنَ ٱلسَّمَاءِ أَمْ مِنَ ٱلنَّاسِ؟"  (متى 21: 25). كَذٰلِكَ سَأَلَ بيلاطس البنطي يَسُوعَ قَائِلًا:"مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟" (يُوحَنَّا 19: 9). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ ٱلنَّصُّ أَنَّ سُؤَالَ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ عَنْ أَصْلِ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ بُغْيَةَ ٱلْمَعْرِفَةِ، بَلْ كَانَ مُحَاوَلَةً لِنَفْيِ رِسَالَتِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ هٰذَا ٱلسُّؤَالَ نَفْسَهُ كَانَ يَكْشِفُ فِي ٱلْحَقِيقَةِ عَنْ ضَعْفِ حُجَّتِهِمْ وَعَجْزِهِمْ أَمَامَ وَاقِعِ ٱلْمُعْجِزَةِ.

 

30 "أَجَابَهُمُ ٱلرَّجُلُ: فَعَجِيبٌ أَنْ لَا تَعْلَمُوا مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَعَجِيبٌ أَنْ لَا تَعْلَمُوا مِنْ أَيْنَ هُوَ وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ" إِلَى جَوَابِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ، وَهُوَ جَوَابٌ يَكْشِفُ حِكْمَةً وَشَجَاعَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ. فَهُوَ يُبْدِي دَهْشَتَهُ مِنْ أَنَّ قَادَةَ الفريسيون، ٱلْجَالِسِينَ عَلَى كُرْسِيِّ ٱلْقَضَاءِ وَٱلْمَعْرُوفِينَ بِعِلْمِهِمْ فِي ٱلشَّرِيعَةِ، يَدَّعُونَ ٱلْجَهْلَ بِأَصْلِ يَسُوعَ، مَعَ أَنَّ قُوَّتَهُ ٱلْإِلَهِيَّةَ ظَهَرَتْ بِوُضُوحٍ فِي ٱلْمُعْجِزَةِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا. وَيَسْتَنِدُ كَلَامُهُ إِلَى عِدَّةِ حَقَائِقَ وَاضِحَةٍ: أَوَّلُهَا أَنَّ يَسُوعَ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَهٰذَا أَمْرٌ وَاقِعٌ لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ. وَثَانِيهَا أَنَّ ٱلْكِتَابَ يُعَلِّمُ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِلْخُطَاةِ، كَمَا يَقُولُ المزامير: "إِنْ رَأَيْتُ إِثْمًا فِي قَلْبِي لَا يَسْتَمِعُ لِي ٱلرَّبُّ" (مزمور 66: 18).  وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ يَقُولُونَ عَنْ يَسُوعَ إِنَّهُ خَاطِئٌ، فِي حِينِ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْتَجِيبُ لِلْأَتْقِيَاءِ ٱلَّذِينَ يَصْنَعُونَ إِرَادَتَهُ. وَثَالِثُهَا أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي تَارِيخِ ٱلْبَشَرِيَّةِ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى. فَهٰذِهِ مُعْجِزَةٌ فَرِيدَةٌ تَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ إِلَهِيَّةٍ. وَبِهٰذَا ٱلِٱسْتِدْلَالِ ٱلْبَسِيطِ وَٱلْوَاضِحِ، قَدَّمَ ٱلرَّجُلُ بُرْهَانًا تَفَوَّقَ بِهِ عَلَى عُلَمَاءِ ٱلشَّرِيعَةِ وَفُقَهَاءِ الفريسيون.  وَكَأَنَّ ٱللَّهَ كَشَفَ ٱلْحَقَّ لِهٰذَا ٱلرَّجُلِ ٱلْبَسِيطِ أَكْثَرَ مِمَّا كَشَفَهُ لِلْحُكَمَاءِ. وَهٰذَا مَا يُذَكِّرُنَا بِكَلِمَاتِ يَسُوعَ: "أَحْمَدُكَ يَا أَبَتِ، رَبَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ، لِأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ ٱلْأَشْيَاءَ عَنِ ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْأَذْكِيَاءِ، وَكَشَفْتَهَا لِلصِّغَارِ" (متى 11: 25). وَهٰكَذَا يَظْهَرُ فِي هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ أَنَّ ٱلْبَصِيرَةَ ٱلرُّوحِيَّةَ لَا تَعْتَمِدُ عَلَى ٱلْمَنْصِبِ أَوِ ٱلْعِلْمِ، بَلْ عَلَى ٱلْقَلْبِ ٱلْمُنْفَتِحِ لِعَمَلِ ٱللَّهِ.  فَبَيْنَمَا يَدَّعِي ٱلْقَادَةُ ٱلْمَعْرِفَةَ، كَانَ ٱلرَّجُلُ ٱلْبَسِيطُ هُوَ ٱلَّذِي أَبْصَرَ ٱلْحَقَّ.

 

31 "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِلْخَاطِئِينَ، بَلْ يَسْتَجِيبُ لِمَنِ ٱتَّقَاهُ وَعَمِلَ بِمَشِيئَتِهِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "نَحْنُ نَعْلَمُ" إِلَى مَعْرِفَةٍ مُسْتَمَدَّةٍ مِنَ ٱلْخِبْرَةِ ٱلدِّينِيَّةِ وَمِنْ تَعْلِيمِ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ. فَٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي شُفِيَ لَا يَتَكَلَّمُ بِرَأْيٍ شَخْصِيٍّ فَقَط، بَلْ بِمَا تَعْرِفُهُ ٱلشَّرِيعَةُ وَٱلتَّقْلِيدُ ٱلْيَهُودِيُّ عَنِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱسْتِجَابَتِهِ لِلصَّلَاةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِلْخَاطِئِينَ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْمَبْدَأِ ٱلْمَعْرُوفِ فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْكِتَابِيِّ، وَهُوَ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِمَنْ يُصِرُّ عَلَى ٱلشَّرِّ وَيَعِيشُ فِي ٱلْخَطِيئَةِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ كِتَاب أيوب بِقَوْلِهِ: "حِينَئِذٍ يَصْرُخُونَ وَلَا يُجِيبُ بِسَبَبِ تَشَامُخِ ٱلْأَشْرَارِ" (أيوب 35: 12). وَيُؤَكِّدُ إشعيا ٱلنَّبِيُّ هٰذَا ٱلْمَعْنَى قَائِلًا: "فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَحْجُبُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ ٱلصَّلَاةِ لَا أَسْتَمِعُ لَكُمْ، لِأَنَّ أَيْدِيَكُمْ مَمْلُوءَةٌ مِنَ ٱلدِّمَاءِ"(إشعيا 1: 15).

 

أَمَّا كَلِمَةُ "ٱلْخَاطِئِينَ" فِي ٱلأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ ἁμαρτωλῶν فَتَدُلُّ عَلَى ٱلَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْخَطِيئَةِ وَيَرْفُضُونَ ٱلتَّوْبَةَ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ صَاحِبُ المزامير بِقَوْلِهِ: "لَوْ كُنْتُ رَأَيْتُ إِثْمًا فِي قَلْبِي لَمَا ٱسْتَمَعَ ٱلسَّيِّدُ لِي"(مزمور 66: 18).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَسْتَجِيبُ لِمَنِ ٱتَّقَاهُ" فَفِي أَصْلِهَا ٱلْيُونَانِيِّ θεοσεβής، وَتَعْنِي ٱلْمُتَعَبِّدَ لِلَّهِ أَوِ ٱلْمُتَّقِي، أَيْ ٱلَّذِي يَعِيشُ فِي خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَيُكَرِّسُ حَيَاتَهُ لِعِبَادَتِهِ.

 

أَمَّا قَوْلُهُ "وَعَمِلَ بِمَشِيئَتِهِ" فَيُظْهِرُ أَنَّ ٱلتَّقْوَى ٱلْحَقِيقِيَّةَ لَا تَقِفُ عِنْدَ ٱلْعِبَادَةِ ٱلشَّكْلِيَّةِ فَقَط، بَلْ تَتَجَسَّدُ فِي طَاعَةِ إِرَادَةِ ٱللَّهِ وَٱلْعَمَلِ بِوَصَايَاهُ. وَقَدْ ظَهَرَ هٰذَا ٱلْمَبْدَأُ فِي قِصَّةِ إيليا عَلَى جَبَلِ ٱلْكَرْمَلِ، حَيْثُ ٱسْتَجَابَ ٱللَّهُ لِصَلَاتِهِ بِسَبَبِ تَقْوَاهُ وَأَمَانَتِهِ، بَيْنَمَا لَمْ يَسْتَجِبْ لِكَهَنَةِ بَعْلٍ (1 ملوك 18: 17–40). وَبِهٰذَا ٱلِاسْتِدْلَالِ ٱلْبَسِيطِ وَٱلْعَمِيقِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، يُبَيِّنُ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي شُفِيَ أَنَّ ٱلْمُعْجِزَةَ ٱلَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ إِنْسَانٍ خَاطِئٍ، بَلْ هِيَ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ ٱللَّهَ مَعَهُ وَيَعْمَلُ فِيهِ.

 

32 "وَلَمْ يُسْمَعْ مُنْذُ ٱلدَّهْرِ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَلَمْ يُسْمَعْ مُنْذُ ٱلدَّهْرِ" إِلَى فِكْرَةِ ٱلزَّمَنِ ٱلْبَعِيدِ أَوِ ٱلْقِدَمِ ٱلْمُطْلَقِ. فَفِي ٱلأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ تَرِدُ كَلِمَة αἰῶνος، وَتَعْنِي ٱلدَّهْرَ أَوِ ٱلزَّمَنَ ٱلْقَدِيمَ، أَيْ مُنْذُ بَدْءِ ٱلْعَالَمِ أَوْ مُنْذُ ٱلأَزْمِنَةِ ٱلسَّالِفَةِ. وَقَدْ وَرَدَ هٰذَا ٱلْمَعْنَى أَيْضًا فِي إِنْجِيل إنجيل لوقا: "كَمَا قَالَ بِلِسَانِ أَنْبِيَائِهِ ٱلْأَطْهَارِ مُنْذُ ٱلدَّهْرِ" (لوقا 1: 70).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى" فَتُشِيرُ إِلَى فَرَادَةِ ٱلْمُعْجِزَةِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ. فَلَمْ يَرِدْ فِي تَارِيخِ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ أَنَّ أَحَدًا قَبْلَهُ قَدْ شَفَى إِنْسَانًا وُلِدَ أَعْمَى.وَهٰذَا مَا يَجْعَلُ هٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةَ حَدَثًا فَرِيدًا فِي تَارِيخِ ٱلْبَشَرِيَّةِ. صَحِيحٌ أَنَّ ٱلْكِتَابَ ٱلْمُقَدَّسَ يَذْكُرُ حَالَاتٍ أُخْرَى مِنْ شِفَاءِ ٱلْعَمَى، لَكِنَّهَا كَانَتْ لِأَشْخَاصٍ أُصِيبُوا بِٱلْعَمَى فِي مَرْحَلَةٍ مِنْ حَيَاتِهِمْ، وَلَيْسَ مُنْذُ ٱلْمِيلَادِ. فَعَلَى سَبِيلِ ٱلْمِثَالِ، يَرِدُ فِي سِفْر سفر طوبيا شِفَاءُ أَبِي طوبيا، حَيْثُ يُقَالُ: "إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ" (طوبيا 7: 17). إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَعْمَى مُنْذُ وِلَادَتِهِ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ يَسُوعُ يَتَجَاوَزُ أَعْمَالَ موسى وَسَائِرِ ٱلْأَنْبِيَاءِ، إِذْ لَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى. وَبِذٰلِكَ تَصِيرُ هٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةُ عَلَامَةً فَرِيدَةً تُشِيرُ إِلَى سُلْطَانِ يَسُوعَ ٱلْإِلَهِيِّ وَإِلَى أَنَّهُ رَجُلُ ٱللَّهِ ٱلْمُرْسَلُ.

 

33 "فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هٰذَا ٱلرَّجُلُ مِنَ ٱللَّهِ، لَمَا ٱسْتَطَاعَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "هٰذَا ٱلرَّجُلُ مِنَ ٱللَّهِ" إِلَى ٱلشَّخْصِ ٱلْمُرْسَلِ مِنَ ٱللَّهِ، أَيْ إِلَى أَحَدِ أَتْقِيَاءِ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِسُلْطَانِهِ. وَفِي هٰذَا ٱلْقَوْلِ يَبْلُغُ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي شُفِيَ ذِرْوَةَ ٱسْتِدْلَالِهِ ٱلْمَنْطِقِيِّ فِي حِوَارِهِ مَعَ الفريسيين. فَقَدْ بَنَى بُرْهَانَهُ عَلَى قِيَاسٍ بَسِيطٍ وَوَاضِحٍ: إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِلْخُطَاةِ ٱلْمُصِرِّينَ عَلَى خَطَايَاهُمْ. وَقَدْ ظَهَرَتْ قُوَّةُ ٱللَّهِ فِي ٱلْمُعْجِزَةِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ حِينَ فَتَحَ عَيْنَيْهِ. إِذًا فَمَا فَعَلَهُ يَسُوعُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا بِقُوَّةِ ٱللَّهِ وَبِسُلْطَانِهِ. وَبِهٰذَا ٱلِاسْتِدْلَالِ يَصِلُ ٱلرَّجُلُ إِلَى ٱلنَّتِيجَةِ ٱلْوَاضِحَةِ: إِنَّ يَسُوعَ لَيْسَ خَاطِئًا، بَلْ هُوَ مِنَ ٱللَّهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لَمَا ٱسْتَطَاعَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ هٰذِهِ ٱلْمُعْجِزَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَصْدُرَ عَنْ قُدْرَةٍ بَشَرِيَّةٍ عَادِيَّةٍ. فَٱلْمُعْجِزَاتُ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ هِيَ عَلَامَاتٌ تُظْهِرُ عَمَلَ ٱللَّهِ وَحُضُورَهُ. وَلِذٰلِكَ يَسْتَنْتِجُ ٱلرَّجُلُ أَنَّ يَسُوعَ يَعْمَلُ بِقُوَّةِ ٱللَّهِ نَفْسِهِ. وَبِهٰذَا ٱلِاعْتِرَافِ يَتَجَلَّى أَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى قَدْ أَصْبَحَ أَكْثَرَ بَصِيرَةً مِنْ مُحَاوِرِيهِ، لِأَنَّهُ تَعَرَّفَ إِلَى أَصْلِ عَمَلِ يَسُوعَ، فِي حِينٍ بَقِيَ قَادَةُ الفريسيون فِي عَمَاهُمْ ٱلرُّوحِيِّ. وَهٰكَذَا يَظْهَرُ فِي ٱلنَّصِّ أَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي ٱسْتَعَادَ بَصَرَهُ ٱلْجَسَدِيَّ بَدَأَ أَيْضًا يَنْتَقِلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى بَصِيرَةٍ إِيمَانِيَّةٍ أَعْمَقَ، فَيُقِرُّ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمُرْسَلُ مِنَ ٱللَّهِ.

 

34 "أَجَابُوهُ: أَتُعَلِّمُنَا أَنْتَ وَقَدْ وُلِدْتَ كُلُّكَ فِي ٱلْخَطَايَا؟ ثُمَّ طَرَدُوهُ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَتُعَلِّمُنَا أَنْتَ وَقَدْ وُلِدْتَ كُلُّكَ فِي ٱلْخَطَايَا؟" إِلَى رَدِّ فِعْلِ الفريسيون بَعْدَ أَنْ عَجَزُوا عَنْ دَحْضِ حُجَّةِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ. فَبَدَلًا مِنَ ٱلرَّدِّ عَلَى بُرْهَانِهِ، ٱنْتَقَلُوا إِلَى الإِهَانَةِ وَٱلتَّجْرِيحِ ٱلشَّخْصِيِّ. فَقَدْ كَانَ ٱعْتِقَادُهُمْ أَنَّ ٱلْعَاهَاتِ ٱلْجَسَدِيَّةَ هِيَ نَتِيجَةُ خَطِيئَةٍ، لِذٰلِكَ ٱعْتَبَرُوا أَنَّ وِلَادَتَهُ أَعْمَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ فِي ٱلْخَطِيئَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ. وَيَكْشِفُ هٰذَا ٱلرَّدُّ عَنْ غَضَبِهِمْ وَعَجْزِهِمْ، إِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَحْمِلُوا ٱلرَّجُلَ عَلَى ٱلْكَذِبِ بِٱلتَّهْدِيدِ، وَلَا أَنْ يُفَنِّدُوا شَهَادَتَهُ ٱلْوَاضِحَةَ. فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَقْبَلُوا ٱلْحَقَّ، حَاوَلُوا إِسْكَاتَ صَوْتِهِ بِٱلإِهَانَةِ وَٱلإِقْصَاءِ. وَفِي ٱلْحَقِيقَةِ يَتَجَلَّى فِي هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ تَبَايُنٌ عَمِيقٌ: فَصَوْتُ قَلْبِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ يَشْهَدُ لِلْحَقِّ، بَيْنَمَا يُرِيدُ خُصُومُهُ إِسْكَاتَهُ. لَكِنَّ إِيمَانَهُ وَإِصْرَارَهُ جَعَلَا شَهَادَتَهُ أَقْوَى مِنْ صُرَاخِهِمْ. فَمَنْ يَنْتَمِي إِلَى ٱلْحَقِّ وَلَا يَنْتَمِي إِلَى مَنْطِقِ ٱلْعَالَمِ، يَصِيرُ صَوْتُهُ صَوْتَ ٱلْحَقِّ ٱلْمُدَوِّي ٱلَّذِي لَا يَقِفُ أَمَامَهُ ضَجِيجُ ٱلْجُمُوعِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ثُمَّ طَرَدُوهُ" فَفِي ٱلأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ ἐξέβαλον αὐτὸν ἔξω، وَمَعْنَاهَا أَخْرَجُوهُ إِلَى ٱلْخَارِجِ. وَتُشِيرُ إِلَى إِخْرَاجِ ٱلرَّجُلِ بِإِذْلَالٍ وَٱنْتِقَامٍ بَعْدَ شَهَادَتِهِ لِلْحَقِّ. وَمَعَ أَنَّ هٰذَا ٱلطَّرْدَ لَا يَعْنِي بِٱلضَّرُورَةِ ٱلْحَرْمَ ٱلدِّينِيَّ ٱلرَّسْمِيَّ، إِلَّا أَنَّهُ يُظْهِرُ مَوْقِفَ ٱلرَّفْضِ وَٱلْإِقْصَاءِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنْ أَشَارَ يسوع المسيح إِلَى مِثْلِ هٰذَا ٱلِاضْطِهَادِ لِتَلَامِيذِهِ قَائِلًا:"سَيُفْصِلُونَكُمْ مِنَ ٱلْمَجَامِعِ" (يُوحَنَّا 16: 2). وَهٰكَذَا يَتَحَوَّلُ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى إِلَى شَاهِدٍ حَقِيقِيٍّ لِلْمَسِيحِ، إِذْ ٱحْتَمَلَ ٱلْإِهَانَةَ وَٱلطَّرْدَ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِ لِلْحَقِّ. وَفِي ذٰلِكَ يَظْهَرُ أَنَّ طَرْدَهُ مِنَ ٱلْمَجْمَعِ كَانَ فِي ٱلْوَاقِعِ بِدَايَةَ ٱنْتِمَائِهِ إِلَى جَمَاعَةِ ٱلْمَسِيحِ. فَعِنْدَمَا يَنْفَتِحُ الإِنْسَانُ بِالتَّوَاضُعِ وَالطَّاعَةِ لِمَا يَعْمَلُهُ اللهُ فِي حَيَاتِهِ، تَنْفَتِحُ عُيُونُ قَلْبِهِ وَيَزُولُ عَمَى الْكِبْرِيَاءِ وَالْأَنَانِيَّةِ. فَالطَّاعَةُ لِكَلِمَةِ اللهِ لَا تَقُودُ فَقَطْ إِلَى الاِسْتِنَارَةِ الرُّوحِيَّةِ، بَلْ تُحَرِّرُ الإِنْسَانَ أَيْضًا مِنْ أَحْكَامِهِ المُسْبَقَةِ وَمِنْ نَظْرَتِهِ الضَّيِّقَةِ إِلَى الآخَرِينَ. وَهٰكَذَا يَتَعَلَّمُ أَنْ يَرَى الإِنْسَانَ كَمَا يَرَاهُ اللهُ، لَا كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ النَّاسُ. فَمَنْ يَتَبَعْ نُورَ اللهِ يَتَحَرَّرُ مِنْ ظُلْمَةِ الإِقْصَاءِ وَالتَّهْمِيشِ، وَيُصْبِحُ قَادِرًا عَلَى احْتِضَانِ الآخَرِينَ بِعَيْنَيِ الرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ.

 

35" فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ طَرَدُوهُ، فَلَقِيَهُ وَقَالَ لَهُ: أَتُؤْمِنُ أَنْتَ بِٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ؟".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ طَرَدُوهُ" إِلَى مَعْرِفَةِ يسوع المسيح خَبَرَ طَرْدِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى. وَكَانَ سَبَبُ طَرْدِهِ إِصْرَارُهُ عَلَى ٱلِاعْتِرَافِ بِٱلْحَقِّ، إِذْ شَهِدَ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلَّذِي شَفَاهُ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ يَتَحَقَّقُ مَا قَالَهُ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ ٱلنَّاسُ وَرَذَلُوكُمْ وَشَتَمُوا ٱسْمَكُمْ وَنَبَذُوهُ عَلَى أَنَّهُ عَارٌ مِنْ أَجْلِ ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ" (لوقا 6: 22).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَلَقِيَهُ" فَتُشِيرُ إِلَى مُبَادَرَةِ ٱلْمَسِيحِ فِي ٱلْبَحْثِ عَنِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي طَرَدَهُ فَٱلْفِرِّيسِيُّونَ وَحَرَمُوهُ مِنْ مَكَانِهِ فِي ٱلْمَجْمَعِ. فَٱلْمَسِيحُ لَمْ يَتْرُكْهُ وَحْدَهُ بَعْدَ ٱضْطِهَادِهِ، بَلْ بَحَثَ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَهُ لِيُعَزِّي قَلْبَهُ وَيُثَبِّتَ إِيمَانَهُ. وَهُنَا يَتَحَقَّقُ قَوْلُ المزامير: "إِذَا تَرَكَنِي أَبِي وَأُمِّي فَٱلرَّبُّ يَقْبَلُنِي"(مزمور 27: 10).  وَهٰكَذَا يَظْهَرُ ٱلْمَسِيحُ كَٱلَّذِي يَبْحَثُ عَنْ كُلِّ مَنْ خَسِرَ شَيْئًا مِنْ أَجْلِهِ لِيُعْطِيَهُ خِبْرَةً إِيمَانِيَّةً أَعْمَقَ، فَهُوَ "أَبُو ٱلْيَتَامَى وَمُنْصِفُ ٱلْأَرَامِلِ"(مزمور 68: 6). وَبِهٰذَا ٱلْمَعْنَى يَصِيرُ ٱلْمَسِيحُ مَسِيحَ ٱلْمَطْرُودِينَ وَٱلْمَرْذُولِينَ.

 

أَمَّا لَقَبُ "ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ" فَيُشِيرُ إِلَى ٱلْمَسِيحِ ٱلْمَوْعُودِ فِي ٱلنُّبُوَّاتِ. فَقَدْ لَمَّحَ إِلَيْهِ دانيال فِي رُؤْيَتِهِ حِينَ تَحَدَّثَ عَنْ "مِثْلِ ٱبْنِ إِنْسَانٍ آتٍ مَعَ سُحُبِ ٱلسَّمَاءِ" (دانيال 7: 9–15). وَقَدِ ٱسْتَعْمَلَ يَسُوعُ هٰذَا ٱللَّقَبَ لِيُعَبِّرَ عَنْ رِسَالَتِهِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ وَسُلْطَانِهِ ٱلْإِلَهِيِّ، كَمَا قَالَ أَمَامَ ٱلْمَجْلِسِ:"سَوْفَ تَرَوْنَ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ ٱلْقَدِيرِ وَآتِيًا فِي غَمَامِ ٱلسَّمَاءِ"(مرقس 14: 62). وَكَانَ ٱلْيَهُودُ فِي ٱلْعَادَةِ يُعَبِّرُونَ عَنِ ٱلْمَسِيحِ بِلَقَبِ "ٱبْنِ دَاوُدَ"، مُنْتَظِرِينَ مَلِكًا أَرْضِيًّا يَجْلِسُ عَلَى عَرْشِ دَاوُدَ (متى 22: 42). أَمَّا يَسُوعُ فَأَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّ مَلَكُوتَهُ رُوحِيٌّ وَلَيْسَ سِيَاسِيًّا، فَاسْتَعْمَلَ لَقَبَ "ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ".

 

أَمَّا سُؤَالُهُ "أَتُؤْمِنُ أَنْتَ بِٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ؟" فَهُوَ دَعْوَةٌ إِلَى ٱلِانْتِقَالِ مِنَ ٱلْإِيمَانِ بِيَسُوعَ كَنَبِيٍّ إِلَى ٱلْإِيمَانِ بِهِ كَٱلْمَسِيحِ وَٱبْنِ ٱللَّهِ. فَهَاتَانِ ٱلْهُوِيَّتَانِ لَا تَنْفَصِلَانِ، كَمَا شَهِدَ نثنائيل قَائِلًا:"رَبِّي، أَنْتَ ٱبْنُ ٱللَّهِ" (يوحنا 1: 49). وَهُنَا يَبْرُزُ ٱلْفَرْقُ بَيْنَ نَظَرَةِ الفريسيون وَنَظَرَةِ ٱلْمَسِيحِ: فَٱلْفِرِّيسِيُّونَ يَنْظُرُونَ إِلَى ٱلرَّجُلِ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ كُلُّهُ فِي ٱلْخَطَايَا (يوحنا 9: 34)، أَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَيَنْظُرُ إِلَى قَلْبِهِ وَإِيمَانِهِ، كَمَا جَاءَ فِي كَلَامِ صموئيل:"لَا يَنْظُرُ ٱلرَّبُّ كَمَا يَنْظُرُ ٱلْإِنْسَانُ؛ فَإِنَّ ٱلْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى ٱلظَّاهِرِ، أَمَّا ٱلرَّبُّ فَيَنْظُرُ إِلَى ٱلْقَلْبِ" (1 صموئيل 16: 7).

 

36 "أَجَابَ: وَمَنْ هُوَ يَا رَبُّ، لِأُؤْمِنَ بِهِ؟".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَنْ هُوَ؟" إِلَى سُؤَالِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْ يسوع المسيح عَنْ "ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ". فَقَدْ فَهِمَ مَعْنَى ٱللَّقَبِ وَأَدْرَكَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ٱلْمَسِيحِ ٱلْمَوْعُودِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ بَعْدُ مَنْ هُوَ هٰذَا ٱلشَّخْصُ. وَلِأَنَّهُ كَانَ قَدِ اعْتَرَفَ سَابِقًا بِأَنَّ يَسُوعَ نَبِيٌّ (يُوحَنَّا 9: 17)، فَهُوَ يَثِقُ بِأَنَّ يَسُوعَ قَادِرٌ أَنْ يُعْلِمَهُ هُوِيَّةَ ٱلْمَسِيحِ. وَيُعَبِّرُ سُؤَالُهُ عَنْ رَغْبَةٍ صَادِقَةٍ فِي ٱلْإِيمَانِ، إِذْ يَقُولُ: "لِأُؤْمِنَ بِهِ". فَهُوَ لَا يَسْأَلُ بُغْيَةَ ٱلْجَدَلِ أَوِ ٱلشَّكِّ، بَلْ لِكَيْ يَضَعَ إِيمَانَهُ فِي ٱلْمَسِيحِ حَالَمَا يَعْرِفُهُ. وَيُشْبِهُ هٰذَا ٱلسُّؤَالُ سُؤَالَ بولس الرسول عِنْدَ اهْتِدَائِهِ، حِينَ قَالَ: "مَنْ أَنْتَ يَا رَبُّ؟" (أعمال الرسل 9: 5).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَا رَبُّ" فَفِي ٱلأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ Κύριε، وَتَعْنِي "يَا سَيِّدِي" أَوْ "يَا سَيِّد"، وَهِيَ تَعْبِيرٌ عَنْ ٱلِاحْتِرَامِ وَٱلتَّوْقِيرِ. وَفِي ٱلسِّيَاقِ ٱلْمَسِيحِيِّ تُرْجِمَتْ إِلَى "يَا رَبّ"، لِتُشِيرَ إِلَى سُلْطَانِ ٱلْمَسِيحِ وَمَكَانَتِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لِأُؤْمِنَ بِهِ؟" فيُعَلِّق يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ قَائِلًا: «لَمْ يَقُلْ: أُرِيدُ أَنْ أَرَاهُ فَقَط، بَلْ قَالَ: لِأُؤْمِنَ بِهِ. فَكَانَ قَلْبُهُ مُهَيَّأً لِلْإِيمَانِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ ٱلشَّخْصَ نَفْسَهُ." وَيَقُولُ أوغسطينوس: "كَانَ قَدْ أَبْصَرَ بَعْدُ بِعَيْنَيْهِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ أَنْ يُبْصِرَ بِقَلْبِهِ. فَٱلْمَسِيحُ فَتَحَ لَهُ عَيْنَيْ جَسَدِهِ، وَهُوَ الآن يُعِدُّهُ لِيَفْتَحَ عَيْنَيْ إِيمَانِهِ". وَهٰكَذَا يُظْهِرُ هٰذَا ٱلسُّؤَالُ أَنَّ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي شُفِيَ قَدْ دَخَلَ فِي مَسِيرَةِ إِيمَانٍ مُتَدَرِّجَةٍ: فَقَدْ عَرَفَ يَسُوعَ أَوَّلًا كَإِنْسَانٍ (يُوحَنَّا 9: 11)، ثُمَّ كَنَبِيٍّ (يُوحَنَّا 9: 17)، وَهَا هُوَ الآن يَتَأَهَّبُ لِيُؤْمِنَ بِهِ كَٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ وَٱلْمَسِيحِ.

 

37 "قَالَ لَهُ يَسُوعُ: قَدْ رَأَيْتَهُ، وَهُوَ ٱلَّذِي يُكَلِّمُكَ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "قَدْ رَأَيْتَهُ" إِلَى إِعْلَانِ يسوع المسيح لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ ٱلَّذِي سَأَلَ عَنْهُ. فَبَعْدَ أَنْ فَتَحَ لَهُ عَيْنَيْهِ ٱلْجَسَدِيَّتَيْنِ، يَقُودُهُ ٱلْمَسِيحُ الآن إِلَى بَصِيرَةٍ إِيمَانِيَّةٍ أَعْمَقَ، كَاشِفًا لَهُ هُوِيَّتَهُ ٱلْمَسِيحِيَّةَ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "هُوَ ٱلَّذِي يُكَلِّمُكَ" فَهِيَ إِعْلَانٌ وَاضِحٌ مِنَ ٱلْمَسِيحِ عَنْ ذَاتِهِ، يُشْبِهُ ٱلإِعْلَانَ ٱلَّذِي قَالَهُ لِـ المرأة السامرية عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوبَ: "أَنَا هُوَ، أَنَا ٱلَّذِي أُكَلِّمُكِ" (يُوحَنَّا 4: 26). وَكَأَنَّ يَسُوعَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ الآنَ تَرَى ٱلْمَسِيحَ بِعَيْنَيْكَ وَتَسْمَعُ صَوْتَهُ بِأُذُنَيْكَ. وَبِهٰذَا ٱلْإِعْلَانِ يَتِمُّ ٱلِٱنْتِقَالُ مِنَ ٱلْمُعْجِزَةِ ٱلْجَسَدِيَّةِ إِلَى إِعْلَانِ ٱلْحَقِيقَةِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ، فَٱلْمُعْجِزَةُ لَمْ تَكُنْ غَايَةً فِي ذَاتِهَا، بَلْ طَرِيقًا لِقِيَادَةِ ٱلْإِنْسَانِ إِلَى مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ وَٱلْإِيمَانِ بِهِ. وَيُبَيِّنُ هٰذَا ٱللِّقَاءُ قُرْبَ ٱلْمَسِيحِ مِنَ ٱلْإِنْسَانِ، فَهُوَ لَيْسَ بَعِيدًا عَنِ ٱلْبَشَرِ، بَلْ يَقْتَرِبُ مِنْهُمْ وَيُخَاطِبُهُمْ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى يَقُولُ بولس الرسول: "لَا تَقُلْ فِي قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى ٱلسَّمَاءِ؟ أَيْ لِيُنْزِلَ ٱلْمَسِيحَ، أَوْ مَنْ يَنْزِلُ إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ؟ أَيْ لِيُصْعِدَ ٱلْمَسِيحَ مِنْ بَيْنِ ٱلْأَمْوَاتِ. فَمَاذَا يَقُولُ؟ إِنَّ ٱلْكَلِمَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ"(رومة 10: 6–8). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ ٱلْمَسِيحُ لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ أَنَّ ٱلَّذِي وَقَفَ أَمَامَهُ وَكَلَّمَهُ وَشَفَاهُ هُوَ نَفْسُهُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْمَوْعُودُ، فَيَنْتَقِلُ ٱلرَّجُلُ مِنَ مَعْرِفَةِ يَسُوعَ كَنَبِيٍّ إِلَى ٱلِاعْتِرَافِ بِهِ كَرَبٍّ وَمُخَلِّصٍ.

 

38 "فَقَالَ: آمَنْتُ يَا رَبُّ، وَسَجَدَ لَهُ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "آمَنْتُ يَا رَبُّ" إِلَى الذِّرْوَةِ الرُّوحِيَّةِ فِي مَسِيرَةِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ. فَهُوَ لَمْ يَسْتَعِدْ بَصَرَهُ ٱلْجَسَدِيَّ فَحَسْب، بَلْ نَالَ أَيْضًا بَصِيرَةً رُوحِيَّةً قَادَتْهُ إِلَى ٱلِاعْتِرَافِ بِـ يسوع المسيح. فَقَدْ تَدَرَّجَ إِيمَانُهُ: فَرَأَى يَسُوعَ أَوَّلًا إِنْسَانًا (يُوحَنَّا 9: 11)، ثُمَّ اعْتَرَفَ بِهِ نَبِيًّا (يُوحَنَّا 9: 17)، وَأَخِيرًا أَقَرَّ بِهِ رَبًّا. وَيُشْبِهُ هٰذَا ٱلِاعْتِرَافَ مَسِيرَةَ إِيمَانِ المرأة السامرية ٱلَّتِي ٱنْتَقَلَتْ أَيْضًا مِنَ ٱلتَّسَاؤُلِ إِلَى ٱلِاعْتِرَافِ بِٱلْمَسِيحِ (يُوحَنَّا 4: 5–42). وَيَظْهَرُ أَنَّ هٰذَا ٱلْإِيمَانَ قَدْ نَمَا فِي قَلْبِهِ بِفِعْلِ نِعْمَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَبِتَأَمُّلِهِ فِي ٱلْمُعْجِزَةِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا ٱلْمَسِيحُ مَعَهُ. وَلِذٰلِكَ يَصِحُّ أَنْ نُرَدِّدَ مَعَ المزامير:"بِنُورِكَ نُعَايِنُ ٱلنُّورَ" (مزمور 36: 9). وَيُعَلِّق أوغسطينوس عَلَى هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ قَائِلًا: "إِنَّ ٱلرَّجُلَ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ يَسُوعَ كَٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ فَقَط، بَلْ كَٱبْنِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي أَخَذَ جَسَدَنَا، فَٱلَّذِي فَتَحَ عَيْنَيْهِ قَادَهُ إِلَى ٱلِاعْتِرَافِ بِسِرِّ ٱلْمَسِيحِ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَا رَبُّ" فَفِي ٱلأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ κύριε وَتَعْنِي "يَا سَيِّد". وَفِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْمَسِيحِيِّ أَصْبَحَ هٰذَا ٱللَّقَبُ يَدُلُّ عَلَى ٱلْمَكَانَةِ ٱلْإِلَهِيَّةِ لِيَسُوعَ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، كَمَا يَقُولُ بولس الرسول:"وَجُعِلَ ٱبْنَ ٱللَّهِ فِي ٱلْقُدْرَةِ بِقِيَامَتِهِ مِنْ بَيْنِ ٱلْأَمْوَاتِ، أَلَا وَهُوَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ رَبُّنَا" (رومة 1: 4). وَهٰذَا ٱللَّقَبُ يُعَبِّرُ أَيْضًا عَنْ ٱلثِّقَةِ وَٱلِاتِّكَالِ عَلَى ٱلْمَسِيحِ، كَمَا فِي صَرْخَةِ الأبرص الذي شفاه يسوع حِينَ "سَجَدَ لَهُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، إِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تُطَهِّرَنِي" (متى 8: 2)، وَكَمَا أَعْلَنَتِ ٱلْمَلَائِكَةُ لِلرُّعَاةِ عِنْدَ مِيلَادِهِ:"وُلِدَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مُخَلِّصٌ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ، هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱلرَّبُّ" (لوقا 2: 11).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "سَجَدَ لَهُ" فَتُشِيرُ إِلَى عَمَلٍ تَعَبُّدِيٍّ حَقِيقِيٍّ، إِذْ قَدَّمَ لِلْمَسِيحِ سُجُودًا يَلِيقُ بِٱلْعِبَادَةِ ٱلْمُقَدَّمَةِ لِلَّهِ. فَإِعْلَانُ ٱلْإِيمَانِ قَادَهُ إِلَى ٱلسُّجُودِ، أَيْ إِلَى ٱلْعِبَادَةِ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ. وَمِنْ هُنَا تَصِيرُ قِصَّةُ هٰذَا ٱلرَّجُلِ دَعْوَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَنْمو فِي مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ وَنِعْمَتِهِ، كَمَا يُوصِي بطرس الرسول: "ٱنْمُوا فِي ٱلنِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ"(2 بطرس 3: 18).

 

39 "فَقَالَ يَسُوعُ: إِنِّي جِئْتُ إِلَى هٰذَا ٱلْعَالَمِ لِدَيْنُونَةٍ: لِكَيْ يُبْصِرَ ٱلَّذِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَيَعْمَى ٱلَّذِينَ يُبْصِرُونَ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "إِنِّي جِئْتُ إِلَى هٰذَا ٱلْعَالَمِ لِدَيْنُونَةٍ" إِلَى الدَّيْنُونَةِ ٱلَّتِي تَنْتُجُ عَنْ ظُهُورِ يسوع المسيح فِي ٱلْعَالَمِ. فَلَيْسَ ٱلْمَقْصُودُ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ جَاءَ لِيُدِينَ ٱلْبَشَرَ فِي مَجِيئِهِ ٱلْأَوَّلِ، بَلْ لِيُخَلِّصَهُمْ، لِأَنَّ "ٱلْآبَ لَا يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ أَوْلَى ٱلْقَضَاءَ كُلَّهُ لِلِابْنِ" (يوحنا 5: 22). وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ ظُهُورَ ٱلْمَسِيحِ يَكْشِفُ مَا فِي قُلُوبِ ٱلنَّاسِ، فَيُظْهِرُ مَنْ يَقْبَلُ ٱلنُّورَ وَمَنْ يَرْفُضُهُ. فَهُوَ ٱلنُّورُ، وَعِنْدَمَا يَظْهَرُ ٱلنُّورُ يَنْكَشِفُ مَنْ يَسِيرُ فِيهِ وَمَنْ يَبْقَى فِي ٱلظُّلْمَةِ، كَمَا تَنَبَّأَ سمعان الشيخ قَائِلًا: "هَا إِنَّهُ جُعِلَ لِسُقُوطِ كَثِيرِينَ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ" (لوقا 2: 34).

 

أَمَّا كَلِمَةُ "لِدَيْنُونَةٍ" فَفِي ٱلأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ κρίμα، وَتَعْنِي حُكْمًا أَوْ قَضَاءً. وَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَجِيءَ ٱلْمَسِيحِ يَضَعُ ٱلْإِنْسَانَ أَمَامَ قَرَارٍ: إِمَّا قَبُولُ ٱلنُّورِ وَٱلْحَيَاةِ، وَإِمَّا ٱلْبَقَاءُ فِي ٱلظُّلْمَةِ. فَفِي مَجِيئِهِ ٱلْأَوَّلِ جَاءَ لِلْخَلَاصِ، أَمَّا فِي مَجِيئِهِ ٱلثَّانِي فَسَيَكُونُ لِلدَّيْنُونَةِ ٱلنِّهَائِيَّةِ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى فَإِنَّ ٱلدَّيْنُونَةَ هِيَ فِي ٱلْوَاقِعِ ٱلِانْفِصَالُ عَنِ ٱلْمَسِيحِ، لِأَنَّهُ هُوَ ٱلنُّورُ وَٱلْحَيَاةُ وَٱلْفَرَحُ وَٱلسَّلَامُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لِكَيْ يُبْصِرَ ٱلَّذِينَ لَا يُبْصِرُونَ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلَّذِينَ كَانُوا فِي ظُلْمَةِ ٱلْجَهْلِ وَٱلضَّعْفِ، لَكِنَّهُمْ قَبِلُوا ٱلنُّورَ بِتَوَاضُعٍ وَإِيمَانٍ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِمُ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى فَشَفَاهُ ٱلْمَسِيحُ، وَكَذٰلِكَ المرأة السامرية وَسَائِرُ ٱلْمُتَوَاضِعِينَ ٱلَّذِينَ نَالُوا ٱلْبَصِيرَةَ ٱلرُّوحِيَّةَ فَعَرَفُوا طَرِيقَ ٱلْحَقِّ وَٱلْخَلَاصِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَيَعْمَى ٱلَّذِينَ يُبْصِرُونَ" فَتُشِيرُ إِلَى الفِرِّيسيُّونَ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ أَنْفُسَهُمْ مُسْتَنِيرِينَ وَحُكَمَاءَ فِي أَعْيُنِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ يسوع المسيح: " أَحْمَدُكَ يَا أَبَتِ رَبَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ لِأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ عَنِ ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْأَذْكِيَاءِ وَكَشَفْتَهَا لِلصِّغَارِ" (لوقا 10: 21). وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ لَدَيْهِمْ "مِفْتَاحَ ٱلْمَعْرِفَةِ" (لوقا 11: 52)، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَرَوْا ٱلنُّورَ ٱلَّذِي جَاءَ بِهِ ٱلْمَسِيحُ، ٱلَّذِي قَالَ: " أَنَا نُورُ ٱلْعَالَمِ"(يوحنا 9: 5). وَلَمْ يَكُنْ رَفْضُهُمْ لِلْمَسِيحِ نَاتِجًا عَنْ جَهْلٍ فَقَط، بَلْ عَنْ تَجَاهُلٍ لِلْحَقِّ وَعَنْ إِغْلَاقِ قُلُوبِهِمْ أَمَامَ ٱلنُّورِ. وَبِذٰلِكَ يَحْكُمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِٱلْبَقَاءِ فِي ٱلظُّلْمَةِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: "مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَقَدْ دِينَ مُنْذُ ٱلآنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللَّهِ ٱلْوَحِيدِ" (يوحنا 3: 18).

 

40"فَسَمِعَهُ بَعْضُ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ ٱلَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فَقَالُوا لَهُ: أَفَنَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱلْفِرِّيسِيِّينَ" إِلَى إِحْدَى ٱلْجَمَاعَاتِ ٱلْيَهُودِيَّةِ ٱلرَّئِيسِيَّةِ فِي زَمَنِ يَسُوعَ، وَهِيَ جَمَاعَةُ "ٱلْفِرِّيسِيِّينَ". وَيُرَجَّحُ أَنَّ ٱسْمَهُمْ مُشْتَقٌّ مِنَ ٱللُّغَةِ ٱلآرَامِيَّةِ הַפְּרוּשִׁים أَيْ "ٱلْمُنْفَصِلُونَ" أَو "ٱلْمُنْعَزِلُونَ"، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مُتَمَيِّزِينَ بِحِفْظِ ٱلشَّرِيعَةِ وَٱلتَّقَالِيدِ. وَكَانُوا يُعَدُّونَ مِنْ قَادَةِ ٱلشَّعْبِ فِي ٱلأُمُورِ ٱلدِّينِيَّةِ، إِلَى جَانِبِ جَمَاعَتَيْ الصدوقيون وَالأسينيون. إِلَّا أَنَّ تَدَيُّنَهُمْ كَانَ فِي كَثِيرٍ مِنَ ٱلأَحْيَانِ ظَاهِرِيًّا شَكْلِيًّا، حَيْثُ حَصَرُوا ٱلصَّلَاحَ فِي ٱلِالْتِزَامِ ٱلْحَرْفِيِّ بِٱلشَّرِيعَةِ، دُونَ ٱلِاهْتِمَامِ بِتَجْدِيدِ ٱلْقَلْبِ. لِذٰلِكَ وَبَّخَهُم يسوع المسيح بِشِدَّةٍ عَلَى رِيَائِهِمْ وَتَظَاهُرِهِمْ بِٱلْبِرِّ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَثْقِلُونَ ٱلنَّاسَ بِأَحْمَالٍ ثَقِيلَةٍ مِنَ ٱلْفَرَائِضِ وَٱلتَّقَالِيدِ، بَيْنَمَا يُهْمِلُونَ جَوْهَرَ ٱلشَّرِيعَةِ (متى 5: 20؛ 16: 6، 11–12؛ 23: 1–39). وَمِنَ ٱللَّافِتِ فِي هٰذَا ٱلْمَشْهَدِ أَنَّ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي شُفِيَ أَمَامَ ٱلْجَمَاعَةِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَحَدَّثُوا مَعَهُ مُبَاشَرَةً. فَكَانُوا يُصْدِرُونَ ٱلْأَحْكَامَ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يُصْغُوا إِلَى شَهَادَتِهِ.

 

أَمَّا قَوْلُهُمْ "أَفَنَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟" فَهُوَ سُؤَالٌ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ نَبْرَةَ سُخْرِيَةٍ وَتَهَكُّمٍ، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَنَحْنُ، نَحْنُ عُلَمَاءَ ٱلشَّرِيعَةِ وَمُعَلِّمِي ٱلشَّعْبِ، نَكُونُ عُمْيَانًا؟ وَهُمْ أَدْرَكُوا أَنَّ يَسُوعَ يَتَكَلَّمُ عَنْ ٱلْعَمَى ٱلرُّوحِيِّ، فَسَأَلُوهُ هٰذَا ٱلسُّؤَالَ بِنَوْعٍ مِنَ ٱلِاسْتِنْكَارِ وَٱلتَّعَالِي. وَيَدُلُّ هٰذَا ٱلْمَوْقِفُ عَلَى كِبْرِيَائِهِمْ وَثِقَتِهِمْ ٱلْمُفْرِطَةِ بِأَنْفُسِهِمْ، إِذْ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ أَنْفُسَهُمْ حُكَمَاءَ وَأَصْحَابَ مَعْرِفَةٍ. وَفِي هٰذَا يُعَلِّق يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا إِنَّ قَوْلَهُمْ: "أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟" يُشْبِهُ مَا قَالُوهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: "إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لِأَحَدٍ قَطّ " وَإِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًى" (يُوحَنَّا 8: 33، 41)، فَهُمْ دَائِمًا يَحْتَجُّونَ بِٱمْتِيَازَاتِهِمْ لِيُنْكِرُوا حَاجَتَهُمْ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلْخَلَاصِ. وَلَكِنَّ ٱلْكِتَابَ ٱلْمُقَدَّسَ يُؤَكِّدُ أَنَّ ٱلشَّرِيعَةَ نَفْسَهَا تُظْهِرُ ضَعْفَ ٱلْإِنْسَانِ وَحَاجَتَهُ إِلَى نِعْمَةِ ٱللَّهِ، كَمَا يَقُولُ بولس الرسول: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَقُولُهُ ٱلشَّرِيعَةُ إِنَّمَا تَقُولُهُ لِلَّذِينَ هُمْ فِي حُكْمِ ٱلشَّرِيعَةِ، لِكَيْ يُخْرَسَ كُلُّ لِسَانٍ، وَلِكَيْ يَعْرِفَ ٱلْعَالَمُ كُلُّهُ أَنَّهُ مُذْنِبٌ أَمَامَ ٱللَّهِ" (رومة 3: 19). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا ٱلسُّؤَالُ عَنْ مُفَارَقَةٍ عَمِيقَةٍ: فَالَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُبْصِرُونَ هُمُ ٱلَّذِينَ يَبْقَوْنَ فِي ٱلْعَمَى، أَمَّا ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى فَقَدْ أَصْبَحَ بَصِيرًا بِٱلْإِيمَانِ.

 

41 "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَ عَلَيْكُمْ خَطِيئَةٌ، وَلَكِنَّكُمْ تَقُولُونَ الآن: إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيئَتُكُمْ ثَابِتَةٌ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَ عَلَيْكُمْ خَطِيئَةٌ" إِلَى مَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّيهِ عَمَى ٱلْجَهْلِ، أَيْ ٱلْعَدَمِ ٱلْمُذْنِبِ فِي ٱلْمَعْرِفَةِ. فَلَوْ كَانَ الفِرِّيسيُّونَ عُمْيَانًا رُوحِيًّا عَمَى جَهْلٍ، عَلَى مِثَالِ ٱلرَّجُلِ ٱلَّذِي وُلِدَ أَعْمَى وَشُفِيَ، لَمَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ خَطِيئَةٌ، لِأَنَّ ٱلْمَسْؤُولِيَّةَ ٱلْأَخْلَاقِيَّةَ تَتَنَاسَبُ مَعَ مِقْدَارِ ٱلْمَعْرِفَةِ وَٱلْإِدْرَاكِ. فَٱلْإِنْسَانُ ٱلَّذِي لَا يَعْرِفُ ٱلْحَقَّ بَعْدُ لَا يُحَاسَبُ كَمَنْ يَعْرِفُهُ ثُمَّ يَرْفُضُهُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَلَكِنَّكُمْ تَقُولُونَ الآنَ: إِنَّنَا نُبْصِرُ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱعْتِقَادِ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ أَنَّهُمْ يَمْتَلِكُونَ مَعْرِفَةَ ٱلْحَقِّ، لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلشَّرِيعَةِ وَٱلنُّبُوَّاتِ وَمُعَلِّمُو ٱلشَّعْبِ. كَانُوا يَعْتَمِدُونَ بِعُجْبٍ عَلَى مَا لَدَيْهِمْ مِنْ ٱمْتِيَازَاتٍ دِينِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِـ يسوع المسيح ٱلَّذِي وَحْدَهُ قَادِرٌ أَنْ يُنْقِذَ ٱلْإِنْسَانَ مِنَ ٱلْخَطِيئَةِ. فَعَمَى ٱلْكِبْرِيَاءِ وَٱلِاكْتِفَاءِ ٱلذَّاتِيِّ مَنَعَهُمْ مِنْ رُؤْيَةِ ٱلْحَقِّ، وَبِسَبَبِ ذٰلِكَ يَحِلُّ عَلَيْهِمْ مَا قَالَهُ ٱلْإِنْجِيلُ: "مَنْ آمَنَ بِٱلِابْنِ فَلَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِٱلِابْنِ لَا يَرَى ٱلْحَيَاةَ، بَلْ يَحِلُّ عَلَيْهِ غَضَبُ ٱللَّهِ"(يوحنا 3: 36). إِنَّ الخَطِيئَةَ لَيْسَتْ فِي أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ أَعْمَى، بَلْ فِي أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ يُبْصِرُ؛ فَبِهٰذَا الاِدِّعَاءِ يُغْلِقُ قَلْبَهُ أَمَامَ نُورِ اللهِ، وَيَمْنَعُ الرَّبَّ مِنْ أَنْ يُنِيرَهُ، وَيُكَلِّمَهُ، وَيَشْفِيَهُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَخَطِيئَتُكُمْ ثَابِتَةٌ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ خَطِيئَتَهُمْ تَبْقَى قَائِمَةً وَمُسْتَمِرَّةً، لِأَنَّهُمْ يَرْفُضُونَ ٱلنُّورَ عَنْ وَعْيٍ وَإِدْرَاكٍ. فَقَدْ أُعْطُوا ٱمْتِيَازَاتٍ كَثِيرَةً: ٱلشَّرِيعَةَ وَٱلنُّبُوَّاتِ وَمَعْرِفَةَ ٱللَّهِ، لَكِنَّهُمْ مَعَ ذٰلِكَ أَغْلَقُوا قُلُوبَهُمْ وَٱدَّعَوْا أَنَّهُمْ مُبْصِرُونَ وَقَادِرُونَ عَلَى تَمْيِيزِ ٱلْحَقِّ، فَصَارَ عَمَاهُمْ أَعْظَمَ. وَفِي هٰذَا ٱلْمَعْنَى يُشْبِهُ مَوْقِفُهُمْ مَوْقِفَ فرعون ٱلَّذِي رَأَى ٱلْآيَاتِ وَٱلْعَجَائِبَ ٱلَّتِي صَنَعَهَا ٱللَّهُ عَلَى يَدَيْ موسى النبي وَهارون، وَمَعَ ذٰلِكَ قَسَّى قَلْبَهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَرَى عَمَلَ ٱللَّهِ (خروج 11: 10). وَيَلْفِتُ ٱلنَّظَرَ أَنَّ قِصَّةَ شِفَاءِ ٱلْأَعْمَى فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا تَبْدَأُ وَتَنْتَهِي بِمَوْضُوعِ ٱلْخَطِيئَةِ وَٱلْعَمَى. فَفِي ٱلْبِدَايَةِ أَوْضَحَ يسوع المسيح أَنَّ ٱلْعَمَى ٱلْجَسَدِيَّ لَا يَرْتَبِطُ بِٱلْخَطِيئَةِ، حِينَ قَالَ عَنِ ٱلْأَعْمَى: "لَا هٰذَا خَطِئَ وَلَا وَالِدَاهُ" (يوحنا 9: 3). أَمَّا فِي خِتَامِ ٱلرِّوَايَةِ فَيُظْهِرُ ٱلْعَلَاقَةَ بَيْنَ ٱلْخَطِيئَةِ وَٱلْعَمَى ٱلرُّوحِيِّ، لِأَنَّ ٱلْفِرِّيسِيِّينَ بِإِرَادَتِهِمْ رَفَضُوا ٱلنُّورَ وَأَغْلَقُوا أَعْيُنَهُمْ عَنِ ٱلْمَسِيحِ، فَبَقِيَتْ خَطِيئَتُهُمْ عَلَيْهِمْ. وَيَبْلُغُ هٰذَا ٱلرَّفْضُ أَقْصَى دَرَجَاتِهِ عِنْدَمَا يُصْبِحُ تَجَاهُلُ ٱلْحَقِّ وَمُقَاوَمَةُ عَمَلِ ٱللَّهِ فِي ٱلْإِنْسَانِ نَوْعًا مِنَ ٱلتَّجْدِيفِ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: "أَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فَلَا غُفْرَانَ لَهُ أَبَدًا، بَلْ هُوَ مُذْنِبٌ بِخَطِيئَةٍ لِلْأَبَدِ" (مرقس 3: 29). فَالخَطِيئَةُ، بِالنِّسْبَةِ لِيُوحَنَّا الإِنْجِيلِيِّ، هِيَ فِي جَوْهَرِهَا خَطِيئَةٌ وَاحِدَةٌ: عَدَمُ الإِيمَانِ. فَلَيْسَتِ الخَطِيئَةُ فِي ضَعْفِ الإِنْسَانِ أَوْ جَهْلِهِ، بَلْ فِي رَفْضِهِ أَنْ يَقْبَلَ النُّورَ الَّذِي أَتَى بِهِ المَسِيحُ إِلَى العَالَم. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ يَسُوعُ: «أَمَّا الخَطِيئَةُ فَهِيَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِي» (يُوحَنَّا 16: 9). فَعَدَمُ الإِيمَانِ هُوَ إِغْلَاقُ القَلْبِ أَمَامَ نُورِ اللهِ، وَهُوَ السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ لِبَقَاءِ الإِنْسَانِ فِي الظُّلْمَةِ. وَهٰكَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ ٱلْخَاطِئَ ٱلْحَقِيقِيَّ فِي هٰذِهِ ٱلرِّوَايَةِ لَيْسَ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي كَانَ أَعْمَى، بَلِ ٱلَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مُبْصِرُونَ، فَرَفَضُوا أَنْ يُؤْمِنُوا بِـ يسوع المسيح ٱلنَّبِيِّ وَٱبْنِ ٱللَّهِ ٱلْحَيِّ ٱلْقَادِرِ أَنْ يَشْفِيَ ٱلْإِنْسَانَ وَيُنِيرَ قَلْبَهُ.

 

 

ثانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيّ

 

بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (يُوحَنَّا 9: 1–41)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مُعْجِزَةِ شِفَاءِ الأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ. وَهِيَ وَاحِدَةٌ مِنَ السَّبْعِ الآيَاتِ الَّتِي اخْتَارَهَا يوحنا الرسول لِيُدَوِّنَهَا فِي إنجيل يوحنا، لِتَكُونَ عَلامَاتٍ كَاشِفَةً لِهُوِيَّةِ يسوع المسيح وَرِسَالَتِهِ الخَلاَصِيَّةِ. وَهٰذِهِ الآيَاتُ هِيَ: مُعْجِزَةُ عُرْسِ قَانَا الجَلِيلِ (يُوحَنَّا 2: 1–11)، حَيْثُ حَوَّلَ يَسُوعُ المَاءَ إِلَى خَمْرٍ، مُعْلِنًا بَدَايَةَ ظُهُورِ مَجْدِهِ. وشِفَاءُ ابْنِ عَامِلِ المَلِكِ (يُوحَنَّا 4: 46–54)، حَيْثُ أَظْهَرَ قُدْرَةَ كَلِمَتِهِ عَلَى الشِّفَاءِ عَنْ بُعْدٍ. وشِفَاءُ مَقْعَدِ بَرْكَةِ بَيْتِ حِسْدَا عِنْدَ بَابِ الغَنَمِ (يُوحَنَّا 5: 1–9)، وَهُوَ إِعْلَانٌ عَنْ قُدْرَةِ المَسِيحِ عَلَى تَجْدِيدِ الحَيَاةِ. ومُعْجِزَةُ تَكْثِيرِ الخُبْزِ وَالسَّمَكَتَيْنِ (يُوحَنَّا 6: 1–15)، وَتَتْبَعُهَا مَعْجِزَةُ المَشْيِ عَلَى المَاءِ (يُوحَنَّا 6: 16–21)، وَفِيهَا يَظْهَرُ المَسِيحُ رَبًّا عَلَى الخَلِيقَةِ. وشِفَاءُ الأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ (يُوحَنَّا 9: 1–41)، وَهِيَ آيَةُ الاِنْتِقَالِ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ. وأخيرًا إِقَامَةُ لِعَازَرَ مِنَ المَوْتِ (يُوحَنَّا 11: 1–44)، وَفِيهَا يُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّهُ القِيَامَةُ وَالحَيَاةُ.

 

وَتُبَيِّنُ مُعْجِزَةُ شِفَاءِ الأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ أَعْمَالِ اللهِ فِي ابْنِ الإِنْسَانِ، أَيْ فِي شَخْصِ يسوع المسيح. فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شِفَاءٍ جَسَدِيٍّ، بَلْ عَلامَةٌ لاهُوتِيَّةٌ تَكْشِفُ عَمَلَ اللهِ الخَلاَصِيَّ فِي التَّارِيخِ. فَكَمَا أَنَّ الأَعْمَى انْتَقَلَ مِنْ ظُلْمَةِ العَمَى إِلَى نُورِ البَصَرِ، كَذٰلِكَ يَدْعُو المَسِيحُ الإِنْسَانَ كُلَّهُ لِلِانْتِقَالِ مِنْ ظُلْمَةِ الخَطِيئَةِ وَالجَهْلِ إِلَى نُورِ الإِيمَانِ وَالحَيَاةِ.  وَهٰكَذَا تُصْبِحُ هٰذِهِ المُعْجِزَةُ رَمْزًا لِلمَسِيرَةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي يَقُودُ فِيهَا المَسِيحُ الإِنْسَانَ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ المَوْتِ إِلَى الحَيَاةِ.

 

1. شِفَاءُ الأَعْمَى: آيَةٌ مِن آيَاتِ عَمَلِ الله

 

اِنْفَرَدَ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا بِرِوَايَةِ مُعْجِزَةِ شِفَاءِ الأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي ذُكِرَ أَنَّ يَسُوعَ صَنَعَهَا فِي مَنْطِقَةِ الْيَهُودِيَّةِ. وَتَدْخُلُ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ فِي إِطَارِ الآيَاتِ الْمَسِيحَانِيَّةِ الَّتِي كَانَ الْيَهُودُ يَنْتَظِرُونَ تَحَقُّقَهَا عِنْدَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ، وَفْقًا لِنُبُوَّةِ أَشَعْيَا النَّبِيِّ: "وَفِي ذٰلِكَ الْيَوْمِ يَسْمَعُ الصُّمُّ أَقْوَالَ الْكِتَابِ، وَتُبْصِرُ عُيُونُ الْعُمْيَانِ بَعْدَ الدَّيْجُورِ وَالظَّلَامِ"(أَشَعْيَا 29: 18).

 

وَقَدْ أَشَارَ يَسُوعُ إِلَى هٰذِهِ الآيَاتِ عِنْدَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ تَلَامِيذُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ يَسْأَلُونَ عَنْ هُوِيَّتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ:
«
"اِذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعُونَ وَتَرَوْنَ: الْعُمْيَانُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْفُقَرَاءُ يُبَشَّرُونَ"(مَتَّى 11: 4–5). فَكَانَتْ هٰذِهِ الْمُعْجِزَةُ عَلامَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ الْمَوْعُودُ.

 

وَقَدْ أَثْبَتَ يَسُوعُ عَلانِيَّةً فِي عِيدِ الْمِظَالِّ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّهُ "نُورُ الْعَالَمِ" حِينَ شَفَى الرَّجُلَ الْمَوْلُودَ أَعْمَى قُرْبَ الْهَيْكَلِ. فَقَوْلُهُ إِنَّهُ "نُورُ الْعَالَمِ" لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ وَصْفٍ لَاهُوتِيٍّ، بَلْ يُظْهِرُ أَيْضًا انْقِسَامَ الْبَشَرِ أَمَامَهُ: فَالْبَعْضُ يَقْبَلُ النُّورَ وَيُؤْمِنُ، وَالْبَعْضُ يَرْفُضُهُ. فَقَدْ آمَنَ الأَعْمَى بِهِ، فَانْتَقَلَ أَوَّلًا مِنْ ظُلْمَةِ الْعَمَى الْجَسَدِيِّ إِلَى نُورِ الْبَصَرِ، ثُمَّ مِنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ الرُّوحِيِّ إِلَى نُورِ الإِيمَانِ.

 

دُونَ أَنْ يَطْلُبَ الرَّجُلُ الأَعْمَى مَالًا أَوْ طَعَامًا أَوْ حَتَّى شِفَاءً، يَأْتِي يَسُوعُ وَيَخْتَارُهُ بِمُبَادَرَةٍ مَجَّانِيَّةٍ، فَيَمْنَحُهُ نُورَ البَصَرِ وَنُورَ البَصِيرَةِ مَعًا. فَالْمُعْجِزَةُ لَيْسَتْ اسْتِجَابَةً لِطَلَبٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ تَجَلٍّ لِمُبَادَرَةِ النِّعْمَةِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي تَسْبِقُ الإِنْسَانَ. فَاللهُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ دَائِمًا، وَيَقْتَرِبُ مِنَ الإِنْسَانِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهُ الإِنْسَانُ. وَبِهٰذَا يَتَحَوَّلُ شِفَاءُ الأَعْمَى مِنْ مُجَرَّدِ عَلاَجٍ جَسَدِيٍّ إِلَى عَلاَمَةٍ لاهُوتِيَّةٍ تُظْهِرُ أَنَّ المَسِيحَ جَاءَ لِيُعْطِي الإِنْسَانَ نُورَ الحَيَاةِ، وَيَقُودَهُ مِنْ ظُلْمَةِ العَمَى إِلَى نُورِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ اللهِ.

 

وَيُقَدِّمُ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ هٰذَا الشِّفَاءَ كَآيَةٍ مِنْ آيَاتِ عَمَلِ اللهِ. فَقَدْ وَضَعَ يَسُوعُ هٰذَا الْحَدَثَ فِي إِطَارِ عَمَلِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ، حِينَ قَالَ: "لَا هٰذَا خَطِئَ وَلَا وَالِدَاهُ، وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ فِيهِ أَعْمَالُ اللهِ" (يُوحَنَّا 9: 3). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ إِيرِينَاوُسُ اللِّيُونِيُّ عَلَى هٰذَا الْمَشْهَدِ قَائِلًا: " إِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُعِدْ بَصَرَ الأَعْمَى بِكَلِمَةٍ فَقَطْ، بَلْ مِنْ خِلَالِ عَمَلٍ مَلْمُوسٍ، لِيُظْهِرَ يَدَ اللهِ الْخَالِقَةَ الَّتِي جَبَلَتِ الإِنْسَانَ مُنْذُ الْبَدْءِ. فَالَّذِي شَكَّلَ الإِنْسَانَ مِنَ التُّرَابِ فِي الْخَلِيقَةِ الأُولَى، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُجَدِّدُهُ الآنَ فِي الْخَلِيقَةِ الْجَدِيدَةِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ حِينَ يَقُولُ عَنِ الْمَسِيحِ: "هُوَ صُورَةُ اللهِ الَّذِي لَا يُرَى، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ... فَفِيهِ خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ... كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ بِهِ وَلَهُ" (قُولُسِّي 1: 15–16).

 

وَعِنْدَمَا رَدَّ يَسُوعُ إِلَى الأَعْمَى بَصَرَهُ، أَوْضَحَ أَنَّهُ يَقُومُ بِعَمَلِ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَهُ، فَقَالَ: "يَجِبُ عَلَيْنَا، مَا دَامَ النَّهَارُ، أَنْ نَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يُوحَنَّا 9: 4).  وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ أَعْمَالَ الْمَسِيحِ لَا تَهْدِفُ إِلَّا إِلَى إِظْهَارِ عَمَلِ الآبِ، كَمَا قَالَ أَيْضًا: "أَرَيْتُكُمْ كَثِيرًا مِنَ الأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ مِنْ عِنْدِ الآبِ"(يُوحَنَّا 10: 32). وَمِنْ هُنَا فَهِمَ الْيَهُودُ خُطُورَةَ مَا يَقُولُهُ يَسُوعُ، فَاشْتَدَّ سَعْيُهُمْ لِقَتْلِهِ، "لأَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى اسْتِبَاحَةِ حُرْمَةِ السَّبْتِ، بَلْ قَالَ إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، فَسَاوَى نَفْسَهُ بِاللهِ" (يُوحَنَّا 5: 18).

 

إِنَّ أَعْمَالَ اللهِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا يَسُوعُ تَكْشِفُ هُوِيَّتَهُ كَابْنِ اللهِ. فَجَوْهَرُ الْمُعْجِزَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ شِفَاءٍ جَسَدِيٍّ، بَلْ إِعْلَانُ وَحْدَةِ الْعَمَلِ وَوَحْدَةِ الْكِيَانِ بَيْنَ الآبِ وَالابْنِ. فَالابْنُ يَعْمَلُ أَعْمَالَ الآبِ، وَمَنْ يَرَى أَعْمَالَ الابْنِ يَرَى أَعْمَالَ الآبِ. وَهٰذَا مَا أَوْضَحَهُ يَسُوعُ لِتِلْمِيذِهِ فِيلِبُّسَ قَائِلًا: "أَمَا تُؤْمِنُ أَنِّي فِي الآبِ وَأَنَّ الآبَ فِيَّ؟ إِنَّ الْكَلامَ الَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ لَا أَقُولُهُ مِنْ عِنْدِي، بَلِ الآبُ الْمُقِيمُ فِيَّ يَعْمَلُ أَعْمَالَهُ" (يُوحَنَّا 14: 10).

 

وَقَدْ شَهِدَ الأَعْمَى لِيَسُوعَ عَلَى مَرَاحِلَ مُتَدَرِّجَةٍ. فِي الْمَرْحَلَةِ الأُولَى اعْتَرَفَ بِهِ نَبِيًّا، حِينَ قَالَ لِلْفِرِّيسِيِّينَ:
"إِنَّهُ نَبِيٌّ" (يُوحَنَّا 9: 17). وَفِي الْمَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ أَعْلَنَ أَنَّهُ مِنَ اللهِ، فَقَالَ: "فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هٰذَا الرَّجُلُ مِنَ اللهِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا"(يُوحَنَّا 9: 33). وَفِي الْمَرْحَلَةِ الثَّالِثَةِ احْتَمَلَ الاضْطِهَادَ مِنْ أَجْلِ شَهَادَتِهِ، فَطُرِدَ مِنَ الْمَجْمَعِ، كَمَا سَبَقَ أَنْ تَنَبَّأَ يَسُوعُ قَائِلًا: "إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا"(يُوحَنَّا 15: 20). أَمَّا الْمَرْحَلَةُ الأَخِيرَةُ فَهِيَ مَرْحَلَةُ الإِيمَانِ الْكَامِلِ، حِينَ قَالَ لِيَسُوعَ: "آمَنْتُ يَا رَبُّ" وَسَجَدَ لَهُ (يُوحَنَّا 9: 38). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى هٰذَا الْمَشْهَدِ قَائِلًا:" إِنَّ الأَعْمَى لَمْ يَسْتَعِدْ بَصَرَهُ فَقَطْ، بَلْ نَالَ أَيْضًا بَصِيرَةَ الإِيمَانِ، فَرَأَى فِي يَسُوعَ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِنْسَانٍ أَوْ نَبِيٍّ، بَلِ الرَّبَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ السُّجُودَ". إنَّ الإِيمَانَ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِنَيْلِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. لِذٰلِكَ كَتَبَ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ: "لِتُؤْمِنُوا بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِتَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ الْحَيَاةُ بِاسْمِهِ" (يُوحَنَّا 20: 31). 

 

وَفِي خِتَامِ الرِّوَايَةِ لَخَّصَ يَسُوعُ مَعْنَى هٰذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: "إِنِّي جِئْتُ هٰذَا الْعَالَمَ لِإِصْدَارِ حُكْمٍ: أَنْ يُبْصِرَ الَّذِينَ لَا يُبْصِرُونَ، وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ"(يُوحَنَّا 9: 39). فَالنُّورُ الَّذِي أَتَى بِهِ الْمَسِيحُ يَكْشِفُ قُلُوبَ الْبَشَرِ: فَالْمُتَوَاضِعُونَ يَنَالُونَ النُّورَ، أَمَّا الْمُتَكَبِّرُونَ فَيَبْقَوْنَ فِي الظُّلْمَةِ.

 

مِنْ هٰذِهِ الرِّوَايَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ نَسْتَنْتِجُ عِدَّةَ دُرُوسٍ رُوحِيَّةٍ:

 

أَوَّلًا: لَا يَجُوزُ أَنْ نَحْتَقِرَ الْمَرْضَى أَوِ الْمُصَابِينَ كَأَنَّ مُصِيبَتَهُمْ عِقَابٌ مِنَ اللهِ، بَلْ وَاجِبُنَا أَنْ نُقَابِلَهُمْ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ.

 

ثَانِيًا: لَا يَجُوزُ أَنْ نَنْسِبَ كُلَّ مُصِيبَةٍ إِلَى خَطِيئَةٍ شَخْصِيَّةٍ، كَمَا فَعَلَ أَصْدِقَاءُ أَيُّوبَ الْبَارِّ. فَقَدْ يَسْمَحُ اللهُ أَحْيَانًا بِالآلَامِ لِخَيْرٍ أَعْظَمَ وَلِإِظْهَارِ مَجْدِهِ.

 

ثَالِثًا: يَنْبَغِي لِلْمُجَرَّبِينَ أَنْ يَتَسَلَّحُوا بِالصَّبْرِ، لِأَنَّ قَصْدَ اللهِ فِي التَّجَارِبِ قَدْ لَا يَتَّضِحُ إِلَّا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَرُبَّمَا لَا يَنْكَشِفُ كَامِلًا إِلَّا فِي الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.

 

وَهٰكَذَا تَبْقَى مُعْجِزَةُ شِفَاءِ الأَعْمَى عَلامَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً: فَهِيَ لَا تَكْشِفُ فَقَطْ قُدْرَةَ الْمَسِيحِ عَلَى شِفَاءِ الْجَسَدِ، بَلْ تَكْشِفُ قُدْرَتَهُ أَيْضًا عَلَى إِنَارَةِ قَلْبِ الإِنْسَانِ وَإِدْخَالِهِ فِي نُورِ الإِيمَانِ وَالْخَلَاصِ.

 

2. شِفَاءُ الأَعْمَى: آيَةٌ لِلِانْتِقَالِ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ

 

فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا يُقَدِّمُ يسوع المسيح ذَاتَهُ فِي صُوَرٍ لاهُوتِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَكْشِفُ هُوِيَّتَهُ الخَلاَصِيَّةَ. فَقَدْ أَعْلَنَ أَوَّلًا أَنَّهُ الْمَاءُ الحَيّ: "لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ: أَعْطِينِي لِأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا"(يوحنا 4: 10)، ثُمَّ أَعْلَنَ أَنَّهُ خُبْزُ الحَيَاةِ: "أَنَا خُبْزُ الحَيَاةِ، مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلا يَجُوعُ" (يوحنا 6: 35)، وَأَمَّا فِي قِصَّةِ شِفَاءِ الأَعْمَى فَيُعْلِنُ هُوِيَّتَهُ قَائِلًا: "مَا دُمْتُ فِي العَالَمِ فَأَنَا نُورُ العَالَمِ" (يوحنا 9: 5).

 

وَيُشِيرُ هٰذَا الإِعْلَانُ إِلَى أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرَضِ نَظْرَةً بَشَرِيَّةً فَقَطْ، بَلْ كَانَ يَسْتَخْدِمُ الشِّفَاءَ كَآيَةٍ تُرْشِدُ الإِنْسَانَ إِلَى النُّورِ الحَقِيقِيِّ. فَالشِّفَاءُ الجَسَدِيُّ يُصْبِحُ عَلامَةً تُقَوْدُ إِلَى الإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ وَحْدَهُ سَبِيلُ الخَلاَصِ، كَمَا قَالَ: "أَنَا نُورُ العَالَمِ، مَنْ يَتْبَعْنِي لا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحَيَاةِ" (يوحنا 8: 12).

 

إِنَّ النُّورَ هُوَ عَطِيَّةُ الْمَسِيحِ لِمَنْ يَطْلُبُهُ. وَهٰذَا مَا نَرَاهُ فِي شِفَاءِ الرَّجُلِ الأَعْمَى، فَحِينَ انْفَتَحَ بَصَرُهُ انْفَتَحَ قَلْبُهُ أَيْضًا لِيَعْرِفَ الرَّبَّ. فَهُوَ لَمْ يَطْلُبْ مُجَرَّدَ بَصَرٍ جَسَدِيٍّ، بَلْ طَلَبَ أَنْ يَرَى الطَّرِيقَ لِيَسِيرَ فِيهِ. وَهٰذَا الطَّرِيقُ هُوَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ، الَّذِي قَالَ: "أَنَا الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ" (يوحنا 14: 6). وَقَدْ أَصَابَ الْمَثَلُ الْقَائِلُ: "العُيُونُ نَوَافِذُ العَقْلِ وَالرُّوحِ". فَلَمَّا نَالَ الأَعْمَى شِفَاءَ البَصَرِ، انْفَتَحَ عَقْلُهُ وَقَلْبُهُ وَبَصِيرَتُهُ لِيَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْمَسِيحِ، فَاعْتَرَفَ بِهِ قَائِلًا:"آمَنْتُ يَا رَبُّ" وَسَجَدَ لَهُ (يوحنا 9: 38). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى هٰذَا الْمَشْهَدِ قَائِلًا: "لَمْ يَسْتَعِدِ الأَعْمَى بَصَرَهُ فَقَطْ، بَلْ أضئت عَيْنَا قَلْبِهِ أَيْضًا، فَرَأَى فِي يَسُوعَ الرَّبَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ السُّجُودَ".  فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ نُورِ العَيْنِ إِلَى نُورِ القَلْبِ.

 

وَقَدِ انْتَقَلَ الأَعْمَى بِفِعْلِ الإِيمَانِ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ: مِنْ ظُلْمَةِ العَمَى إِلَى نُورِ البَصَرِ، وَمِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إِلَى نُورِ الحَيَاةِ. فَمَوْضُوعُ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ يُعَدُّ مِنَ الْمَوَاضِيعِ الرَّئِيسِيَّةِ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا. فَقَدْ كُتِبَ فِي مُقَدِّمَتِهِ: "النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ"(يوحنا 1: 5)، وَشَهِدَ لِهٰذَا النُّورِ يوحنا المعمدان قَائِلًا:"لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ بَلْ جَاءَ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ"(يوحنا 1: 8). وَعِنْدَمَا جَاءَ الْمَسِيحُ إِلَى الْعَالَمِ تَحَقَّقَ الرَّجَاءُ الْمَسِيحَانِيُّ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ النبي أشعيا قَائِلًا:"فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ تُبْصِرُ عُيُونُ العُمْيَانِ بَعْدَ الدَّيْجُورِ وَالظَّلامِ"(أشعيا 29: 18). وَبِمَا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ النُّورُ الآتِي إِلَى العَالَمِ، فَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يُنِيرَ قُلُوبَ النَّاسِ كَمَا يُنِيرُ عُيُونَهُمْ. لِذٰلِكَ قَالَ:"جِئْتُ أَنَا إِلَى العَالَمِ نُورًا فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِي لا يَبْقَى فِي الظُّلْمَةِ" (يوحنا 12: 46). فَرِسَالَةُ الْمَسِيحِ هِيَ إِنَارَةُ العُيُونِ وَالْقُلُوبِ مَعًا.

 

وَيُظْهِرُ هٰذَا الْمَشْهَدُ أَيْضًا كَيْفَ يَنْتَقِلُ الإِيمَانُ بِالإِنْسَانِ تَدْرِيجِيًّا. فَقَدْ تَدَرَّجَ إِيمَانُ الأَعْمَى فِي مَعْرِفَةِ يَسُوعَ: فِي الْبِدَايَةِ قَالَ عَنْهُ:"إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ" (يوحنا 9: 11). ثُمَّ اعْتَرَفَ بِهِ نَبِيًّا:"إِنَّهُ نَبِيٌّ" (يوحنا 9: 17). ثُمَّ أَعْلَنَ أَنَّهُ مِنَ اللهِ: "لَوْ لَمْ يَكُنْ هٰذَا الرَّجُلُ مِنَ اللهِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا" (يوحنا 9: 33). وَأَخِيرًا بَلَغَ ذِرْوَةَ الإِيمَانِ حِينَ قَالَ: "آمَنْتُ يَا رَبُّ" وَسَجَدَ لَهُ (يوحنا 9: 38). وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي تَفْسِيرِهِ لِهٰذِهِ الْحَادِثَةِ: "انْظُرُوا كَيْفَ صَعِدَ الأَعْمَى دَرَجَةً فَدَرَجَةً فِي مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ، حَتَّى بَلَغَ الإِيمَانَ الْكَامِلَ، بَيْنَمَا هَبَطَ الْفِرِّيسِيُّونَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى العَمَى".

 

أَمَّا الْجِيرَانُ فَقَدْ دَهِشُوا مِمَّا حَدَثَ، وَتَشَكَّكُوا فِي الأَمْرِ بِسَبَبِ عَظَمَةِ الْمُعْجِزَةِ. وَأَمَّا وَالِدَاهُ فَقَدْ آمَنَا، لَكِنَّهُمَا خَافَا أَنْ يَعْتَرِفَا بِذٰلِكَ خَشْيَةَ الطَّرْدِ مِنَ الْمَجْمَعِ. أَمَّا الْفِرِّيسِيُّونَ فَقَدْ رَأَوْا فِي مَجِيءِ يَسُوعَ النُّورِ أَمْرًا مُزْعِجًا، لأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَرَوُا الحَقِيقَةَ. فَتَحَقَّقَ فِيهِمْ قَوْلُ يَسُوعَ: "إِنَّ الدَّيْنُونَةَ هِيَ أَنَّ النُّورَ جَاءَ إِلَى العَالَمِ فَفَضَّلَ النَّاسُ الظُّلْمَةَ عَلَى النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً" (يوحنا 3: 19).

 

إِنَّ الأَعْمَى الحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَنْ فَقَدَ بَصَرَ العَيْنِ، بَلْ مَنْ يَرْفُضُ نُورَ الحَقِّ. فَالأَعْمَى الَّذِي شُفِيَ كَانَ يَبْصُرُ بِقَلْبِهِ، لِذٰلِكَ آمَنَ بِالْمَسِيحِ. وَهٰكَذَا أَصْبَحَ مَجِيءُ الْمَسِيحِ أَمْرًا حَاسِمًا، لأَنَّهُ يَكْشِفُ قُلُوبَ النَّاسِ. فَالَّذِينَ يَقْبَلُونَ النُّورَ يَنَالُونَ الإِيمَانَ، أَمَّا الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يُبْصِرُونَ فَيَبْقَوْنَ فِي الظُّلْمَةِ. لِذٰلِكَ خَتَمَ يَسُوعُ هٰذِهِ الرِّوَايَةَ بِقَوْلِهِ: "لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ عَلَيْكُمْ خَطِيئَةٌ، وَلَكِنَّكُمْ تَقُولُونَ الآنَ: إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيئَتُكُمْ ثَابِتَةٌ"(يوحنا 9: 41). أَمَّا الَّذِينَ يَقْبَلُونَ نُورَ الْمَسِيحِ، مِثْلَ هٰذَا الأَعْمَى، فَيَنْتَقِلُونَ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِ الإِيمَانِ، وَيَكْتَشِفُونَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، كَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "لِتُؤْمِنُوا بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِتَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ الحَيَاةُ بِاسْمِهِ" (يوحنا 20: 31). وَمِنْ هُنَا يَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي طَرَحَهُ يَسُوعُ عَلَى الأَعْمَى مُوَجَّهًا إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ:"أَتُؤْمِنُ أَنْتَ بِابْنِ الإِنْسَانِ؟"(يوحنا 9: 35).

 

الخُلاصَة

 

يَدُلُّ إِنْجِيلُ شِفَاءِ الأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ عَلَى طَرِيقِ الإِيمَانِ، وَهُوَ طَرِيقٌ يَبْدَأُ بِالسَّمَاعِ وَيَبْلُغُ إِلَى اللِّقَاءِ وَالسُّجُودِ. فَكَمَا آمَنَتِ المَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ لَمَّا أَعْلَنَ لَهَا يَسُوعُ أَنَّهُ المَسِيحُ المُنْتَظَرُ قَائِلًا: "أَنَا هُوَ، أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ" (يُوحَنَّا 4: 26)، كَذٰلِكَ آمَنَ الرَّجُلُ الأَعْمَى مُنْذُ مَوْلِدِهِ حِينَ وَجَّهَ إِلَيْهِ يَسُوعُ سُؤَالَهُ: : "أَتُؤْمِنُ أَنْتَ بِابْنِ الإِنْسَانِ؟"، فَأَجَابَ: "آمَنْتُ، يَا رَبُّ"، وَسَجَدَ لَهُ (يُوحَنَّا 9: 35–38).

 

لَقَدْ سَمِعَ الأَعْمَى كَلِمَةَ يَسُوعَ، فَآمَنَ، ثُمَّ سَجَدَ. وَإِذِ اغْتَسَلَ، أَبْصَرَ، فَلَمْ يَسْتَعِدْ بَصَرَ عَيْنَيْهِ فَقَطْ، بَلِ اسْتَعَادَ أَيْضًا بَصِيرَةَ قَلْبِهِ. وَهٰكَذَا تَغَيَّرَتْ حَيَاتُهُ، لِأَنَّهُ أَعْلَنَ إِيمَانَهُ بِالمَسِيحِ تَدْرِيجِيًّا: رَآهُ أَوَّلًا إِنْسَانًا، ثُمَّ نَبِيًّا، ثُمَّ رَبًّا وَابْنَ الإِنْسَانِ.

وَقَدْ أَظْهَرَ يَسُوعُ فِي هٰذِهِ المُعْجِزَةِ حَقِيقَةَ رِسَالَتِهِ، أَنَّهُ نُورُ العَالَمِ.  فَالأَعْمَى الَّذِي شُفِيَ آمَنَ بِهِ، أَمَّا الفِرِّيسِيُّونَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، بَلْ تَثَبَّتُوا فِي رَفْضِهِمْ. لِذٰلِكَ أَدَانَ يَسُوعُ عَمَاهُمْ بِتَعْبِيرٍ قَاسٍ وَوَاضِحٍ:"تَقُولُونَ الآنَ: إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيئَتُكُمْ ثَابِتَةٌ " (يُوحَنَّا 9: 41).

 

وَهٰكَذَا يَنْقَسِمُ العَالَمُ أَمَامَ يَسُوعَ إِلَى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ يَعْتَرِفُ بِعَمَاهُ فَيُؤْمِنُ وَيَقْبَلُ النُّورَ، وَفَرِيقٍ يَظُنُّ أَنَّهُ مُبْصِرٌ فَيَرْفُضُ الإِيمَانَ وَيَبْقَى فِي ظُلْمَتِهِ. وَبِذٰلِكَ يُصْبِحُ حُضُورُ يَسُوعَ وَأَعْمَالُهُ وَآيَاتُهُ خَلاصًا لِلْمُتَوَاضِعِينَ الَّذِينَ يَقْبَلُونَهُ، وَدَيْنُونَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ يَرْفُضُونَ نُورَهُ.

 

 

دُعَاء

 

أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ، إِلَهُ المَطْرُودِينَ وَالمَرْذُولِينَ،
تَتَطَلَّعُ إِلَيْنَا بِعَيْنَيْكَ كَمَا تَطَلَّعْتَ إِلَى المَوْلُودِ أَعْمَى.

اِقْلِبْ ظَلَامَنَا نُورًا، وَاشْفِ بِحُبِّكَ قُلُوبَنَا وَبَصَائِرَنَا،
لِتَنْفَتِحَ عُيُونُنَا وَنَعْتَرِفَ أَنَّكَ أَنْتَ النَّهَارُ الَّذِي لَا يَكُفُّ عَنِ العَمَلِ.

أَنْتَ النُّورُ الَّذِي يُبَدِّدُ الظُّلْمَةَ الَّتِي فِينَا،
وَالنُّورُ المُشْرِقُ فِي دَاخِلِنَا الَّذِي لَا تَقْدِرُ قُوَى الظُّلْمَةِ أَنْ تُقَاوِمَهُ.

فَأَشْرِقْ عَلَيْنَا بِنُورِكَ البَهِيِّ،
لِنَصِيرَ أَبْنَاءَ النُّورِ، وَنَرَى أَبْوَابَ السَّمَاءِ مَفْتُوحَةً أَمَامَنَا تُرَحِّبُ بِنَا. آمِين.