موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
كلما استيقظنا على خبر حرب جديدة، أو جريمة مروعة، أو ظلم يصيب الأبرياء، يرتفع السؤال نفسه من أعماق القلوب: أين الله؟ ولماذا يسمح بكل هذا الشر؟
إنه سؤال قديم بقدم الإنسان نفسه، لكنه يزداد إلحاحًا في زمننا الذي امتلأ بالخوف والانقسامات والعنف وعدم اليقين.
وفي إنجيل الأحد السادس عشر من زمن السنة، لا يقدّم يسوع جوابًا فلسفيًا معقدًا، بل يروي قصة بسيطة: قصة حقلٍ زُرعت فيه حنطة جيدة، لكن العدو جاء ليلًا وزرع الزؤان بين السنابل.
وعندما رأى العبيد الزؤان، كان اقتراحهم واضحًا وسريعًا: "أتريد أن نذهب فنقتلع الزؤان؟".
لكن جواب صاحب الحقل كان صادمًا: "لا... دعوا كليهما ينموان معًا إلى الحصاد".
وهنا تكمن الرسالة العظيمة.
فالله لا يتجاهل الشر، ولا يباركه، ولا يقف عاجزًا أمامه. لكنه أيضًا لا يتصرف بمنطق الإنسان الذي يريد الأحكام السريعة والإدانات الفورية. إن الله يرى أبعد مما نرى، ويعرف أن بعض القلوب التي تبدو اليوم كأنها زؤان قد تصبح غدًا حنطةً جيدة.
كم من إنسان كان بعيدًا عن الله ثم تغيّرت حياته بالكامل!
وكم من شخص ظنّ الناس أنه انتهى روحيًا، فإذا بالنعمة تصنع فيه معجزة جديدة!
إن صبر الله ليس ضعفًا، بل هو فرصة يمنحها للإنسان كي يعود إليه.
غير أن الإنجيل لا يدعونا إلى البحث عن الزؤان في الآخرين فقط، بل يدعونا إلى النظر داخل حقول قلوبنا.
فالزؤان قد يكون في كلمات جارحة لم نغفرها بعد، أو في أنانية نبررها، أو في إدانة مستمرة للآخرين، أو في فتور روحي جعلنا نبتعد عن الله من دون أن نشعر.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس: «لماذا يوجد الشر في العالم؟»، بل: ما الذي يحتاجه قلبي لكي يصبح حقلًا صالحًا للرب؟
في عالمنا اليوم، حيث يبدو الشر أحيانًا أكثر ضجيجًا من الخير، يذكّرنا إنجيل الزؤان والحنطة بحقيقة لا ينبغي أن ننساها: الشر ليس الكلمة الأخيرة.
فصاحب الحقل لم يتخلَّ عن حقله، والله لم يتخلَّ عن عالمه، والمسيح لم يتخلَّ عن الإنسان.
وربما هذا هو الرجاء الذي يحتاجه عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى: أن نؤمن بأن الله ما زال يعمل بصمت، وأن الحنطة ما زالت تنمو، وأن يوم الحصاد سيأتي، حيث ينتصر الخير والمحبة والحياة.
وفي زمن كثرت فيه الأسئلة وقلّ فيه الرجاء، يدعونا الإنجيل إلى أن نكون نحن الحنطة الجيدة: شهودًا للمحبة بدل الكراهية، وللمصالحة بدل الانقسام، وللرجاء بدل اليأس.
لأن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الإدانة، بل إلى أناسٍ يذكّرونه بأن الله ما زال يؤمن بالإنسان... وما زال ينتظر عودته.