موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٣٠ مارس / آذار ٢٠٢٦

من عاصفة الهروب إلى عاصفة السلطان: قراءة لاهوتيّة في يونان والمسيح

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
من عاصفة الهروب إلى عاصفة السلطان: قراءة لاهوتيّة في يونان والمسيح

من عاصفة الهروب إلى عاصفة السلطان: قراءة لاهوتيّة في يونان والمسيح

 

الهروب من الإرسالية مقابل إتمامها

 

في سفر يونان، نقرأ أن العاصفة بدأت لأنّ يونان كان هاربًا من وجه الربّ ومن إرساليّته إلى نينوى. فالعاصفة هنا كانت أداة «تأديبٍ وملاحقة».

 

أمّا في الأناجيل (متّى 8، مرقس 4، لوقا 8)، فكان يسوع في قلب العاصفة وهو يُتمّم مشيئة الآب، عابرًا إلى الجانب الآخر (كورة الجدريّين) ليحرّر المأسورين. العاصفة هنا كانت «عائقًا» أو «تحدّيًا» واجهه بسلطانه.

 

 

النوم في جوف السفينة

 

«وَأَمَّا يُونَانُ فَكَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَى جَوْفِ ٱلسَّفِينَةِ وَٱضْطَجَعَ وَنَامَ نَوْمًا ثَقِيلًا» (يونان 5:1).

«وَإِذَا ٱضْطِرَابٌ عَظِيمٌ قَدْ حَدَثَ فِي ٱلْبَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ ٱلْأَمْوَاجُ ٱلسَّفِينَةَ، وَكَانَ هُوَ نَائِمًا» (متّى 24:4).

من العجيب أنّ كلا الشخصيّتين كانتا نائمتين وسط العاصفة، لكن الدوافع مختلفة تمامًا:

يونان نام من شدّة «الهروب الداخلي» واللامبالاة، وربّما من حزنٍ عميق – هروبًا من الواقع.

أمّا يسوع فنام بسلامٍ تام وثقةٍ مطلقة في الآب؛ فهو ربّ الطبيعة الذي «لَا يَنْعَسُ وَلَا يَنَامُ».

 

 

التضحية بالذات لنجاة الآخرين

 

في سفر يونان قال للملّاحين:

«خُذُونِي وَٱطْرَحُونِي فِي ٱلْبَحْرِ فَيَسْكُنَ ٱلْبَحْرُ عَنْكُمْ».

فهدأ البحر بمجرد إلقائه.

 

أمّا في الأناجيل، فلم يُلقَ يسوع في البحر ليهدأ، بل انتهر الريح والبحر بسلطانه الذاتي قائلًا: «ٱسْكُتْ! اِبْكَمْ!».

الربط اللاهوتي: يونان كان «رمزًا» ويسوع هو «المرموز إليه».

 

يونان طُرح في البحر ليعيش الآخرون (الملّاحون)، أمّا يسوع فقد دخل «بحر الموت» (الصليب) ليُسكِّن عاصفة الغضب عن البشريّة جمعاء.

 

 

رد فعل المحيطين (الخوف والعبادة)

 

ثمّة تشابه مذهل في رد فعل الذين عاينوا الحدث:

 

مع يونان:

«فَخَافَ ٱلرِّجَالُ مِنَ ٱلرَّبِّ خَوْفًا عَظِيمًا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ وَنَذَرُوا نُذُورًا» (يونان 16:1).

 

مع يسوع:

«فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ ٱلرِّيحَ أَيْضًا وَٱلْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!» (مرقس 41:4).

 

 

آية يونان والقيامة

 

يقول يسوع صراحة:

«لِأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ ٱلْحُوتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ، هَكَذَا يَكُونُ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ فِي قَلْبِ ٱلْأَرْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ» (متّى 40:12).

 

· القبر وجوف الحوت

بالنسبة ليونان، كان جوف الحوت بمثابة «قبر مائي».

يقول: «صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ ٱلْهَاوِيَةِ» (يونان 2:2).

يونان دخل الموت رمزيًا، ثم خرج حيًّا بمشيئة الله.

أمّا يسوع فدخل الموت فعليًا، وخرج منه بقوّة قيامته.

 

· الرقم «ثلاثة»

هذا الرقم في الفكر الكتابي يشير إلى «التمام» أو «القيامة».

خروج يونان في اليوم الثالث كان رسالةً لنينوى أنّ هذا النبي جاء من الموت ليمنحهم فرصة للحياة.

وبالمثل، قيامة يسوع في اليوم الثالث هي الختم الإلهي لانتصاره على الخطيّة والموت.

 

 

الربط بين العاصفتين (السلطان والذبيحة)

 

· «البديل» مقابل «الأصيل»

في قصة يونان، كان لا بدّ من التضحية بـ «المذنب» ليهدأ غضب الطبيعة، الذي يعكس غضب الله على المعصية. وهنا يمثّل يونان البشريّة المتمرّدة.

أمّا في قصة يسوع، فهو «البارّ» الذي بلا ذنب.

والمفارقة أنّه، في العاصفة أظهر سلطانه كإله،

لكنّه في «عاصفة الصليب» سمح للموت أن يبتلعه طوعًا ليخلّصنا نحن «الملّاحين المذنبين».

 

· الهدوء الذي يتبعه إيمان

في قصة يونان، بعد أن هدأ البحر، آمن الملّاحون «الأمميّون» بإله يونان.

وفي الأناجيل، بعد تهدئة العاصفة، ذُهل التلاميذ من سلطان يسوع.

الرابط: في كلتا الحالتين، لم يكن الهدف مجرّد النجاة الجسديّة، بل إعلان مجد الله ودعوة الإنسان إلى الإيمان.  

 

· الفرق في مصدر السلطان

في العهد القديم، الله وحده هو «ٱلْمُهْدِّئُ عَجِيجَ ٱلْبِحَارِ» (مزمور 7:65).

وعندما هدّأ يسوع العاصفة بكلمة، كان يُرسل رسالة ضمنيّة لتلاميذه:

«أنا هو الربّ الذي تحدّث عنه الأنبياء».

 

 

نينوى والجيل المعاصر

 

قال يسوع: «رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي ٱلدِّينِ مَعَ هَذَا ٱلْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لِأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هَهُنَا!» (متّى 41:12).

 

يونان كان آية لأهل نينوى – رجلًا عائدًا من الموت.

أمّا يسوع فهو الآية العظمى للعالم – الإله المتجسّد القائم من الأموات.

 

توبة أهل نينوى جاءت دون معجزات،

بينما رفض كثيرون يسوع رغم معجزاته وسلطانه.

 

النتيجة

هدّأ الله العاصفة في قصة يونان ليُعلن أنّه «إله البحر واليابسة» الذي لا يُهرب منه، أمّا يسوع فهدّأها ليُعلن أنّه هو نفسه «ربّ الطبيعة» صاحب السلطان المطلق.

يونان نجا بمعجزة، أمّا يسوع فهو صانع المعجزات، الذي غلب الموت وقام في اليوم الثالث. أمّا «آية يونان» فتضعنا أمام مرآة قاسية:

أهل نينوى تابوا بمناداة رجل «خارج من الموت»،

ونحن أمام «القائم من بين الأموات».

العواصف والحيتان في حياتنا ليست سوى «أدوات إعداد»،

لكي نصير نحن أنفسنا رسائل حيّة،

نُخبر العالم أنّ الموت قد غُلِب،

وأنّ عواصفنا، مهما اشتدّت،

تبقى تحت سلطان ذاك الذي ينام في مؤخّرة السفينة بسلام.