موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«لم يقل يسوع قطّ إنّه الله، فلماذا يُصِرُّ المسيحيّون على أنّه إلهيّ؟»
هكذا جادل شابٌ على شبكة الإنترنت.
إنَّ حقيقةَ أنَّ يسوع هو الله المتجسِّد تُعَدُّ حجر الزاوية في إيماننا. فهي الأساس الصلب الذي يقوم عليه قانون الإيمان النيقاوي الذي نُرتِّله كلَّ أسبوع في القدّاس. وهي أيضًا إحدى العلامات الرئيسة التي تُميِّز المسيحيين الحقيقيين عن أتباع الطوائف الهرطوقيّة.
إنَّ معظم الديانات الأخرى – من الإسلام إلى ما يُسمّى بكنيسة يسوع المسيح لقدّيسي الأيام الأخيرة، ومن «العِلم المسيحي» إلى الهندوسيّة – تُقِرّ بأنَّ يسوع رجلٌ صالح، ونبيٌّ قدّيس، ومعلِّمٌ سامٍ.
لكنَّ المسيحيين الحقيقيين وحدهم يُقرّون بأنّه: «إلهٌ من إله، نورٌ من نور، إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقّ، مولودٌ غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر؛ به كان كلُّ شيء».
هكذا تعترف الكنيسة في قانون الإيمان النيقاوي. ومع ذلك، وبما أنّ هذا الادّعاء مذهلٌ إلى هذه الدرجة، فمن المشروع لذلك الملحد على الإنترنت أن يسأل: «إذا كان الأمر بهذه الأهميّة، فلماذا لم يقل يسوع بوضوحٍ وببساطة إنّه الله؟»
السِّرُّ المَسِيحَانِيّ
في الواقع، عندما نقرأ الأناجيل يبدو أنّ يسوع يفعل عكس ذلك تمامًا. فبدلًا من أن يُعلِن صراحةً أنّه ابن الله، نراه يطلب من الناس أن يلتزموا الصمت بشأن ذلك.
فعندما يُخرِج شيطانًا من إنسانٍ ما، يوصيه الّا يخبر أحدًا.
وعندما يشفي إنسانًا مُقعَدًا، يأمره أيضًا أن يصمت وألّا يُذيع الخبر.
ويُعرَف هذا الخيط المتكرّر في الأناجيل باسم «السِّرُّ المَسِيحَانِيّ». وقد ناقش العلماء كثيرًا سبب هذا التكتم، غير أنّ الرأي العام بينهم هو أنّ يسوع كان يُخفي هويّته الحقيقية داخل إنسانيته، لأنّه كان بحاجةٍ إلى أن يترك الشيطان في حيرةٍ من أمره.
كان يسوع أشبه بعميلٍ سرّي جاء من السماء إلى هذا العالم الواقع تحت سلطان الشيطان، وكان عليه أن يحافظ على هويتّه الخفيّة.
وفي فيلم «آلام المسيح» للمخرج ميل غيبسون نرى الشيطان يصرخ غيظًا حين يتّضح أخيرًا أنّ موت يسوع لم يكن انتصار الشيطان النهائي، بل الانقلاب الذي يُهزم به الشيطان.
ومع أنّ يسوع كان يُخفي هويته الحقيقية، إلّا أنّه كشف عن نفسه بطرقٍ مختلفة. وقد قام الباحث برانت بيتري في كتابه القيّم «القضيّة من أجل يسوع: الدليل الكتابي والتاريخي للمسيح» (دار إيميج، 2016)، بتوضيح بعض الطرق التي أعلن بها يسوع عن هويّته الإلهيّة.
تَهْدِئَةُ العَاصِفَة
إنَّ يسوع يكشف عن هويّته لا بقدر ما يفعل ذلك بكلماته، بل بأعماله. فالأفعال أبلغ من الأقوال. ومن خلال معجزاته العجيبة يبيّن من هو حقًا.
يقول القدّيس يوحنّا إنّ معجزاته هي «آيات»، أي علامات تدلّ على هويّته الحقيقية. ومع ذلك، هناك ثلاثة أحداث رئيسة تُمهّد الطريق وتساعدنا على فهم بقيّة المعجزات.
أول هذه المعجزات المذهلة التي تكشف هوية يسوع هي تهدئة العاصفة. وقد وردت هذه الرواية في أناجيل متّى ومرقس ولوقا، ولذلك فهي واحدة من أهم قصص الأناجيل.
نتذكّر أنّ التلاميذ كانوا في قاربٍ على بحر الجليل حين هبّت عاصفةٌ شديدة. وكان يسوع معهم، فتكلّم إلى العاصفة وهدّأها.
وعندما نفهم الخلفيّة الموجودة في العهد القديم يتّضح لنا أنّ هذا العمل كان علامةً على مقام يسوع الإلهي. ففي مواضع عديدة من العهد القديم يُوصَف الله بأنّه سيد الطبيعة، الذي يأمر الرياح والبحر فيطيعانه.
لكنّ المزمور 107 يُشبه رواية الإنجيل أكثر من غيره. وكان التلاميذ يهودًا يعرفون العهد القديم معرفةً عميقة، وكانوا يحفظون المزامير لأنّها كانت جزءًا من عبادتهم اليومية.
يقول المزمور:
«اَلنَّازِلُونَ إِلَى ٱلْبَحْرِ فِي ٱلسُّفُنِ، ٱلْعَامِلُونَ عَمَلًا فِي ٱلْمِيَاهِ ٱلْكَثِيرَةِ،
هُمْ رَأَوْا أَعْمَالَ ٱلرَّبِّ وَعَجَائِبَهُ فِي ٱلْعُمْقِ.
أَمَرَ فَأَهَاجَ رِيحًا عَاصِفَةً فَرَفَعَتْ أَمْوَاجَهُ». (المزمور 23:107-25).
ثم يصف المزمور رعب البحّارة حين اشتدّت العاصفة، وكيف صرخوا إلى الربّ ليخلّصهم. فيستجيب لهم ويقول:
«فَيَصْرُخُونَ إِلَى ٱلرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، وَمِنْ شَدَائِدِهِمْ يُخَلِّصُهُمْ.
يُهْدِئُ ٱلْعَاصِفَةَ فَتَسْكُنُ، وَتَسْكُتُ أَمْوَاجُهَا.
فَيَفْرَحُونَ لِأَنَّهُمْ هَدَأُوا،
فَيَهْدِيهِمْ إِلَى ٱلْمَرْفَإِ ٱلَّذِي يُرِيدُونَهُ». (المزمور 28:107-30).
ليس عجيبًا إذن أن يمتلئ التلاميذ دهشةً عندما هدّأ يسوع العاصفة. وليس عجيبًا أيضًا أن يسألوا مذهولين:
«مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ ٱلرِّيحَ أَيْضًا وَٱلْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!» (مرقس 41:4).
لقد كان الربط واضحًا في أذهانهم وقلوبهم. فصديقهم يسوع الناصري فعل ما لا يستطيع أن يفعله إلا الله.
وهكذا انفتحت أعين التلاميذ، وعرفوا من يكون يسوع.
السَّيْرُ عَلَى المِيَاه
المعجزة الثانية المدهشة التي تكشف ألوهيّة يسوع هي قصّة سيره على الماء. وهذه الرواية أيضًا وردت في ثلاثة من الأناجيل الأربعة: متّى ومرقس ويوحنّا.
القصة معروفة: يسوع في البرّ ليصلّي، بينما يعبر التلاميذ بحر الجليل في قاربهم. وفي وسط الليل يأتي إليهم يسوع ماشيًا على الماء. فيصيبهم الرعب، ظانّين أنّه شبح. لكنه يناديهم: «تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لَا تَخَافُوا» (متّى 27:14).
وكما في معجزة تهدئة العاصفة، نجد هنا أيضًا تحقيقًا لنصوص العهد القديم. ففي إشعياء 16:43 يقول النبي:
«هَكَذَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ ٱلْجَاعِلُ فِي ٱلْبَحْرِ طَرِيقًا وَفِي ٱلْمِيَاهِ ٱلْقَوِيَّةِ مَسْلَكًا».
كما يصف المزمور 18:77-19 الربّ بأنه الذي يمشي على أمواج البحر:
«صَوْتُ رَعْدِكَ فِي ٱلزَّوْبَعَةِ.
ٱلْبُرُوقُ أَضَاءَتِ ٱلْمَسْكُونَةَ.
ٱرْتَعَدَتْ وَرَجَفَتِ ٱلْأَرْضُ.
فِي ٱلْبَحْرِ طَرِيقُكَ، وَسُبُلُكَ فِي ٱلْمِيَاهِ ٱلْكَثِيرَةِ، وَآثَارُكَ لَمْ تُعْرَفْ».
لكن هناك أمرًا أعمق من ذلك. يشير بيتري إلى أن الكلمات التي يستخدمها يسوع للتعريف بنفسه لها دلالة كبيرة.
يقول يسوع: «أَنَا هُوَ، لَا تَخَافُوا!» (يوحنّا 20:6). وهذه العبارة يمكن ترجمتها أيضًا «أنَا أنَا»، وهي الصيغة التي أعلن بها الله اسمه لموسى عند العُلَّيقَة المشتعلة.
ويضيف مرقس إشارة أخرى حين يقول إن يسوع أراد أن «يَتَجَاوَزَهُمْ» (مرقس 48:6). وهذه إشارة إلى ظهور الله لموسى وإيليا على جبل سيناء، حين «اجتاز» الربّ أمامهما (خروج 22:33؛ 1 ملوك 11:19).
وما كانت نتيجة هذا الحدث المدهش؟ انفتحت أعين التلاميذ، وسجدوا له قائلين: «بِٱلْحَقِيقَةِ أَنْتَ ٱبْنُ ٱللهِ!» (متّى 33:14).
التَّجَلِّي
القصة الثالثة التي تكشف ألوهيّة يسوع هي حادثة التجلّي. وهذه الرواية أيضًا موجودة في ثلاثة من الأناجيل الأربعة: متّى ومرقس ولوقا.
يصعد يسوع جبلًا عاليًا مع ثلاثة من تلاميذه. وهناك يظهر موسى وإيليا معه، ويتحوّل يسوع إلى هيئةٍ مجيدةٍ مشعّةٍ فوق الطبيعة.
لماذا موسى وأيليا؟ لأنهما يمثّلان الشريعة والأنبياء، وهما أيضًا الشخصيتان في العهد القديم اللتان ظهر لهما الله في إعلانٍ سماويّ عظيم.
كلاهما اختبر ظهورًا إلهيًّا قويًّا، لكنهما لم يريا وجه الله، إذ كان مخفيًّا عنهما. أمّا في حادثة التجلّي، فإن موسى وإيليا يريان وجه الله، لأن يسوع هو:
«صُورَةُ ٱللهِ غَيْرِ ٱلْمَنْظُورِ» (كولوسي 15:1). وبحضور موسى وإيليا تُعلَن الهويّة الإلهيّة ليسوع المسيح. كما أنّ مظهره المشعّ يحقّق رؤية النبي دانيال عن «ابن الإنسان» (دانيال 13:7). فقد رأى النبي الله على أنه «ٱلْقَدِيمُ ٱلْأَيَّامِ» وثيابه بيضاء كالثلج، ثم رأى «مَعَ سُحُبِ ٱلسَّمَاءِ مِثْلُ ٱبْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى ٱلْقَدِيمِ ٱلْأَيَّامِ» (دانيال 9:7-13).
إنّ تجلّي يسوع يُكمِل رؤى موسى وإيليا ودانيال، ويكشف سرّ هويّة يسوع الحقيقية لتلاميذه ولنا نحن أيضًا.
عَلامَاتُ مَجْدِهِ
عندما نرى الإعلان الواضح عن يسوع بوصفه الله المتجسّد في هذه القصص الثلاث، تصبح بقية كلماته وأعماله أوضح بوصفها علامات على هويّته الحقيقية.
في سفر دانيال يُعطى «ابن الإنسان» سلطانًا من الله. ولذلك عندما يغفر يسوع الخطايا، فهو يفعل ما لا يستطيع أن يفعله إلا الله (مرقس 7:2). وعندما يطرد الشياطين، فإنه يمارس سلطانًا على الشيطان نفسه. وعندما يشفي المرضى ويعلّم الحقّ، يفعل ذلك بسلطان لا يملكه أحد سواه (متّى 29:7).
لكن فوق كلّ شيء، عندما يموت على الصليب ثم يقوم من بين الأموات، نرى ابن الله، ملك المجد، يضع سلطانه وقوته لأجل خلاصنا. وعندما يقوم من الموت يستعيد ذلك السلطان، بعد أن غلب الشيطان غلبةً نهائيّة. إنّ آلام الربّ هذه هي التي تؤكّد هويّته الإلهيّة أكثر من أيّ شيءٍ آخر.
وهكذا، بدلًا من القول إنّ الأناجيل لا تصوّر يسوع إبنًا لله، يمكننا أن نرى أنّ كلَّ جزءٍ من الإنجيل يقدّم يسوع الناصري بوصفه تجسّد الله نفسه. بل إنّ الهدف من الإنجيل كلّه هو أن يكشف هذه الحقيقة للعالم.
وكما يكتب القدّيس يوحنّا في ختام إنجيله: «وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِٱسْمِهِ» (يوحنّا 31:20).
بقلم الأب دوايت لونغينيكر، مترجمة عن موقع مجلة: catholicdigest.com