موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٨ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

القداسة لنا جميعًا - 1

بقلم :
المونسنيور بيوس قاشا - العراق
المونسنيور بيوس قاشا

المونسنيور بيوس قاشا

 

منذ نحو أكثر من ألفي سنة، تواصل كنيسة الرب يسوع مسيرتها في العالم. إنها مسيرة طويلة وشاقة، وقد تعرضت الكنيسة خلالها إلى صعوبات مختلفة ومشاكل متعددة جاءتها من الخارج غالباً، ومن الداخل أيضاً أحياناً.

 

ولا بدّ لكنيسة المسيح أن تجابه هذه الصعوبات وتشقّ طريقها ما بين الآلام والاضطهادات، فهي تقوم بمهمتها رغم كل شيء، وتكون على مستوى المسؤولية، وتعيش رسالتها التي من أجلها وُجدت. فقد مرّت بفترات مظلمة، ولعبت الأهواء البشرية دوراً كبيراً، وإذا استطاعت فقد شوّهت وجه الكنيسة المشعّ.

 

فيا لها من فترات مظلمة وانشقاقات متلاحقة، مصالح بشرية وتنافس على المناصب والكراسي لإرضاء المطامع الشخصية. وقد مارست الكنيسة الهيمنة على الصعيدين الزمني والديني في آنٍ واحد، وتناست أهدافها التي رسمها مؤسِّسها الإلهي يسوع المسيح والتي أرادها خادمة للجميع ومتواضعة ونزيهة وسخية في عطائها، ولم تكن في ذلك صورة مشعّة للمسيح الحي، ولم تؤدِّ رسالتها بصورة صحيحة. وبالرغم من ذلك، تدعو الكنيسة أبنائها ليكونوا قديسين. فقد وجّه البابا القديس يوحنا بولس الثاني رسالة تحدث فيها عن "الدعوة إلى القداسة" والتي استهلّها برسالة بولس رسول الأمم إلى أهل رومة والتي فيها يقول:"إِلى المَدعُوِّينَ لِيَكونوا قِدِّيسين. علَيكُمُ النِّعمَةُ والسَّلامُ مِن لَدُنِ اللهِ أَبِينا والرَّبِّ يسوعَ المسيح" (رو7:1).

 

فالكنيسة تبقى دوماً الحارسة التي تسهر على المعتقدات الصحيحة والأخلاق السليمة والإيمان الحي.

 

فالقداسة من أهم مفاهيم الحياة. والكتاب المقدس يشرح مفهوم القداسة بمعاني رائعة، فهو لا يكتفي بردود فعل الإنسان أمام ما هو إلهي، بل هو يعرّف القداسة بالرجوع إلى مصدرها عينه وهو الله الحي، والذي من لدنه تُستَمَدّ كل قداسة، فتتّخذ القداسة طابعاً خارجياً بالنسبة إلى الاشخاص والأماكن والأشياء التي تجعلها مقدسة - والتي هي الله نفسه - بانتصارها على الخطيئة والتي كانت تَحُول دون إشعاع قداسته.

 

فالله القدوس وحده هو مصدر القداسة. ويكشف الله عن قداسته في عمل الخلقة وفي مختلف ظهوراته. وقد أُعلنت قداسة الله من خلال تجلّيات الله العظيمة في طور سيناء مثلاً، وتجلّيه لاشعيا النبي في الهيكل بكل جلال وبهاء، إذ لا يستطيع الإنسان أن يراه من بهائه. وليست القداسة الإلهية عباره عن انفصال وسموّ، بل هي تتضمن كل ما يملكه الله من غِنى وحياة، من قدرة وجودة. وهي ليست صفة إلهية بين صفات أخرى، بل هي الصفة الأساسية التي تميّز الله نفسه. لذا فاسمه قدوس، وهو قدوس.

 

وازداد معنى القداسة وضوحاً، فالله هو الآب القدوس، وكل ما يتعلق به يجب أن يكون قدوساً ومقدساً. والذين تمّ اختيارهم، يجب أن يكونوا قديسين. فالمسيح قدوس، ويمنح القداسة الحقيقية كي يشترك المؤمنون في حياة المسيح القائم من بين الأموات بالإيمان والمعمودية، والتي تمنحهم المسحة الآتية من القدوس "أَمَّا أَنتُم فقَد قَبِلتمُ المِسْحَةَ مِنَ القُدُّوس" (1يو20:2).

 

وَصِفَة "قديسين" تُعطى، لأنّ المسيح يشترك بالروح القدس في قداسة الله ذاتها. إنهم يؤلّفون "المسيحيين" أمّة مقدسة وكهنوت ملوكي، ويكونون كما تقول رسالة بطرس الأولى:"ذُرِّيَّةٌ مُختارة وجَماعةُ المَلِكِ الكَهَنوتِيَّة وأُمَّةٌ مُقَدَّسَة وشَعْبٌ اقتَناه اللهُ"، لذا عليهم أن يكونوا قديسين على هذه الفانية، وأن يقدّموا ذواتهم مع المسيح "ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً" (رو1:12).

 

فالمسيح أسّس كنيسته الواحدة من حاجة بشرية صغيرة تضمّ الرسل، وأراد لهذه الكنيسة الصغيرة أن تنمو وتنتشر في العالم، وأن تحمل إلى الجميع بشرى الخلاص السارّة، وتواصل رسالته في العالم. وخوّلها سلطان الحلّ والربط لكي تقود البشرية إلى الله، وتقدس هذه البشرية بينابيع الحياة التي هي الأسرار المقدسة.

 

وإحدى العلامات الأساسية للكنيسة هي أنها مقدسة، إضافة إلى كونها رسولية وجامعة، وهذا ما نعلنه في قانون الإيمان إذ نقول "نؤمن بكنيسة واحدة، جامعة، مقدسة، رسولية" لأن المسيح هكذا أرادها وأسّسها لتكون هكذا، فهي جسد المسيح السري. ويقول بولس الرسول إنها عروس المسيح المخلِّص الذي أحبَّ كنيسته حبّاً متميّزاً، مضحيّاً بنفسه من أجلها، لا شائبة فيها ولا غضن، فمع المسيح وللمسيح هي دائماً...

 

وإلى الحلقة الثانية والأخيرة