موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أحياناً كثيرة نقف أمام مسيرة الحياة وما فيها، من هموم وشجون وآلام وأفراح ومسرّات وأحداث، في حيرة منها وكأنها تافهة ولا تستحق أن تُعاش. وفي كثير من الأحيان نقف تائهين أو متشائمين دون أن نعرف ما معنى أنه حصل لنا هكذا، وهل ذلك من تصميم الله أم من عمل أنفسنا، وبذلك نكون عاجزين نوعاً ما عن الدخول إلى عمق الحياة وحقائقها، ونرى ذلك على نور الإيمان بالله، وبالرجاء الأكيد، وبمحبته الخلاصية، وبتصميمه في هذه الحياة.
فالحياة هبة مجانية، منحنا إيّاها رب السماء وذلك بفيض محبته التي لا توصف، لأنه أحبّنا فأوجدنا من العدم، وأسعدنا في مسيرة الحياة، وهذه كانت من خصائصه ومن فيضه الإلهي. والتزم معنا وبجميع شؤوننا وبمواصلة عمله الخلاصي في جميع مراحل مسيرة الحياة.
فكل واحد منا يشكّل تاريخ خلاص في مخطط الله. فالله يحفظنا في هذا الوجود، ويجدّد معنا عنايته الإلهية لكي نبقى أبناء أحبّاء له. وهكذا، فإن الحياة وما فيها ليست إلا لتعليمنا ومحبتنا، وليست وليدة قضاء أو قدر كما يدّعي البعض، بل هي نتيجة محبته لنا اللا متناهية.
فمن المعلوم أنه ليس في الكون شيء دون هدف أو غاية. فالقديس أوغسطينوس يقول:"إنكَ خلقتنا لأجلكَ يا رب، ولن يزال قلبنا قلقاً إلى أن يستريح فيك". فغاية الإنسان هي البلوغ إلى ملء كماله في السعادة والقداسة إذ قال:"كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي هو قدوس" (1بط16:1).
والإنسان الطبيعي لن تكون قداسته وسعادته أرضية محضة، فهو مدعو ليصبح ابناً لله، ويشاركه سعادته، ويصل إلى الله، والله سيساعده بنعمته للوصول إليه، فالله يقول: إنه خلقنا لكي نعرفه ونحبه ونخدمه، فنرث الحياة الأبدية.
فالإنسان يسير في مسيرة حياته الأرضية في مدة محددة وفي أمكنة وظروف معينة، إذ لا يمكنه أن يعيش في عالم خيالي بل أن يتذكر دائماً كلمة الرب الذي قال:"أنتم في العالم ولكنكم لستم من العالم" (يو19:15)، وذلك يعني أننا نعيش في العالم، ونستخدم ما في العالم من وسائل وإمكانات متاحة، وهذا لا يعني أن نقف أو نتوقف عند هذه الأمور المنظورة ونتعلّق بها وكأنها غاية مسيرتنا الأرضية وهدفنا الأخير. فالمسيح في ذلك ينادينا إلى تجاوز هذه الأمور، فإن كل ما منحه الله تعالى نعمة يجب الإفادة منها والعمل من أجلها وخدمتها، ولكن بروح الله ودون التوقف لديها، ونتنعّم بها وننسى الله، لكن يجب استغلال وزناتنا إلى أقصى الحدود في سبيل البلوغ إلى كمال إنسانيتنا البشرية ومسيحيتنا الإيمانية.
لذلك علينا معرفة ما في حياتنا من قيمة رائعة في نظر الله، وعلينا أن لا نخاف من الدخول إلى مفاهيمنا الحقيقية إطلاقاً وذلك عبر وعينا المتزايد، يعني أن نزداد كل يوم في التعمق والتفهم لهويتنا الإيمانية المسيحية الحقة وما يجب أن نعمله، وذلك بعيشنا المسيح الذي ننتظره، فهو "الطريق والحق والحياة" (يو6:14) إذ بدونه تتعثر مسيرتنا، ولا يمكننا الذهاب إلا به، وعن طريق كلامه في الإنجيل المقدس، والافخارستية سرّ الحياة وسرّ الأسرار، والآخرين الذين معنا، وعن طريق ما يحصل لنا في مسيرة الحياة، وما ذلك إلا إيماننا الروحي. وكذلك عبر الشجاعة والإقدام في صعوبات الحياة ومشاكلها المتنوعة، لأن الرب يقول:"مَن أراد أن يتبعني..." (لو23:9).
لذا لنحمل صلباننا وآلامنا ونسير خلفه، لأن ذلك رمز الفداء وعلامة المحبة الصادقة. فالمسيح يختفي وراء كل صليب لكي يساعدنا على حمله بمحبة، فهو يقول:"ثقوا لقد غلبتُ العالم" (يو33:16)، هذه هي الشجاعة رغم المآسي التي تصادفنا. لذا علينا كل يوم أن نبدأ من جديد، ونسعى للتقدم إلى الأمام، فمار بولس يقول:"إني أنسى ما ورائي، وأمتد إلى الأمام" (في13:3). فإننا نتقدم إلى المسيح ونشق طريقنا عبر الصعوبات ونحن متمسكون بيده بكل ثقة وإيمان، فالحياة هي التزام الله بنا وأيضاً التزامنا بالله والسعي دائماً نحوه على ضوء الإيمان، وأن نفهم هويتنا ومسيحيتنا ومسيرتنا ومعناها العميق. فحياتنا حينذاك ستحمل حضور الله وتعبّر عنه. فالحياة لها قيمة كبيرة وجديرة بأن تُعاش. والحياة عطاء وبذل لله وللآخرين. وقيمة حياتنا ستقاس على هذا العطاء والحياة والبذل ولا شيء آخر مهما كانت، إلا بالله فهو معطي الحياة و"فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس" (يو4:1) ... هذا هو هدف حياتنا، أن نرى النور عبر إيماننا.