موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٥ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

لماذا قالت حوّاء: اقتنيتُ رجلًا؟

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
لماذا قالت حوّاء: «اقتنيتُ رجلًا»؟

لماذا قالت حوّاء: «اقتنيتُ رجلًا»؟

 

يبدو السؤال في تكوين (1:4) بسيطًا: بعد أن حبلت حواء وولدت قايين، لم تقل «ٱقْتَنَيْتُ وَلَدًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ»، بل قالت: «ٱقْتَنَيْتُ رَجُلًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ». لكن النص العبري الكتابي أكثر إثارة مما توحي به بعض الترجمات؛ فهو لا يستخدم كلمة «ابن» בֵּן (ben) ، بل يستخدم كلمة אִישׁ (ʾîš) أي «رجل» أو «إنسان». لهذا تقول حواء: קָנִיתִי אִישׁ אֶת־יְהוָה «ٱقْتَنَيْتُ رَجُلًا/إنسانًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ». وهنا يُثار سؤال صغير يقود إلى قراءة أوسع: لماذا اختار النص هذه الكلمة؟

 

أول ما يلفت النظر أن אִישׁ ليست كلمة غريبة عن قصة الخلق؛ ففي سفر التكوين (23:2) يقول آدم عن المرأة: «لِأَنَّهَا مِنِ ٱمْرِءٍ أُخِذَتْ». وهكذا تظهر مفارقة أدبية محتملة: في تكوين 2 تظهر المرأة بوصفها «مأخوذة من الرجل»، بينما تظهر في تكوين 4 المرأة وهي تقول إنها «اقتنت رجلًا». ليست الكلمتان «أُخذت» و«اقتنيت» مترادفتين، لكن التشابه في استعمال كلمة «رجل» يجعل المقارنة بين المشهدين لافتة.

 

السؤال ليس مجرد مسألة ترجمة؛ لأن غرابة العبارة موجودة في الأصل العبري نفسه، وقد احتفظت بها الترجمة السبعينية القديمة أيضًا، إذ ترجمت אִישׁ بـ ἄνθρωπος ، أي «إنسان»، لا بـ «ابن». ولذلك يبدو أن علينا أن نأخذ اختيار النص لكلمة «رجل/إنسان» على محمل الجد.

 

الكلمة الأولى في الجواب אִישׁ لا تعني «ابنًا». ينبغي أن يبدأ التحليل من النص كما هو، لا من صياغة مفترضة له. وهناك فرق بين:

 

אִישׁ = (ʾîš) رجل، إنسان، شخص.

בֵּן = (ben) ابن.

 

فلو أراد النص أن يقول ببساطة «أنجبت ابنًا» كان بإمكانه استعمال בֵּן، كما يفعل سفر التكوين في مواضع كثيرة.

 

والأغرب أن تكوين (1:4) لا يكتفي باستعمال אִישׁ، بل يربطها بفعل קנה (qanah) ، الذي يحمل في الاستعمال العبري معنى «اقتنى، حصل على، امتلك». ومن هنا تأتي الصياغة: קָנִיתִי אִישׁ أي: «اقتنيتُ رجلًا/إنسانًا». وفي دراسة لغوية دقيقة في مقال منشور سنة 2025 للعالمة الهولندية البارزة في الكتاب المقدس Ellen van Wolde ، رُفِضَ أن يُحل هذا الإشكال ببساطة عن طريق إعطاء קנה معنى «أنجب»، وترى أن المعنى الأقرب هو أن حواء تتحدث عن اقتناء أو الحصول على إنسان من الرب.

 

لماذا «رجل» بالذات؟ هنا تصبح المقارنة مع تكوين (23:2) مهمة جدًا. عندما يرى آدم المرأة لأول مرة يقول: «مِنِ ٱمْرِءٍ أُخِذَتْ». أي أن كلمة אִישׁ ظهرت في قصة الخلق في اللحظة التي يعرّف فيها آدم المرأة بعلاقتها بالرجل. ثم في أول ولادة بشرية تُروى بعد السقوط، تظهر الكلمة نفسها في فم حواء: קָנִיתִי אִישׁ «اقتنيتُ رجلًا/إنسانًا» وفي الترجمة السبعينيةκτησάμην ἄνθρωπον»  وهنا يمكن أن نلاحظ تناظرًا أدبيًا بالغ الأهمية، حتى وإن لم نستطع إثبات قصد المؤلف التاريخي بصورة قاطعـة:

 

في تكوين 2، المرأة من الرجل؛ وفي تكوين 4، الرجل/الإنسان من المرأة. وفي الأول يتحدث آدم عن المرأة التي «أُخذت» منه، بينما تتحدث حواء عن الإنسان الذي «اقتنته». إنها ليست مطابقة لغوية بين الفعلين לקח وקנה، لكن اختيار كلمة אִישׁ في الموضعين يجعل الصدى بين المشهدين لافتًا.

 

هل تقصد حواء أن تقول إنها أنجبت «رجلًا» بالفعل؟ لا ينبغي أن نفهم العبارة بمعنى أن قايين كان بالغًا لحظة ولادته؛ فهذا ليس المقصود من الكلمة بالضرورة. فالكلمة قد تعني «رجلًا» بمعنى الجنس البشري أو «إنسانًا/شخصًا»، بحسب السياق. إذن غرابة العبارة ليست أن حواء تزعم أن طفلها خرج من الرحم رجلًا بالغًا، وإنما أنها تختار تعريف المولود باعتباره إنسانًا بدل أن تعرّفه بعلاقة النسب، أي «ابنًا».

 

اقتنيتُ إنسانًا من الرب: هناك جانب آخر في العبارة لا يقل أهمية عن אִישׁ، وهو קָנִיתִי - اقتنيتُ. إذا كان المعنى «ٱقْتَنَيْتُ إنسانًا مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ»، فإن حواء لا تقدم نفسها باعتبارها صاحبة الفعل الوحيد في ظهور قايين، فالجملة تربط وجود هذا الإنسان بالله أيضًا.

 

وهذا يفسر لماذا أخذ عدد من المفسرين اليهود والمسيحيين القدماء العبارة باعتبارها إقرارًا بدور الله في الولادة. لكن القراءة الحديثة لـ Ellen van Wolde تذهب خطوة أبعد: فالفعل «اقتنى» يجعل كلام حواء أكثر نشاطًا مما توحي به ترجمة «أنجبت». إنها لا تقول فقط «حدث أن ولدت»، بل تصف نفسها بوصفها فاعلة حصلت على إنسان، مع الاعتراف بأن الإنسان جاء «من الرب». وهنا تبرز خصوصية العبارة أكثر.

 

هل يوجد وراءها صدى لتكوين 2؟ هذا أحد أقوى الاحتمالات الأدبية، لكنه ينبغي أن يبقى احتمالًا لا حقيقة مثبتة. ففي تكوين 2 يقول آدم: «هَذِهِ ٱلْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي... مِنِ ٱمْرِءٍ أُخِذَتْ». وفي تكوين 4 تقول حواء: «ٱقْتَنَيْتُ رَجُلًا». في الحالتين يظهر אִישׁ عند ظهور إنسان جديد في علاقة الرجل والمرأة.

 

وقد يكون النص بذلك يعيد تشكيل العلاقة التي ظهرت في تكوين (23:2): فبعد أن وصف آدم المرأة بأنها جاءت منه، يأتي صوت حواء في الجيل التالي ليصف ظهور الرجل من خلالها. إن صحت هذه القراءة، فإن اختيار «رجل» بدل «ابن» ليس اختيارًا عشوائيًا؛ لأنه يجعل تكوين (1:4) يستجيب أدبيًا لتكوين  (23:2).

 

لماذا ارتبط باسم قايين؟ يضيف النص عنصرًا ثالثًا: اسم קַיִן - قايين نفسه. تقول حواء: קָנִיתִי - اقتنيتُ. ثم يُسمى الطفل: קַיִן - قايين. التشابه الصوتي بين الكلمتين واضح، ويبدو أن السرد يستخدمه لربط اسم قايين بفعل «الاقتناء». وهذا من أساليب سفر التكوين المتكررة في تقديم الأسماء داخل القصة. وهكذا تصبح العبارة مركبة من ثلاثة عناصر: اقتنيتُ - إنسانًا - من الرب. ثم يتحول «الاقتناء» إلى اسم: قايين.

 

الخلاصة لماذا قالت حواء «رجلًا» ولم تقل «ولدًا»؟ لا نملك تصريحًا من النص يشرح قصدها مباشرة، ولذلك لا يمكن تقديم جواب واحد بوصفه يقينًا. لكن القراءة اللغوية والأدبية تسمح لنا بترجيح عدة أمور:

 

أولًا:  אִישׁ ليست «ابنًا»، واختيارها بدل בֵּן حقيقي في النص وليس مشكلة ترجمة.

 

ثانيًا: العبارة ترتبط بفعل קנה، الذي يعني في الأصل «اقتنى أو حصل على»، ولذلك فالمعنى الأقرب هو «اقتنيتُ رجلًا/إنسانًا»، لا «أنجبتُ ابنًا» بالمعنى الحرفي.

 

ثالثًا:  اختيار אִישׁ قد يحمل صدى مقصودًا أو على الأقل ذا وظيفة أدبية مع تكوين (23:2)، حيث كان آدم قد تحدث عن المرأة قائلًا إنها أُخذت من אִישׁ.

 

رابعًا: يبدو أن النص يريد أن يجعل قايين، منذ لحظة ظهوره الأولى، أكثر من مجرد «ابن حواء»؛ إنه إنسان جديد يدخل إلى العالم، تربط حواء وجوده بفعلها هي وبالله في آن واحد. ومن ثم فإن غرابة العبارة قد تكون هي نفسها مفتاحها. فلو قال النص ببساطة «ولدت ابنًا»، لما نشأ السؤال أصلًا، لكن النص اختار: קָנִיתִי אִישׁ אֶת־יְהוָה فجعل أول مولود في قصة ما بعد عدن يظهر في اللغة بوصفه «إنسانًا»؛ ومن هنا يبدأ سؤال أكبر، لكن يمكن إبقاؤه خارج نطاق هذه المقالة: ماذا يعني أن يظهر «الإنسان» من جديد في عالم ما بعد عدن؟

 

استدراك: هذه المقالة دراسة موجزة من أصل بحث موسّع يعمل عليه الكاتب بعنوان: لماذا سمّت حواء قايين אִישׁ ولم تُسمهِ בֵּן؟ دراسة لغوية وأدبية وتاريخية لتكوين (1:4) في ضوء تكوين (23:2)  والترجمات القديمة والتفسير اليهودي والمسيحي.

 

 

مراجع مختارة:

أغسطينُس، القديس. مدينة الله. المجلد 2. نقله إلى العربية يوحنا الحلو. بيروت: دار المشرق، 2015.

حلاق، سامي. قايين وهابيل. بيروت: دار المشرق، 2011.

Elliger, Karl, and Wilhelm Rudolph, eds. Biblia Hebraica Stuttgartensia. Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1997.

Rahlfs, Alfred, ed. Septuaginta. Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 2004.

Van Wolde, Ellen. "What Did Eve Say? A Study of Genesis 4.1b." Journal for the Study of the Old Testament 49, no. 4 (2025): 435–448.

Jerome. Jerome’s Hebrew Questions on Genesis. Translated by C. T. R. Hayward. Oxford: Clarendon Press, 1995.